#استهلال~
عندما تأتي لتلمع حذائك .. فأنت في الحقيقة توسخ الملاءة .. وعندما تحمي قدمك من الأوساخ .. فأنت في الحقيقة
توسخ الحذاء .. آلاف الحيوانات تموت يوميًا لكي يأكل الانسان .. وآلاف الاشجار تقطع لكي يتدفئ
مئات العاملين يموتون في مناجم الألماس لكي يستطيع رجل اجتذاب امرأة به .. وهذا هو المفهوم
الاساسي و البسيط الذي يقوم عليه العالم ويسمى "التضحية" .. يضحي من الاسفل من اجل سعادة من في الاعلى
.. هذه هي "الحياة العملية" باختصار.
ثلاثة أيام مرت منذ استلامنا تلك الرسالة من الدكتور ، ولم نقلع عن المخدرات حتى الآن ، انها في اجسادنا ، تسبح
في عروقنا مختلطة مع الدماء ، قلبي ينبض ببطء سخيف ، رائحة العرق و المواد الكيميائية ، وضباب يلف غرفتنا المظلمة ،
كنت على وشك قول "ما يحدث لا يمكن تقبله" لكني قلت "الغرفة مظلمة جدا !” ، سيطرتي تقل شيئًا فشيئًا ، على
حافة الانتكاسة ، وكأن عظامك تتحول الى رماد داخل جسدك ، سأصبح كتلة من اللحم و التراب بعد قليل ، عقلي
غير قادر على رصد التحركات و الاصوات بعد الآن ، سأغفو قليلا ، فقط قليلا ، هناك امكانية بأن أجد نفسي معافى في عالم الأحلام.
استيقظت بدون ان ارى اي شيء ، عيوني مغلقة ولكني مستيقظ ، اسمع صوت توريت يتحدث ، أحدهم قال لي:
“استيقظ...” لم أحدد هويته ، ولكن فتحت عيني بصعوبة ، روادتني موجة من الصداع في رأسي ، وكأني تلقيت ضربة
خفيفة بمطرقة على رأسي ، مطرقة صغيرة جدا تضرب بقوة ، حسنا .. انه دليل على استعادتي لعقلي ، مهما كانت
المدة التي غفوت فيها ، فالوضع لن يستمر ، فترات السلام قصيرة و عليك الاستعداد للحرب ، في هذا الزمن الذي
اشعر فيه برأسي يقبع في مكانه بالضبط فوق رقبتي .. عليّ أن احضر للوقت الذي افقده فيه.
كان أليس جالسًا في ركن الغرفة ، تلاقت اعيننا ، أشار الى الأعلى وقال "انظر الى السحابة ، ربما تمطر في أي لحظة.”
عندما رأيت الدخان الذي نفثناه متراكما فوق وكأننا في منطقة صناعية لعينة ، عرفت انه لا أمل من
هذا التواصل ، لا أعلم أين توريت .. ربما يكون مدفونا وسط هذه الخردة في المتكومة في الوسط .. لكن مارس كان واقفا
امامي مباشرة ، هل ظهر فجأة ام رأيته للتو فقط ؟ كنت جالسا على الاريكة وأغلب ظهري على مقعدها ، لم أنظر
إلى وجهه حتى ، سيكون مذلًا ان يقول "أخبرتك ، أنت لا تستطيع !” ، أكره هذا النوع من الناس الذي يخبرني بأنه
على حق ، "لا تقل شيئًا من فضلك .. احاول اسكات هذه الخربشات في قشرة مخي !” ، أريد التفكير بجدية لدقيقة ،
دقيقة ربما تكفي ، ولكن المتاهات الملتوية تجبرك على الجري بدون انفاس.
اخذت كل المنعطفات ، قام مارس بمد يده نحوي ممسكا بأصفاد لامعة ، هذه هي ! سنقيد انفسنا حتى لا نتعاطى
المزيد من المخدرات و المنشطات و الملهوسات ، انها قيود الحرية !
أوقعها على الأرض ، قلت موجها كلامي للجميع ، حتى الخردة التي ربما يكون توريت تحتها : “لدي فكرة سنطبقها
جميعا .. هذه الأصفاد !” اخذتها من على الارض واكلمت "سنقيد انفسنا الى ان نترك هذه القذارة !” هيمن الصمت
لفترة ، كان فيها صوتي يسلك طريقه داخل الضباب ، ربما ضاعت فكرتي فيه ولم تصلهم !
نهضت وارتديت احد الاصفاد في يدي اليمنى "هكذا !” .. مشيت بحذر عبر الغرفة اتلمس طريقي بأطراف اصابعي
فلن اتفاجئ اذا كان هناك ثعبان او شيء ما وسط هذه الادغال ، كنت احاول البحث عن شيء يمكنني تقيد نفسي به
لأشرح فكرتي ، واستقرت عيني على المصباح الطويل الذي لدينا ، قيدت نفسي به وقلت "سنقيد أنفسنا هكذا
لمدة معينة حتى تنتهي مشكلتنا !” خرج توريت من خلف الأريكة التي كنت نائما عليها ، وقال "وكيف ستفتح الاصفاد
بعدها ؟"
“بالمفتاح طبعا ! .. لحظة .. أين المفتاح ؟!”
مارس السافل أعطاني اصفادًا بلا مفتاح ، طلبت منهم البحث عنه وسط كل تلك المفاتيح على الأرض ، وقمت بالبحث
معهم وانا احمل المصباح معي ، مؤسف انه لا يعمل كان سيساعدنا كثيرًا.
بعد ان وجدنا المفتاح اكتشفت انه يمكنني اخراج يدي من الاعلى فالاصفاد اكبر من المصباح الكهربائي على القمة ،
نحن في حال يرثى لها ، بالرغم من ذلك لا زلت أراها فكرة سديدة ، وجدنا خمسة اصفاد اضافية وكلها تفتح بمفتاح
بمفتاح واحد ، وقررنا تقييد انفسنا بعد تفكير بحواف السرير ، كل شخص على حافة ، والمفتاح كان معي ، ليس غريبا
ان فكرتي لم تواجه اي اعتراضات فهي الوحيدة في عالمنا الآن ، قال أليس بنبرة متشككة:
“لكن بما ان المفتاح معك فيمكنك ان تخرج نفسك و تتناول ما تشاء .. هذا غش ، اريد مفتاحًا ان ايضا !”
اختتم جملته بنبرة قاسية وكأنه زعيم حرب ، قال توريت بعده:
“لا حاجة للمفتاح يا رجل ، كل ما تريده فوق السرير !”
“آه صحيح .. لا يمكنني الوصول لحبوب دي ، هل ناولتني واحدة من فضلك"
“بكل سرور يا سيدتي !”
صحت بنبرة غاضبة:
“هذا غير مجدي أبدًا !”
رد توريت الذي كان يلعق حبة دواء خضراء:
“نعم ، ماذا لو أردنا الذهاب الى الحمام ؟"
كرر أليس: “الحمام ! .. أريد الذهاب الى الحمام يا اغسطس...”
اتضح تواجد ثغرات في استراتيجيتي ، من هذا الطريق ارى خسارة الحرب في الافق ، هناك نقص يجب تعوضيه
قال مارس الذي جلس القرفصاء فوق السرير:
“يمكنك ان تضع مراقبة خارجية.”
قلت بدهشة:
“ولما لا ، نطلب المساعدة من شخص ما ، يقوم بمراقبتنا وابعاد المخدرات عنا و يسمح لنا بالذهاب الى الحمام
ثم يعيدنا.”
قال توريت:
“حسنا .. أنا سأفعلها !”
“انت مدمن مثلنا...”
فقال أليس:
“اذًا انا ؟"
“اقصد شخصا من الخارج ، غيرنا نحن الثلاثة "
“مثل من ؟"
“ستوكهولم .. أو كابوس !”
قال توريت بنفور:
“لا نريد ستوكهولم .. اكره تلك الغبية.”
“حسنا سنكلم كابوس.”
قال أليس بصوت منخفض:
“ولكنه مخيف !”
“ما المخيف فيه ؟"
“دائما يقول تلك الاشياء المرعبة !”
تدخل توريت:
“ستوكهولم هي المرعبة ! .. ماذا عن فتى البيتزا ؟"
“لا أظن انه سيقبل .. بالنسبة لي أفضل كابوس فهو يعرف ما يفعل.”
قال مارس بنبرة سخرية وهو مستلقي على السرير:
“الكابوس أمير الحياة !”
المفضلات