مشاهدة النتائج 1 الى 10 من 10
  1. #1

    "تخيل أنك شجرة!":هناك جنة للمجانين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    ملاحظة:هذا الموضوع مخصص للرواية فقط = يمنع الرد tired

    موضوع التعليقات من هـــنــا



    ×استهلال~
    يتعلم الانسان النظر الى النجوم في المهد .. ثم يتعلم دورات الكواكب ويخترع اجهزة الرصد و المناظير .. يسافر بعقله في الفضاء
    ملايين السنين الضوئية .. يتساءل عن وجود مخلوقات فضائية .. ولم يحفر في ارضه اكثر من 215 متر !.. مع
    العلم انه يحتاج النفط و الالماس و الذهب وغيرها من الاساسيات .. وهذا هو الانسان .. يظل ينظر الى السماء حتى
    يأتي الواقع و يكسر عنقه.

    تـخـيـل أنـك شـجـرة!


    الفصل الأول

    علاج أسوء من مرض


    كنت مختبئًا خلف الأريكة حينما دق الجرس مرتين ، لكني فكرت بصوت عالي:
    "كيف سنفتح الباب ونحن مختبئون ؟" ، فأجابني صوت من داخل الخزانة:"ربما يجب أن نفتح الباب أولا ثم نتخبئ ؟"
    "لا داعي للإختباء اصلا سنفاجئه عند الباب..." قلت ذلك وأنا انهض ، شاب هزيل وقف بجانبي ، قال وهو يحدق
    في الأريكة:"اللعنة .. هذا السور عالي جدًا !" ، "تعال اخرج من هنا" قلت له ذلك وانا اسحبه ، هذا المسكين لا مزيد
    من المخدرات له بعد الآن.
    تناولت شمعتين من فوق الطاولة التي تكدست عليها الاشياء ، إبر و أكياس بلاستيكية و أوراق نقدية ، اخذت الولاعة من
    تحت هذه المزبلة و أشعلت الشمعتين ، كان اللهب يتراقص على تلك القمم القصيرة
    "أليس .. خذ هذه" مددتها نحوه ، "يا رجل انها كبيرة جدًا ، هل هذه الجحيم ؟" ، كان عقله المشوه مسحوقا تماما
    ، وضعتها في جيب سترته عند الصدر ، وسألت توريت بينما اذهب نحو الباب "هل انت جاهز ؟" ، "مؤكد !" رأيته
    يمسك شمعة هو الآخر و يحاول وضعها فوق رأسه.
    قارع الجرس نفذ صبره ، يمكن ان يقتحم المكان في أي لحظة ، لا أظنه يحتاج مذكرة تفتيش ، فهذا النوع من الناس لا يبالي بشيء أبدًا.
    فتحت الباب و رأيته مسمّرًا هناك ، ممسكًا بصندوق مربع ، صرخنا نحن الثلاثة:"مفاجأة !"
    ثم غنينا:"عيد ميلاد سعيد .. عيد ميلاد سعيد !" وهو واقف بصدمة تعلو وجهه ، تابعنا الغناء على أية حال:"عيد ميلاد
    سعيد يا فتى البيتزا .. عيد ميلاد سعيد !" ، "ليس عيد ميلادي !" قالها محاولا اخفاء ضحكة تتفجر في حلقه ، "فعلا ؟
    اطفئ الشمعة فقط" قربتها من فمه ، كان يحاول ابعاد رأسه لكنه اقتنع في النهاية و اطفأها ، رميت الشمعة خلفي وقلت
    "ستعطينا البيتزا مجانًا ؟ انظر نحن اصدقاءك ونحتفل بعيد ميلادك"
    "لا استطيع سيدي"
    "لما لا تستطيع ؟ .. نحن اصدقاءك"
    "آسف فلست صاحب المطعم .. وهذه أول مرة أقابلكم فيها" قالها بكل برود ، اختفت الصداقة و معانيها هذه الايام ، و
    اضطررنا في النهاية لدفع المال له ورمينا البيتزا على الطاولة بجانب جبال المخدرات ، لم نكن نحس بالجوع أصلا ،
    على السرير هناك ، كان هناك جسد ممدد ، لا أعرف كيف اتى السرير من غرفة النوم الى هنا ، قلت شيئًا مثل:"مخبئ
    ممتاز يا مارس !" ، لكنه كان نائما على ما يبدو. جلست على الأريكة و إلتطقت سيجارة ماريجوانا ، أشعلت ذلك العود
    السحري الصغير و دخنت حتى بدأ الدخان يتصاعد ، ويكون سحابة حول رأسي مثل جبال الألب ، أصبح ذهني أكثر
    صفاءً الآن ، تكلمت:"في المرة القادمة سنرتدي زِيّ سلاحف النينجا .. وعندما يأتي فتى البيتزا سنضربه ونأخذ
    البيتزا منه." توريت الذي كان يرسم على الحائط بالشمعة ، قال:"أفهم لما نرتدي مثل سلاحف النينجا .. لكن لماذا
    نضربه ؟"
    "حتى نأخذها مجانًا أيها الأحمق !" لا يوجد من يستطيع الصمود امام المخدرات مثلي في هذا العالم ، للأسف.
    "آها فهمت الآن ! ولكن هل يضرب سلاحف النينجا فتى توصيل البيتزا ؟"
    "انهم يضربون أي شخص ، ولا تتم محاكمتهم."
    "لماذا ؟"
    "لإنهم سلاحف ، والسلاحف لا..." قاطع أليس خطتنا الشيقة:"قلت لكم يجب أن نشتري التلفاز الكبير..." توقف قليلا
    وهو يدوّر رأسه في المكان ، ثم عاد يهيم في الأرجاء "لا أستطيع ايجاد هذا التلفاز الصغير !"
    مع ان التلفاز لم يكن صغيرا وكان في مكانه ، سيبحث عنه حتى التعب ثم ينام كالرضيع ، عندما يستيقظ سيختفي
    تأثير المخدر ، آمل ان يحدث هذا بسرعة ، فلدينا أعمال مهمة يجب انجازها ، لقد تورطنا في كل الأحوال.
    رن الجرس مرة أخرى ، كنت للتو قد امسكت سلسلة أفكاري ، وبالكاد. ثم ما بال الناس يأتون الى بيتنا هكذا ؟
    فبغض النظر عن فتى البيتزا ، من هذا الآن ؟ هل هو شخص يحتاج الى المساعدة ليدق بهذا الإلحاح ؟ هل تعرضنا
    لغزو من دولة أخرى ؟ أو ربما كائنات فضائية ؟ أو زومبي ؟ ، كم أحب التساؤلات ! ، أمرت بصوت واضح:
    "أليس ، افتح الباب." كان لا يزال يبحث عن التلفاز الضائع ، بينما هو الضائع الوحيد في الغرفة ، قال لي بعد
    ان نظر الى الباب:"آه ، الباب بعيد جدًا ! ، سأذهب لإحضار امتعتي حتى اسافر الى هناك." لا أمل منه على
    الاطلاق. "توريت ، افتح الباب من فضلك." اللوحة الجدارية كانت بلا معنى ، فذهب للباب ، فتحه و بحركة
    خاطفة قام بصفع الشخص هناك ، لم أرى شيئًا لكني سمعت صفعة تدوي هناك.
    قمت من مكاني مضطرًا و ابطلت الشجار الذي دار ، كان جارنا يريد ان يسلم الينا رسائل البريد التي أهملناها
    عند باب البناية منذ اسابيع ، لحسن الحظ لم يرى المخدرات ، فآخر شخص رآها أصبح مدمنًا كالكلب لإن مارس
    غرز في رقبته ابرة هيروين ، كان اهدارًا للمخزون ، عموما ، غادر جارنا بكلمة شكر مني و صفعة من صديقي.
    عدت الى بقعتي و اشعلت لفة أخرى ، وكومة من الرسائل على حجري ، أغلبها إعلانات و بريد عشوائي و ظروف
    لا فائدة منها. رسائل كثيرة دفعتني الى التذمر:"سحقًا ، ألم ينقرض البريد بعد ؟" فهو زمن البريد الإلكتروني ، فقط
    العجائز هم من يستخدمونه الآن ، ورجال العصابات طبعًا .. وأظن أن على الحكومة ابادة الاثنين حتى تغلق البريد.
    جاءت رسالتان لتوريت ، واضح ان المرسل لا يعرفه ، فلماذا ترسل رسالة لشخص لا يستطيع القراءة الا اذا
    كنت لا تعرفه.رسالة الى أليس ، لن أسلمه إياها الآن ، لإنه في آخر مرة اعطيته جريدة وهو على هذا الحال ،
    ذهب إلى الانترنت و طلب مترجمًا للهيروغليفية. ورسالة لي قمت بتمزيقها الى نصفين وانا افتح الظرف ، لكني
    جمعتهما و قرأت:

    عزيزي أغسطس ، آمل أن تكون بصحة جيدة أنت و الشباب.
    كما وعدت فإني لن أدير ظهري بعد مغادرتكم ، تحدثت مع صديقي الذي يعمل في الشؤون
    الاجتماعية لكي تلتقوا و يساعدكم في الحصول على وظائف مناسبة لقدراتكم
    وقد اعطيته العنوان ، سيزوركم في العاشر من فبراير وسيحدد معكم الموعد بالضبط عبر الهاتف.
    اتمنى ان تحصلوا على هذه الوظائف وتبدأوا حياة جديدة مثمرة و رائعة
    تحياتي ، د.زِيد

    بجدية ، ماذا يريد هذا المخبول الآن ؟
    اخر تعديل كان بواسطة » Aisha-Mizuhara في يوم » 24-10-2012 عند الساعة » 01:55


  2. ...

  3. #2

    الفصل الأول


    #استهلال~
    عندما تنظر الى السماء .. سترى آلاف النجوم .. الكثير منها مات و انتهى منذ ملايين السنين
    وكل ما بقي منه هو نوره الذي ارسله في الفضاء .. لذلك عندما تنظر الى السماء فأنت ترى في
    الحقيقة صفحة من الموتى .. وهو ما يجعل مقولة "السماء مرآة الأرض" واقعية .. فالأرض صفحة من الموتى


    سألت:"هل يعرف أحدكم دكتور زِيد ؟"
    لكن لم يجبني أحد ، كان توريت مرميًا على السرير بينما أليس على الأرض ، اللعنة منذ متى وأنا أقرأ ؟ ، يبدو أن أحدهم ضغط زر آينشتاين للزمن البطيء في رأسي ، أو انه اثر الماريجوانا.

    على أية حال لاحظت ان مارس غير موجود ، وقبل ان احرك رقبتي للبحث عنه صدر صوت من خلفي:"وظائف هاه ؟" قلبت رأسي وصار كلٌ منا يرى وجه الآخر مقلوبًا
    قلت:"أظنه قال شيئًا كهذا من قبل."
    قال:"انا لا أريد."
    عينه التي لا ترمش تجعل كل تصريح أمرًا غير قابل للنقاش ، إقتلاعها سيكون أفضل من بقائها
    "ولما لا ؟"
    سألت بعد ازلت وجهه عن رؤيتي وتعبت رقبتي
    قال:"العمل للمغفلين المنخرطين في المجتمع."
    اجابة مقنعة بعض الشيء لكن لا أظن أنها الإجابة الرابحة ، حاولت اشعال لفة بعد ان تحولت التي معي الى رماد و بقايا مجهرية
    "وأنت لست من المجتمع ؟"
    "لا أظن.."
    سمعت هذه الاجابة وانا في طريقي الى مطبخنا الصغير فالولاعة انتهت ، شغلت الموقد الذي لم ينتقل الى الصالة كبقية الأغراض ، ربما لإنه ثقيل ولم نستطع وضعه
    هناك ، أفادني في اشعال سجارتي ، يجب علي أن ادخن فأنا أحتاج دماغي لبضع دقائق إضافية ، سحبت السموم الساخنة إلى فمي كأني ثقب أسود ، وعدت إلى
    الغرفة التي تعبق بالدخان ورائحة الكوكايين ، من المفترض وجود هاتف في هذا المكان ، ولكنها غابة من المخلفات والبحث عنه يحتاج اكثر من يدين ، تبخر مارس و الآخران
    يسبحان في عالم الأحلام و الكوابيس ، "كم التاريخ اليوم ؟" لم أتلقى اجابات ، آمل أن يكون العاشر من فبراير بعيدًا جدا لدرجة .. السنة القادمة على الأقل ، يبدو انه في
    لحظة من لحظات هذه الحياة توقفت ساعتنا البيولوجية عن العمل ، ولولا النافذة لما عرفنا على أي كوكب نحن.خرجت من الشقة ونزلت السلالم ، وانا انزلق على الارض
    الغير الثابتة هذه ، الارض تترنح تحتي مثل كرسي هزاز ، فكرت في انني احتاج عصا توازن خلال هذه الاوقات ، هبطت حتى الدور الارضي و اتجهت نحو الباب ، هناك صندوق
    توضع فيه الصحف يوميًا ، اشياء صغيرة مثل هذه .. لا تعرف كيف تتذكرها ، ماذا تمثل بالنسبة إليك ، لكنها موجودة دائما في عقلك ، قمت ببرمة بسيطة حول نفسي لكي اوازن
    أقدامي الحافية ، عندما وصلت الى الصندوق ولم يكن هناك احد ، ما عدا ذبابة تطير في الاجواء ، سأقوم بضربها بالصحيفة بعد ان ارى التاريخ ، سحبت اول صفحة من اول جريدة
    في الصندوق ، كان اليوم هو الحادي عشر من فبراير ، لقد تحققت امنيتي فالموعد سيكون بعد سنة .. او هل كان بالأمس يا ترى ؟
    "لم تهتم ؟"
    قالها مارس الجالس على آخر درجة من السلالم ، يظهر انه يعشق التسلل من الخلف ، تجاهلته بينما أقرأ العنواين بالخطوط العريضة وهي تتلوى كالديدان ، الهلاوس البصرية تعني
    وصولي الى القمة ، فبعدالرحلة الطويلة التي بدأتها بحبوب الإكستسي و الإل إس دي مرورًا بالميثافيتامين و بعض البهارات ثم الماريجوانا ، كانت وجبة دسمة جدا ، دماغي اصيب
    بالتخمة ، والعالم الموجود داخله يتحطم على نفسه. نمطي الفكري تطور الى مستوى ابعد ، لا مشاعر سعادة و حزن ولا شهوات جامحة ، كأني رجل آلي ببطارية أعلى من جهده ،
    سأنام بضع دقائق عندالباب ، وفي أحلامي سأنام لساعات لإني سأعلق في تلك الرؤى الغريبة والتي تخرج فيها الارانب يدها من الارض و تمسك قدمي ، لا أمانع اذا امسكت الأرانب
    قدمي في الحقيقة.
    قال احدهم "عذرًا سيدي .. هل تعرف أين يسكن السيد أغسطس ؟"
    ألقيت نظرة على الرجل ، وجهه ضبابي و ذقنه الرمادي زاد الضبابية قلت له وانا اصارع شفتي:
    "يسكن أمامك !"
    لا أعلم أي تعبير أحمق رسم على وجهه ، سأل بشك:
    "أنت هو ؟"
    وافقت بإيماءة صغيرة
    "أهلا أنا ******"
    تحدث بإسم لم يصل الى اذني ، اكمل:
    "اعمل في الشؤون الاجتماعية وقد أتيت بطلب من الدكتور زيد لمقابلتك انت و السيد..."
    لماذا يتكلم وكأنه مسجل مسرع معطوب ، استمر بالحديث عن تلك الامور ، تلك الامور و وجهه الضبابي ، من المؤكد ان هناك شيء على وجهه ، قناع او خلطة مكياج جديدة ، سأتحقق
    لاحقًا.
    الجو غير ملائم لمقابلة عمل او اجراء محادثة قصيرة ، يجب الحذر من الذبابة التي في الممر ، واخذ الحيطة عندما يكون مارس خلفك ، ورجل بوجه لا تراه بحيث لا تعرف متى يبتسم و متى
    يكشر ، قلت بهدوء:
    "اليوم هو الحادي عشر ، انت متأخر"
    وكأني مدير شركة ، اذهب لأخذ موعد من السكرتير أيها الوغد ! ، قال:
    "أعلم ، اتصلت عدة مرات ولم ترد."
    "ولماذا أرد عليك ؟"
    إنها آخر خلايا دماغي تعمل
    "من قال لك اني اغسطس هذا ؟"
    لا اعتقد اني في لحظة من اللحظات أريته رخصة قيادتي او شيء ما ، قال وقد طغى الاستغراب على نبرته:
    "قلت قبل قليل أنك هو !"
    "كنت أمزح معك يا رجل !"
    الكذب اسهل حتى لو كان حبله قصيرًا ، تستطيع دائما وصله بحبال قصيرة أخرى ، ابتعدت عن رجل الضباب ذاك ، انه يسأل و يتكلم و الذبابة تطير و تخرب الهواء بجناحها ، مارس اختفى من
    على الدرج ، والحر يجعل الارض مثل كعكة ستنفجر في اي لحظة ، لحظات كهذه تعادل فيها الثواني الدقائق ، استطيع رؤية كل شيء واقفًا ، سأبتعد و أصعد الى الشقة ، أنام الى المالانهاية ،
    ولن يوقظني إلا عالم جديد.مع كل خطوة على السلالم ، ارتفاع ، وذكرى ، تنبثق في كل النواحي ، صعودي الى الأعلى لن يغير الحياة ، وعودتي الى الرجل الضبابي لن تغير الحياة ايضا ، لكنها
    ستحسن الفرص ربما ، على الأقل هذا ما يراه الطبيب ، بعد عدد من الصور وقفت بنصف عقل ميت ، ونظرت الى ذلك الرجل عند الباب الرئيسي ، لا تزال الرؤية كثيفة في وجهه ، قلت له:
    "اصعد معي."
    كان يتفوه بالمزيد من الكلمات ، اشبه بموسيقى قديمة ولغة اجنبية ـ مع العلم ان الموسيقى لغة اجنبية عن الجميع- ، لم اكترث له و واصلت حك قدمي في السلالم حتى وصلت الى السطح ،
    بديهي انك لا تريد لشخص رؤية امبراطورية المخدرات التي تملكها ، ستسمع اكثر اذا أريته مجموعة ألعابك عندما كنت صغيرًا ، خرجت الى السطح ، سماء مكررة مشمسة مملة ، ولا يوجد ذباب.

    انتظرت بما و كأنها نصف دقيقة حتى انضم إليّ الرجل الغريب ، فكرت في سحبه نحو الشمس لتخليصه من الضباب الذي مرغ وجهه لكن بلا فائدة ، قلت له:
    "هل تعرف من نحن ؟"
    "لا.."
    اجابة مقتصبة نوعا ما ، تناسب شخصيته طبعًا ، الطبيب المخبول لم يخبره من نحن و يريد إلقاء كل شيء على كاهلي ، شرف عظيم !
    تجاهلت اسئلته التي لم اسمعها ، وثرثراته و حركاته الكثيرة و البطيئة ، كأنه يسبح في سائل لزج ، اتكأت على سياج المبنى الحجري ، مناظر قليلة رصفت امامي من مدينة فينومينا ، والباقي
    حجبته المباني الطويلة الممشوقة ، زجاج و خرسان و تجار و سياسيون ماكرون ، كل ما يفعلونه هو منعك من رؤية فينومينا .. مدينة النتائج.

    قلت للرجل الذي صمت لوهلة:
    "انت تعرف الجزء الاول من القصة بالتأكيد ، ولذلك انت هنا .. لكنك لا تعرف الشخصيات."
    "صحيح" صرح بهذا ، قلت:"ماذا تريد أن تعرف ؟"
    "انتم .. مشاكلكم .. أهدافكم ، وما تريد البوح به بالطبع."
    اخذت وقتي في تجميع المعلومات ، افعل ذلك بجمع نفس وابقاء الأوكسجين في رئتي ، انه ينشط قليلًا ، تكلمت:
    "نحن ؟ اذا كنت تقصد الاسماء و الأرقام الاجتماعية و العائلات وهذا التعقيد ، فنحن لا نملكه ، لقد تركناه هناك ورائنا على الأسّرة ، لكن توجد عوالق."
    قال:"توجد دائمًا عوالق."
    وكيف يعرف ؟ رجل ضبابي غريب.

    تابعت:"حسنًا ، لديك اربعة اشخاص في ملعبك ، ثلاثة يهمك امرهم.لنبدأ بتوريت ، اسمه ليس توريت بالطبع ولكنه مصاب بتلك المتلازمة التي تسمى "متلازمة توريت" بحيث تأتي لحظات
    يفقد فيها السيطرة على جسده و ربما عقله كليا ، في المصحة كان يوجد الكثير من توريت .. ربما خمسة ! ، وهذا أحدهم هنا."
    اخذت نفًسًا وتابعت:
    "ولديك أليس.."
    "فتاة ؟"
    سأل وهو يدون على دفتر ملاحظات ، قلت:
    "لا .. اسم غير حقيقي ، مصاب بمتلازمة هو الآخر ، نادرة .. اسمها متلازمة أليس في بلاد العجائب."
    "لم أسمع بها من قبل ، لكني أعرف رواية بهذا الاسم."
    "للإسف هي موجودة ، ولإن الشخص المصاب بهذه المتلازمة يرى هلاوس بصرية ، فيرى الاشياء اكبر من الحجم الطبيعي او اصغر ، عيوب في الاحجام و التناسق ، وتشوه في المسافات
    فتبعد الاشياء او تقرب ، وأحيانا عيوب في الألوان والزمن و الأصوات ، انه ضرر في الدماغ والنتيجة شخص مثل أليس ، لكن الادوية تزيل بعض الأعراض .. بالنسبة للرواية يقال ان الكاتب كان
    مصاب بهذه المتلازمة ، كما تعلم ، المبدعون هم المجانين غالبًا."
    "مثير للاهتمام ، وأنت يا سيد أغسطس ؟"
    "أنا .. أرى هلاوس بصرية وبعض الاشياء الاخرى ، لكنه ليس مرضًا او متلازمة ، اغسطس ليس اسمي الحقيقي أيضًا ، لست مريضًا ، كل ما في الأمر اني اكون غير واعي غالبًا ، و أستعيد
    وعيي ببعض المنشطات العقلية."
    "آها ، حسنًا .. والشخص الرابع ؟"
    "قلت لك لا يهمك أمره."
    "ولما لا ؟"
    "لإنه لا يهتم لأمرك."
    "لا مشكلة اذًا."
    قالها بنبرة غريبة ، أنا أيضا غير مهتم على أية حال.
    اخر تعديل كان بواسطة » Aisha-Mizuhara في يوم » 24-10-2012 عند الساعة » 01:56

  4. #3

    الفصل الأول

    #استهلال~
    بالحديث عن النجوم .. هناك مجموعة من الأشخاص يسميهم الناس "نجومًا" .. وهم الممثلون و المطربون وغيرهم من أهل
    الترفيه المشاهير .. ولكني في الحقيقة لا أرى إلا شمعات صغيرة .. لماذا ؟ .. لإني أعرف من هم النجوم
    النجوم هم أشخاص اعتبروا مجانين في زمانهم .. ثم بعد سنوات اقتنع العالم بهم ..انهم العلماء والمفكرون
    لنأخذ مثلا غاليليو غاليلي
    الذي أعلن ان الأرض ليست مركز الكون .. ليصبح مجرما في نظر المجتمع .. ويلقى القبض عليه
    ويتم اجباره على الاعتراف أمام الملأ بأن كلامه خاطئ .. ويفعل ذلك مكرها
    وبعد عدة مئات السنين يقتنع العالم بأن الأرض فعلا ليست مركز الكون .. ويصل نور غاليليو لسماء الأرض
    لتراه الأعين البشرية بعد ان ارسله منذ مئات السنين .. الآن هذا هو النجم الحقيقي !


    "هذا سيحطمك."

    هذا ما قاله مارس في اجتماعنا لتحديد ماهية مستقبلنا ، وكأننا نستطيع ذلك.قال توريت:
    "أنا لا أريد ان اعمل .. لماذا نعمل أصلا ؟"

    جلس بعد ان كان مستلقيا على السرير ، فبعد ان استيقظنا كنا نعاني من آثار التخدير الرهيبة ، ونحضن بعضنا من الرجفة
    بالرغم من الجو الحار ، اكمل توريت:
    "لدينا المال ، الكثير منه."

    قلت:"لا أظن أن أهلك سيواصلون إرسال المال ، خصوصا عندما يعلمون انك مدمن وبلا فائدة."
    "انت عديم الفائدة !"

    تابعت:"هل تريدون العودة الى هناك أيها المغفلون ؟ نحن لا نعمل من اجل المال بل من أجل ان ننخرط في المجتمع
    ونكون جزءً منه .. هذا ما قاله الدكتور."

    أليس كان بعيدًا عن الموضوع ، لا زالت آثار المخدر تسيطر عليه ، آلام و وخزات و صداع مخيف ، سيتعافى من هذا
    الغثيان بعد دقائق ، لا حاجة لتقديم الخطط فهو ينفذ كل ما نقوله له ، قلت:
    "ستكون أعمالًا بسيطة ، لا تقلق فلن يجعلوك مدير شركة او شيء ما."
    "لا يعجبني هذا الموضوع."
    "ليس من الواجب ان يعجبك ، فقط أدي عملك .. ثم يجب عليكما الاقلاع عن المخدرات."
    قالا معًا:"ماذا ؟"
    "لماذا ؟"

    سأل توريت باستهجان
    "لإنكم ستعملون ، ستحتكون بالناس ، سيكون الوضع مختلفًا .. طبيعي جدا ان تترك المخدرات."
    "لا لا هذا ليس جميلًا ، لن تقوم بفصلي من التعاطي انا احبه."
    "ستحبه أكثر عندما ترجع الى المصحة ، تذكروا اني انا المسؤول هنا واي مخالفة فسأوصي على ارجاعكم مع بقية
    المجانين اللعينين هناك."

    كنت ألقي الأوامر ولا أعلم حتى اين اقف ، واحيانا انسى من انا حتى ، لا يهم من انا على اية حال.
    سأل أليس:
    "وماذا سنفعل بالمخزون ؟"
    "سنبيعه كما اشتريناه."

    اصدر غمغمة صغيرة ، يبدو ان الفكرة لم تعجبه ، وساد الصمت بعدها.لا يمكن إلقاء اللوم عليهما ، في الحقيقة انا نفسي
    اشك في نجاح هذه الفكرة اصلا ، خيارات قليلة و نتائج أقل ، هذه هي الحياة غالبًا ، ما يزال هناك شيء مشوش في عقلي
    ، و تأتيني لحظات أريد فيها الخلاص كل شيء ، و أحب تلك اللحظات الخطرة ، التي أصعد فيها فوق الحزن و السعادة ، فقط
    المخدرات توصلك لهذا المستوى.كسر أليس حاجز الصمت وقال:
    "وأين سنعمل ؟"
    "حسنًا .. أنت في الحقيقة لن تعمل ، لإن عمرك 21 سنة ، وتستطيع اكمال دراستك الجامعية ، الدكتور دبر الأمر.
    بالنسبة لي ولتوريت فلا يوجد العديد من الأعمال ، أعطاني ذاك الرجل قائمة .. أين وضعتها ؟"

    تذكرت للتو أمر القائمة ، لم استطع قراءتها عندما اعطاني ايها ، ولا اتذكر الكثير مما حدث ، هناك وجه ضبابي و صوت
    ذبابة و شمس حارقة ومباني زجاجية.تحسست جيوبي ولم يكن فيها شيء ، بحثت بعيني على الارض و في الزوايا ، لقد
    سقطت او وضعتها في مكان ما ، وبما اني كنت املك عقلا مختلفًا وقتها فأعلم انه لا جدوى من البحث في الأرجاء بهذا
    العقل ، سأنتظر حتى الجولة القادمة وتنضج أفكاري أكثر بمزيد من المنشطات ، ثم ان البحث هنا دائما يجعلنا نكتشف اننا
    لا نعلم اين نسكن ، نجد جوارب نسائية و مضارب بيسبول وبطاقات مصرفية ليست لنا ، واعتقد انه توريت لإنه يتسوق وهو
    تحت تأثير المخدر ، قلت:
    "لا أعلم اين الورقة الآن ، اتذكر ان هناك بضعة وظائف غير مناسبة وقمت بشطبها."

    لوى توريت وسطه بحركة سريعة ، انها نوبة خفيفة لا يسيطر فيها. قال أليس:
    "لكن هل ستكون الجامعة مناسبة ؟"

    كان ينظر الى الارض بخجل وكأنه طفل ارتكب حماقة ما ، مما جعل ارد بتجشيع:
    "طبعا ، بالتأكيد .. أنت تستطيع ان تفرق بين الحقيقة و الوهم في وضعك الطبيعي ، ولهذا السبب قررت بأن
    تركنا للمخدرات."

    لم يغير وضعه ، انه يشكك بكلامي ، أضفت:
    "ستتعرف على اصدقاء جدد و سيتغير كل شيء."

    قال مارس الذي اتكئ على الباب:
    "وما هو الوضع حاليًا حتى يتغير ؟"

    لا داعي للإجابة على أسئلته الفلسفية ، سأل توريت:
    "ولما لا نذهب للجامعة كلنا ؟"
    "ببساطة لإن عمرك 29 وانا 27 ، ولا يقبلون بهذه الاعمار."
    "الحثالة..."

    وبغضب استمر بالشتم لبعض الوقت ، سماع توريت يصدح بقصائد من الشتائم أمر جيد ، لإنه يجعلك لا تعرف هل هو في
    نوبة لا إرادية أم لا. وهذا يجعلني أفكر كثيرًا في بدايته ، حياته التي نعرف أجزاء منها ، غير مثيرة و انسيابية متسلسلة
    بطريقة ما.

    بدأت قصة توريت عندما كان صغيرًا ، نشأ في بيت عز و مال ، أبوه و أعمامه هم أصحاب شركة عقارات كبيرة و عريقة
    بدأها جد جدهم أو شخص قديم لا نعرفه ، وأغرقت هذه الشركة العائلة بالمال. تزوج والد توريت أمه التي هي بنت أحد تجار
    المواد الغذائية وصاحب شركة توزيع ضخمة ، قيل طبعا ان هذا الزواج هو مجرد صفقة عمل أخرى ، هكذا قالت الصحف
    والناس على الأقل ، وبعد خمسة سنوات أنجبا توريت و اثنين قبله ، فتى ثم فتاة ثم توريت ، يعيشون في قصر عملاق أغلب
    سكانه من الخدم ، وبما ان العائلات الثرية كهذه من الطبقة البروجوازية لها سمعتها التي يجب المحافظة عليها ، فقد كان
    على توريت أن يتصرف كالنبلاء ، يرتدي أفضل الملابس و يحصل على أعلى الدرجات في المدرسة و يتصرف بلباقة
    ونفاق لطيف ، لكن هذا لم يكن توريت ، ففي أحد المرات و خلال جلسة عمل عائلية مع احد اصدقاء والده و بضعة ضيوف
    أطلق توريت فجأة بعض الكلمات النابية بلا مبرر واقعي ، الأمر الذي جعل والده يعاقبه لفترة وجيزة ، ولكن وما ان انتهى
    العقاب الأول حتى عاد توريت مرة أخرى و قام بالتفوه بكلمات بذيئة أخرى ، ثم تطور الأمر الى الحركات الخاطفة المفاجئة
    فمرة وفي احدى الحفلات قام بلكم أحد رجال الأعمال تحت حزامه ، والغريب ان انواع العقابات لم تنفع أيضا ، فحرمانه من
    ألعاب الفيديو ومن رؤية أصدقائه وجعله يتطوع في ميتم ، كل هذا كان بلا فائدة ، والأغرب أنه كان يبرر أفعاله بـ"لم أكن
    أقصد هذا !" ولم يصدقه أحد بالطبع ، تكرر الأمر عدة مرات ، في المنزل وفي الاجتماعات وفي الحفلات ، وتفاقم وأصبح
    أكثر فأكثر.
    اخر تعديل كان بواسطة » Aisha-Mizuhara في يوم » 24-10-2012 عند الساعة » 01:56

  5. #4
    #استهلال~
    اجمع عشرة اشخاص واجلس معهم في حلقة .. اهمس للذي بجانبك بكلمة و قل له ان يمررها الى من بجانبه
    وهكذا حتى تعود اليك الكلمة .. وستتفاجئ ان الكلمة التي وصلت اليك مختلفة تماما عما قلته .. ربما تقول "سفينة
    فضاء" فتصل "مدرس رياضيات" .. "قنبلة نووية" تصبح "مزيل عرق" .. واذا كررت التجربة ستجد ان احتمال
    وصول الكلمة نفسها اقل من 10% وينقص كلما زاد عدد الاشخاص في الحلقة .. الآن بشأن التاريخ
    هل تصدق حقا ان ألسكندر كان بطلا شجاعًا ؟ .. أو أن معاركه كانت حقيقية ؟ .. أو انه موجود اصلا ؟
    عموما .. عندما تقرأ كتاب تاريخ .. ضع في بالك ان المصداقية اقل من 1%



    الحل الطبيعي كان بذهاب الصغير الى طبيب نفسي ، الأصح .. احضار طبيب نفسي إليه ، حدث هذا عندما تجاوز الثالثة
    عشر ، ولم يأخذ الطبيب وقتًا طويلا ليشخصه بمتلازمة توريت ، ومع كون المتلازمة شائعة بين الناس وخصوصا في
    هذه المرحلة العمرية ، إلا أن الأمر مختلف مع توريت قليلًا ، فالمتلازمة مسيطرة عليه بقوة وهذا هو الغير شائع.

    لا يوجد أدوية تشفي المصاب بالكامل ، الأمر الذي جعل الوالد يقرر بعزل ابنه في جناح خاص ، كسجين مرفه لأجل
    غير مسمى.

    استمر الوضع لسنتين ، كان توريت معزولا عن الناس بشكل كامل ما عدا خادمته التي تجاوزت سن الأربعين
    ولكنها تحتفظ ببعض الجمال كما قال لي ، تلبي كل طلباته وعن طريقها يتم احضار اي شيء يريده الأمير المجنون الصغير
    ، ولم يعد يرى والديه و أخويه كثيرًا ، فأوقات الخروج لبقية المنزل كانت قليلة ، وقلت أكثر حينما بدأ أخواه بالسخرية منه
    والابتعاد عنه ، أمه مشغولة دومًا بإعداد الحفلات التي تبدأ ولا تنتهي ، و أبوه خارج المنزل معظم الوقت ، صديقة توريت
    الوحيدة هي خادمته ، كانت تقرأ له القصص و تلعب معه ، متحملة الكلمات البذيئة التي يخرجها من وقت لآخر ،
    إضافة إلى بعض الحركات العشوائية وتسمى في بعض الأوقات ضربًا ، لكن التعويض المالي كان ممتازً فلا داعي
    للشكوى.

    نشأت بين الاثنين رابطة عاطفية حنونة صادقة ، وتحولت الخادمة من صديقة إلى أُم ، فكان توريت يبوح بكل ما في
    صدره وتخبره بالمقابل بما يريد ان يسمعه ، او بما يجدر ان تخبره.حدث ما يحدث دوما ، شفقة المرأة تصبح تعاطفًا
    بلمح البصر ، فصارت العلاقة بحبل متين للطرفين ، وأمست الخادمة تقضي وقت أطول من اللازم عليها معه و تنام
    في غرفته بعض الليال.

    ذات يوم أخبر توريت خادمته بمخططه الكبير ، وهو الهروب من المنزل ، الفكرة جاءت من احد الروايات البوليسة كما
    اعتقد ، رفضت الفكرة تمامًا و مرارًا ، لكنها اقتنعت في النهاية ، وساعدته في الهرب بما ان الخطة بأكملها مبنية عليها
    ، في الأصل لم تكن خطة توريت إلًا "اريد الهرب" بدون تفاصيل ، لكنها أتت بخطة بسيطة.

    في أحد الأيام جاءت بحقيبة كبيرة ملأتها بملابسها وادعت بأنها ربما تبيت بضع ليالٍ مع توريت ، وبعد يوم واحد
    خرجت بالحقيبة وقالت بأنها غيّرت رأيها ، وداخل الحقيبة هذه المرة كان يوجد صديقنا الفتى.

    خرج توريت من الحقيبة في منزلها ، معتقدًا بأن حياة جديدة ستبدأ ، ولكن لم تمضِ سوى ساعات حتى أكتشف اختفاءه
    يصاحبه تورط الخادمة ، وبعد ان وصلها الخبر عبر زميلتها الخادمة في نفس المنزل ، قررت عدم المماطلة في الموضوع
    الذي اصبح جديًا وأُقحمت الشرطة فيه ، فقالت له بصدق بأنها مضطرة لإرجاعه ، لكن توريت هرب من منزلها وهذه المرة
    للا مكان ، وبطريقة ما وصل الى مصحة باكوس أو كما تسمى أحيانًا "الكرنفال" ، حيث إلتقينا هناك.

  6. #5
    #استهلال~
    تواجد عدد كبير من البشر منذ بداية خلقهم وحتى الآن .. ربما تحصيهم برقم من تسع او عشر خانات .. كلهم
    كانت لديهم أحلام و أهداف .. ولكن الذين حققوها قليل جدا .. عدد الفاشلين يفوق عدد الناجحين بملايين المرات
    وبالرغم من هذا تأتي إليك كتب تطوير الذات لتحدثك عن الأقلية الناجحة .. ماذا عن المحيط البشري الفاشل ؟
    وهذا ما يسمى "الأمل" .. ضوء صغير في فضاء مظلم انت في وسطه .. او خيط عنكبوت يتدلى في حفرة
    تقبع فيها .. السخرية في الأمر هي انه عليك ان تطارد ذلك الضوء الصغير .. عليك ان تتسلق خيط العنكبوت.



    خرجت لأستنشق بعض الهواء النظيف ، لا زالت ذاكرتي مشوشة ومليئة بالبقع السوداء ، نزلت السلالم المتلوية كالتنين ،
    ذاك الممر برائحة حريق كهربائي ، أسلاك نحاسية محترقة ، ليست سيئة في الواقع ، بعض الظلال تتحرك ، إذا اشتعل
    حريق سيكونون أول الضحايا ، سيفوتهم مشهد المبنى وهو يحترق ، هذا لا يهم حقا.

    عدت ادراجي الى غرفتنا الملظمة التي انقطعت عنها الكهرباء ، ليس بسبب الرائحة الكهربائية المثيرة للأنف ، بل لآخذ
    بعض الحليب ، لم أرى شيئًا عندما فتحت الباب ، يبدو ان الجميع نائمون او يناقشون قضية معينة في احدى الزوايا
    "ما هذه المفاتيح ؟" قلت متعجبًا من عدد المفاتيح الملقى على الأرض ، لا يمكن القول بأن كل واحد منها يفتح بابًا مختلفًا
    ، وبعض الاقفال الجديدة موجودة بجانبها ، لماذا نشتري هذه الاشياء ؟
    هناك على الطاولة كانت عبوة الحليب ، بجانب الورود الميتة ، في مكان ما يوجد رجل آلي يتحدث من مسجل ، يقول
    "أفعل كل ما بوسعي .. ولكن لا يكفي !" ، انسحبت وانا اركل المفاتيح ، كان جرسا موسيقيا رائعًا ذلك الذي اصدرته ، وانا
    انزل الدرجات واجهت رجلاً بدينًا يصعد وبيده هاتف ويحمل في الاخرى حقيبة ، سأحاول تجنب تخمين ما بالداخل ، لا ..
    سأحاول تجنب النظر إليه.

    ألقى نظرة سريعة عليّ ، وانا لم افعل ، ربما كنت مركزًا على قبعته الصغيرة لفترة لكنه لم يلاحظ ، قال وهو يتكلم على
    الهاتف شيئًا مثل: "ضيعت نفسي لعدة دقائق." ، وصلت للممر و اتجهت عكس الباب الرئيسي ، الباب الخلفي مؤدي للزقاق
    حيث جلست ، الليل حالك ولا يوجد سوى عامود اضاءة واحد نهاية الزقاق ، وقمامة برائحة مدينة فينومينا ، يبدو ان الهواء
    النقي سيصبح نادرًا عما قريب ، ويتم بيعه في المحلات بأسعار عالية و لا يستنشقه سوى الاغنياء الملاعين ، وربما يدخل
    البورصة بعدها ، لا داعي للقلق ، سنتعود على رائحة الاسلاك المحترقة.

    انصت للأصوات التي تدق في الارجاء ، ابواق سيارات ، عجلات ومكابح ، خطوات و همسات ، حتى الجدران لها
    ألسنة في هذه المدينة ، لم اسمع الصوت الذي ابحث عنه ، لابد انه نائم تحت شيء ما ، نزلت لأرى اسفل حاوية
    القمامة ، ولم أرى شيئًا ، فقط نتن فجّر أنفي.

    لم يكن موجودا نهاية الزقاق ، خرجت الى الشارع ، يبدو انه هناك وراء الأصوات المغرية ، ضعيف غبي !
    يمينًا و شمالًا وخلف اللوحات الإعلانية الصغيرة ، لا يوجد شيء ، بعض الشبان بملابس واسعة يحدقون فيّا
    وأنا امسك عبوة الحليب ، لن أعطيهم اياها بالتأكيد.

    قلت لنفسي "لقد ذهب." لم أكن حزينًا لهذا فربما وجد مكانًأ أفضل الآن.

    شيء ما بجانب حاوية القمامة تحت ورقة صحيفة مجعدة ، الفضول جعلني اكشفها ، رأيته هناك ، في حالة يرثى لها
    شبه مهروس من المنتصف ، ذلك القط المسكين.

    قبل عدة ايام ، ربما ثلاثة او اكثر ، نزلت الى الزقاق لا أعلم لما ، وسمعت صيحات صغيرة حادة آتية من مكان ما
    لم أعرها اي اهتمام في البداية ، ولكنها اثارت فضولي بعد مدة ، بعد البحث عن المصدر ، كان في النهاية ، قط صغير
    بحجم الكفين ، بلون ابيض وظهر رمادي ، بتلك العظام البارزة الدقيقة ، أعمى بعينين مغلقتين ، جلس منتصبًا فوق
    بعض أوراق الاشجار البرتقالية التي كنست من الحديقة ، يبدو ان عمره ثلاث اسابيع او اقل.

    عندما اقتربت منه ، سمع صوت حذائي يحك الارضية ، جاء إليّ بتلك المشية الغريبة ، واضح انه لم يتعود على استخدام
    اقدامه ، وصل الى حذائي وبدأ يخرمشه بمخالبه اللينة و يعضه ، لم يؤثر هذا على الحذاء وإلا كنت ركلته ، وظل
    يفعل هذا لفترة ، امسكته من وسطه ورفعته على مستوى نظري ، كل هذا وهو يتابع مواءه الغريب ، مع تلك
    العيون المغلقة و الفم المتسع بدا كأنه يضحك بشدة ، انزلته الى الارض وخرجت من الزقاق ، حاول اللحاق بي
    لكنه لم يستطع ذلك بمشيته البطيئة ، حينها ذهبت الى المتجر واشتريت عبوة حليب ، عدت فوجدته على حاله
    سكبت الحليب على الارض ولكنه لم يشرب ، بل ظل يدور و يصيح بحركاته الغريبة و وجهه الضاحك ، لكني
    ارغمته على الشرب بعد ان امسكت رأسه الصغيرة و اغرقته في الحليب ، هذا جعله يتوقف عن النواح لمدة.
    والآن ، يظهر ان الاعمى سمع صوت السيارات ، فمشى وكأنه يحبو باتجاه الشارع ، وهناك قامت سيارة بهرسه
    وربما اشفق عليه احدهم و استعمل ورقة من جريدته لوضعه هنا بجانب القمامة ، حتى يرمى ويحرق مع بقية
    المخلفات ، وينتهي تاريخه في هذه الحياة.

    كنت لا أزال ممسكا الورقة التي تغطيه ، قرأت كلمة "لا مفاجآت !" كانت كبيرة وبخط عريض ، نظرت إلى
    صديقي الميت ، سأفكر فيه لعدة دقائق ، هذا نصيبه من المجد على الأقل !
    أعمى منذ البداية ، عاش ثلاثة اسابيع ولم يرى شيئًا ، ولد وهو يسمع الاصوات ، هل فهم شيئًا ؟ هل عرف انه قط ؟
    هل عرف انه حي اصلا ؟ ، لم يفهم شيئًا ولم يعرف اي شيء ، هل كان حزينًا لهذا ؟ اعتقد انه لم يكون اي
    مشاعر بعد ، ولم يقم بأي شيء ، يبدو انه يتساءل الآن "ما الذي حصل ؟" او قد يكون تساءل حينما
    بدأ يسمع الاصوات "ما الذي يحصل ؟" ، عموما .. لقد ذهب وهو يسمع بضع الاصوات.

    هبط غراب بجانب جثته ، يدخل منقاره فيها و يقطعها ، غراب محظوظ وقط مسكين ، نهضت ولاحظت
    كلمة مكتوبة على الجدار بلون أصفر "الله يحب أولاده" ، ذاك القط .. من كان ؟
    اخر تعديل كان بواسطة » Aisha-Mizuhara في يوم » 24-10-2012 عند الساعة » 01:57

  7. #6
    #استهلال~
    عندما تأتي لتلمع حذائك .. فأنت في الحقيقة توسخ الملاءة .. وعندما تحمي قدمك من الأوساخ .. فأنت في الحقيقة
    توسخ الحذاء .. آلاف الحيوانات تموت يوميًا لكي يأكل الانسان .. وآلاف الاشجار تقطع لكي يتدفئ
    مئات العاملين يموتون في مناجم الألماس لكي يستطيع رجل اجتذاب امرأة به .. وهذا هو المفهوم
    الاساسي و البسيط الذي يقوم عليه العالم ويسمى "التضحية" .. يضحي من الاسفل من اجل سعادة من في الاعلى
    .. هذه هي "الحياة العملية" باختصار.

    ثلاثة أيام مرت منذ استلامنا تلك الرسالة من الدكتور ، ولم نقلع عن المخدرات حتى الآن ، انها في اجسادنا ، تسبح
    في عروقنا مختلطة مع الدماء ، قلبي ينبض ببطء سخيف ، رائحة العرق و المواد الكيميائية ، وضباب يلف غرفتنا المظلمة ،
    كنت على وشك قول "ما يحدث لا يمكن تقبله" لكني قلت "الغرفة مظلمة جدا !” ، سيطرتي تقل شيئًا فشيئًا ، على
    حافة الانتكاسة ، وكأن عظامك تتحول الى رماد داخل جسدك ، سأصبح كتلة من اللحم و التراب بعد قليل ، عقلي
    غير قادر على رصد التحركات و الاصوات بعد الآن ، سأغفو قليلا ، فقط قليلا ، هناك امكانية بأن أجد نفسي معافى في عالم الأحلام.

    استيقظت بدون ان ارى اي شيء ، عيوني مغلقة ولكني مستيقظ ، اسمع صوت توريت يتحدث ، أحدهم قال لي:
    “استيقظ...” لم أحدد هويته ، ولكن فتحت عيني بصعوبة ، روادتني موجة من الصداع في رأسي ، وكأني تلقيت ضربة
    خفيفة بمطرقة على رأسي ، مطرقة صغيرة جدا تضرب بقوة ، حسنا .. انه دليل على استعادتي لعقلي ، مهما كانت
    المدة التي غفوت فيها ، فالوضع لن يستمر ، فترات السلام قصيرة و عليك الاستعداد للحرب ، في هذا الزمن الذي
    اشعر فيه برأسي يقبع في مكانه بالضبط فوق رقبتي .. عليّ أن احضر للوقت الذي افقده فيه.

    كان أليس جالسًا في ركن الغرفة ، تلاقت اعيننا ، أشار الى الأعلى وقال "انظر الى السحابة ، ربما تمطر في أي لحظة.”
    عندما رأيت الدخان الذي نفثناه متراكما فوق وكأننا في منطقة صناعية لعينة ، عرفت انه لا أمل من
    هذا التواصل ، لا أعلم أين توريت .. ربما يكون مدفونا وسط هذه الخردة في المتكومة في الوسط .. لكن مارس كان واقفا
    امامي مباشرة ، هل ظهر فجأة ام رأيته للتو فقط ؟ كنت جالسا على الاريكة وأغلب ظهري على مقعدها ، لم أنظر
    إلى وجهه حتى ، سيكون مذلًا ان يقول "أخبرتك ، أنت لا تستطيع !” ، أكره هذا النوع من الناس الذي يخبرني بأنه
    على حق ، "لا تقل شيئًا من فضلك .. احاول اسكات هذه الخربشات في قشرة مخي !” ، أريد التفكير بجدية لدقيقة ،
    دقيقة ربما تكفي ، ولكن المتاهات الملتوية تجبرك على الجري بدون انفاس.

    اخذت كل المنعطفات ، قام مارس بمد يده نحوي ممسكا بأصفاد لامعة ، هذه هي ! سنقيد انفسنا حتى لا نتعاطى
    المزيد من المخدرات و المنشطات و الملهوسات ، انها قيود الحرية !

    أوقعها على الأرض ، قلت موجها كلامي للجميع ، حتى الخردة التي ربما يكون توريت تحتها : “لدي فكرة سنطبقها
    جميعا .. هذه الأصفاد !” اخذتها من على الارض واكلمت "سنقيد انفسنا الى ان نترك هذه القذارة !” هيمن الصمت
    لفترة ، كان فيها صوتي يسلك طريقه داخل الضباب ، ربما ضاعت فكرتي فيه ولم تصلهم !

    نهضت وارتديت احد الاصفاد في يدي اليمنى "هكذا !” .. مشيت بحذر عبر الغرفة اتلمس طريقي بأطراف اصابعي
    فلن اتفاجئ اذا كان هناك ثعبان او شيء ما وسط هذه الادغال ، كنت احاول البحث عن شيء يمكنني تقيد نفسي به
    لأشرح فكرتي ، واستقرت عيني على المصباح الطويل الذي لدينا ، قيدت نفسي به وقلت "سنقيد أنفسنا هكذا
    لمدة معينة حتى تنتهي مشكلتنا !” خرج توريت من خلف الأريكة التي كنت نائما عليها ، وقال "وكيف ستفتح الاصفاد
    بعدها ؟"
    “بالمفتاح طبعا ! .. لحظة .. أين المفتاح ؟!”

    مارس السافل أعطاني اصفادًا بلا مفتاح ، طلبت منهم البحث عنه وسط كل تلك المفاتيح على الأرض ، وقمت بالبحث
    معهم وانا احمل المصباح معي ، مؤسف انه لا يعمل كان سيساعدنا كثيرًا.

    بعد ان وجدنا المفتاح اكتشفت انه يمكنني اخراج يدي من الاعلى فالاصفاد اكبر من المصباح الكهربائي على القمة ،
    نحن في حال يرثى لها ، بالرغم من ذلك لا زلت أراها فكرة سديدة ، وجدنا خمسة اصفاد اضافية وكلها تفتح بمفتاح
    بمفتاح واحد ، وقررنا تقييد انفسنا بعد تفكير بحواف السرير ، كل شخص على حافة ، والمفتاح كان معي ، ليس غريبا
    ان فكرتي لم تواجه اي اعتراضات فهي الوحيدة في عالمنا الآن ، قال أليس بنبرة متشككة:
    “لكن بما ان المفتاح معك فيمكنك ان تخرج نفسك و تتناول ما تشاء .. هذا غش ، اريد مفتاحًا ان ايضا !”
    اختتم جملته بنبرة قاسية وكأنه زعيم حرب ، قال توريت بعده:
    “لا حاجة للمفتاح يا رجل ، كل ما تريده فوق السرير !”
    “آه صحيح .. لا يمكنني الوصول لحبوب دي ، هل ناولتني واحدة من فضلك"
    “بكل سرور يا سيدتي !”
    صحت بنبرة غاضبة:
    “هذا غير مجدي أبدًا !”
    رد توريت الذي كان يلعق حبة دواء خضراء:
    “نعم ، ماذا لو أردنا الذهاب الى الحمام ؟"
    كرر أليس: “الحمام ! .. أريد الذهاب الى الحمام يا اغسطس...”

    اتضح تواجد ثغرات في استراتيجيتي ، من هذا الطريق ارى خسارة الحرب في الافق ، هناك نقص يجب تعوضيه
    قال مارس الذي جلس القرفصاء فوق السرير:
    “يمكنك ان تضع مراقبة خارجية.”

    قلت بدهشة:
    “ولما لا ، نطلب المساعدة من شخص ما ، يقوم بمراقبتنا وابعاد المخدرات عنا و يسمح لنا بالذهاب الى الحمام
    ثم يعيدنا.”

    قال توريت:
    “حسنا .. أنا سأفعلها !”
    “انت مدمن مثلنا...”
    فقال أليس:
    “اذًا انا ؟"
    “اقصد شخصا من الخارج ، غيرنا نحن الثلاثة "
    “مثل من ؟"
    “ستوكهولم .. أو كابوس !”

    قال توريت بنفور:
    “لا نريد ستوكهولم .. اكره تلك الغبية.”
    “حسنا سنكلم كابوس.”

    قال أليس بصوت منخفض:
    “ولكنه مخيف !”
    “ما المخيف فيه ؟"
    “دائما يقول تلك الاشياء المرعبة !”
    تدخل توريت:
    “ستوكهولم هي المرعبة ! .. ماذا عن فتى البيتزا ؟"
    “لا أظن انه سيقبل .. بالنسبة لي أفضل كابوس فهو يعرف ما يفعل.”

    قال مارس بنبرة سخرية وهو مستلقي على السرير:
    “الكابوس أمير الحياة !”
    اخر تعديل كان بواسطة » UNIX في يوم » 24-10-2012 عند الساعة » 02:25

  8. #7

    #استهلال~
    يقولون "الصين في الشرق و أمريكا في الغرب" .. مع اني استطيع ان اسافر شرقا و اصل الى امريكا .. يقولون "السنة مكونة من 12 شهرًا"
    مع ان بإمكاني تقسيمها الى اربعة شهور او ثلاثة
    او مئة اذا اردت .. يقولون "الاسبوع مكون من 7 أيام" .. مع ان بإمكاني جعله مكون من يومين او ثلاثة و خمسين
    .. يقولون ان السنة هي المدة التي تدور فيها الارض حول الشمس .. لكن لما لا نسمي هذه المدة سنتين ؟
    لو كان الانسان يعيش في القطب الشمالي كان سيظن السنة يومين .. لذا خذ هذه المعلومة ببساطة:
    أغلب القواعد هي مجرد اختراعات.


    “بدأت الرحلة .. بالخوف !”

    “كنت نائما ذلك اليوم ، ولكن مستيقظا في عالم آخر ، يسمى كواليس الحياة ، لم يكن حلما فقد تواجدت بكياني الكامل
    قد تتساءل عن مكان هذا المكان .. وزمان هذا الزمان ، كلها اسئلة بلا معنى ، كأن تسأل ماذا بعد الما لا نهاية.”

    “اشجار سوادء جرداء و سماء رمادية بلا سحب ، هلال حزين و نجم ميت يرسل وصاياه الأخيرة ، وأصوات تهمس بفزع ،، تتهيأ للصراخ في أي لحظة.”

    “وقفت فوق الأعشاب المتخشبة ، هل هناك طريقة لأعلم على أي أرض أقف ؟ ومع اني سألت هذا السؤال في داخلي
    لكنه أجاب من فوق الاشجار "أنت في أرض الحقيقة و الوهم" ، ذاك الرجل الجالس على غصن الشجرة البالي ، عيونه كأنها بحيرة
    ليل داكنة انعكسها في مركزها نجم وحيد ، وشعره الاسود يتطاير في كل اتجاه ، يلف قطعة قماش
    سوداء حوله كأنه مُحرم ، وصوته العميق كأنه صادر من قاع المحيط...”

    قال أليس:
    “انه الكابوس ! أليس كذلك ؟"

    “لا تقاطعني يا أليس من فضلك .”

    وصل كابوس و بدأ بسرد سيرته الفنتازية الطويلة ، والتي رمته فيما بعد في مصحة نفسية ، الكل يجمع على ان هذا
    الشخص الذي بلغ الاربعين وبدأ يشيب مجنون لا أكثر ، يسمى "الكابوس" لإنه يقول بأن الكابوس ، ليس هو بل
    الكابوس الحقيقي ، قابله و صحبه في رحلة لكواليس الحياة ، انه مخبول تماما ! ، لكن لا بأس بما انه لم يسأل
    الكثير من الاسئلة عن المخدرات وما الى ذلك.

    واجهنا صعوبة في الوصول اليه ، فبعد ان قررنا الاتصال به كنت قد رميت المفتاح و ضاع مني ، لكن الاصفاد كانت
    تخرج من ساق السرير اذا رفعناه ، وهكذا خرجت ثم ذهبت الى منزل...او الى الحديقة حيث يتسكع و ينام ،
    لكنه لا يتسول ! لذلك هو اشبه بهيكل عظمي أثري وقديم ضمن معالم تلك الحديقة.

    الروائح في الغرفة لم تضايقه ، ولم يسأل عن الفوضى المكونة من قطع غير مفهومة ، لماذا يؤجل اسئلة كهذه ؟ ربما
    لا يهتم بعد كل شيء ، فقد رأى الكثير في حياته ، أو بالأحرى ، في أحلامه.

    أكمل بنبرة بطيئة و متزنة:
    “ سألته برعب: “من انت ؟ و أين انا ؟ ما كل هذا ؟ " تأخرت اجابته ، لكن عينه لم تفارق عيني ، يا لها من عيون
    كئيبة و موحشة تلك التي حدقت بها ، كنت اغرق في ظلامها مع كل لحظة ، نظر نحو السماء وقال بحزن:”
    “هذه الأرض كانت خصبة ، تمتمد عبرها جذور الحياة ، رقرقة الماء و تغريد العصافير كل ما تسمعه " نزل من الشجرة
    وأكمل"كانت أرض الاحلام... ولا تزال" لم أفهم شيئًا ولكن اتذكر اني لم استطع الكلام ، اقترب مني وقال لي هامسا
    في أذني "انصت !.. انصت الى هذه الارواح التي تصرخ فزعة ، انهم يعذبون انفسهم بأنفسهم " ابتعد عني واكمل
    بيأس غاضب "يشنقون أرواحهم الخالدة على هذه الاشجار ليتعذبوا فقط ، بشر حمقى !”

    قال توريت مقاطعا:
    “هو الأحمق !”

    قلت:”انها قصة يا توريت...”

    قال كابوس بحقن:
    “إنها ليست قصة ! إنه ليس خيالًا ! ... إنه واقع لم يعشه غيري !”

    سكتنا كلنا بينما هدأ العجوز قليلا وإلتقط انفاسه ليكمل:
    “ تذكرت وقتها اني كنت نائما " كيف جئت الى هنا ؟" هذا ما سألته ، " سأعطيك الجواب الشافي ، كل الثغرات في عقلك ستسد قريبًا" مشى داخل الاشجار الموحشة و مشيت
    خلفه ، السماء الرمادية جعلت كل شيء يبدو مظلما و واضحا في نفس الوقت ، أشباح و ظلال تبكي و تصرخ ، و أشجار ميتة وكأنها تختنق ، ما هذا المكان المرعب بحق الله ؟!
    قال لي "كل شيء يموت ، الأمل .. الحب .. السعادة .. كلهم غادروا هذا المكان ، وأمست أرض الأحلام كوابيس.” خرجنا من الأدغال الهالكة ، وانفرد امامي أفق من الازهار
    البيضاء كاسية الارض بالكامل ، و أشباح تهيم
    في هذا البستان ، تقع و تقف ، بعضها يصيح و الآخر يبكي ، لكن كان هناك شيء واحد يجمعهم وهو الفزع على
    وجوههم ، قطف الرجل ذو العيون السوداء زهرة و قال لي "إنه الخوف...”


  9. #8

    الفصل الثاني:الإلتواءات

    #استهلال~
    خلال امتحان الفيزياء في جامعة كوبنهاجن بالدنمارك .. جاء السؤال التالي:
    كيف تحدد ارتفاع ناطحة سحاب باستخدام البارومتر(جهاز قياس الضغط الجوي) ؟
    الاجابة البديهية و التي اجاب بها معظم الطلاب .. هي بقياس الفرق بين الضغط في الأرض و اعلى ناطحة السحاب
    هذه كنت الاجابة العادية .. لكن كانت هناك اجابة مميزة من احد الطلاب وهي:
    "أربط البارومتر بحبل طويل وأدليه من أعلى الناطحة حتى يمس الأرض ثم أقيس طول الحبل."
    حصل الطالب على صفر في الامتحان طبعا .. وحصل بعدها على جائزة نوبل للفيزياء فهو العالم
    الشهير نيلز بور .. والظريف في الأمر ان نيلز كانت لديه اجابات كثيرة:
    "يمكن إلقاء البارومتر من أعلى الناطحة ويقاس الوقت الذي يستغرقه حتى يصل إلى الأرض"
    يمكن قياس طول ظل البارومتر وطول ظل الناطحة فنعرف طول الناطحة من قانون التناسب بين الطولين وبين الظلين""
    وأفضل اجابة:
    "اذا أردنا أسرع الحلول فإن أفضل طريقة هي أن نقدم البارومتر هدية لحارس الناطحة على أن يعلمنا بطولها"
    البساطة التي يظن أحيانا أنها من الغباء .. هي أهم صفات العباقرة.





    الفصل الثاني
    الإلتواءات


    على طول الخط الاحداثي للزمن على السرعة ، وجدت نفسي جالسا في منزل حديث بطراز خشبي ، اللون البني
    بتدرجاته طغى على المحيط ، مكان ملائم لقول نكتة مثل "اقطع الغابة وركبها في منزلك" ، ربما اخبرهم لاحقا.

    على الأريكة بجانبي بزاوية 90 درجة تقريبا ، جلس رجل بشعر بدأ الرماد يستوطنه ، ستطفئ شمعته قريبا ، وجهه
    مثل النورس .. وبجانبه امرأة سمينة ترتدي نظارات وكأنها فقمة سيرك ، كيف جمع القدر بين نورس وفقمة ؟
    لن يتوقع احد ان تقام علاقات سادية كهذه في اقطاب الارض ، قالي لي وجه النورس:
    “وما هي مؤهلاتك سيد اغسطس ؟"

    وقت قصير مثل اضاءة كاميرا يستغرقه عقلك لاجابات صادقة ، ولكن في العجلة الندامة ، اجبت بحنكة سياسي:
    “ما يكفي لأعمل كجليس أطفال"

    بدأت الفقمة بالهمس في اذنه ، من خديها السمينين استطعت قراءة شفهاها الملطية بلون وردي مقرف ، كانت تقول
    شيء مثل "لا أظنها فكرة جيدة" .. هل تحاول ان تظهر بمظهر اللطيفة المهذبة امامي ؟ اشحت وجهي للسقف وقلت:
    “بيت جميل .. هل هناك حراسة او ما شابه ؟"

    سأهاجم العدو في عقر داره ، او بالأصح ، سأهاجم العدو بداره ، انهما لا يتقبلان كون رجل يعمل جليس اطفال
    عادة هذا عمل النساء ، ولكن هناك ثغرة في كل فكرة يمكن ايجادها على الاطراف.

    اجاب وجه النورس:
    “لا .. للأسف ، لكننا ننوي تركيب اجهزة انذار او شراء كلب حراسة.”

    “او استأجر حارس امن"
    قلتها وانا اعطيه تلك الابتسامة الشبحية ، سيراها عقله الباطن بشكل اوضح ، واكملت:
    “يا رجل منزل مثل هذا هو هدف لكل لص...”

    اوصلت له فكرة بأني سأكون حارسا و جليس اطفال في نفس الوقت ، شيء لم تفهمه الفقمة بجانبه لكن يبدو
    ان وجه النورس فهمه.

    لا زالت تبحلق فيا ببلاهة ، فابتسمت لها بتكلف ، شدي لكل تلك العضلات في وجهي يشعرني بالاشمئزاز من
    نفسي .. أغنياء ملاعين .

    وافق النورس بعد ان تشاور مع الفقمة بإعطائي الوظيفة لمدة قابلة للتفاوض ، وراتب جيد بالنسبة لجليس أطفال
    ، كما يتضح بأن الاثنين يعملان في أعمال منفصلة ، وفي السيرك نفسه .. مشغولان جدا للبقاء مع طفلهما المدلل
    بعض الاهالي اغبياء لدرجة انهم ينسون لماذا يعملون من الاساس ، لن اتذمر طبعا فأنا هنا ابني عشي على حماقة
    غيري.

    **********

    كنت امشي نحو غرفتنا المكعبة ، في الشارع المزدحم بالبشر ، يمشون في كل اتجاه كأنهم دجاجات ، اصوات خطوات
    بإيقاع فوضوي ، كل حذاء يحاول ان يتميز عن البقية ، اشم رائحة المنافسة و العداء ، وبشيء يحكني في رقبتي.
    فكرت بتأجيل حك رقبتي و نظرت الى الارض وانا امشي ، لا اريد ملئ رأسي بوجوه اناس غرباء ، سيكون مزعجا
    تذكرهم لاحقا.

    رأيت حشرة اشبه بالخنفساء تمشي امامي ،تلك المسكينة تشعر بأن العالم سينتهي وسط هذه الاقدام ، تجاوزتها
    بدون سحقها .. أنا احترم الحشرات ، انهم يشكلون اكبر تعداد سكاني في الكوكب ، قد يسيطرون على الارض يوما
    ، وفي حال مجيء هذا اليوم ربما يكونون لطفاء معي ، لإني كنت احترمهم.

    وصلت الى متجر "الهرم" لكل شيء ، تعتبر سلسلة متاجر الهرم كأكبر سلسلة في البلاد ، فروع كثيرة و عمال اكثر
    وقفت ففتح البابي الزجاجي و لفحني هواء التكييف المركزي البارد ، دخلت و لأجد كل تلك الصفوف العالية من
    المنتجات المتنوعة ، قسم الحلويات .. وقسم الصابون و قسم الحفاضات وقسم الملعبات واقسام لا تعرف
    ما يوجد فيها ابدا ، وجدت نفسي في وسط احد الاقسام بين جداريين رصت عليها علب بألوان قوس قزح ،
    ممسكا بعبوة لحبوب افطار ، متى حدث كل هذا ؟ ستقع كضحية للخداع البصري منذ لحظة دخولك ، الى متجر
    كل شيء .. حيث لا يمكنك شراء كل شيء .. فقط رؤيته.

    اعدت العبوة مكانها وبدأت اتجول في متاهة العصر الحديث ، ابحث عن توريت الذي تم تعيينه هنا مؤخرا
    لتزيين صفوف المتاهة بمنتجات جذابة ، لا يريدون منك ان تخرج ، ابقى ضائعا .. ما المشكلة ؟
    في احد الممرات التقيت بفتاة صغيرة داخل احدى تلك العربات الحديدية ذات الشكل الشبكي ، تشرب من علبة عصير
    وممسكة العلبة بيديها ، كنا نحدق في بعضنا بدهشة و بلاهة ، بلا تساؤلات او شيء من هذا القبيل ، وانا انظر
    داخل عينيها الكبريتين احسست بأني انظر داخل عيني ، ثم انعاكسات لا نهائية كمرآتين امام بعضهما ، قطعت الحدث
    اللا نهائي هذا و واصلت بحثي .. ابحث وانا ضائع ، ياللحظ !

    فجأة وجدت نفسي عند منطقة المحاسبين عند المخرج ، هناك حيث تدفع ثمن لعبك ، وكلما غرقت في اللعب
    ستدفع اكثر.
    يبدو انني اتبعت قاعدة اليد اليمنى بدون قصد ، نظرت حولي في كل اتجاه للساعة ، ولم اجد توريت الذي ربما
    يكون تائها في الداخل .. تبا ، لن اعود هناك مرة اخرى . خرجت و عدت ادراجي الى المنزل.


  10. #9
    #استهلال ~
    في فلوريدا عام 1997 خلال اعدام المتهم بيدرو مدينا ، اندلعت نار بطول قدم واحد من رأسه ، ملأت غرفة الاعدام
    بالدخان و كتمت بضعة شهود.
    الكهرباء أوقفت ، لكن صدر بيدرو حمل النيران حتى خمدت.سبب الحادثة هو بيدرو نفسه الذي طلب ان يدخن بينما يموت.
    لذا كنصيحة اخوية ، لا تدخن حينما يتم اعدامك.


    “وقفنا على التل مطلين على وادي الخوف ، ازهار بيضاء عطرها الحاد يمزق القلوب ، شعرت بأن روحي تحضن
    نفسها ، واقدامي تتوسل بالهروب ، بينما رأت عيناي أناس في الحقل بوجوه اختفت معالمها واصبحت
    جماجم مبتسمة من الفزع ، سألت الرجل بكلمات مبحوحة "ما هذا المكان ؟" ، اجابني "هذا هو المولد .. هنا ، هنا
    تولد حقيقة البشر" ، لم افهم ، ولم استطع النظر اكثر ، عندما رأى الهلع في وجهي سال "ما غايتك في الحياة ؟"

    “فكرت في سؤاله ، وفي ما وراء سؤاله ، ما هي الغاية في الحياة ؟ اجبت "لا أعلم حقا .. السعادة ربما !” ابتسم
    وجحظت اعينه السوداء ولمع النجم في وسطها ، "السعادة .. كالمعتاد !” توقف قليلا ، بينما بدأت ادرك هذا الواقع ، " انت خلف الطبيعة ،
    وراء الحياة التي تعرفها وفيها لتخوض غمارها على وتر مختلف ، اذا كنت تبحث عن السعادة
    فالطريق امامك .. سأكون رفيقك ، ولكني لن اخوض معاركك ، لنمضِ" مشى نحو الوادي ، وتبعته إلى أرض الرهاب.”

    “مضطربة هي تلك الخطوة التي دخلت بها ، ومرتجفة هي التي لامست تربة الوادي ، احسست بالجفاف في داخلي
    وكأن جسدي تحول لصحراء قاحلة ، ونضبات قلبي السريعة اضحت صاخبة ، وقفت بينما تقدم هو بلا
    اكتراث ، قال بدون ان يلتفت "من لم يخف لم يعش الحياة .. تقدم" ، اخذت بضعة خطوات مترنحة ، وحنيت
    رأسي وكأني اتقيأ ، غثيان مريع يواجهك حينما تتجسد مخاوفك...وفارس على حصان اسود قادم من الافق المفروش
    بالورد نحوي ، يحمل سيفًا ضخما بيمينه و ممسكا الزمام بيساره ، حصان يشق الارض بحافيره و تتناثر الارواح
    متهالكة كأوراق الخريف حوله ، كان يقترب اكثر حينما تسمرت اقدامي على الارض ، صهيله يدمر جدران الشجاعة ركامًا
    على بعضها ، لا يمكنني ان اتحرك ، ليس اكثر...”

    “آلاف التساؤلات و الصور مرت في مخيلتي ، اليأس يزحف نحوي ، كم اردت اخراج الدموع ولكن يظهر ان الدماء ستخرج
    اولا ، هذا هو استسلامي .. عجزي .. النهاية قريبة ، لكن...”

    “وضع يده كتفي ، ونظر الي بأعينه السوداء "دعه يمزقك ، لكن لا تدعه يسيطر عليك" قيد انفك من قلبي ، وافلت
    عضلاتي المشدودة ، تركت كل شيء و مشيت نحو الفارس الاسود ، وطأت على الزهرة الكئيبة .. واختفى كل شيء.”


    “هذه سخافة !”

    صاح توريت معلقًا ، لم يمر من الوقت الا ساعتين او اقل منذ ان قيدنا انفسنا و نصبنا كابوس كحارس ، انا
    اشعر بالتعب ولا يهمني ما يثرثر به هذا العجوز ، تركت خيالي ينجرف مع كلماته بدون تفكير.

    كان أليس مقيدا بساق السرير التي على يميني ، وتوريت في التي على يساري ، وبينما كان توريت نشطا و لديه
    القوة للتحليل والنقد ، كان أليس ذابلا كمنديل مبتل .. قد يخيل ان توريت هو الاقوى بيننا لهذا السبب ، ولكن
    الحقيقة مقلوبة هنا ، فوران توريت يدل على ان الادمان بدأ يركل رأسه و الحاجة تستدعيه ، انه على الهاوية
    ، استمتع بدقائقك الاخيرة يا توريت ، حفر الألم في الطريق.
    “الخوف ليس أزهار و ورود سخيفة ، هذا غباء !”

    سأله كابوس:
    “وماذا يكون اذًا ؟"

    “شيء مخيف طبعا ايها المغفل ، غوريلا مثلا !”

    قلت بعد ما كنت اجمع انفاسي في اللحظات السابقة:
    “الغوريلات لطيفة...”
    اللعنة كم كان هذا صعبُا ، اشارات دماغي الآمرة لا تصل بشكل سلس الى عضلات فكي ، لكني فعلتها على
    أية حال.

    “الغوريلا لطيفة ؟ ، انت لم ترا ذلك الفيديو التي تقوم فيه بسحق رأس قرد مستخدمة رأس قرد آخر ...”

    “لقد كان فيلم كوميديا يا توريت ، مجرد فيلم كارتون كوميدي...”
    حاولت اخراج الجملة السابقة ، ولكن عقلي بدأ اطفاء انوار منزله ، للمغادرة قبل لحظت الانفجار ، ما خطبي الآن ؟

  11. #10

    الفصل الثاني:الإلتواءات

    #استهلال~
    في قرية ، اذا كان الحلاق يحلق لكل شخص لا يعرف ان يحلق لنفسه ، من يحلق للحلاق ؟
    الحلاق يحلق لنفسه ، هذا يعني ان الحلاق ضمن الاشخاص الذين لا يعرفون ان يحلقوا لأنفسهم ، ولكن الحلاق يحلق لبقية الاشخاص...الخ
    "متناقضة الحلاق" المعروفة تبدأ بخلل منطقي ، فمن قال لك ان الحلاق هو الشخص الذي يحلق للذين لا يجيدون الحلاقة ؟
    بشكل عام ، عندما تتعقد الامور كثيرًا ، وتزيد الفجوة بين الواقع و المنطق ، اعلم ان الخطأ كان في البداية.



    في طريقي الى المنزل ، قال لي مارس وهو يمشي خلفي:
    "بماذا تفكر ؟"
    لا احتاج اجابة ، وهو ايضا ، لم اكن افكر بل فقط اركل اقدامي على الارض ، مطر خفيف تساقط علينا ، مزعج حقا
    هذا المطر ، يشعرك بأنك عارٍ و احدهم يبصق من الاعلى.

    احسست بألم حاد في معدتي ، توقفت واخذت نظرة حولي ، لا احد يحدق ، ضغطت على معدتي و واصلت المشي ، قال مارس:
    "هل تؤلمك ؟"
    سأستمر بتجاهله ، هو و المطر و معدتي و كل شيء حتى أصل الى منزلنا و اشاهد شريط فيديو قديم مضحك.

    فجأة امسكت يد كتفي ، وادارني شخص ما وصرخ "تعال هنا !" ، لم انطق بشيء ، لكنه اعتذر مني بسرعة
    واكمل الجري لاهثا ، لا أعرف من هو ، يبدو انه من رواية أخرى.

    كل هؤلاء الناس هنا حولي ، يمثلون شخصيات في رواية ، ابطال و شخصيات فرعية و اشرار ، وربما يلعب الواحد
    منهم اكثر من دور في روايات متعددة ، وعندما يلتقي اثنان ، تتقاطع روايتان ، ونقطة التقاطع الصغيرة هذه ربما
    تحرف كل الرواية ، كم هو عالم معقد احمق رائع !

    **********

    "في سباق بين أخيل و السلحفاة ، اذا ترك أخيل السلحفاة تتقدم لمسافة معينة ، يستحيل عليه اللاحق بها ، لإن عليه في
    البداية الوصول لنقطة السلحفاة ، وقبل هذا عليه ان يقطع نصف المسافة ، وقبلها عليه ان يقطع ربع المسافة ، وقبلها
    عليه قطع ثُمن المسافة ، وهكذا الى مالانهاية ، وبما ان قطع مسافة لا نهائية مستحيل ، فلا يمكن لأخيل ان يسبق
    السلحفاة."

    قلت:"حسنا هذا منطقي ، أخيل يخسر."

    صاح أليس:
    "غير منطقي .. غير منطقي بتاتا ! ، هذه متناقضة. وأخيل يستطيع ان يسبق السلحفاة في الواقع."

    عندما عدت للمنزل وجدت أليس قد فرشه بالورق و الكتب لحل واجباته ، ولا أتذكر بالضبط كيف أصبحت جزء من فريق
    عمله ، كنت مستلقيا على الاريكة و الوسادة على وجهي ، كل ما أريده هو النوم ، وليس سباق بين محارب قديم و سلحفاة
    عجوز ، سحقًا.

    قلت باستخفاف:"ما هو السؤال على أية حال ؟"
    "السؤال..أو المطلوب هو ايجاد الخطأ في هذه المتناقضة."

    تنهدت بتعب ، انا لا أريد التفكير في هذه ولكن عقلي ينجرف مثل عربة احصنة على جرف ، اقترحت:
    "ربما الخطأ هو ان أخيل جعل السلحفاة تتقدم ، لم يكن عليه فعل ذلك من البداية."

    رد أليس بيأس:
    "لا أعتقد ذلك."

    من قال هذا الهراء ؟ هل كانت السلاحف هي من ابتكرته لكي يفوزوا في السباق ؟
    إلتزمنا صمت التفكير ، سأحاول الهروب الى النوم في هذه الأثناء ، لا يحتاجني أليس على أية حال.
    تجسد في مخيلتي شريط ، ظننته شريط "فيلم" او ما شابه ، لا .. انه يشبه السطر الموسيقي.نصف ، ربع ، ثمن ،
    مالانهاية ، واحد على اثنين ، واحد على اربعة ، واحد على مالانهاية .. مالانهاية مقلوبة !
    رميت الوسادة و صحت:
    "مالانهاية مقلوبة !"

    لكن أليس لم يكن موجودًا ، يبدو انني غفوت و حللت المعضلة في أحلامي. المسافة التي على أخيل قطعها ليست لا نهائية ،
    بل هي أقرب للصفر ، بحيث سيبدأ من الصفر ثم يتسارع الى الثمن و النصف و الواحد حتى يركل تلك السلحفاة ، او ربما
    تفوز في النهاية.

    خرج أليس من الحمام ، قال وهو يحدق فيّ متعجبا:
    "هل كنت تكلمه ؟"
    "لا لا .. كنت أقول جواب المتناقضة."
    "آه هذه ، لا تقلق لقد حللتها."
    "فعلا ؟"
    "نعم لقد انتهيت منها ، انا الآن في معضلة أخرى."
    "حسنا لا داعي لإخباري اذًا ، لا أريد أحلامًا مزعجة ثانية."

    في هذه الاثناء اقتحم توريت الغرفة و كأنه جندي يفتح قلعة ، لدرجة ان اللعين فتح الباب بقدمه رفسًا ! مشى بغضب
    حول الغرفة قبل ان يقرر الاستقرار على الكرسي ، قذف كتاب أليس الذي كان عليه وجلس ، وقال بغضب:
    "لن أعمل في ذاك المكان مرة أخرى .. ذلك البدين السافل المتغرطس الحقير ، سأحرقه حيًا اذا رأيته مرة أخرى."

    كنت أنتظر أليس ليسأل "ماذا حدث؟" لإني كنت متعبا ولا اريد التكلم ، لم ينطق أليس بل كان أشبه بالمتوتر الذي
    سيقفز من النافذة بعد قليل ، اضطررت لأخذ الحمل فوق ظهري وسألت:
    "ماذا حدث ؟"

    أكمل توريت بغضب:
    "ذلك المشرف القذر ، انه يستمر بإهانتي و وضع كل الأعمال الشاقة عليّ كأني عبد ، حمار ، ابن ساقطة."

    عندما يستعمل توريت الأسماء المفصلة تعرف بأن بركانه يفور حقًا ، أرى بأنه لا داعي لإكمال هذه المحادثة
    فهو لن يقتنع بما نقوله ، وسيهدأ لاحقا ، وانا اريد النوم.

    سمعت أليس يقول بتردد:
    "أنت تجلس على ورقتي..."
    لم أرى شيئا ، الوسادة كانت تحجب الرؤية ، بل سمعت اذني صوت الورقة وهي تسحب من تحت شيء ، ثم تكرمش ، ثم
    تُرمى على شيء ما ، انفجر أليس وكأنه على وشك البكاء:
    "لماذا فعلت هذا ؟"

    لم يجب توريت ، صوت مارس البارد تسلل في الجوار:
    "مشاكل في الجنة."

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter