بين شجر التوت الأحمـر كان مستلقياً ينظر إلى السمـاء المعتمة إلا من ضوء النجوم المتلألئة، كان شارد الذهن يفكّر بعمق شديــد :
- " هل ستكون الأمور بخير؟ سيكون من الغريب أن يمضي الأمر بسلاسة.. إنها خطورة كبيرة! بل مجازفة،.. وقوف مملكة أورتيرا في وجه إمبراطورية سيليــنيــا لهو جنون بحد ذاته"
- آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه
صرخ بذلك مبعثراً شعره فاحم السواد بكلتا يديه وقد جلس بعد أن كان مستلقياً، قال بصراخٍ كما لو أنه يحدّث أحداً:
- أنـا خـائف!! خــائفٌ جداً من أن يكون الأمر وبالاً عليـنا! -وضع يديه على وجهه ليردف بصوتٍ مكبوت: كيف لوالدي أن يُقدم على خطوةٍ خطرة كهذه، ألا يلقي بالاً إلى تهديد سيلينيا
- أي تهديـد ؟
جـاءه الصوت من خلفـه لتلتقي عيناه البنيتان بعيني ذلك الشخص الداكنة بعد ان أدار رأسه ليراه، أدرك بأنه زاكس أخوه الأقرب له عمراً، والأقرب لنفسه كذلك.. تنهّد.
جلس زاكس عن يساره، واضعاً كفّه على كتف مـايك ليربت عليه قائلاً:
- مـا بالك مايك؟ ما الذي يشغل بالك إلى هذا الحد؟
زفر مايك بضيق أبعد وجهه عن زاكس... لا يريد أن يخبره بأمرٍ قد يثير حنقه، لاسيما ماضي زاكس مع مملكة سيلينيا، صحيح كان من المـاضي! إلا أنها فعلةٌ لا تغتفر أبـــداً! لازال يتذكر كيف كان زاكس كيف كاد أن يقتل نفسه بعد سماعه خبر مقتل خطيبته -في يوم زفافهما الذي تحوّل إلى مذبحة قبل أن يبدأ- كيف انهار ولم يستطع فعل شيءٍ كيف توقع الجميع بأن روحه قد قتلت.. من كان يظن بأنه قد تخطى ألمه... مايك مع كل ذلك لم يرد أن يفتح جرحاً قد اندثر، لذا التزم الصمت ولم يخبـر أقـرب أخـ...
- أعـلم.
نطق بها زاكس قاطعاً تفكير مايك، وقد كـان ينظر إلى العتمة الداكنة أمامه، على الرغم من ظلمة المكـان إلا أن نظرة الألم كـانت جليةً على تقاسيمه.. أدرك مايك ما يحدث كان قد شرد في تقاسيم أخيه دون أن يلحظ كلامه أو أن يفقه تعابير.. قال مايك بعد صمتٍ دام طويلا:
- مـاذا؟
- أعلم ما تفكر به.. لذا تحدّث أنا أسمح لك بذلك.
لم يدرك مـايك رغم صمته وتستره أن وجهه كان مرآة لأفكـاره، لم يدرك بانه كان مفضوحاً تماماً، بل كان يخبر زاكس بكل شيء، بينمـا يعتقد نفسه صامتاً.. طأطأ مايك رأسه بألم، قـال بصوتٍ منخفض:
- كيف علمت بذلك؟
- كـان لابد أن أعلم على كـل حـال.
زفر مايك باستياء قائلاً:
- الأمر يخيفني.. لا أشعر بالارتياح أبداً!
أجابه زاكس بينما لم يبعد ناظريه عن عتمة السواد أمامه:
- مـما؟
بكثيرٍ من التشتت حرّك يديه كأنه يعدد كثيرٍ من الأشياء أمامه، يخشى أن ينسى بعضها لكثرتها:
- الكثير من الأشيـاء الكثيـــر، زواج كيت من ألكاسندر، تعاون والدي مع كاميليـا، وقوفهم في وجه سيليـنيـا..و..
- إذاً؟
سأله زاكس وهو ينظر إلى عينيه ثم أكمل بثبـات:
- هل تريد من كيت أن تتزوج من إدوارد إذاً؟
فزع مايك لمجرد التصور قال بنبرةٍ تنم عن فزعه:
- لا.. لا طبعاً، ولـكن ..
عاد زاكس ينظر إلى العتمة الفارغة أمامه قـال بصوتٍ هادئ:
- مـا فعله والدي كان حكيماً بدلاً من تسليم ابنته أو بيعها فضّل الوقوف في وجه سيليـنيا
- لكنك تعلم بأن كاميـليا لم تجدد عقد التحـالف مع سيليـنيا منذ 20 عاماً!.. تعلم بمقدار الكره بين المملكتين، تعلم كذلك بـأن سيلينيا تبحث عن الفتيلة لتسكب فوقها الزيت!
قـال مايك كل ما فيه قلبه.. أخرج كل ما يكتمه!، كان خائفاً قلـقاً ليس جُبناً من الحرب لو اندلعت!.. بل خوفاً على أخته من أن يحدث لهـا شيءٌ وكـأنه كـان يعلم...
ربت زاكس على كتف مايك مهدئاً روعه، ولازالت نظرة الثبات تعلو وجهه:
- الوقوف في وجه سيلينيا كان من المفترض أن يحدث مذُ أن قُتلت سارة على أيديهم.. -تغيرّت ملامحه إلى انكسـار لمعت عيناه السوداوتان بألم كما لو أن الدموع تجمّعت على مقلتيه، لكن نبرة الثبات ظلّت كما هي أردف: كان جُبناً من والدي ألا يقطع التحـالف معهم! يجب أن نقف في وجه سيلينـيا مهما حدث! وكن على أهبة الاستعداد.
زفر مايك زفرةً قويـة، لم تفارقه التنهيدات والزفرات مذ أن أُعلنت خطبة كيت.. استلقى على ظهره ينظر إلى السمـاء بصمت.
داخل غرفـةٍ فسيحة في ذلك القصر الضخـم الفريد من نوعه، إذ الزجاج المتحد بالبيـاض من أبرز سمـاته.. جلست على طرف سريرها الوافر أبيض اللون تنظـر إلى أرضيتها الرخـامية بشرود، بجـانبها جلس أخوها يربت على كتفهـا ويتفحصها خاشياً أنت تكون أصيبت في مكـانٍ ما، كانت أنفاسها سريعة رغـم هدوئها.. كما لو أنها لازالت تغلي.. كانت بالفعل تغلي بل تشتعل قهراً.. تعرف بأن ثورانها ليس إلا وبالاً عليها ومع ذلك تمادت ولم تكترث لأنها تعلم بأنـها على حق!
حـاول أخوها أن يبحث عن كلمـاتٍ يهدئها بهـا إلا أن كـان لا يختلف عنها غضباً، قال وقد كانت عيناه السوداوتان تتمركزان النـافذة الزجاجية العملاقة أمـامه:
- لن أدعه يزوجكِ أياً كـان!! لن أدع كلمته هي الحـاكمة دائماً، سأجعله يرضخ بكل تأكيد!
قـالها من بين أسنانه بقهرٍ وإصرار، كان قد أقسم بذلك في داخله، على الرغم من أن بنيته لا تضاهي ربع قوة والده! كان قوياً صحيح لا نختلف لكن والده ليس قوياً إنما وحش!!، نيكولاس رغم كونه طويل القـامة عريض المنكبين إلا أنه لن يستطيع التغلب على والده، ورغم علمه بذلك قرر أن يتحدى نفسه! لن يفعل كمـا يفعل والده، أي لن تكون القوة هي الحـاكمة إنما الحُلم الذي كان من أبرز سمـاته ورثه عن والدته المتوفاة! وبطريقته الخـاصة أقسم أن يجعل والده يرضخ.. أردف قائلاً بنبرةٍ حليمة لا يستطيع قلبه أن يتجرد من هذه الصفة بالفعل:
- لكنه والدك على كل حـال لا يجب عليكِ أن تكوني هكذا أمامه، حتى لو كـان الأمر عصيباً، حسنا؟
وبالطبع لم تكن جولي من الفتيات اللاتي يتأثرن ببضع كلماتٍ مهدئة، كيف لا وهي تشبه أباها في عنـاده إلا أنها على الأقل أكثر تفاهماً وأسهل في التعـامل.
لكنه كان يعرف بالفعل كيف يتعامل معها وهو الذي رباها بعد وفاة والدتهما، أخذ يمسح على شعرها الأشقر المموج بطريقةٍ حانية، مقترباً أكثر منها حتى أسند رأسها إلى صدره ولا زال يمسح على شعرها قائلاً بصوتٍ حانٍ:
- أخرجيـه، قهركِ أخرجيـه.
استمر بترديد العبارة مرة، مرتين ،ثلاث حتى انفجرت باكية وقد غطّت وجهها على صدره متشبثةً بقميصه الأبيض ذي الياقة الملتفة حول عنقه، وشهقاتٌ متتالية تأبى أن تنقطع إلا وترجع أقوى.
بمجرد أن تستسلم باكيةً تتجرد من جميع مبادئها التي وضعتها حداً لنفسها، تتجرد من عنادها وتكتمها، تتجرد من كبريائها وكل ما يتعلق بذاتها التي صنعتها عندما كبرت تلك القوية العنيدة التي لا تتزحزح عن مكانها حتى بالقوة.. عندما تبكي فقط تعود طفلة غير عابئة بأي شيء، همها الوحيد أن تخرج بكاءها ولو كان عالياً وبالطبع لي أمام أحدٍ إلا هو.. أخوها الذي كان ولازال بمثابة الأم والصديق والملجأ الدائم وعلى الرغم من كثرة مكابرتها في البوح إلا أنها تستسلم دائماً عندما يبلغ الأمر ذروته، عندها فلا تشعر بنفسها إلا وهي تفجّر الحديث عنده، تبكي تصرخ ترمي الأشياء وقد يصل الأمر إلى أن تقوم بضربه لتشفي غليلها ويدعها تفعل ما تشاء، -كان ذلك أحد الأسباب الذي جعلها متمردةً غالباً-
بينما كانت تبكي بصوتٍ مسموع متشبثةً بقميص أخيها قالت رغم الشهقات والاهتزازات التي تضعف نبرة صوتها الحادة مما جعلها ضعيفةً جداً لا تشبهها:
- نيـ..كـولاس لا تجـ..ـعلني وحيـ..ـدة
تلك الجملة كان لها وقعٌ كبيرٌ على نيكولاس.. كانت جملةً منكسرة تحمل خوفاً كبيراً شعر به نيكولاس فشد يديه حول أخته أكثر قائلاً:
- بالتـأكيد لن أبتعد عنكِ أبداً
أطبق الليل بسكونه على ضواحي سيليـنيا العريقة ليعم الظلام أرجاء المكان، بينـما أغلب المدينة سـاكنٌ في هدوء، كان الجو حاميـاً وموتراً جداً في قصر آل نيكول - الأسرة الحـاكمة- على الرغم من اتخاذه ذات هيئة ضواحيه أي الهدوء كـان مطبقاً ظاهرياً فقط، هذا هو آرثر يقف منتصباً أمام ريتشارد الذي كـان جالساً على كرسي عرشه الأحمر الوافر، والتفاجؤ كان بادياً عليه، كان متفاجئاً حقاً من سرعة استجابة آرثر، بينمـا كان المعني يقف جـامدًا من خلفه البـاب البني الكبير على تقـاسيمه ترتسم عاصفةٌ من الفـراغ المطبق سلبت لمعـان عينيه الخضراوتين، واقفةً بجـانبه كانت والدته، شعرها المتوهج بلون الغروب، بدت متماسكة أكثر من زيارتها السابقة، كذلك بدت ساحرةً جداً بشكـلٍ غريب، مع أن المرض قد حفر بصمته بالتأكيد فجعل عينيها البندقيتين ذابلتين وجسدها هزيل إلا أنها وعلى الرغم من ذلك كله كـانت جميلة بشكـلٍ ملفت!
استمر الصمت عدّة دقـائق بـالفعل! عدة دقائق ولا زال المشهد ذاته لم يتغير، آرثر بنظرةٍ ثـاقبة ينظر إلى عيني الإمبراطور ريتشارد مباشرةً، بينما يتأمله الإمبراطور بشيء من عدم التصديق، مع ابتسـامة من ركن فمه غير مفهومة المعنى، وبملامح هـادئة سـاكنة جداً انتصبت بجانب ابنها.. حتى قطع ذلك الصمت دخول إدوارد إلى القـاعة الفسيحة ذات النوافذ الكبيرة جداً والتي تطل على الحديقة الخلفية للقصر، ما إن رأى آرثر حتى ارتسمت على ملامحه نظرة متعجرفة، لا تبشّر بخيـر، تقدم حتى وصل إلى آرثر قائلاً وهو ينظر إليه متفحصاً:
- آهـــا، هل هذا ابنك الغير شرعــي؟
عض آرثر شفتيـه وقد آثـاره النعت شادّاً على قبضتـه بغضب...
-تم البـارت 8-




اضافة رد مع اقتباس
؟
؟






..ولكن..اشفقت على إدوارد حين جاءت ام ارثر
...ارثر اعجبنـــــــــــــــــــــــــي كثيراً ...










المفضلات