___________
مشى بخطاً مترنحة، والفراغ يملأ رأسه، يتحدث إلى نفسه، يسمع أصواتاً من صنع بديل عقله الغائب، لا يميز الحقيقة من الخيال ، يخاطب جذع شجرةٍ متين على أنه جندي بدين، يضربه ويصرخ في وجهه آمراً إياه بالتنحي جانباً ثم يحتضنه فجأة منادياً إياه : أمي، أنتِ جميلة!
كما الشجرة وسط عتمة الغابة استمر بالتحدث لجذوع الشجر وشتم القمر، وضرب الهواء والصراع مع الفراغ، تسلل إلى مسامعه صوتٌ حقيقي أخيراً بعد غياب الواقع لفترة!:
- أر..جـ..جـو..ك، د..عـن..ـي أُقـ..ـابـ..ـل الحـ..ـاكـ..ـم!
بتضرعٍ صاحت راجيةً من الحرّاس الموافقة، وبحزمٍ أجاباها:
- ابتعدي من هنا قبل أن نقوم باعتقالكِ!
بين رجفات جسدها المستمرة مسكت بأيدي أحد الحرّاس الواقفين أمام بوابة القصر، وبرجاءٍ قالت:
- لـ خـ..ـمـ..سة عـ..ـشـ..رة د..دقـ..ـيـ..ـقة فـ..فـ..ـقـط!
نفض يديه بجفاءٍ ثم دفعها وبصوته الأجش صرخ:
- ألا تفهمين؟ -ضحك بسخرية وأردف - : يبدو أن لديكِ الكثير من العلَلّ في لسانك وجسدكِ الهزاز كأنه كرسي جدتي!، ودماغكِ العفن! ارحلي قبل أن أُنفِذّ إجراءاً آخر!!
رفع ذلك الجندي يده قاصداً تخويف المرأة بمحاولة ضربها لولا ذلك الصوت الذي أوقفه:
- أمي ... أمي.. دع أمي أيها الحثالة!
جاء الصوت صادماً للحراس، وكذلك كاثرين التي وقفت مشدوهةً تتأمل ذلك الرجل الذي جاء مترنحاً يهذي، لوهلةٍ حسبته ابنها حقاً لولا شعره الكستنائي!، يملك العينين ذاتها وذات الهيئة، احتضنها فورَ وصوله إليها وحرك يده بعشوائيةٍ في وجه الحراس صارخاً:
- لا تلمسوا أمي .. ابتعدو، ابتعدو!!
تحدث أحد الحراس محاولاً تهدئه:
- سيدي الأمير.. تعال، ادخل
حاول الآخر إمساك يد إدوارد وسحبه إلى داخل القصر، ولكنه أبى صارخاً، شاداً كاثرين أكثر إلى صدره:
- إياك أن تلمسها أيها العمود الخشبي!
- ما كلُّ هذا الضجيج؟
استدار الحراس نحو مصدر الصوت، ارتعدا حينما ميزا تلك الهيئة المهيبة بذلك الشعر الفاحم و العينين بلون السماء الصافية.
أجاب العمود الخشبي كما أطلق عليه إدوارد:
- نعتذر عن ذلك سيدي سام، لقد كانت امرأة مصرّةٌ على مقابلة جلالته، ثم همس مردفاً: ويبدو أن سمو الامير قد أفرط في الشرب، فهاهو يتشبث بالامرأة منادياً إياها "أمي"
ألقى سام نظرةً على كاثرين، ثم تقدم نحوها قائلاً:
- أعتذر على فظاظتهم معكِ سيدتي، ولكن هل لكِ أن تخبريني لماذا تريدين رؤية جلالته لهذه الدرجة؟
بحزمٍ أجابت رغم تأتأتها:
- إنـ..ـه أ..أمـ..ر شـ..ـخصـ..ـي، فـ..فـقـ..ط أخـ..ـبـ..ره بأن امـ..ـرأةً اسـ..ـمـ..ـها كـ..اثـ..ـرين تر..ريـ..ـد مـقـا..بـلـ..تـه وسـ..ـيوا..فــ.ق !
اندهش سام من ثقتها، ولكن ما اثار دهشته أكثر نظرتها الحانية في وجه إدوارد السكير والذي يحتضنها بين يديه.
فكّر بأنه من المعيب جعل سيدةٍ تنتظر، وحتى إن جعلها تنتظر في الخارج فلن يدخل إدوارد القصر وسيعلم الملك بأمر ثموله فيغضب ويفجّر غضبه في وجه خدمه وحرسه، فبدلاً من تلك الضجة، سيغطي على إدوارد ويدخل السيدة، وبالفعل..
استغربن خادمات القصر تَشَبُثَّ إدوارد بامرأةٍ غريبة تتصافق بين يديه من الرجفات المتتالية
أمر سام الخادمات اللواتي كن يحدقن مشدوهين:
- اخذوا سمو الأمير إلى غرفته، واجعلوه يرتح قليلاً
همَّت الخادمات بمسك إدوارد محاولاتاً فصله عن كاثرين، ولكن ردة فعله اتجاههن هي الصراخ مبعداً أيديهن عنه.
نظرن بيأس إلى سام الذي بدوره نظر إلى كاثرين مخاطباً إياها:
- سيدتي أعتقد انكِ الوحيدة القادرة على إبعاده!
أدارت جسدها بين يديه ثم دفعته برفق قائلةً بابتسامة:
- سـ..ـوف آتــ..ـي قـ..ـريـ..ـباً، اذ..هـ..ـب إلـ..ـى النـ..ـو..م
حدق في وجهها بصمتٍ لثواني، ثم لمسَ وجنتها اليمنى بكفه وذهب إلى غرفته بخطاً طبيعيةً، وكأنه لم يكن ثملاً!
__ __ __ __
طلب منها أن تنتظر قرب بوابةٍ كبيرة يكسوها البياض بينما دخل هو من خلالها متوجهاً إلى سيده الحاكم ريتشارد خاطبه باحترامٍ شديد مخفضاً رأسه:
- سيدي الحاكم ريتشارد، هناك من أصرّت على مقابلتك بنفسها
قطَّب ريتشارد حاكم مملكة سيلينيا حاجبيه الأشيبين باستنكار قائلاً:
- هل هي ملّحةٌ لدرجةٍ جعلتكَ تقبل يا سام؟!
- لقد كانت مليئة بالعللّ الشديدة ومن بمثل حالتها لا أعتقد أن لديهم القدرة على المجيء عنوةً إلى هنا وتحدي الحراس بإصرار مع لسانٍ ثقيل ورجفاتٍ متتالية!
ضحك ريتشارد بسخريةٍ قائلاً:
- ستطلب المال بالتأكيد للعلاج!، لا تكن طيب القلب، هؤلاء الشحَّاذين اطردهم فقط!
بحزمٍ أجاب سام:
- لقد قالت بأن اسمها كاثرين،وبأنك ستقبل برؤيتها بمجرد سماع اسمها
ضحك ريتشارد بصوتٍ عال، ومالبث أن أدرك الاسم وصاحبه حتى تبدلت ملامحه فوراً من السخرية إلى الصدمة، قال مشدوهاً:
-أقلت كاثرين؟
أجاب سام مستغرباً:
- أجل سيدي!
- هل شعرها أشقرٌ ذو بريقٍ بلون البرتقال؟!
أجاب باستغربٍ أكبر:
- أجل سيدي
بغير وعيٍ قال ريتشارد:
- أدخلها فوراً ماذا تفعل واقفاً هنا!!
قطَّب سام حاجبيه ياستنكار قائلاً:
- لكَ امرك سيدي
__________________
- إذاً نُعلن خطبة الأميرة كيت بابننا أليكساندر رسمياً؟
- أجل بكل تأكيد
قالها وقد زينت ثغره ابتسامة أردف:
- وتعاوننا على ردع سيلينيا وحاكمها الظالم
أجابه وقد نظر إليه بعينيه الزرقاوتين قائلاً:
- بكل تأكيد
وقف ليونارد وباشره بالوقوف كارل كذلك تصافحا مهنئين بعضهما
- لننظم إليهم ونهنئ كيت وأليكساندر
"قالها ليونارد"
________________
تملكته الصدمة ولكنه حافظ على هدوئه قائلاً:
- لا أصدق بأنكِ أتيتِ! -ضحك بسخريةٍ حتى ظهرت نواجذه الصفراء- : كم مرّت؟، ثمانيةَ عشر سنة؟
لم تهتز لسخريته، صمتت وهي تتأمل ذلك الوجه البشع، وكيف أنها ارتكبت جرماً عظيماً في حياتها لن تنساه ما حيت!
قال وقد وقف متقدماً نحوها من بعدما كان جالساً فوق كرسيه الذهبي:
- كم بلغَ من عمره الآن؟، عشرون سنة؟!، واحدةٌ وعشرون سنة؟ وستستمرين في إخفاء هوية والده عنه؟ خوفاً من أن يهجركِ!
أجابت أخيراً محاولةً السيطرة على لسانها الذي يأبى الإنصياع لأمرها:
- لقــ..ـد عـ..ـلم بـ..ذلـ..ـك وخـ..ـاب أمـ..ـله فـ.ـي والـ..ـده الـ..ـذي كـ..ـان يتـ..ـخيـ.ـله !
رفع ذقنها بيده المتجعدة وشبح ابتسامه رُسم على شفتيه:
- ماذا فعل الزمان في تفاصيل وجهكِ؟ هه! أصبحتِ عجوزاً في سن الأربعين!
لم تأبه له، قالت بعدما أبعدت يده عنه ذقنها:
- يـ..ـجب أن تأخـ..ـذ آرثـ...ـر لـ..ـقد بـ..ـلغ سن الرشـ...ــد وهـ.ـو بحـ..ـاجـ..ـةٍ إلـ.ـى والـ..ـد!
من فرط دهشته ضحك بهسيترية:
- من التي قالت بأنها لن تأتي به أبداً إلا إذا ماتت وهاهي حيّةٌ تتخلى عنه؟!
بهدوءٍ قالت:
- لـ..ـقد بـ..ـدأ المـ..ـوت يأخـ..ـذنـ..ـي إلـ..ـيه أعـ..ـلم بأن والـ..ـد ابنـ..ـي شـ..ـخصٌ سـ.ـيء ولكنـ..ني ربـ..ـيت ابنـ..ـي جيـ..ـداً وأنـ.ـا أثـ..ـق بـ..ـه، وأعـلـ..ـم يقيـ..ـناً بأنـ..ـه لن يتأثـ..ـر بحـ..ـثالـ..ـةٍ مثـ..ـلك!
قال بحزم:
- انتبهي لألفاظكِ!، بلإضافة كيف ستجعلينني فجأة أذيع خبر وجود ابنٍ آخر لدي وعمره عشرون سنة!
بسخريةٍ قالت:
- وكـ..ـأن لا أحـ..ـد يعـ..ـلم!
سكت قليلاً ثم قال جملةً نزلت على قلب كاثرين كسهمٍ قاتل:
- إذاً يجب أن يعيش لديّ منذ الآن!
-تم البارت 6-
المفضلات