![]()
دخلت انجل إلى المقهى كالعاصفة يتبعها ليو كالموج العالي , أسرع كلاهما من دون كلام بارتداء المريلة و حمل منشفة و دلو من الماء ليبدأ التنظيف الصباحي قبل أن يصل الزبائن , لفت هذا التصرف المعلم , و رغم إعجابه بالهدوء الذي نادرا ما يكون بينهما إلا انه أراد أن يستفسر من باب الفضول عن الأمر
هتف مرحبا : أهلا عزيزتي انجل , مرحبا بعودتك ليو
ردا عليه التحية باقتضاب أشعل فضوله أكثر فسأل بحذر : هل من شيء في هذا الصباح الجميل يعكر صفوكما ؟!
اصدر ليو صوتا ساخرا : لقد عرفت ( المزاج السيئ ) منذ يومين فقط !!
و كان هذا سهم سام موجه إلى انجل !!
لم تكن لتترك الأمر يمر فأخرجت قوسها ( أي لسانها ) قائلة بحلاوة : أوه أيها المعلم , إنني أفكر جديا في توظيف بائع الحليب المزعج هنا , فلن يتدنى مستواه إلى مستوى النادل لدينا !!
كانت الشرارات الغاضبة تنتقل بينهما , و تجعل الجو ثقيلا يهدد بالانفجار !!
امسك ليو الممسحة و ضرب الأرض بها بقوة قائلا : أراهن انه يتغزل بك مرغما ليقبض ثمنا جيدا للحليب الفاسد !!
مسحت إحدى الطاولات بعنف : حقا ؟ اعتقدت أن هذا ما يفعلنه أولئك القبيحات حتى يجعلنك تشعر بوجودك !!
و كان هذا أكثر من كافي حتى يحمل بكلتا ذراعيه الطاولة الخشبية و تلتقط هي الكرسي المتين و يواجهان بعضهما , لكن قبل أن يحتد الشجار سأل المعلم بحيرة : هل حدث أمر ما أثناء عودتك من الجامعة عزيزي ليو ؟
سألت انجل بدهشة : الجامعة ؟! هل هذا الأحمق لا يزال طالبا ؟!
استعد ليو لرمي الطاولة قبل أن ينهاه جده : انزل الطاولة ليو , اجل عزيزتي إن ليو طالب في السنة الأولى من الجامعة قسم اقتصاد و إدارة أعمال
قالت بذهول : إذن هو في الثامنة عشر , في مثل عمري ؟!
أجابها المعلم بحبور : اجل
أطلقت ضحكة ساخرة و هي تهتف : انه مجرد طفل !!!
التفت نحوها وهو على وشط الانفجار : هل نسيت نفسك ؟!!
أجابته بحذق : إن الفتيات أكثر نضجا من الفتيان دوما , ألا تعلم هذا ؟!
أجابها ساخرا : و يدخلن مرحلة الشيخوخة قبلنا أيضا !!
و كانت هذه ملاحظة أخرى تستوجب العراك !!
قال المعلم بلطف : حسنا لديكما عشر دقائق لتنهيا التنظيف و ثم اذهبا إلى المخزن لتحضرا لي مكونات ضيافة اليوم
و كان هذا الأمر إعلانا لنهاية الشجار , انهيا عملهما بتناغم صامت و إن لم يخلو من اهانة أو تعليق ساخر , و توجها بعدها إلى المخزن , لم تعرف انجل ما الذي يقصده المعلم بالمخزن و لكنها اكتشفت انه عبارة عن حجرة متوسطة الحجة تحوي أرففا و ثلاجتين لحفظ الحلويات , جمع ليو عددا من الأكياس و ألقاها بين ذراعيها بلا اهتمام واضح , رفضت أن تستسلم و تتركه يرى أنها ثقيلة عليها فتجاهلته عامدة , صعد فوق سلم خشبي قصير ليصل إلى الرفوف العالية , لاحظت انجل أن فرق الطول بينهما ملموس , و لا زال يحتاج إلى سلم !!
رسمت هذه الفكرة الساخرة ابتسامة على وجهها
سألها فجاءه : ما المضحك في الأمر ؟!
أجابته بلامبالاة : فكرت انك مشهور جدا إن كانت الفتيات يلتففن حولك منذ الصباح !!
احمر وجهه خجلا وهو يقول : اصمتي .
تجاهلته و هي تقرأ بتركيز مكونات ا حدى المقادير , وقف ليو يتأملها بصمت , لم تبدو مزعجة جدا و هي صامتة , كان وجهها يتغير بالكامل عدما تنتبه لأمر ما , و لم يتمكن من التوقف عن تأمل لون عينيها الفيروزي , تمتمت أخيرا بخجل : شكرا
التفتت نحوه بدهشة تسأله : ماذا ؟
عاد إلى عمله قائلا : لو لم تأتي لنجدتي اليوم , لم أكن لأتمكن من الوصول إلى المقهى و فتحه في الوقت المناسب
تفاجئت تماما من تصرف ليو , لم تتوقع حتى في أحلامها أن يشكرها يوما , و خصوصا بعد انتهاء شجارهما بأقل من خمس دقائق
ربما يحاول أن يكون لطيفا همست لنفسها و قررت مجاراته : هل يحصل هذا معك دائما ؟
اخرج كيس الطحين وهو يجيب : منذ المرحلة الإعدادية .
قالت بدهشة : منذ كنت طفلا ؟!!
التفت نحوها مجيبا بجدية : اجل , لم تكن الفتيات ليتوقفن عن اللحاق بي , و لم أكن أجرؤ على إزعاجهن أو صدهن , خوفا من أن تحاول إحداهن الانتقام مني بكشف سر المقهى
ازدادت دهشتها و هي تسأله : هل كنت تعمل في المقهى منذ ذلك الوقت ؟
أجابها : ليس عملا كاملا , كان جدي يسمح لي بغسل الصحون و التنظيف فقط , و عندما اتجهت للمرحلة الثانوية بدأ يسمح لي بتقديم الطلبات للزبائن و محاولة تقديم القهوة الخاصة بي .
شعرت أنها مجرد هاوية أمامه , خبرتها تعد محدودة جدا , كرهت شعورها بالضعف أمامه فسألته : و لم تحاول الفتيات كشف سر المقهى ؟
ركز نظره على علبة الكريما قائلا : ليس أنهن سيحاولن .. أنا من لا يستطيع ترك الأمر لفكرة محاولتهن
شعرت أنها ضائعة معه فسألته : و لماذا ؟!
نزل من السلم قائلا : بسبب وعد ... أحاول أن أحافظ عليه ..
حمل نصف أغراضها مغادرا المخزن , بينا وقفت هي في الخلف تحدق في الطريق الذي سلكه ...
و ألاف من الأسئلة تعصف بداخلها ...
*********************************************






اضافة رد مع اقتباس
















رائـــع تستحق منى كل تقدير واحترام



المفضلات