بسم الله الرحمن الرحيم
الإنسان ما هو إلا تركيب معقد متشابك محير لا يمكن تحليله بسهولة بوساطة مجهر وترشيح وفلسجة ، أو بتطبيق عملي في نظرية روحانية أو نفسية يظن البعض أن تطبيقها سهل جدا ... فهو بشكل عام وإن اختلف الوصف والمقدار والشاكلة من شخص لآخر ، فهو مجموعة من العواطف والإنفعالات والغرائز والذكريات والمشاعر والأحاسيس والمنطقيات والتركيبات المعقدة التي تنتج عن إتحاد تلك العناصر السابقة وأكثر منها ..
عندما نتحدث عن النفاق فنحن نتحدث عن كتلة سوداء كبيرة تتواجد في كل شخص ( وان اختلفت بطبيعة الحال تركيبتها وكيانها الخاص ) وهناك من يحييها وهناك من يتحكم بها ولا يجعلها صفة دائمة ممارسا لتطهير نفسي روحاني يجعله يرى الأمور بمنظار آخر مختلف ..
الموضوع متشعب جدا وسأحاول الحديث عنه بما أستطيع من طاقة وقدر بمشيئة الله ... النفاق له العديد من الشعب والتواليف والنوعيات والأصناف التي تختلف باختلاف الظروف والبيئات ومدى التقوى الدينية والتربية الإجتماعية والظروف المحيطة .. وكذلك بمدى الحاجة في الظروف الطارئة التي تكون عادة مخترقة لأي وضع مهما كان ، أو في مدى التأقلم خصوصا العيش في بيئات قد تحتاج لأن يرتدي المرء قناعا .. تجنبا لمظلمة أو أذى ..
تعريفنا البسيط للنفاق هو التالي : ( هو أن يظهر المرء عكس ما يبطن ) .
نبدأ بنقطة النفاق الديني ... وهي تقريبا التي سأحاول المرور السريع عليها بمشيئة الله .
أ : كلنا نعرف عادة أنه في أي ثورة أو أي تغيير اجتماعي أو نصر ديني أو سياسي واستراتيجي أو عسكري ، دائما ما تكون هناك شخصيات ضعيفة السطوة تسعى لركوب الموجة استغلالا للظروف المحيطة ولاستخلاص أكبر فائدة جراء الإلتصاق بأصحاب المكسب الحقيقي ، وتقريبا يدخل نمط الاستغلالية، وأيضا لا ننسى إغفال جانب ما يسمون بالمندسين ( أصحاب المصلحة التي دحرت ، خصوصا ممن كانوا يعتبرون قيادات بها مصالح معينة ستفقد في حالة الإبعاد ) والذين يحاولون كسب التعاطف بإدعائهم التعاون والوقوف بجانب المنتصر ( أيا كانت هويته وأيا كان نوع نصره ) وهؤلاء غالبا ما يكونون طابورا خامسا مستعدا لنقل المعلومات والغدر في أقرب فرصة ممكنة سانحة ، لذلك تلجأ القيادات غالبا إلى وضع جواسيس ومخبرين في هذه الأوساط وذلك لنقل التحركات والخطط الموضوعة من قبل هذه الفئات بل وأحيانا استعمال القوة الغاشمة والقضاء على القيادات والأفراد من هذه الفرق المندسة المنتشرة لزرع الخوف والرهبة وجعل تلك الفرق تمارس التفكير ألوف المرات قبل القيام بأي نوع من التحركات المستقبلية .
كلنا نعرف تقريبا كيف بدأ الدين الإسلامي في مكة ضعيفا ومهانون أتباعه ومتعرضون للكثير من العقوبات من قبل كفار قريش ، وكذلك أيضا الإجبار على العودة على الكفر ، فتقريبا كان هذا معتركا خطيرا يخيف المرء من دخول الإسلام ..وتحديدا وبشكل أدق قبل غزوة بدر كيف تحولت الأوضاع في المدينة لتتفق القبائل المقيمة في المدينة بمختلف أطيافها ( من بينها قبائل اليهود طبعا ) على جعل الرسول محمد عليه الصلاة والسلام هو القائد للمدينة المنورة ، وذلك طبعا لم يسر أحد أهم قادة المدينة قبل مجيء الرسول عليه الصلاة والسلام ، وأظنكم تعرفونه جميعا ، وهو عبدالله بن أبي بن سلول .. الذي اغتاظ من خسارته لمكانته ، فلجأ إلى التحايل وإظهار الإسلام في العلن بينما التخطيط للقضاء عليه في السر ، والتعاون أحيانا مع اليهود ليتم القضاء على المسلمين . وتقريبا ما يسمون بالمنافقين من الطابور الخامس استمروا وترعرعوا في المناطق التي يفتحها المسلمون عادة ، وبعضهم كان يدعي الإسلام للحصول على مكاسب سياسية واجتماعية ، أو التقرب للخلافة للحصول على المنافع والمصالح الشخصية البحتة ، ولعل أشهر الأمثلة تذكر في العصر العباسي خصوصا وصول بعض الملحدين والزنادقة ممن ادعوا الإسلام إلى مناصب سياسية مقربة من الخلفاء بشكل متسارع ورهيب جدا ، وكان هذه الطوائف غالبا لا تحافظ على ديانتها الأصلية وتظهر الإسلام ظاهريا فقط .. وهذا لوحده جانب واحد فقط من أنواع النفاق المتعددة .
ننتقل للنفاق المسمى بالرياء ، وهو من أحد أنواع النفاق المفسدة للعبادات بشكل كبير جدا، وجعل الأهواء والمصالح وسماع ثناء الناس مدخلا ومحفزا ( غير وجه الله تعالى وطلب مغفرته ومرضاته ) ، وهذا نوعا ما ربما لم يسلم منه الكثيرون ، وتقريبا كان السلف الصالح يخشون من هذا النوع من النفاق بشكل كبير وكانوا يستعيذون بالله تعالى منه ، وهو تقريبا أحد مداخل الشيطان على الإنسان التي تتفرع إلى
( مداخل الشيطان على الإنسان) ..
1- الكفر بالله
فاذا كان الإنسان مؤمن أنتقل للمرحلة التالية
2- مرحلة البدعة
يجعل الإنسان يبتدع فى الدين ويصدق البدع فاذا كان هذا الرجل من أهل السنة ولم يفلح هذا معه أنتقل للمرحلة الثالثة
3-مرحلة الكبائر
المعاصى الكبيرة فاذا كان هذا الرجل عصمه الله من الكبائر أنتقل للمرحلة الرابعة
4-مرحلة الصغائر
فاذا عصم منها أنتقل للمرحلة الخامسة
5-مرحلة المباحات
يجعل الرجل مشغول ويضيع وقته فى الأمور المباحة فلا ينشغل بالأمور الجادة من أمور الدين واذا لم تفحل هذه الحيلة أنتقل للمرحلة السادسة
6-العمل بالمفضول عن ما هو أفضل منه
ينشغل بعمل صالح ولكن عما هو أحسن منه ...
وهناك جانبان مهمان أيضا قد يتسبب بهما ذلك وهما الكمال الزائف والفخر بالعمل ( مما يؤدي لاحقا إلى رفض بعض الأعمال بحجة وجود بدائل عنها ومشفعات من أعمال سابقة ) ، وكذلك تغيير النظرة إلى النفس من خلال العبادة غالبا ، حيث جعلها مشكوكة فيها ، وتزداد الوساوس فيها بشكل غير معقول ، أو غير معتاد المرء عليه ....
وهذا تقريبا يمكن علاجه بمشيئة الله تعالى على مراحل متعددة من بينها الذكر وقراءة القرآن ، وكذلك هناك جانب مهم وهو وضع فكرة ( عدم فائدة مديح الناس أو ذمهم في نظرتهم لطريقة عبادتك فذلك شيء بينك وبين الله سبحانه وتعالى ) .... وكذلك محاولة ابعاد الظن ( وأشدد على الظن بالنفاق ) فتلك الفكرة الأولى التي قد تفسد العبادة ، فقط على المرء أن يؤدي ما لديه من عبادات بخشوع وباطمئنان .. وعدم التفكير بتفاصيل دقيقة في العبادة بشكل منغمس لا فائدة منه سوى التطنع وفتح باب لا داعي له ..
حسنا نتوقف هنا فيما يتعلق بالنفاق الديني وتوضيحي لمسألة النفاق بشكل مختصر ...
التجربة الأولى دائما هي الصعبة ، بعدها يصبح كل شيء متعودا ، بعض الأشياء كانت قدس أقداس محرم ، واليوم هي مجرد خرق بالية تتمزق ، والبعض كان شيئا ممنوعا، أصبح اليوم شيئا عادي لا يحرك شعرة من ضمير أو قلب أو خلق نبيل ... أعصابنا مصنوعة بطريقة خاصة تجعلنا نضع ما نريده محل تقدير أو محل تحقير ، نملك قدرة على التكيف قل من يستغلها الشخص لكي ( يمشي حاله ويكبر دماغه ) .. ويتحنب مشاكله وآلامه ...
ننتقل لنقطة أخرى وهي نقطة رفض الحق ، وغالبا ما يكون ذلك تعنتا ونوعا من السفسطائية والنفاق الواضح في الوقوف مع أصحاب الباطل غالبا أو في الوقوف مع الأقرب ( سواء كان من جنس معين أو جنسية أو إلخ ... ) وبدون الاحتكام للحجة والدليل المنطقي ... فقط عناد وتحجر وتثبيط متعمد ..
الشيء الآخر ، جميعنا علينا أن نعلم أنه طبقا لتركيبتنا المعقدة بما فيها من جانب مادي وروحاني ،ما لدينا الآن هي مادة خام تتأثر بما حولها من المؤثرات الداخلية والخارجية وحسب ظروف وإمكانيات تنشيء صراعا بين الرغبات الداخلية وبين العوامل الخارجية ..
مما يجعلنا أمام احتماليات متعددة جدا لتكوين الشخصية الداخلي والخارجي الذي يتناول ويتعامل مع مختلف المحاور والقضايا والأطروحات والمعاملات والاستجابات والأحداث والأخبار والمجالس والإحتماليات والنظريات والصدامات المتنوعة بمختلف تحولاتها وآثارها ونزاعاتها ومدى إيجابياتها أو سلبياتها ..
تقريبا النفاق لا يدخل في أي مجال إلا وسبب نوعا من الإفساد والبيروقراطية والمحسوبية ، وهي أمراض عانت منها الدول ، حيث تخفى تركة الحقد في الصدور والغيرة والغل والكمد واتباع أساليب معمعية لا تؤدي سوى للركوب فوق الظهور بطريقة قذرة تنم عن نفس مريضة حاقدة غير قادرة على حسن التدبير أو حتى النوم في السرير أو إشعال القنديل وتعبئة الماء في القوارير إلا بالنفاق والاستغلال والكذب بشكل حقير لكي يتحقق ذلك الأمر الخطير وهو النفاق المستطير في صورة منتشرة ومخفية ومستترة ..
حيث لا نجد سوى محسوبية تطيح بفرص الآلاف بنفاق مستتر وكذبة سوداء بعدم إتاحة الفرصة أو عدم وجودها ، أو اختفاءها منذ البداية أصلا ، لنعتمد على قوم البسكويت لينجزوا المعاملات وأصحاب المكالمات العبيطة التاركين لمسؤولياتهم... ويا عجبي أثناء التفتيشات الإدارية المنافقة عند سماع كلمات التمجيد والتهليل والتسبيح بالحمد والثناء ،
على كل حال ننتقل لنقطة أخرى ، فيبدو أن لدي شهية للحديث والثرثرة ..
العلاقة مع الآخر تحكمها عادة العديد من الأمور منها الطبقة الإجتماعية والعمر إلخ ، ولذلك قد نرى رسمية متكلفة في غالب الأحيان وقد تعد نفاقا وقد لا تعد ، حسب نفسيات الناس ومن يصادفونهم .. فذلك يعتمد على مدى المعاملة ومدى التقارب في الشخصيات أو تنافرها ...
يعني صراحة التفكير المادي والصراعات على المال والكأس والمرأة والثورة والجاه والسلطة ، يجعل الناس يهبطون في تصوراتهم وأحاسيسهم وأعمالهم وأخلاقهم وتصرفاتهم بشكل يثير الإشمئزاز بطريقة حاربها الدين وحذر منها لأنها تؤدي إلى فقدان الثقة وانتشار العديد من المشاكل اللا نهائية جراء هذه الآفة الملعونة ،
العلاقة مع الآخر حقيقة إن لم يغلبها جانب الصداقة والصراحة والحقيقة حتى لو كانت مرة ، فذلك بنظري أنه لا داعي للإحتكاك بين البشر من الأساس ، تجنبا للمشاكل ولكمية المصائب التي ستحصل...
ختاما ..
البعض أصبح يمثل خوفا ، وليس رغبة ، إلا لو كانت لرغبة قذرة تغذيها الحوافز البحتة ذات اللذة .. فقط ... مسيرة تتكرر بشكل روتيني ممل في قيود يضعها الشخص لنفسه ، إما لإراحة نفسه من عناء المجازفة والمنافسة ، أو يرتدي القناع ويلبس آخر تنفيذا لمصلحته المريضة ، هذا إن لم يصبح جلده كالحربائة ...
للأسف تقتل المعارف والمواهب والقدرات ، والسبب هو حب التشابه ..وارتداء الأقنعة .... بل وشيئا فشيئا تصبح لدينا مئات الملايين من الأجساد الميتة ، خاوية الروح ، فاقدة الضمير ، منزوعة العقل ....
الحياة لا تسير إلا بتحدي وإلا فالظروف ستسحقك بدون رحمة مطلقا ، البعض يضيع نفسه في عالم لا يعرف ما هو إلا من رؤية مشوشة بالضباب ، يخاف ولا يخاف ، يتمنى وهو أصلا لا يتمنى .. لا يملك القدرة على أن يخطط ويرسم ويفكر ، لماذا ؟ لأنه سمح للغير أن يتحكم فيه ويسلب إرادته ، مجرد دمية أو زيادة عدد يستفاد منها حتى تعود ترابا فقط ... حياة مهدرة ضائعة .. أعماله قصاصات وأوراق مشوهة ، مليئة برموز وألوان وعلامات لا يفهم منها شيء.. .. كل ما حققه مجرد أوهام وسراب بقيعة .. أو ربما مجرد تماثيل منحوتة مقلدة لا جديد فيها إلا على قوانين ومقاسات من يمسك عقله أو يخيف نفسه ...
لا قيمة لنا إن لم يؤدي كل شخص ما عليه ويرضى ضميره وخالقه ، وأن يكون هو نفسه ..بدون نفاق ، بدون أقنعة ..عندما قرأت عن النازيين لم أذكر أني قرأت بأنهم يهتمون " بكتابة الجرائد " !!!
على العموم هذا من أهداف الموضوع الرئيسية ، و لكني سأقرأ ما كتبت باهتمام شديد فأنت تستحق كل الاهتمام ، و سأعود بإذن الله لأرد على ما نشرته بما يوازيه من الأهمية و هذا لو استطعت فعل ذلك ، فانتظرني !!
~ شكراً عظيماً لك . . . و تذكر سأعوود لك ! ~






!!!
اضافة رد مع اقتباس





!!!
)
!



المفضلات