الصفحة رقم 144 من 146 البدايةالبداية ... 4494134142143144145146 الأخيرةالأخيرة
مشاهدة النتائج 2,861 الى 2,880 من 2920

المواضيع: You Are My Butterfly

  1. #2861

    الفصل الثاني والأربعون ... والأخير ~


    إكسير الخلود


    ؛

    خيطُ نورٍ نحيل، يشقّ طريقه باستقامةٍ تثبت قوّة موقفه، ضدَّ سلطان الظلام الذي يكتنف الأجواء الساكنة المحيطة بجسدٍ هزيل، يستلقي بوداعة على ارضٍ رخامية، تركت خدوشاً بسيطة على بشرةٍ ناعمة ... خدوشٌ عكست عدم مبالاة صاحب الجسد لها. كأنه .... جسدٌ بلا روح، وكان ليبدو الأمر جليّاً ومؤكداً لولا تحرّك الجزء العلوي منه بضعفٍ وخمول، بصورةٍ تدلّ على عمل عضو الرئتين لإيصال الأوكسجين له. هه؛ يسمونها بعملية الشهيق والزفير، لكن يبدو الأمر بالنسبة ( لها ) مجرّد فرصةٌ لا جدوى منها لعيش دقيقة أخرى .. أيُّ يأسٍ تملّك تلكَ الروح التي طالما عُرفت بتحليقها بين رياضِ الحرّية بأجنحة القوّة والجمال؟؟ ... نعم جمال !
    جمالٌ أسطوريّ خلّدته سنابل ذهبية تكلّلت بخصلات شعرٍ باتت تستلقي باستسلام على جانبي وجهها، عينان حملت لون السماء الصافية، تكسوها بتلك الثواني غيومَ الضياع والتيه ... روحٌ تلوك علقمَ المرارة بكلّ شهيقٍ يتبعه زفير .. روحٌ آثرت ان تذوي بالصمت القاتل على أن تتكلم كلماتٍ من شأنها أن تُبيد من حولها لو أطلقت العيان لها ... لو كانت الكلمات ملموسة !
    ضوء باهت شقّ دربه من خلفِ نافذةٍ صغيرة، توسّطت حائطاً رمادياً بالقربِ منها، بات يقترب صوبها لحظةً تلوَ الأخرى ... حتى استقر بوداعة على وجنتيها الشاحبتين، لتضفي على محياها لمحةً إضافية تتكلّل بالسكون المكسوّ بمرارة الاستسلام ...
    السؤال هوَ .. لأيّ شيء تستسلم ؟! للحياة ؟ أم للموت !

    لو أردنا أن نصوغ عنوانٌ مثاليّ لما نراه تينكَ اللحظات، لكانَت لوحة الصمت هوَ العنوان المناسب دونَ شكّ ...
    ولكن ما عكّر صفوَ الأجواء بعدَ لحظاتٍ قِلال قد أزاحَ العنوان ذاكَ جانباً، حينَ تعكّر الصمت بصوتِ -خطواتٍ- غليظ يقترب ثانيةً بعدَ الأخرى من تلكَ الأنثى المستلقية بلا مبالاة على الأرضية الرخامية ...
    رجلٌ خشن الملامح بعينين سوداء حادّة، وقفَ قبالة فتاتنا بنظراتٍ تحمل معانٍ دنيئة عبّرت بوضوح عن نوايا صاحبها ... بتكشيرةٍ أظهرت أسنان صفراء انحنى نحوَها لتلامس أنامله القذرة خصلات شعرها الحريريّ .. لم يبدُ عليها التأثر .. بل لم تبدُ أنّها قد لاحظت وجوده من الأساس ... وكأنها قد عزلت وعيها بقوقعةٍ من فولاذ أطبقت على كلّ حواسها وجعلتها تنجرف إلى اللاوعيِ ألقسري رغمَ أن عيناها وجسدها يخبر من يراها أنها بوعيها الكامل ... أو على الأقل وعيها الكافي لتشهد على ما هيَ مقبلة عليه ...!!
    يبدو أن عدم اعتراضها قد راقَ لذاك الرجل فما فعلَ سوى أن انحنى أكثر حتى أخذ يشمّ عبقَ شعرها بنهمٍ عكس قذارة أفكاره الدنيئة ... اتسعت ابتسامته الصفراء ليصل لمسمعها فحيحهُ المدجّج بسموم روحه : لم يخطئ رجالي حين أخبروني أنّهم قد حصلوا على كنزٍ أغلى من الألماس بدل كلمة ( شابة )، من المؤسف أن رجال الأمن لم يعترضوا طريقنا .. مؤسفٌ بالنسبةِ لكِ على الأقل ..
    استلقى على الأرض بجانبها ليطلق العنان لضحكاته الشيطانية والتي جعلته ينحني نحوها أكثر وكأنه مقبل على حركةٍ أكثر جرأة من ما فعله سابقاً ... هبّ بوجهها ريحُ أنفاسه القذرة وهوَ يستمر بهمساته الملوثّة : أخبريني يا حلوتي الصامتة، هل تعلمين ما أنوي فعله بكِ ؟!
    لم تبدِ المستمعة أيّ ردّ فعل .. بل لم يبدُ أنها قد استمعت لهُ من الأساس .. من ما جعل ابتسامته تتسع أكثر فأكثر وهوَ يفسر ( صمتها ) موافقة واضحة وصريحة على ما ينتوي فعله ... من ما جعل يداه تمتد بوقاحة نحوُ كتفيها لتزيح طرفَ فستانها الرماديّ بنهم ... كانت تلك اليدين على وشكِ أن تصل لغايتها لولا أن أزيحت بكلّ قوّة وما وجدَ القذر نفسه – بطرف ثانية واحدة –سوى مرمي بزاويةِ الغرفة بفعل ضربة قويّة تلقاها من الخلف، بعد أن أوشكت عظام يده على أن تتفتت لهول قوّة صاحب الضربة تلك ...
    تشوّش وعيُ خشن الملامح لثوانٍ قِلال أخذها لاستيعاب ما جرى بلمح البصر ... رمشِ بعينيه بينما آهات ألمه تعبّر عن وجعٍ كاسح امتدّ على طول جسده بفعل تلك الضربة التي كانت من شأنها أن تكسر ظهره حرفياً ... حالما اعتادت عيناه على الضوء - الذي أحاط بالغرفة - من جديد حتى استطاع تمييز وجود رجلٍ عريض المنكبين يحمل جسد الأنثى الهزيلة بيديه ... رأى كيف لامست يداه تقاسيم جسدها بحسرةٍ وهمساتٌ بالكاد وصلت لمسمعه حملت كلماتٌ تكلّلت بالشوق والقلق للأنثى التي احتواها باستملاكٍ بحت..
    - يا إلهي .... ريلينا !! لو أنني وصلت متأخراً !!
    قرّب أنفه من شعرها ليشمّ عبقَ ريحها المسكيّة التي لا تزال ذاتها كما كان يذكرها .. بل لم تغادر ذاكرة روحه ولو للحظةٍ واحدة ... رائحة الأمان التي طالما أحاطت بخفايا وجدانه.. رائحةٌ الوطن؛ موطنه التي نفى نفسه منه ما إن رأى أن حدوده بين جدرانه مستحيل ... مستحيل ومؤلم بذات الوقت !!
    زفرَ بحدّة ونار الغضب عادت لتشتعل بصدره وكأنه لم يمرّ عليها كلّ تلكَ الأشهر والأيام !! بحثت عيناه عن عينيها فلم تجد سوى مقلتين خلت من الحياة التي طالما كانت تنبض بكلّ معاني الشغف ما أن تلتحم مع مقلتيه ...
    أخذَ نفساً آخر وهوَ يعيد الوعد الذي قطعه على نفسه بهمساتٍ بالكاد وصلت لمسمعه حتى : لن أكونَ سببا لألمكِ بعدَ الآن ... لن أكون سببَ معاناتكِ مليكتي.

    أغرق وجهه في تجويف عنقها ليأخذ آخر رشفةٍ من عبقِ موطنه الذي اشتاق لهُ كاشتياق الأرض القاحلة للأمطار... شَتَمَ بحدّة وهوَ يدير جسده حاثّاً أقدامه على الخروج من الغرفة بصمت دونَ أن يرتكب جريمة قتلٍ بالرجل الذي بقي يطالعه من بعيد بأعين شاخصة، لا يستطع حتى تحريك جسده الذي بات واضحاً أنه سيعاني شللاً دائماً لقوة الضربة التي تعرّض لها.
    ما ملكَ القاذورة تلك سوى أن يشتم بأعلى صوته وهوَ يتوعّد للشاب - الذي غادر الغرفة كما النسمة- بالانتقام .... هه فليحصل على انتقامه، ولكن أولاً عليه أن يستعيد عافية جسده، ومن ثمّ عليه البحث على رجالٍ جدد كي يكونوا طوع يده، فجرذانه السابقين لم يختلفوا عن حالته الجسدية بتاتاً.
    ~
    روحه التي لم تندمل جراحها حتى الآن، عادت تنزف بدماء الندم والحسرة، هتكت بقدرته على التحمل وفتّتت صلابة إرادته وعزيمته التي أوصلته للانتصار الذي كان من المفترض أن يكون [ الانتصار المنتظر ] ! يُقال احذر ما تتمنى، فقد يأتيكَ الشيء المناسب بالوقت والمكان غير المناسبين ! لو فقط يعلمُ قائل هذه الحكمة مقدار صوابه، لأحاطها بإطارٍ من ذهب وزخرفها بمعانٍ إضافية تحمل كلّ مفردات الضياع والتيه اللذين يتخبّط بين جدرانهما منذ أشهرٍ عدّة.
    أجبر عقله على الانحراف عن مجرى تلكَ الأفكار، فلم يعد أيّ شيء يهمّه عدا كتلة الرقّة المتكوّرة بوداعة بين يديه، عيناها التي كانت تحكي له عن حكاوي تكلّلت بمشاعر متضاربة – فيما مضى – باتت الآن خالية حتى من الهمسات!
    لم يستطع التركيز على الطريق الذي يسير فيه وقلبه الذي ينبض بقوّة قد وصل صداه لفمه من ما جعل عملية التنفس له صعبة للغاية ... كيفَ يداري مشاعره المتزاحمة في حيّز جسده الذي بات يضيق على صدره ثانية تلوَ الأخرى ... كيفَ يستطيع ترتيب أفكاره التي لم تهدأ ولم تعرف أوجه الاستكانة منذ اللحظة الأولى التي غابَ بها جسدها عن عيناه .. لتثور ثائرته وهوَ يبحث عنها منذ خمس ساعاتٍ حتى تلكَ اللحظة !
    لم يبتعد عنها ثانية واحدة .. رغمَ القرار القاسي الذي حكمَ به على نفسه، وعليها .. لم يستطع أن ينفّذه بحذافيره .. كانَ قد قرّر الهروب .. الهروب من تأنيب الضمير الذي بات ينهش بروحه منذ اللحظة التي رأى فيها عيناها وهي تنقذ ( أمه ) من ( أمها ) لتحكم على نفسها بالعيش بالمنفى، وتحكم عليه بالبحث عن الوطن ... من جديد !
    كانت تعلم يقيناً بوادر قرارها ذاك ... فراشته الغبية - والأنانيّة بصورةٍ نقيّة ! - كيفَ لها وأن تقرّر هكذا قرار ؟! أن تحكم على نفسها بالعبوديّة لسلطانِ الضياع وأن تتوّجه بملكوتِ الحياة الجديدة !!!
    حكمت على نفسها هذا الحُكم منذ أن قرّرت أيّ شخصٍ يجب أن يموت ... قرّرت – بكل غباء- أن تكونَ والدتها ... كي تعيش والدته .. وترجعه للعالم الحقيقي الذي لم تطأه قدميه منذ عقدٍ ونصف ! ولكنّها هيَ الأخرى لم تكن بحالٍ مغاير عن حالته ... حتى لو كانت والدتها مصدر كل هذا البؤس .. كانَت تستطيع أن تتخذ إجراءاً آخر غير قتلها .. كانت لتصيبها بضربةٍ تمنعها من الحراك .. أو تغيبها عن الوعي .. ولكن أن تقتلها ؟! أن تبيد روحاً كانت مصدر روحها هيَ !! ... ريلينا لم تعترف بالقتل ولم تكن لتفعل هكذا فعل إلا .... من أجله هوَ !! لم ينسَ حالتها حينَ قتلت ( من أجله ) في المرة الأولى ... بقيت ضائعة بين ظلماتٍ أوشكت على التهامها وإحالتها إلى غياهبِ التيه !! رغمَ أن من قتلته حينها كانَ يستحقّ الموت، لكن من هوَ كي يقرّر من يستحقّ الموت والحياة !!
    تلطخّت أجنحتها البيضاء النقيّة بسواده .. لطخّها بسواد ماضيه وحياته وما ملكت أن تكون الفراشة السوداء إلا بسببه !! استنتاج توصّل إليه وهوَ يرى كيفَ غارت عيناها واختفى النور من مقلتيها وهيَ تطلق رصاصة الرحمة بقلبِه ... أطلقتها عليه حينَ حكمت على روحها بالموت وهيَ تقضي على .... والدتها !! ومن أجل من ... من أجله مرّة أخرى !!!
    قتلت وأراقت الدماء لأجله ... مرّتين .. وكانت المرّة الثانية قد حملت من التأثير الهائل الذي انعكس عليهما سويّاً !!
    لم يستطع تحمّل العيش لحظة أخرى مع تأنيب الضمير الذي يعيشه .. قرّر الهروب .. الهروب من نفسه ومن ماضيه ومن ضميره الذي يتآكله و .... منها ... الهروب منها ومن عشقه الذي كان كما الملح الذي تناثر على جرحه العميـــق للغاية ...
    أطلق العنان لقدميه بالابتعاد القسريّ عنها .. ومع كلّ خطوة يخطوها مبتعداً عنها كانَ يشعر بابتعاد روحه عن جسده ... لم تكن حالته مختلفة عن حالتها الصامته ... توصّل لهذا الاستنتاج أيضاً وهوَ يشدّد من احتضانه لها حاثّاً قدميه على الخروج من المكان المهجور الذي حواها قبل لحظات ...
    أجل؛ لم تكن حالته مختلفة عن حالتها بتاتاً ... كان يعيش يوماً تلوَ الآخر فقط كي يراها تتنفس .. يأخذ ذاك الشهيق والزفير فقط كي يضمن شهيقها وزفيرها .. لا ينكر أنه قد أوشك على مغادرة هذا العالم البائس بلحظة استسلامٍ تافهة .. ولكنّه تراجع مؤنّباً نفسه وموبخّاً أنانيته بأنه يجب أن يعيش، حتى لو كان بعيداً عنها ( جسدياً ) ولكنّه لابدّ وأن يبقى قربها ( روحياً ).

    لم تكن حالتها هكذا منذ أن أفاقت في المشفى– ليست بهذا السوء على الأقل -. فقط ترمقه بنظراتٍ صامته. لم تغادر عيناها عينيه لحظةً واحدة.
    لا يزال يذكر اللحظات الأولى بعد أن استفاقا من إغمائهما – قبلَ أشهر – لحظات قليلة إستغرقها كي يستوعب كلّ ما جرى ... ومع اتسّاع عيناه حينَ تذكّر اللحظة الحاسمة، بحثت روحه عنها، ليجدها مستلقية بوداعة بالقرب منه ... تطالعه بصمت، دونَ أن تتكلم حرفاً واحداً ...
    همسَ باسمها محاولاً استيعاب سببَ فعلتها تلكَ .. ليستذكر جملتها الأخيرة التي أطلقتها عليه قبل أن تغيب عن الوعي " عش ما لم أعشه أنا "
    تكرّرت تلكَ الجملة كالصدى القاتل في عقله مرّةً تلوَ الأخرى .. ومع كلّ مرّة ٍ جديدة تكسو مقلتيه طبقةً أخرى من دموعِ القهر والتيه .. لتنسلّ دمعة حارقة على وجنتيه الشاحبة، رسمت مجرى الضياع الذي بدأ يعيشه ... ضياع فاق الضياع السابق الذي دخل بين جدرانه في الماضي .... ضياع الجسد والروح و ... القلب !
    حينَ همسَ باسمها مرّة أخرى .. لم يستطع منع نفسه من احتضانها بقوّة .. ليبكي الاثنان مرارة الماضي الذي تعايشاه ويشيّعا كلّ لحظاتِ السعادة التي تأمّلا عيشها في المستقبل ... شيّعا جثمان الأمل النحيل الذي كان يغذّي نفسه بحبّهما النقيّ ... فماتَ ذاك الأمل قبل أن يرسم لهُ حدوداً تبقي الاثنان بين جدرانه. مات ... واندثر معَ صفحات الماضي التعيسة التي حوّطتهما سويّا !
    لكن لا !!!! لا دموع بعدّ هذهِ اللحظة ولا حسرة ولا ألم ... لن يسمح لهذهِ السلبيّة أن تطغي على حياتهما أكثر من هذا ... لن يسمح للماضي أن يلتهم صفحات المستقبل ... سيرسم معها لحظاتٍ جديدة ولو كانت قوّتها ووعيها الغائبان عن جسدها لن تسعفها بتلكَ اللحظة، فقوّته ووعيه يكفيهما معاً ... هذا ما اقسم بهِ وهوَ يضعها في سيارته السوداء الواقفة قربَ ساحةٍ ترابية توسّطها منزل مهجور كبير ...
    تحرّكت عجلات السيارة ليقود الأخيرة نحوَ نهاية الطريق الترابي وعيناه تتفحّص ملامحها بين ثانية وأخرى .. فيهتف بصوتٍ ثابت وصارم وكأنه يهتف لنفسه لا لها : يكفي يا ريلينا .. إلى هنا وينتهي الصمت ... لن تبقي على هذهِ الحالة ، ولن أسمحَ لنفسي المريضة بداءِ الماضي بالابتعاد عنكِ بعدَ الان ... سأعوّضكِ يا فراشتي ( أمسك يدها المستلقية على ركبتها بخمول ليردف بذاتِ القوّة ) سأعوضك عن خيبة الأمل التي ألحقتها بكِ ... وعن فشلي بالاعتناء بكِ ... سأعوّض كلينا عن فشلنا بالاعتناء بحياتنا ومستقبلنا!!!
    اخر تعديل كان بواسطة » Miss saw في يوم » 17-07-2015 عند الساعة » 20:00
    لا إله إلّا أنت سُبحانك, إنّي كنتُ من الظالمين ~


  2. ...

  3. #2862

    - ما مِن شيء قد يكفي للتعويض عن ما مضى !
    همساتٌ حملها صوتٌ منكسر انبعثت من بين شفتين مبللة بدموعٍ كست وجنتين بلونِ الزهر، يعلوها عينان مكسّوة بطبقةٍ من القهر تطالع تقاسيم وجه شابٍ وسيم الملامح، ينظر للفراغ بشرود.
    ابتسامة عكست بؤس الشاب علت شفتيه وهوَ يستمع لكلمات المنتحبة التي جلست بالقرب منه، ترثوا لحظاتٍ مضى عليها دهرٌ أو ما شابه. تنهّد بخمول ليدير نظره نحوها، يرتشف تقاسيم وجهها التي كانت مصدر نوره بلحظاتٍ مظلمة كان يعيشها أثناء غيبوبته التي أخذت من عمره ما أخذت. اتسعت ابتسامته ليتغير معناها من الحزن لشيءٍ طالما اعتادت على رؤيته، بالكاد انعكس معناها على عينيه، لكنها كانت كافية لتجعل قلبها يحلّق بين غيومِ الأمل من جديد ... اقتربت منه دون أن تشعر لتمسك بيديه وتحثّه على الكلام هامسة بلوعة : كواتر، أرجوك أخبرني أنني لا أتخيل هذهِ الابتسامة، أرجوك.
    رقّ قلبه لهمساتها المتوسّلة، ليحيط يدها بيده الأخرى فيهمس بصوته الذي استخدمه للمرة الأولى منذ أن أفاق : أنا أحبك.

    كلمتين؛ سبعة حروف ... حملت من معاني الحبور ما حملت لتجعل قلبها يتسّع في صدرها لحظةً تلوَ الأخرى .. لدرجة أن حيّز جسدها باتَ ضيّقاً بالنسبة له. تضّخم ذاك القلب الذي يهيم عشقاً بصاحب تلكَ الكلمتين بمشاعر عديدة ... الشوق، الحب، الانتماء... وشيء من الألم والحسرة ... ولكن ما علا كلّ تلكَ المشاعر هوَ الامتنان ... الامتنان لهُ بأنه قد اختار هذهِ الكلمتين من بين كلّ الكلمات لتكون أوّل ما ينطقها بعدَ غيابٍ طويل وفراق أضناها شوقاً له.
    شهقت بلا استيعاب لتجد نفسها مغمورة بين أحضانه – من ما فاجأها كما فاجأه هوَ الاخر – فتطلق العنان لدموعها التي حملتها شهقات بكائها .. تخبره عن لوعتها وحسرتها على تلكَ الايام التي فصلت بينهما قسرياً ... بالكاد وجدت كلماتٍ ترتبت بين شفتيها لتجيبه على اعترافه الذي حملها فوق غيومِ النشوة والغبطة : من بينِ كلّ الكلمات، من بينِ كلّ شيءٍ قد تقوله، تكسر صمتك الذي طال بكلمتين تطبّب جراح روحي كي تُلهيني عن جراح روحك أنت ؟! من أيّ نقاءٍ وأيّ صفاءٍ خلقت ؟! كيفَ لي وأن أصفكَ يا كواتر !! تختار هذهِ اللحظة التي أردتك فيها أن تعبّر عن حزنك وألمك وأنا أرجوك أن تشاركني لحظات حزنك هذهِ، لتخبرني بشيءٍ يلجم لساني ولا يجعلني حتى أن أجدَ فسحةً من تقبّل ألمك !!
    ابتعدت عنه وشقهاتها تزداد علواً من ما جعلها تكابد عناء التكلم بصورةٍ مفهومة ... عيناها الخضراء غارقة بدموعها وشفتيها أصبحت بلونٍ قرمزيّ من شدّة بكائها ... ضيقت مابين عينيها لتمسك بوجهه الملائكي فتطبق جبهتها على جبهته، مردفة : وأنا أحبكَ أكثر يا ملاكي ... أحبّك بكلّ ما تحمله كلمة الحبّ من معنى .. أحبّك لدرجة أنني تمنيت لو أعيش معك ظلامك الذي كنت فيه فقط كي أعيدك للنور ... أحبّك ولا أدري كيف أصف لكَ ضياعي بدونك... لا أريدك أن تبتعد بعدَ الان يا كواتر، سأبذل قصارى جهدي لأنسيك بؤسك الذي ترفض مشاركتي إيّاه والبوح به.
    قست عيناها وهي تطالعه بصلابة وإصرار، مكملة بحدّةٍ وقوّة : سأجبركَ على مشاركتي حزنك !! لن أسمح لكَ بأن تسكتني بكلمتك هذهِ كي تبعدني عن ما تشعر به ! لن أسمح لكَ بهذا ولن أسامحك على ما فعلته !!

    اتسعت ابتسامته ليتنهد باستسلام وهوَ يحيط وجهها بيديه –خائرة القوى – هامساً بهدوء : هل يشفع لي لو أخبرتكِ أنّ همساتكِ لي أثناء غيبوبتي، تطالبيني بالعودة وتحثّيني على المقاومة كانت سبب عودتي ؟

    رمشت بعينيها وهيَ تستذكر الليالي التي قضتها تبكي وتهمس قرب اذنه أن يعود لها. لترسم ابتسامة خجولة على شفتيها، فتهمس برقّة : قد يشفع لكَ قليلاً.
    شدّ من امساكه بوجهها ليكمل بذاتِ النبرة الخاملة : وأنا أرجوكِ ان تجبريني على مشاركتي حُزني، لم أكن معتاداً على مشاركته لأحد.. ولا أدري كيفَ أصوغ ما أعايشه الان يا لانا ولكننّي ... فقط...
    تاهت نظراته عنها من جديد، وعاد ذاك الألم يعتصر قلبها لمرأى ألمه هوَ ... شدّت من عزيمتها وهيَ تعد نفسها أن تكونَ لهُ السند الذي يرجوه منها ... لتزفر بحدّة بعدَ قطعها ذاك الوعد وتهمس بمزاحٍ شقيّ : يجب أن أحذّركَ بأنني مزعجة حين الصق اهتمامي بشخصٍ ما.
    عادت ابتسامته الكسولة تداعب شفتيه ليهمس مجيباً : لا أذكر بأنني كنت أشكو اهتمام من أحبّ أبداً. مهما كانَ مزعجاً.
    أطلقت شفتيها صوتاً أقرب ما يكون للضحك من الزفير، لتحاول قول شيئاً لولا أن قاطعها صوت اقتراب خطواتٍ سريعة من الغرفة .. سارعت لتداري الموقف وأن تبتعد عن كواتر قليلاً لتجد ديو في اللحظة الأخرى يدخل الغرفة بأنفاسٍ لاهثة، كان واضحاً أنه يحمل خبراً لم يستطع منع نفسه من البوح به ِ بهذا الوقت غير المناسب إطلاقاً ... وصدقت توقعات لانا حينَ أطلقَ ديو قنبلته بعدَ ثوانٍ من قدرته على أخذ أنفاسه بانتظام
    - ريلينا ... قد... قد أختطفت ... من المركز الطبّي... مساء البارحة !!

  4. #2863

    انفرج جفنيه اللذين كانا يخبّئا زمرّد عينيه على حينِ غفلةِ منه .. لترمش عيناه مرّاتٍ قليلة – وسريعة – قبل ان ينتفض من مكانه بقوّة وأنفاسه اللاهثة تعرب عن هلعٍ داهمه على حينِ غرّة.
    تراقصت نظراته على المحيط ليستوعب أين هوَ ... وكيف وصلَ إلى هُنا..
    ما إن سقطت عيناه على جسدها النحيل المستلقي بوداعة على الفراش الملكي قربَ الكنبة التي كانَ – هوَ – مستلقٍ عليها .. حتى عاد عقله يجري عملية استدراك للساعات السابقة ...
    اختفاؤها المفاجئ من المصحّ العقلي، يتبعه هلعٌ استبدّ بجهازِ الأمن في المكان .. وهلعٌ أكبر استبدّه بالكامل جعل من عملية التنفس بالنسبة له شيء صعب للغاية .. استدرك مشاعره ليهمّ بالبحث عنها بعدَ أن غفل لحظاتٌ قليلة لنومٍ باغته وهوَ يكحّل عيناه بمرآها على شاشته الصغيرة بغرفته الأنيقة ... روتين اعتاد عليه كلّ يوم ... لم تكن تغادر مرآه أثناء عمله، طعامه بل وحتى حين يجافيه النوم، لا تختفي من أحلامه , أو كوابيسه بالمعنى الأدقّ. روتين حياته التي ربطها بحياتها هيَ ... فراشته السوداء.. عصبُ الحياة الذي كانَ مخدّراً بمورفينِ الماضي الأليم.
    تنهّد بتثاقل وهوَ يستقيم بوقوفه ليستوعب المكان الذي هوَ فيه .. منزله الهادئ والبعيد عن أنظار الجميع، اختاره بعنايةٍ وإتقان وهوَ يعلم بأن لا أحد قد يتوقع وجوده في هذا المكان.. لا أحد .. حتى والدته الداهية .تأكّد يقيناً أنّ جيناته لم تكن من والده فقط.
    هه، والدته !! تسمية حاول تلافيها - والاعتياد عليها بذاتِ الوقت - بعدَ تدريبٍ مكثّف لعقله على استيعاب الموازين التي انقلبت بطرف ساعةٍ واحدة، شملت قتالاً مميتاً انتهى بخسائر فادحة.
    نحّى التفكير عن هذهِ الزاوية حين عاد ذات الألم يعتصر قلبه، هناك شيءٌ أهم يجب التركيز عليه الآن.
    عادت عيناه ترتشف مرآها الذي اشتاق لهُ، رؤيتها هكذا تستلقي بسلام على فراشه، أنفاسها الرتيبة تخرج من بين شفتيها المفتوحة جزئيّاً ... ملامح وجهها التي التحمت مع أشعّة الشمس الذهبية لم تفعل سوى أن زادتها جمالاً ونقاءً ... نقاءً هوَ لوثّه وحكم عليه بالدمار ... مجدداً ..
    " حسناً !! يكفي يا هيرو ...نحّي أفكارك الغبية عن هذا الموضوع وانتقل لتنفيذ وعدكَ لها ..!! "
    وبّخ نفسه وقد استوعب أن كلّ شيء يفكّر فيه ينتهي لنفس الموضوع الذي لا يفعل شيئاً سوى أن يعيد شعور الألم لصدره .. وذاك الألم حتماً سيبعده عنها من جديد .. حاول تدريب نفسه على تلافي الماضي والتفكير بالمستقبل .. وسيطبّق هذا التدريب منذ هذهِ اللحظة .. سينسى الماضي .. حتى لو كانَ مرتبطاً مع حاضره .. سينساه ويقلع جذوره بصورةٍ كاملة كي لا ينبت أيّ سمومٍ تقتل مستقبله الذي بدأ ينبث لهُ زهور الأمل من جديد.
    رآها تنقلب على ظهرها كالقطّة الأليفة، مطلقة أصواتاً ناعمة من بين شفتيها بدى لهُ كالمُواء .. لامست يدها الأغطية – الحريرية - البيضاء التي غطّت جسدها المكتسي باللون الرماديّ، لتلاحق عيناه تقطّب حاجبيها وتغيّر ملامح وجهها – النائمة – لشيءٍ من الإنزعاج.
    ابتسامةٌ ماكرة ارتسمت على شفتيه وهوَ يراها كيفَ تحلّل الموقف الذي هيَ فيه ولا تزال عينيها مغمضة ..
    " فراشتي الماكرة ! "
    داعبت عقله أفكاراً عديدة وهوَ يراها كيف تعود لتنقلب على الجهة الثانية من كتفها فيصبح وجهها مقابلاً لوجهه تماماً .. فتحت عينيها ببطيء شديد لتفسح المجال لزبرّجد عينيها بالغرق في بحر عينيه ... لحظاتٌ من الصمت والسكون القاتل أخذت فسحةً قسريّة من الزمن .. بل الزمن بحدّ ذاته قد توقف مع توقف أنفاسهما .. الشيء الوحيد الذي كان يُسمع هوَ صدى صوت قلبيهما اللذان أوشكا على الهروب من القفص الصدريّ المحيط بها ... مهما تكن متانة الحواجز التي بنت نفسها بينهما .. للقلب دوماً كلامٌ آخر يخترق تلكَ الحواجز ليثبت سلطانه في حضرة الماضي والحاضر ... والمستقبل.
    بقي واقفاً بمكانه يراقب أصغر تحرّكاتها .. كيفَ تنظر إليه بجمودٍ اعتاد عليه .. اخذت نفساً عميقاً وقد انتبهت على أنها تحبس أنفاسها دونَ أن تشعر بهذا.
    لعقت شفتيها لتعتدل بجلوسها فتعود وتنظر إلى الفراغ وكأنه ... غير موجود.
    " هه، محاولة جيدة يا زوجتي العزيزة! "
    اتسعت ابتسامته الماكرة ليعقد يديه امام صدره مسنداً جسده على الحائط خلفه. مستمر بدراسته لتحرّكاتها التي بدت ساكنة الآن .. واستمرتَ هيَ الأخرى بسكونها متجاهلة وجوده معها بذاتِ الغرفة.
    مرّت الثواني .. والدقائق .... ليغادر الصمت المكان حينَ عكّر أجواءه صوت خطواته الثابتة المتجهة لباب الغرفة.
    غادرها بصمت دونَ أن يغلق الباب خلفه ... لاحقت مقلتيها وجهته لتراه يختفي من أمام ناظرها .. عقدت حاجبيها ليغزو نظراتها الغضب الشديد.. تسارعت أنفاسها لتطلق العنان لمشاعرها بالانعكاس على ملامح وجهها التي سبق وأن كانت خالية من أيّ تأثّر بمحيطها.
    ثوانٍ مرّت ثمّ عاد صوت خطواته يقترب لترتدي قناع البرود من جديد .. رأته يدخل الغرفة وبين يديه حقيبة صغيرة، وضعها على المنضدة بالقرب من الباب .. أخذ نفساً عميقاً ليتمتم بصوتٍ ثابت : هذهِ ثياب نظيفة جلبتها بطريق العودة، لست متأكد من مقاسها ولكنني اعتقد أنها ستناسبكِ.
    رسم ابتسامة صغيرة على شفتيه ليبثّ نظرات دافئة لروحها وهوَ يطالعها من مكانه .. رمشت بعينيها دونَ أن تعطيه أيّ انطباع على كلامه .. رأته يتنهّد بملل ليشير بيده نحوَ بابِ أخرى بالغرفة ، مردفاً بذاتِ النبرة : الحمام جاهز لتستخدميه.. أبعدي قذارة المكان الذي كنتِ فيه عنكِ الان. لتتناولي الغداء بعدها فوجهكِ شاحب للغاية.
    مجدداً لم تبدي أيّ تأثّر بكلامه .. أعطته بِصمتها تأكيداً على أنها لن ترضخ لأيّ شيء يقوله وكأنه – بكل بساطة- لم يقل شيئاً.
    ولكنه لم يكن ليسمح لها بالاستمرار بهذهِ اللعبة التي تلعبها. إن صحّ بتسميته ( لعبة ) للوضع الذي يمرّ به الاثنان...
    اقترب منها عدّة خطوات ليقف أمامها مباشرة .. أمال جسده نحوها حيث أنفاسه قد داعبت وجنتها الشاحبة .. ينظر بعمق عينيها وكأنه يحاول سبر أغوارها أو على الأقل الحصول على شيءٍ ما .... شيءٌ لابدّ وأن تقوله عيناها.
    عاد ليتنهد ولكن بحدّة هذهِ المرّة، ليهمس بثبات : نفذّي الأمر ولا تضطرّيني لأدخلكِ للحمام بنفسي !!
    استقام بوقفته ليردف بصرامة : لديكِ نصف ساعة .. وإن دخلت ووجدتكِ على هذهِ الوضعية صدّقيني لن أتوانى عن تنفيذ ما قلته.
    أدار جسده ليغادر الغرفة .. ولكن ليسَ قبل أن يهمس بصوتٍ وصل لمسمعها : ولا تنسي أنّكِ زوجتي ! ما قد أفعله لا يعدّ مخلّاً أبداً.
    أطلقت شهقة دلّت على هلعها ما إن أغلق الباب وفكرة واحدة تدور بعقلها : إنه يعلم !!! يعلم بأنّني بوعيي الكامل !! الماكر اللعين !!!!!!!!
    اصطكّت أسنانها لتنتفض من مكانها بحدّة وانفاسها المتسارعة تعرب عن الغضب الذي اجتاح صدرها ... بل لم يغادره منذ اللحظة التي أختطفت فيها ... أو لنقل منذ اللحظة التي قرر فيها " زوجها " الغبيّ أن يتركها ويرحل !! بكلّ بساطة !! .. وكأنها كانت تروّض ذاك الغضب بل وجعلته يدخل بسباتٍ قسريّ, تبدّد بالكامل وتلاشى بمجرّد رؤيتها له من جديد !!
    غيّبت وعيها عن الوعي, حتى أصبحت هي ذاتها مقتنعه أن ما من شيء يستدعي اهتمامها للكلام أو حتى الحركة، ولم تجد من حاجة كي تشعر بأيّ شيء .. عدى أنها – وللأسف – لا تزال تتنفس !
    ثمّ ماذا ؟؟؟ يأتي هوَ ويفجّر كل تلكَ المشاعر .. من نظرة واحدة فقط !!!

    أطلقت زفيراً كاللهب من بين شفتيها لتنظر إلى الحقيبة بتمعّن ... عادت لتنظر من حولها باحثة عن منفذ للهروب من هنا وليذهب هوَ وتهديده للجحيم.
    اعتلى الاستغراب وجهها وهيَ تلاحظ القضبان الحديديّة خارج النافذة .. بدت غرفتها كسجن ! عقدت حاجبيها بتفكير لتخطو خطوات خاملة نحوَ تلكَ النافذة وترى أين قد تكون.
    اتسعت عيناها للمرآى الساحر أمامها : بحيرة ... بحيرة كبيرة ينعكس عليها قرصٌ ذهبيّ متموّج محاط بزراقٍ تشوبه قطع بيضاء صغيرة. يحيطها خضارٌ واسع وأخّاذ ...
    ارتجفت مقلتيها وهيَ تتمعّن بجمال المنظر الذي يقبع أمام المنزل الذي بدى من ارتفاع غرفتها .. متوسّط الحجم ولكنّه حتماً جميل وخلّاب.
    عادت لتنظر للغرفة من جديد .. طغى السواد على معظم أثاثها .. غرفة خالية من أيّ لمسة انثوية .. تساءلت بخلدها لو كانت هذهِ ( غرفته هوَ ) .. ولكنها نحّت الفكرة جانباً محاولة التلافي التفكير بهِ .. كما دربّت عقلها على التلافي بالتفكير بأيّ شيء بهذهِ الحياة.
    لكنها الآن بلا حيلة كما يبدو، فوجوده بذاتِ المكان الذي هي فيه يجعل من استحالة التفكير فيه أو حتى ( الشعور ) به شبه مستحيل !

    نظرت إلى الباب بشكّ لتقترب منه محاولة فتحه ..
    " هه بالتأكيد سيغلقه ! "
    تركت مقبضه لتتنهّد بملل وهيَ تنظر للحقيبة الموجودة على المنضدة قرب الباب.
    عاودها تهديده الصريح وهيَ تقترب من غايتها... أمسكتها بيدها لتحاول رميها على الجدار .. لكنّها توقّفت وفكرة ( تنفيذ تهديده ) قد جمّدت كلّ خليّة بجسدها.
    ابتلعت رمقها ومشاعر الخوف – وشيء آخر كرهته لحظتها – قد استبدها بالكامل .. نظرت للباب أمامها قليلاً .. ثمّ لباب الحمّام إلى جانبها، لتتنهد باستسلام وهي تخطو خطوات خاملة نحوَ الباب الثانوية. يبدو أن فكرة متابعة صمتها قد بدأت تصبح فاشلة أمام الخطّة التي تخشى أن تدور بعقل زوجها الماكر.

    ؛

    على الجهة الأخرى من الباب، بقيَ واقفاً خلفه ، مسنداً جسده المنهك عليه .. مطرقاً رأسه الذي أثقلته أفكاراً لا حصر لها، ومعه روحه الثكلى .. التي أجهضت معاني السعادة قبلَ شهورٍ عديدة .. روحه التي تلعق آثار جراحها كالقطّة الصغيرة ...
    روحه التي عادت لتبحث عن الأمل من جديد، منذ أن لامست يداه جسدها النحيل .. منذ أن لامست مقلتيه عيناها الساحرة .. فراشته المسكينة .. وزوجته الماكرة القويّة ...
    على وصفه الأخير لها رفع رأسه لتعود ابتسامته الماكرة تزين شفتيه ، كان يعلم أنّها من المستحيل أن تكون كما كانوا يقولون عنها .. ريلينا لا تعاني من أيّ مرضٍ نفسيّ .. وإنّما قررت أن تذوي بالصمت ولا تحتكّ بالجميع ... اختيارٌ اتخذته بعدَ الاختيار الأحمق الذي اتخذه هوَ .. ولا يملك أن يلومها عليه إطلاقاً .. على الأقل اختيارها كان أكثر شجاعة من اختياره!
    عاد ليؤنّب نفسه على الطريق الذي تتخذه أفكاره. دوماً ما تنتهي عندَ تلكَ النطقة المظلمة !
    قطّب حاجبيه بامتعاض للحظات .. ليرفع رأسه من جديد وهوَ يستمع لصوتِ خطواتها تقترب من الباب .. ثمّ أنفاسها المتسارعة التي تعرب عن ( غضب كبير ) .. لا يدري لماذا قد رسم هذهِ الابتسامة البلهاء على شفتيه .. وكأنّه طفل قد وجد لعبته الضائعة منذ فترة طويلة، فقط لأنّه شعرَ بغضبها ! على الأقلّ قد قطعت شكّه باليقين حينَ شعر بردّ فعلٍ مناسب على الوضع الذي هيَ فيه الآن .. تسارعت نبضات قلبه وهوَ يشعر بجسدها يميل على الباب قليلاً محاولة فتحه .. لولا هذهِ الباب اللعينة لكانت انفاسها الساخنة تداعب رقبته من مكان استناده عليها.
    أمعن بالاستماع لها وهيَ تتحرك بسرعة .. مالذي تفعله؟ يبدو وكأنها تريد رميَ شيءٍ ما .. أوه، الحقيبة ..! أطلق ضحكة صامته وهوَ يستحلفها أن تفعل ما تفكّر فيه .. كي يفعل هوَ ما يفكر فيه بكلّ سرور.
    استمر بالانصات ليشعر بها تبتعد عن الباب، متجهة للبابِ الآخر في الغرفة.
    حسناً .. لم يتوقع أن تستسلم بهذهِ السرعة .. على الأقل كانت لترمي المنضدة على الشباك لتحاول الهرب منه، توقع تصرّفاً أكثر شراسة من هذا ولم يكن وضعه تلكَ القضبان عند كلّ نافذة عن عبث .. لعلّه في قرارة نفسه قد فكّر أن يأتي يوماً مشابه لهذا اليوم ... اختياره للمنزل في هذا المكان .. وبهذا التصميم لم يكن عن عبث أيضاً .. لا ينكر خيطُ الأمل الضعيف للغاية وهوَ يدخل إليه للمرّة الأولى .. أملٌ بان تسير مليكة روحه معه من ذاتِ الباب وابتسامتها المشرقة تنير روحه التي تعايشت مع الظلام لوقت طويل. لا يدري متى أصبح هكذا ... منذ متى كان يفكّر بحياة زوجية بروتين ممل وعاديّ ؟ بالنسبة لشخصٍ كانَ الروتين الوحيد بالنسبة لهُ هوَ تصويب طلقاتٍ عديدة على نقطةٍ واحدة لأكثر من مهمّة، أمرٌ غريب للغاية !
    ولكنّه لا ينكر أنه قد توقّع حياته معها لن تكون بروتينٍ مملّ إطلاقاً ... ففراشته حتماً ستشعل حياته وتجعلها صاخبة حتى لو جمعتهما حياة زوجية.
    اجهض ابتسامته البسيطة التي ارتسمت على شفتيه دونَ أن يشعر وهوَ ينتبه لمسار أفكاره ... أمن الممكن أن يتحقق هذا ؟! هل من المعقول أن تعود الأمور لنصابها ... ويعيدها لهُ ... روحاً وقلباً وجسداً؟
    حسناً .. هوَ لا يدري ... ولكنّه حتماً لن يتدّخر أيّ مجهود لتحقيقه.
    أدار جسده نحوَ الباب ليمسك بالمقبض ويديره بحذر .. كم مرّ من الوقت منذ أن أخبرها أن تدخل وتغتسل؟! كمّ مرّ عليه من الوقت وهوَ يفكرّ بكلّ تلكَ الأفكار ... ؟!
    ما رآه أمامه قد أجابه عن سؤاله... لابدّ وأن النصف ساعة قد انتهت، بوقوفها قربَ النافذة ، معطية ظهرها له، ومتردية الفستان الورديّ الباهت والذي لاءم مقاس جسدها تماماً .. بكلّ بساطة قد حبست أنفاسه.
    هل كانت مشاعره قويّة هكذا من السابق؟ أم أن نيران الاشتياق قد زادت من حبّه ومشاعره اشتعالاً ؟!
    لا يدري ولا يريد أن يدري ... كل ّ ما يعرفه هوّ أنه سيفعل الممكن والمستحيل لاستعادتها .. حتى لو كان ذاك الممكن والمستحيل ضدّ إرادته.
    أجلى حنجرته ليهتف بصوتٍ ثابت : الطعام جاهز. تعالي معي.
    لم تلتفت نحوَه ، بل لم تبدِ أيّ انطباع على انها قد استمعت لهُ على الإطلاق .. وهذا ما توقّعه منها .. لكنّه لم يكن ليسمح لها أن تعارضه .. ولعبة " المريضة النفسية " هذهِ ستنتهي الآن.
    اقترب منها بخطواتٍ شابهت ثبات نبرته وهوَ يهتف من جديد : لو كنتِ تودّين تناول الطعام هُنا فلا بأس.. سأجلبه لك.
    مجدداً لم تبدِ أيّ ردّ فعلٍ على كلامه .. وقد علمَ هذا أيضاً من ما رسمَ على شفتيه تلكَ الابتسامة الماكرة ..
    همس في خلده وهوَ يميل رأسه نحوَ رقبتها " حانَ وقت تنفيذ الخطّة ... انتِ من جلبتِ هذا على نفسكِ فراشتي "
    على حينِ غرّةٍ منها ... رفعها على كتفه كالطفلة الصغيرة ليديرها بقوّة ويسير بثبات نحوَ باب الغرفة ... كانت قد اخذت اجزاء من الثانية لتستوعب الوضع الذي هيَ فيه .. بعد أن كان عقلها منشغلاً باستخدام كلّ طاقاته لتجاهل وجوده المهيمن على أجواء المكان.
    رمشت بعينيها عدّة مرات لتسمع صوتاً أشبه بصوتها يطلق صراخاً أوشك على تحطيم نافذة الغرفة من شدّته ... أخذت تضربه بيديها على ظهره وبقدميها على صدره .. هاتفة بذاتِ صراخها العالي : أيّها التافه اللعين .. أتركني ... أتركنييييييييييي.... أتركنييي وإلا دققت عنقكَ ...... اتركــــــــــــــنـــييييي !!!
    أطلق ضحكة عالية وهوَ ينزل من السلالم ، حاملاً إيّاها وكأنها لا تزن شيئاً .. ليقول من بين ضحكاته المستمتعة بالموقف اللذيذ هذا : اوه أنظروا من تحدّث وأخيراً !! الفتاة التي جعلت الأطبّاء يقسمون على أنّها قد فقدت القدرة على استخدام أيّاً من حاسّة السمع أو النطق!

    زمجرت بغضبٍ مشتعل لتهتف من خلف ظهره وضرباتها لم تتوقف مطلقاً : لن أعيد كلامي يا هيرو أتركني في الحال وإلا قتلتكَ بالفعل... وصدّقني فكرة قتلكَ الآن تحلو بعيني ثانيةَ بعدَ الأخرى.
    كانت قد توقعت منه أن يستمر بسيره نحوَ غايته – التي كانت غرفة الطعام على ما يبدو – ولكنه توقّف .. من ما دعاها للصمت للحظةٍ قصيرة .. حتى أن جسدها توقف عن تصويب ضرباته القويّة.
    رمشت بعينيها لتجد نفسها واقفة على قدميها ... على بعدِ سنتيمتراتٍ قليلة منه .. لم تجرؤ على النظر في عينيه .. بل بقيت مطرقة رأسها وأنفاسها اللاهثة تعرب عن ازدحام مشاعر عديدة في حيّز جسدها ... أوّلها وأكبرها .. الغضب !
    قبلَ أن ترفع رأسها لتقول شيئاً له.. سمعته يهمس بصوتٍ أشبه ما يكون بأغنية من شدّة نعومته : إذاً افعليها !
    رفعت رأسها نحوه لتلتحم عينيها المتّسعة مع عينيه التي بثّت كل الدفئ والـ .... حب ... لها ... آه من تلكَ العينان ..
    اغمضت عينيها للحظة قبلَ أن تفتحها بغضبٍ جاهدت لاستعادته بعد أن أوشكت على فقدانه لتأثير نظراته تلك
    هتفت بحدة : أفعل ماذا ؟!
    مدّ يديه على جانبيه بصورةٍ مسرحيّة ، ليهمس بذاتِ النبرة الساحرة ، وابتسامةٌ غريبة لم تعهدها قبلَاً قد زيّنت شفتيه : اقتليني.

    بقيت تنظر إليه بغباء للحظات .. غير قادرة على استيعاب طلب الـشخص ( الغريب عن هيرو ) .. والواقف أمامها ... قبلَ أن تجيبه بشيءٍ من الاستغراب، رأت شفتيه تلتوي بابتسامةٍ أخرى ... ماكرة ، ليهمس بنبرةٍ مليئة بالتحدّي: أو حاولي على الأقل.


  5. #2864

    زمجرت عيناه بالغضب الذي اصبح يشتعل أكثر في جوفه وهوَ يحدّق بالمرأة الهادئة والجالسة قبالته .. دونَ أن تكترث حتى لترفع نظراتها نحوه .. فقط تطالع أناملها بلا مبالاة وكأن ما أدلته عليه لم يكن فعلياً من حصل.
    شعرَ بيدٍ حانية تلامس قبضته الموضوعة بتوتر على ركبته .. ليصل لمسمعه صوتها الرخيم المُتسائل : إذاً ف ريلينا الان فد نجت ؟
    ابتسمت المعنية بالتساؤل بجذل لترفع نظراتها نحوَ نوين وتجيبها بثقة : ولدي لن يسمح بأذيّتها مهما كانت قسوة قراره الغبيّ ذاك. كنت أعلم بهذا.
    - ولكنّه لم يمنع القذرين من المساس بها !!!

    كان هذا ليوناردو الذي انتصب واقفاً وغضبه المشتعل لم يهدأ عن ثورانه بعد .. أخذ صدره يعلو ويهبط وهوَ يطالع سيرينا الجالسة أمامه بهدوءٍ مستفزّ لغضبه.

    - كان شرط موافقتنا على إخراجها من المشفى والسماح للجهاز الأمني الخاصّ بها على التغاضي عن أيّ شيءٍ قد يحصل هو كلماتكِ الجازمة بأن ما من شيء قد يصيبها .. بل وأقسمتِ على أن هيرو سيهبّ لمساعدتها منذ الثانية الأولى دون أن تخرج ريلينا من سورِ المشفى !! وأنا كالغبيّ صدّقتكِ !!!

    لم يبدُ على سيرينا أنها استمعت له ولكنها أجابته بالنفي الجازم : هُم لم يكونو سيمسّوها !! ولم يفعلوا فقد كان بالمنزل كاميرات مراقبة وشاهدت ما حصل حرفياً .. ما إن اقترب الرجل منها حتى هبّ هيرو للقضاء عليه وبالتالي نجحت الخطّة ... أوَليس هذا ما كنا نطمح إليه منذ البدء ؟

    أوشكَ ليوناردو على إجابتها بهتافٍ غاضب آخر ولكنها جزرته حين انتصبت واقفة هيَ الأخرى وقد تخلت عن قناع الهدوء الذي كانت ترتديه، لتستأنف كلامها : كنت أنت من اقترح تلكَ الفكرة الغبيّة بان تضعها في ذاك المشفى العقلي !! كنتَ أنت من فضّل التعامل مع هذا الوضع بهدوء وصبر ظنّاً منكَ أن ما حصل مع نوين قد يحصل معها وتعود لوعيها !! لكنّ الفرق بين حالة نوين وحالة ريلينا كبيرة !! كبيرة للغاية يا ليوناردو !!

    شحب وجه نوين وهيَ تعي على المعنى المبطن لكلمات سيرينا، ليرتجف جسدها النحيل ... شعر ليو بحالة زوجته ليحتضنها من الجانب ويهبّ للدفاع عنها بشراسة : إيّاكِ وإقحام نوين بالموضوع !! يكفيها ما لاقته بالماضي !

    مالت عينا سيرينا نحوَ المعنية لتعطيها نظرةً ملؤها الثقة موجهة الكلام لها هذهِ المرّة : أنا أعلم كم أنتِ قوية يا عزيزتي .. ولكن ليوناردو كان معكِ طوال هذهِ المدّة ولم يتخلّ عنكِ لحظةٌ واحدة وهذا ما كان الحافز الأكبر لكِ كي تعودي ... لكن ريلينا .... مالحافز لعودتها ؟! ألم يفكّر أحدكم بالأمر ؟!

    - كنّا كلنا معها !!
    هذهِ المرّة أنطلقت تلكَ الكلمات من صوتٍ مهزوز دلّ على ضعف صاحبه .. لتستدير نحوَ مصدر الصوت وترى كواتر يقف بصعوبة مستنداً على ديو .. بجانبه لانا و هايلد التي دلّت دموعها على أنها استمعت لكلّ الحوار بتفاصيله المؤلمة.

    اكمل كواتر بذاتِ النبرة الضعيفة : على الأقل كانوا جميعهم معها ولم يتركوها لوحدها مطلقاً.
    تألمت نظراته ليغمض عينيه ويردف : لكنّها كانت تحتاج له ... جميعنا نعلم كم كانت تحتاجه ... وهوَ ...
    - خذلها !!
    أكملت سيرينا جملة كواتر بنبرةٍ مهزوزة أثارت دهشة الجميع ...
    ارتجفت شفتيها لتردف : خذلها ابن أبوه ... ولم أكن لأسمح بهذهِ المهزلة أن تستمر ..
    اشرسّت نظراتها لترمقهم بقوّةٍ تحسد عليها : بغضّ النظر عن كوني والدة يوساكي البيولوجية ... لكنّني والدة ريلينا الروحيّة .. الفراشة السوداء تكن ابنتي التي علمتها كيف تحلّق : حرّة .. قوية ! ومهما تعصف بها المصاعب تبقى ثابته !!
    شمخت أنفها لتكمل بذاتِ النبرة الثابتة : الشيء الوحيد الذي اتفوق أنا عليكم جميعاً به هوَ أنني قد لاحقت كل خطوة خطاها ولديّ .. كلّ خطوة يا ليوناردو ( رمقته شزراً وكأنها تتحدّاه أن يثبت لها أنه أكثر حرصاً ( منها ) عليهما !! ) لتردف بذات الشموخ : هه؛ وياليتكم قد رأيتم كيفَ كانوا يقفون على أقدامهم بعدَ كلّ الصعوبات تلك .. ولم يكتفوا بالوقوف فقط، وإنما المحاربة بشراسةٍ أكبر!!
    التمعت عيناها بوهجِ الفخر لتسمع صوت ديو يتساءل بلا استيعاب : مالذي تعنيه ؟! هل كنتِ دوماً تراقبينا ؟!
    - بل وأحميكم أيضاً ... وأنهي ما لم تنهوه في بعض الأحيان !!
    اكتست ملامح الجميع بإمارات الاستغراب , لتجيب تساؤلهم الصامت بابتسامةٍ ماكرة : موت أجاي ديباك الغامض ..وكذلك آدال ألبينا ... الرسالة التي وصلت للجميع بوقتٍ واحد .. هل تذكركم هذهِ الأحداث بشيء !!

    أطرقت الدهشة على رؤوس الجميع .. ليهتف ليوناردو غير قادر على التصديق : هـ ... هل كنتِ أنتِ ... خلف هذا كلّه ؟!
    عادت نظرات القوة تشع من مقلتيها, لتجيبه بغضبٍ دفين : بالأضافة لمناسبات أُخرى كنتُ بها قريبة من ولدي دونَ أن يدري .. بالطبع كنتُ أنا !! هل توقعتم أن يقوم فاعل خير بهذهِ الأعمال الخطرة مثلاً ؟! كان لابدّ والتخلص من بعض العوائق التي قد تحصل مستقبلاً ... فكرة أن تتركوا تلكَ الحثالة على قيد الحياة كان قمة في الغباء ... والخطورة أيضاً !!

    ارتخى جسد ليوناردو ليطرق رأسه وقد فقد المقدرة على قول كلمةٍ أخرى ... حينها تخلّت سيرينا عن قناع الغضب الذي تملّكها , ليشعّ التعاطف من مقلتيها وهي تطالعه، فتهمس بنبرةٍ مدّته بالأمان : ستعود يا ليو .. ( نظرت للجميع لتردف ) ... ثقو بكلامي وضعوه نصبَ أعينكم.. ريلينا ستعود ... ربّما تظنون أن ولدي من سيعينها على العودة ويبثّها القوة من جديد ... لكنّها هي من ستعود به أقوى من ذي قبل.


    حادت نظراتها نحوَ نحوَ كواتر، وكأنها اخترقت كلّ حواسه بتلكَ العاطفة التي خصّته بها، فتكمل بكلماتٍ لامست روحه : أهلاً بعودتكَ بيننا عزيزي ... لن أعزّيكَ على ما خسرته ولن أواسيكَ على خسارتكَ فجميع من في الغرفة قد خسرَ شخصاً عزيزاً .. لكنّني استطيع أن أقول لكَ الآتي .. كن قويّاً لأجلِ المستقبل .. واصنع سعادتكَ بيديك فما من أحدٍ قد يشعر بألمكَ غيرك .. فلا تتألم وتقضي أيامكَ بالحزن في حين أنّك تملك الأسباب الكافية لتبتسم وتستمر.

    وكأن كلمات سيرينا لم تكن موجّهة لكواتر فقط .. وإنما لجميع من في الغرفة بمن فيهم هايلد وديو .. ران الصمت على الأجواء وأطبق الإدراك على عقول الجميع ليهمس القدر لهم بالاستمرار ... والمحاربة لأجل ما بين أيديهم بتلكَ اللحظة ..
    محاربة ألم الماضي .. لأجل بسمة المستقبل.

  6. #2865



    أنفاسٌ لاهثة، أنطلقت من بين شفتين مرتجفة. تعلوها عينان تطلق لهباً أزرق من بينِ مقلتين بلونِ الزبرّجد ... عرقُ يتصبّب بغزارة من جوانب وجهٍ نديّ بلونِ الكاميليا الحمراء .. جسدٌ يرتعش من لذّة الحماس الذي اشتاق جسدها له ...
    صدرها يعلو ويهبط بسرعةٍ غريبة مع كلّ شهيقٍ وزفير تأخذه تلكَ الأنثى الجالسة على ركبتيها .. تكابد العناء للسيطرة على أنفاسها .. وأعصابها .. محاولة الهجوم من جديد وهيَ تحكم قبضتيها لتتخذ وضعية إطلاق لكماتٍ جديدة نحوَ الشاب الواقف قبالتها ... بابتسامةٍ واثقة ، ولكن حالته لم تكن مختلفة عن حالتها رغم الثقة التي تطلقها عيناه ..
    الابتسامة الشيطانية المرتسمة على شفتيه ... المقلتين التي تطلق وعوداً لا حصرَ لها بكلِ رمشة .. اليدان الملتفّة حوَ خصرٍ رشيق ... يقف قبالتها وعلامات الانتصار تعلو محياه ... انتصار اعتاد على أن يتقلّده كلما خاض عراكاً... معها !
    أخذت عدّة لحظات من الصمت قبلَ أن تنقضَ عليه كالنمرة، هاتفة بصراخٍ حاد : سأقتلكَ أيّها الجبان !! سأقضي عليكَ وسأمحيك من حياتي !!
    اتسعت ابتسامته وهوَ يتلافى ضرباتها السريعة نحوه، ليمدّ قدمه معرقلاً خطواتها الثابتة، فتتعثر وتهوي بالسقوط أرضاً لولا أن تلقفّتها يديه ليحكم إمساكه بها ..
    ارتعش جسدها وذات الشعور المألوف يعود ليلفّ بدنها من جديد ... مزيج أنفاسهما اللاهثة وجسديهما المتحرّكان بسرعة ليلتقطا انفاسهما من أثير المشاعر المزدحمة بكلماتٍ لا تنحصر بألف جملة.. ومرادفات الانتماء ... كوّن خليطاً اشتاقت روحها لارتشافه منذ مدّة طويلة ... طويـــــلة للغاية !
    دون شعورٍ منها، أو سيطرة عقلها امتدت يديها نحوَ كتفيه لتسند نفسها وهي تحاول الوقوف ... لا تزال عيناها مغمضة وهيَ تستحلف رشدها على أن يعود ويغيب كما كان قبل ساعتين ... لكن ما إن فتحت عيناها لتلتحم مع مقلتيه الثابتة بنظراته التي طالما اعتادت على اختراق فِكرها وقلبها .. ووجدانها .. حتى بدأ الاستسلام يلتهم غضبها وإرادتها المستمية بإيذاقه الألم الذي كانت ترتشف سمّه يوماً بعدَ الاخر ... منذ اللحظة الغبية التي اختار بها ان يبتعد عنها ويتركها تتعايش مع الم الفقد والخسارة والضياع ... لوحدها !!
    ما إن استدركت تلكَ اللحظات المظلمة حتى عادت عيناها تطلق لهيب الغضب فتصطكّ أسنانها وهي تنتفض من بينِ يديه بعنف ... استدركت أنفاسها المتسارعة لتهتف بغضبٍ أعمى سيطر على وعيها بالكامل : لن ... لن تحصل على غفراني أبداً ...سأذيقكَ مرارة الألم التي أجبرتني على معايشتها طوال تلكَ الأشهر .. أيّها الجبان الحقير !!!
    لم تشعر بانسلال دموعها على وجنتيها وهي تقترب منه بخطواتٍ مرتجفة ... ولم تستوعب تغيّر ملامحه من الثبات إلى شيءٍ آخر .. كانت اقرب... للحزن من الشفقة ... للكرب من الحسرة ...
    بل اقرب للحبّ من الألم ...
    اقتربت منه أكثر لتصوّب ضربةً أخرى نحوَ وجهه مستأنفة بذاتِ صراخها : طوال تلكَ الأشهر كنتُ أتخبّط بين جدرانِ التيه .. وشعور الخواء يتآكلني ... يهتك بقدرتي على الصمود .. يبعدني عن ذاتي ثانيةً بعدَ الآخرى ... خواءً كنت أن سببه ( تلقّى ضربتها دونَ أن يبتعد مقدار إنشِ واحد، فتكمل سيل ضرباتها ولذّة الانتصار كانت قد بدأت تنعش روحها المتسمّمة ) خواءً تركته كالرضيع بروحي حينَ اخترت الهروب !! كانَ يشبّ على حقدٍ وغضب و لم يخلف سوى رماداً استنشقته روحي بالتدريج .. حتى التهمني الرماد ذاته ولم يترك شيئاً ... لم يترك ريلينا .. بل بقيت شبحَاً .. شبحٌ بلا روح .. بلا مشاعر .. بلا وعي ... ( كانت قد بدأت تحفر ذراعه بأضافرها وهي تبكي وتصرخ ، لتسيل دمائه دونَ أن يهتم بالدفاع عن نفسه .. بل بقي ثابتاً أمامها يسمح لها بكلّ استسلام أن تطلق كلّ طاقتها السلبية فيه ) بلا قلب ... بلا ..... حبّ ( ما إن قالت كلمتها الأخيرة حتى اختنقت ببكائها لتهوي أرضاً وتنسل يديها على طول قدميه الثابتة بوقفتها )
    ازداد ارتجاف جسدها لتتخلّى عن لحظة انتصارها برؤية الدماء تسيل من وجهه ويديه وكلّ مكانٍ كانت تسلّط ضرابتها عليه .. فتنعكس مشاعرها على وجهها متقلّدة بدموعها التي لم تتوقف عن الجريان ... ازدادت حدّة بكاؤها ولولا أن الدموع شفّافة لقلنا أن قلبها كان يبكي بدماءِ الضياع والغضب الذي كان يتعايش طوال تلكَ الفترة ...
    اختنقت بتنفسّها لتسعل بقوّة وعقلها يحاول مواكبة تخبّط مشاعرها المتضاربة بأصنافها ..جعل من عملية استيعاب ما يجري بهذهِ اللحظة شبه مستحيل .. كان حيّز جسدها الضئيل يشهد على معركة حامية الوطيس، مابينَ الحبّ والكره .. الحقد والمسامحة .. الغضب والغفران ... الغبطة والحزن القاتل ... اجتماع الماضي والحاضر الذي أدركته قبل ساعتين قد ولّد فراغاً من المشاعر أوشك على التهام وعيها فعليّاً هذهِ المرّة... أوشك على إحالتها إلى ظلام ولكن من نوعٍ آخر ..
    كانت مغيّبة عن الإدراك بتلكَ اللحظة .. مغيّبة عن الشعور بكلّ شيء عدا عن يديه التي أحاطتها وهو يحاول اسنادها للوقوف، لتصل همساته الدافئة إلى روحها حينَ شعرت بشفتيه تداعب أذنها : أنا آسف ... آسف على كلّ ما جعلتكِ تكابديه .. ولكنّني أرجوكِ أن تتفهمي .. بقائي كان مستحيل وشعور الذنب يتآكلني .. وبذات الوقت شعور الذنب كان لا شيء مقابل الغضب الذي كان يلتهمني أنا الآخر .. الغضب من نفسي حين رأيتكِ قد قرّرت أن تلوثّي يديكِ بالدماء لأجلي .. للمرة الثانية ! أعلم يقينا كم أن القتل يشكّل خطّاً آحمر بالنسبة لكِ .. أعلم أنه يلتهم روحكِ النقيّة .. حينَ رأيتكِ تقضين على ... على ( خنقته فكرة أن يلفظ تلكَ الكلمة حتى .. ولولا أنه قد شعر باستكانة جسدها بين يديه الدافئة لما استطرد كلامه ، ولكنه فعل، حينَ أردف بذاتِ النبرة المرتجفة ) حينَ رأيتكِ تلوّثين يديكِ الطاهرة بدماءِ شخصٍ حاربت سنواتٍ للعثور عليه .. وحينَ رأيتُ الضياع يلتهم نظراتكِ التي كنتِ تبثيها نحوي ... لم أستطع العيش ثانيةً أخرى وأنا أقف مكبّل اليدين .. وجودي معكِ كان بحدّ ذاته تذكيرٌ لكِ بما فعلته .. تذكير لكِ ولي أنا الآخر ... وجودنا معاً كان مستحيل بتلكَ الفترة يا ريلينا .. كيف تتوقعين مني أن أنظر بعينيكِ وأبتسم لأقول لكِ أن كل شيء سيكون على ما يرام ؟! أيّ عقلٍ وأي منطق يخبرنا أن الأمور ستعود لطبيعتها بعدَ ذلك اليوم ؟؟!! لم أكن أهرب سوى من نفسي .. هربت من نفسي ومن الماضي محاولاً بكلّ ( ضعف وجبن ) أن أتناسى ما حصل .. أوشكت حتى على مغادرة هذا العالم الكريه ... الشيء الوحيد الذي أوقفني هوَ أنتِ ... أدركت بعدَ أيّامٍ قضيتها أطالع الظلام لوحدي أنني لم أكن بذاك الظلام لمفردي .. كنتِ انتِ الأخرى تتعايشين مع ظلامٍ مشابه إن لم يكن أكثر عتمة ! قرّرت أن أحاول تصحيح الأمور وإعادة النور لأيامنا .. ولكن كيف .؟؟! من أين أبداً .؟؟؟ من أينَ أجلب النور وأنا الآخر كنت وسطَ ذاتِ الصحراء القاحلة، الخالية من شقّ نورٍ ضعيف حتى !!
    ابتعدت أكثر عنكِ ... جسدياً فقط .. ولكنّ عيناي لم تغب عنكِ لحظةً واحدة .. حرصت على أن أشهد على كلّ شهيق وزفير تتخذيه .. رأيتكِ تغادرين المشفى وذات نظراتكِ الجامدة تطالع الفراغ .. وكأنّكِ كنتِ تبحثين عن .... ماذا ؟ عني !؟ كيفَ لكِ أن تستمري بالبحث عنّي وأنا من سبّب هذا الجرح الغائر في قلبك النقّي !!!
    أغرق وجهه في رقبتها .. يستنشق عطرَها الذي أسكره عن الوعي للحظات ... غير آبه للدموع التي بدأت تنسل على وجنتيه هوَ الآخر .. غير مدرك أنه يستلقي على الأرض الباردة محتضناً إياها كما الطفل الصغير .. في حين سيل المشاعر كان يحتضنهما هما الاثنين موّلداً لحظة سلام سرقاها عنوةً من حربِ المشاعر هذهِ ...
    أطلق زفيراً مرتجفاً وهوَ يردف : يوماً تلوَ الآخر وأنا أراكِ جامدة .. خالية من الحياة .. لم تكوني ريلينا .. لم تكوني الفراشة السوداء .. كنتِ فقط أنثى مهزوزة الكيان .. كيانٌ أنا بعثرته ..مجدداً ... كلّما يأتي يوم جديد وأنا أراكِ على هذهِ الحالة يعصف الغضب بقلبي أكثر من السابق ... وقوفي مكبّل اليدين بعيدٌ بصورةٍ قريبة منكِ كانَ يقتلني ... يرديني قتيلاً بكلّ لحظة أراكِ فيها وأنتِ ... لستِ أنتِ على الإطلاق ...
    احتضنها بصورة أقوى غير قادر على السيطرة على نحيبه هوَ الآخر : كيفَ لي أن أعاود الاقتراب من جديد ؟ كيفَ لي أن أمسك بيدكِ وأخبركِ بأنني أحبكِ ؟ كيفَ لي أن استنشق عبيركِ وأنا أعلم بأنني سبب كلّ هذا الضياع الذي أنتِ فيه .. كيفَ للأمور أن تعود لنصابها ؟!
    ومرّت الأيام وأنا أرى قلق عائلتكِ يزداد ... ليصدموني بقوّة حينَ أدخلوكِ للمشفى العقليّ !!! وكأنّ تصرّفهم الغبي هذا قد يرجعكِ لهم ؟! أم لعلّهم كانوا ينتظرون منّي أن اقتحم أسوار ذاك المصحّ لإخراجكِ منه .. لا أدري ولم أكن لأفكر بشيءٍ سوى سلامتكِ وقتها ... بقيت أحوم حولكِ كالفراشة حولَ النار ..كنت أعلم يقينا أن هذهِ النيران ستلتهمني .. ولكنّني لم أكن لابتعد ... لم أكن لاغادر .. وبذاتِ الوقت لا أعرف كيفَ أقترب ... كيفَ لي وأن أقترب يا ريلينا ؟؟! بالله عليكِ أخبريني !!
    ارتجف جسده وهوَ يستحلفها بهمساته الحزينة : كيفَ كانَ لي وأن أعود بعدَ كلّ ما فعلته بكِ ؟!! ... لم أعلم ... لم أعلم حتى اللحظة التي اختطفكِ بها أولئكِ القذرين ... غابَ العقل والمنطق عنّي .. غاب كلّ شيء عن عالمي ولم أرى سوى شيءٌ واحد .. أنني أحتاجكِ .. أحتاجكِ بالقرب منّي مهما يكن ... احتاج وجودكِ معي حتى لو كنتِ بتلكَ الحالة المغيبة عن الوعي .. احتاج أن أرى تنفسك عن قرب .. احتاج مقلتيكِ عن قرب .. احتاج أن أعيد روحكِ ... أحتاج أن أعيدكِ لي ... كي تكوني لي من جديد.

    ارتجفت شفتيها لتبعد نفسها عنه بضعف .. شدّ من امساكه بها وكأنه لا يقوى على ابعادها عنه أكثر .. لتأخذ عدّة انفاس وعينيها لا تزال تطلق سيول دموعها على وجنتيها المحمرّة .. حالما استعادت بعضاً من هدوئها حتى رفعت نظرها نحوه لتلتحم أعينهم وتخلق مجالاً مغناطيسياً يبث من شخصٍ لآخر مشاعر عديدة محتدمة بصراعات لم تقوَ ( هي ) على خوضها ...
    عدّة أنفاس أخرى أطلقتها شفتيها لترفع يداها نحوه وتحيط وجهه بأناملها النحيلة وعيناه لا تزال تطالعها بوجلٍ وقلبٍ يرتجف خوفاً من ما قد تقوله وتدليه على مسمعه بعدَ انفجاره بكلّ ما اعتمله من مشاعر لم يعي عليها حتى هذهِ اللحظة ... كان متوجساً من انعكاس تلكَ الكلمات على روحها الجريحة ...
    ابتسمت .... ابتسمت ؟!؟!!!!
    من أينَ لها تلكَ القوّة التي تجعلها تشقّ شفتيها بابتسامةٍ مدّته – هوَ – بقوّةٍ عظيمة وكأنها شحناتٍ كهربائية سرت في جسده وأحيت قلبه الذي كان يتلظّى بنيران الشوق منذ أشهر عديدة .. قلبه الذي ما عرف الحياة قبلها .. وما التمس النور قبل روحها .. وما ارتشف العشق قبل عيناها ...
    ربّاه كم هيَ جميلة ... قويّة .. ساحرة ..
    فراشته .. فراشته المحاربة التي لم تخيّب أمله يوماً .. تبتسم وهي تحتضن وجهه بوداعةٍ رغمَ إرهاقها من ما كابدته بسببه ..
    تبتسم وتعطيه – مجدداً – سبباً للحياة رغم أنها تفتقد لكلّ الأسباب ..
    لكنّ " فاقد الشيء لا يعطيه "
    هذهِ المقولة التي داعبت عقله نخرت كلّ شكوكه السوداء لتجعله واثق من حقيقة جديدة .. أنها حيّة وتحيا وتستنشق الحياة عبره هوَ ... هوَ الذي خيّب أملها مراتٍ ومرات .. هوَ الذي وصمَ قلبها بعار امتلاكه له .. هوَ الذي ....
    - اشتقت لكَ يا صيّادي.
    قاطعت سيل افكاره تلك الكلمات ... لتفجّر جميع عواطفه ومشاعره المشتعلة في حيّز جسده بدمعة .. دمعة حالت عن تفجّر جسده من هولِ تلكَ المشاعر وهو يستمع لتلكَ الكلمات البسيطة التي احيت فيه الرغبة في ( الحياة ) لأجلها .. من جديد !!
    احتضنها .. بكلّ ما اعتمر قلبه من قوّة .. ولثم شفتيّ قلبها بعناقٍ ذوّب أرواحهما وخلطهما معاً ليصبحا بنياناً واحداً لا قوّة على الأرض بقادرة على فصلهما مهما حدث .. !

  7. #2866

    تقف على نافذةِ الأمل بعنفوانها الأنيق ... تُطالع الفراغ ببسمةٍ ارتسمت على ثغرها ونظراتها تخترق ما أمامها بترقّب استلذّه مراقبها البعيد عنها ...
    تحتضن نفسها بأسلوبها المعتاد حين تغرق بأفكارها ... وتبثّ لمن حولها شحنات لا تدلّ إلّا على أفكار جهنّمية تخطّ رحالها نحوَ التنفيذ ..
    بتوجّسٍ واستمتاع .. اقتربَ منها ليحتضنها من الخلف مفاجئاً إيّاها وقاطعاً خلوتها ..
    شهقت وهي تضربه على يديه التي حوّطت خصرها لتهتف بانفعال : ديـــو !! كم مرّة أخبرتكَ أن لا تفعل هذا الأمر معي !!

    ناغشها بضحكاته التي بثّت أنفاسه على رقبتها ليهمس بحلاوة : مالذي يدور في ذهنكِ الشيطانيّ هذا ؟ هذهِ الابتسامة لا تدلّ على الخير أبداً.
    اتسعت ابتسامتها وهي تستدير نحوه لتحيط رقبته بيديها وعيناها تبعث شراراتها الشيطانية , لتهمس وكأنها تأتمنه على سر : ريلينا قد عادت.
    - أعتقد أن هذه المعلومة قديمة يا حلوتي.
    ضربت على جبهته وكأنها تنعته بالغبيّ لتردف بذاتِ النبرة المستمتعه : وبعودتها يعني أن الأمور ستتحسن .. ألا ترى هذا معي؟
    ضيّق مابين عينيه وكأنه يحاول سبرَ أغوارها .. ليعلن يأسه بأن تساءل بتوجّس : حـسناً ... إلى ما ترمين يا ماكرة اعترفي الآن !!
    اطلقت ضحكاتٍ خافتة لتجيبه وهي تحرّك حاجبيها للأعلى والأسفل : هذهِ المرّة لن أفعل شيئاً سيئاً صدّقني .. ولكنني كنت أفكر .. لم يبقَ سوى كاثرين المنطوية على نفسها ولا ترضَ الخروج من قوقعة الصمت الغارقة فيها.
    - تتكلمين وكأنكِ قد شاهدتِ ريلينا تضحك وتلهو قبلَ لحظات !!
    شمخت أنفها لتجيبه بثقة : ريلينا قويّة للغاية .. وبصمتها ذاك كانت تعاقب شخصاً واحداً فقط .. شخصٌ هوَ الان تحت رحمتها كما تعلم ... وعليهِ .. ريلينا ستعود تضحك وتلهو قريباً ... ( ضيّقت مابينَ عينيها وكأنها أدركت شيئاً.. لتكمل بنظرةٍ متأسفّة ) أو على الأقل ستعود بغموضها المعتاد وشخصيتها العنيدة قريباً.

    ضحك ديو بخفّة ليتساءل من جديد : لا زلت لم أفهم ما تخطّطين له.
    - هي ليست خطّة بالمعنى الحرفّي ولكنني كنت أفكر بحالة كاثرين ... كواتر قد عادَ لنا سالماً وكما ترى هوَ يستعيد عافيته ووجودنا معه ينعشُ خموله ويبثّ فيه روحه القديمة ... ريلينا في طورِ العلاج كما آمل .. بينما كاثرين لا تزال تعاني فقدان والدتها الذي لم يمضِ عليه سوى أشهر ... أريد أن أقنعها بالرجوع إلى هنا من جديد ولكنها قد رفضت طلبي ثلاث مرّات .. ففكرت لو عادت ريلينا ستجبرها على العودة من جديد, أو على الأقل لو علمت كاثرين بعودة ريلينا لربما تعود من تلقاء نفسها ... الا تظنّ هذا؟
    طالعها بابتسامةٍ بثّ فيها كل عواطفه نحوها .. ليقرّب أنفه من أنفها ويهمس لها : كالعادة ... تفكّرين دوماً بلمّ شتاتِ من حولكِ رغم ما تعانيه حبيبتي ...
    توتّرت نظراتها لتتهرب منه هامسة بتحشرج : المهمّ الآن هوَ كاثرين كما ترى ... يجب أن نجد طريقة لنعيدها بيننا !!

    رقّت نظراته ليخرج هاتفه من جيب بنطاله ويتركها هاتفاً : قد يكون حلّ هذا الأمر بين يديّ.
    رمشت وهي تراه يتركها ويخرج من الغرفة .. لتلحقه هاتفه : توقف ديو ... أخبرني بما تنوي فعله !!

    التفت نحوها ليجيبها غامزاً : مارأيكِ بالذهاب لروسيا يا حلوتي ؟

  8. #2867

    الأمان ... كلمةٌ حلمت بها لسنواتٍ طوال .. تخيلت ملامستها وتجرّع حلاوتها كما الترياق الذي يشفي روحها الثكلى التي أضنتها أيّام وليالي غزاها السهاد الكريه ... أربعة حروف .. تحمل بين طيّاتها أوطان تمنت غزوها كما تتمنى الإحساس بالحياة.
    وصلت لمرحلة في حياتها تجهل حتى عن معنى تلكَ الكلمة .. بل ترى أحرفها التي تمثلها كحدود دولةٍ ختم على جوازها ممنوع الدخول لها.
    مضحك أن تصل لتلكَ القناعة قبل أيّام من لحظتها هذهِ .. كانت – رغم يأسها الواضح أمام الجميع – تعافر لأجل الوصول للأمان بنهاية المطاف. تعافر بنظراتها التي تشيّع حلمها يوماً بعد الآخر.
    ولكنّـــها ... تعيشه الآن ... تعيش الأمان بهذهِ اللحظة .. تعيش ما طالت تمنّيه يوماً بعدَ الآخر ..
    ويا للعجب.. كيف لهاتين اليدين أن تعبّر لها عن أحرف سخيفة حوت أعظم شعور يمكن أن يتملكه الإنسان ...
    يداه التي تربت على روحها .. أنفاسه التي تبثّ لرئتيها عبقَ الحياة .. لمساته التي تناغش مشاعرها .. أفعال بسيطة .. لكنّها خطّت أحرف تلكَ الكلمة بحبرٍ مستحيل أن يمحى ! مستحيل !!
    تنهيدة طويــــلة ... أخرجت معها كلّ ما أرهقها لفترةٍ أطول من عمرها حتّى .. أخرجت معها بؤسها ويأسها .. شيّعت بابتسامةٍ فخورة كلّ كوابيسها، لترحب بالأحلام التي لم تجرؤ يوماً على الاقتراب منها حتى في عالم اللاوعي !
    تنهيدة أخرى خرجت من بين شفتيها وهي تتنعم بدفئ احتضانه المتملك لها .. لا تزال تلك الابتسامة الخلابة ترتسم على شفتيها وعينيها مسدلة بارتياحٍ واضح سطرته لغة جسدها المستكين بوداعة بين جنبات روحه.

    شعرت بجسده يرتجف لقهقهة وصلت لمسمعها بعد لحظاتٍ من غيابها عن كلّ ما حولها .. قطّبت حاجبيها بامتعاض .. فتسمعه يهمس قرب اذنها مداعباً بشقاوة : تعلمين أننا الان لا نزال جالسين وسطَ بهوِ المنزل، صحيح ؟
    عقدت حاجبيها لتغرق نفسها أكثر في أحضانه فتهمس بدلالٍ انثوي : لا أريد القيام الان ... دعني اتنعم بشعورِ الراحة فهذا أقل ما استحقه.
    سمعته يتنهد بصورةٍ حرّكت مشاعرها وألهبت حواسها لما يفعله بها بمجرد لمسة بسيطة على ظهرها .. لتشعر بشفتيه قرب أذنها يهمس بصوتٍ مثقل بمشاعرَ لا تستطيع الكلمات ترجمتها حرفياً : لا أحلى لي من امتلاككِ بين يدي هكذا فراشتي، لكنّ جسدكِ بحاجة للغذاء وبقاؤنا هكذا سيجعل عملية تغذيتي لكِ صعبة خاصة ونحن بعيدين عن المطبخ بمسافةٍ ليست بالقليلة.
    أطلقت معدتها أصواتاً خافتة ما إن طرأ موضوع الطعام لتسمعه يضحك بخفّة مستأنفاً كلامه : يبدو أن جسدكِ لا يخالفني الرأي ... ممتع كيفَ لجسدكِ الحبيب أن يكشف عن كلّ مشاعركِ بهذهِ السهولة.
    فهمت مغزى كلماته المبطنة لتضربه بخفّة على كتفه هامسة بامتعاض مصطنع : أراك تبدي استمتاعاً للأمر في الوقت الذي يجب أن تكون الان تدفع ثمن كلّ الايام الماضية لحظةً بلحظة.
    تعالت أصوات ضحكاته لتشعر به يرفعها من على الأرض وكأنها لا تزن شيئاً .. فتطالعها ملامحه الحبيبة وابتسامته الساحرة التي لم تستطع الاعتياد عليها –بعد- تناغش روحها بكلماتٍ مثقلة بمشاعر عديدة .. ليهتف وهوَ يأخذها للطابق السفليّ برشاقة : حسناً يبدو أنّه عليّ طهوَ طعامٍ أفضل من الطعام البسيط السابق كي أبدء بالتكفير عن كلّ أخطائي ألا ترين هذا؟
    انعكست ابتسامته على شفتيها لتعقد يديها حول عنقه بقوّة أكبر هامسة بدلالٍ : يُستحسن هذا.
    لم يتمالك نفسه ليجيبها بسخرية : وإن لم يعجبني الدور الذي اؤدّيه قد القي بالطعام في وجهكِ واستمتع برؤيتكِ غاضبة .. دوماً ما ينعشني غضبكِ اللذيذ.
    عاتبته بنظراتٍ لم تخلُ من الارهاق: لا طاقة لي بردّ كلماتك الان ولكن حين استعيد كلّ قوتي سترى الويل مني أيّها الفظّ.
    ازدادت ابتسامته اتساعاً ليضعها على الكرسي قرب منضدة خشبية متوسطة الحجم فيجيبها وهو يولّيها ظهره متّجها نحوَ الطعام الذي وضعه بالقرب منها : هذا تحدٍّ لا أطيق صبراً له.

    لم تختفي ابتسامتها الواهنه عن شفتيها لتضع رأسها على راحة يدها وهيَ تراه كيف يتحرّك برشاقة في المطبخ الخلّاب رغم بساطته، وضع الطعام أمامها ليأمرها بجديّة : كليه كلّه فجسدكِ بغاية النحول.
    رمقته شزراً على نبرته الآمرة لتهمس بين اسنانها : بعض الأمور فقط لا تتغير.
    رفع حاجبه الأيمن ليرسم ابتسامة ملؤها التحدّي ويهمس بتوعّدٍ مبطن : كلي الطعام ولا تجعلي الأمور الأخرى تعود للسطح يا فتاة.
    أمسكت بالشوكة لتشير بها نحوه هاتفة بتحدٍّ مجابه لتحدّيه : أولاً كلمة " فتاة " إمحها من قاموسك فأنا لست صغيرة ! ثانياً والأهم اسلوب الأمر هذا يجب أن تدرسه مطوّلاً قبل استخدامه معي لأنه قد يودي بحياتنا الزوجية إلى الجحيم ... ثالثاً وهوَ الأهم من كلّ شيء ....
    أمسك بيدها التي تشير بالشوكة في أمامه ليقرّبها من شفتيه ويعضّها بقوّة .. ابعدتها عنه بعد ان انتفضت من شدّة الألم وهي ترغي وتزبد بشتائم لا يصحّ لفتاةٍ بطبقتها أن تعرف معناها حتى .. طالعته بنظراتٍ ملؤها الغضب وهي تتوعده بألم أشدّ ليجلس بهدوء على كرسيّه قائلاً باستمتاع : قلتِ حياتنا الزوجية ؟!
    توقفت عن سيل الشتائم التي ترميها في وجهه لتنتبه على زلّة لسانها السابقة .. رمشت عينيها عدّة مرات قبل ان تتمتم بتوتر : ماذا ؟
    رفع حاجبه باستمتاعٍ أكبر مجيباً : قلت لو استمررت بأسلوبي الآمر هذا قد يودي بحياتنا الزوجية للجحيم .. أي أنّكِ تعترفين أنكِ زوجتي ؟
    احمرّت وجنتاها بخجلٍ لذيذ داعب رجولته وشوقه لها .. لتطرق رأسها هامسة بلا سيطرة منها على نفسها : وهل ما أقوله خاطئ ؟
    لم تتمالك نفسها لترفع رأسها نحوه بحدّة فتردف : هذا طبعاً ما إن أرفع عليكَ قضية طلاق واتخلص من عجرفتكَ للأبد.
    ضحك بخفة وهو يعلم يقيناً أنها لا تعني كلامها .. هي فقط تتهرب من الواقع الحتمي الذي رتبّ نفسه أمامهم بصورةٍ قسرية واضعاً الاثنين تحت بندِ زواجٍ غريب ولا يصدق... لكنه رغم كل شيء .. زواج !
    - كلي الطعام قبل أن أتولّى أنا هذهِ المهمة وحينها قد ترين ما هوَ أفضع من فعلتي اللطيفة هذه.
    أخذت عدّة أنفاس قبل أن تستكين ملامح وجهها وهي تعي مدى جدّيته بتهديده الذي يمتد لبوادر أخرى .. فتجلس كالفتاة المطيعة على كرسيّها وتبدأ بتناول الطعام بصمت.
    كان يلتهم ملامحها - الممتعضة والتي لم تخفَ من الاستمتاع الطفيف - بنهم .. يلاحق شهيقها وزفيرها ويحمد الله ألف مرّة على عيشه هذهِ اللحظة وأخيراً .. لم يكن ليصدّق ولو للحظة على تغير مجرى الأمور مابين ليلة وضحاها ليرى نفسه معها ( في منزلهما ) الذي اختاره بعنايةٍ وحلم وردي يداعب مخيّلاته عن يومٍ بعيد منّى نفسه كثيراً لو يعيشه.
    وها هوَ يعيشه .. يعيشه مع مليكة روحه التي هدأت ملامحها وهي تمضغ الطعام وعيناها تتراقص على المكان الذي تجلس فيه .. تتمعن بالمطبخ بفضولٍ وإعجاب واضحين.
    لاح شبح ابتسامة على شفتيه وهوَ يرى تقبّلها لهذا الوضع هيَ الأخرى .. وكأنها تمنت ذات الشيء معه.
    سمعها تهمس وكأنها تحدث نفسها : منزل جميل.
    - أعجبكِ ؟
    نظرت اليه ولمعة الاعجاب تكسو مقلتيها لتردّ بوجنتين محمرّتين لسببٍ لم يفهم معناه : كثيراً .. خصوصاً البحيرة في الخارج إنها خلابة.
    ابتسم برضى لم يستطع إخفاؤه .. ثمّ اختفت ابتسامته حين تغيّرت ملامحها وكأن سؤالاً طرح نفسه على عقلها لتلقيه وهيَ تنظر حولها مجدداً : أينَ نحن الان بالمناسبة ؟
    أجابها ساخراً : في المنزل كما اعتقد.
    رمقته بحدّة لتعيد سؤالها بنبرةٍ مغايرة : أين نحن الان يا هيرو ؟!
    اتسعت ابتسامته ليجيبها بهدوء : لو أخبرتكِ أين نحن .. هل تعديني بشيءٍ واحد؟
    طالعته بنظراتٍ متسائلة لتقول بعدَ هنيهاتٍ من التفكير : لمَ يبدُ أنني لن أسعد لما ستجيبني به ؟
    أسدل عيناه ليعيد ما قاله بذاتِ الهدوء : عديني أوّلاً ثم أجيبكِ.
    وضعت الشوكة على المنضدة لتمسح فمها برفق بعد أن استعادت طاقتها من الطعام الصحّي واللذيذ الذي التهمته حتى آخره.. درست ملامح وجهه لتحاول سبر أغواره بنظراتها الثابتة ... فتجيبه بعدَ لحظاتٍ : أعدكَ بماذا ؟
    رفع رأسه وكأنه كان ينتظر سؤالها هذا .. ليهمس بصوتٍ رخيم مثقل بمشاعر أذابتها : أنّكِ ستعيشين معي هنا حتى آخر يومٍ بحياتكِ.
    رمشت بعينيها عدّة لحظات وعقلها المسكين المتخم بأشياء صاعقة يعمل بكلّ ما أوتي من قوة علّه يستوعب طلبه ..
    ضيّقت مابين عينيها وهي ترى نظراته الهادئة – شكليّاً – تطالعها بصمتٍ مترقب .. لكنها لم تغفل عن ارتجاف تينك المقلتين وكأنه يعافر لأجل ضبطِ نفسه وهوَ ينتظر جوابها .. ينتظر ما سيرسم مصير الإثنين بعدَ هذا الجواب ...
    عادت لأيام ماضية متلافية المرور بأسوأها ... عادت ليومِ ( زفاف هايلد ) والذي كان بصورةٍ مستحيلة ( زفافها ) ولليوم الذي داعبت مشاعرها اعترافاته بحبّه وامتلاكه لها .. لكلّ ما كابداه من عناء حتى وصلا لهذهِ اللحظة التي حاربا لأجلها بضراوة ... لحظاتٍ خالية من حروب حامية الوطيس أقساها كانت الحرب الذاتية بين عقلهم وقلبهم .. لينتصر القدر على كلّ المصاعب ويرسم السعادة – رغم كلّ الآلام – وأخيراً على قلبيهم ...
    ابتسمت ...
    لغرابة الأمر ولمرارة الذكريات التي مرّ عقلها بها خلال تلكَ الثواني القليلة .. إلّا أنها ابتسمت ابتسامة ساحرة خلبت لبّه ورسمت أملاً جديداً بين حنايا قلبه الذي بات كالوليد الجديد بعدَ حروب عديدة بين ظلامه ونورها ..
    شعّت تلكَ الابتسامة بكلّ معانِ الحبور لتتحول بين لحظةٍ وأخرى لمكرٍ أنثويّ لذيذ فتجيبه : قد أفعل ... ولكن بشرط.


  9. #2868

    " صراعاتنا؛ حروبنا؛ أحزاننا؛ بؤسٌ تملكنا؛ ظلامٌ سكن جوفنا؛ هي ما تولّد طباعنا وشخصنا الذي نتعايش بهِ في الحياة، هي ما يولد كينونة الأشياء، هي ما ترسم باحترافية صنعها الخالق خبايا أفكارنا، أرواحنا، وهي ما تعكس أحلامنا، آمالنا، فحياتنا لابدّ من أن تحمل بؤساً ليقابله فرحاً، لابدّ ان تُذرف دموعاً لتجففها ريحُ تشبعت أملاً، لابدّ أن تُغلق بعض الأبواب في وجوهنا لنتعلم كيف نجد درباً نفتح بهِ نافذةٍ يشعّ من خلفها وهجاً ..
    وكل هذا تحت مسمى عدم التخاذل و الاستمرار بمواكبةِ الحياة؛ مهما كانت نتائج أفعالنا؛ مهما فقدنا من حياتنا؛ مهما خسرنا؛ لابدّ أن ننتصر؛ لابدّ أن تشعّ شمسُ التفاؤل في قلوبنا؛ لابد من لملمةِ شتاتِ أرواحنا التي فرقتها أعاصيرُ الحياة لابـــــد من الاستمرار !! "

    بقيت تلك الكلمات ترنّ في أذني مستمعها وكأنه همسٌ يداعب روحها الجريحة؛ فتحت عينيها لتنظر لِمن جلس بوقار على كرسيٍ متحرك ووثير أمامها، انسلّت ضحكةٌ خاملة على شفتيها الوردية لتقول بصوتٍ واهن : وهلْ هُنـــاكَ أملٌ لي في هذهِ الحياة ؟

    استحوذت كلماتُ تلك الطفلة الحزينة انتباه قارِئ الكلمات المبهمة؛ ليتوقف عن تحريك الكرسيّ المتحرك، ويغلق الكتاب الذي احتوته يداه، رسم ابتسامةٌ واثقة على شفتيه ليقول : وهل هُناك غير الأمل الذي نعيش من أجله يا حلوتي ؟

    زمّت الطفلة شفتيها لتنطق ببرود : لا أمل لِمن فقد كل ألوان الحياة !
    - خطأ؛ بل قولي لا حياة لمن فقد لذّة الأمل، والأمل باقٍ في قلوبٍ تسعى لهدفِها !
    - وما هوَ هدفُ فراشةٌ تقطعت أجنحتها التي بدأت للتوّ تُشفى ؟!
    - ولمَ لا يكون الانتقام؟
    توسعت عينيها على وقعِ تلك الكلمة، لترفع رأسها لمحدثها الذي بانت لنا بعضاً من ملامحه الناعمة، فيردف بجديّة : لديكِ عدّة اشياء تنتقمين لها؛ وعدّة أشخاص تنتقمين منهم، لكن هذا كلّه من أجلِ أن تجدي غايتكِ؛ غايتكِ يا ريلينا، ماهيَ غايتكِ ؟؟
    بقيت تلكَ الطفلة ذات الحادية عشر من عمرها تنظر لمحدثها؛ فاغرةً فاهها وعلامات الاستنكار تحوم حول رأسها، لتقول بعد فترةٍ وجيزة وقد استدركت غاية ذلك الكلام : العثور على من أبعد عنّي والدتي، ومن أحرق مبنى الميتم، العثور على مَن هدمَ لي حياتي.

    بابتسامة أيّد فتاتنا المشتعلة غضباً : ولكلِ غايةٍ وسيلة؛ فلا تنسي أن الغاية تبرر الوسيلة.
    انتفضت ريلينا بعزمٍ كبير لتقول : أجــل؛ سأنتقم منهم جميعاً، سأعثر على خيطٍ يرشدني لما حدث لأمي، سيندمون جميعهم ..
    ضحكةٌ خفيفة زلزلت ثقة طفلتنا بخيالها الجامح، ليقترب مُطلقها من فراشتنا ويضع يده اليمنى على كتفها الصغير لينحني حتى وصل الى مستوى ريلينا، فتظهر لنا ملامح الشخص الأنثوية الحادة، بعينيها البنيّة وشعرها الأسود القصير يداعب رقبتها، فتقول بابتسامة : رويدكِ يا صغيرة، لفعلِ هذا يجب أن تكوني قويّة، هل أنتِ كذلك ؟
    - أجل أنا قويّة، وسأكون أقوى .. ســأكون أقوى منهم جميعاً ..
    - رويدكِ يا فتاة، لا تقولي كلمة " جميعاً " فبهذا أنتِ تعنين كل البشر من حولكِ، لتنالي مرادكِ يجب أن تركزي قواكِ على نقطةٍ واحدة، يجب أن تتحيّني اللحظة المناسبة لإطلاقِ سهم انتقامكِ، ومن أجل هذا يجب أن تكوني ماكرة بقدرِ ما تكوني قوية .. ريلينا بيسكرافت، ستكونين تلميذتي اعتباراً من اليوم.. ولكن لكلّ شيءٍ ثمن؛ فهل أنتِ مستعدة لتسديده ؟؟
    أتاها ردها مصاحباً لنظراتٍ تشعّ عزماً : بالتأكيد.


    ؛

    شقّت شفتيها ابتسامة خاملة وهي تستذكر تلكَ اللحظات خلال خلوتها مع نفسها التي حصلت عليها اثناء طريقها القصير الذي اتخذته سيراً على الأقدام .. متجهة صوبَ منزلٍ خلّاب بمكان شبه معزول .. اتسعت ابتسامتها وهي تعلم يقيناً بغاية صاحب هذا المنزل .. هو أيضاً يحبّ أن يحضى بخلوةٍ له بعيداً عن صخب حياته وما صاحبته من تراكمات خلال الأشهر الماضية.
    أبت أن تنصاع للذكريات الأليمة التي تصاحب ذكرى تلكَ ( الأشهر ) فلم تختفي الابتسامة عن شفتيها ولم يخبو بريقها حتى .. بل شعّ الإصرار اللذيذ من نظراتها التي التصقت بإعجابٍ واضح بأنحاء المكان.
    خطواتٍ أخرى اتخذتها نحوَ المنزل هامسة في خلدها بإصرار : حسناً يا ميريديث .. أو سيرينا أو أيّا كان اسمكِ .. حان وقت تسديدي للثمن.

    ~

    طرقاتٌ منتظمة كسرت الصمت الذي التحف بأرجاء المكان .. ليصحبه من بعدها خطواتٍ متسارعة بأنفاس ممتزجة مع ضحكاتٍ خفيفة وصلت مسمع ريلينا وهي تقف بصبر خارج المنزل.
    ما هي إلّا لحظاتٍ حتى فُتح الباب على مصراعيه لتطالعها إمرأة .. بابتسامةٍ واسعة أظهرت صفّ أسنانٍ لؤلؤيّة .. ارتفعت نظراتها نحوَ عيني من استقبلتها بتلكَ الابتسامة لترى كلّ معاني الحبور متجسدة في مقلتين بلّوريّتين .. للوهلة الأولى ذكرتها تلكَ العينان بشخصٍ تمقته للغاية .. لكنّها نّحت الفكرة سريعاً قبل أن تجد نفسها بين أحضانِ جسدٍ نحيل ..
    اتسعت عيناها دهشةً من ردّ فعل من استقبلتها لتسمع من بعدها تمتماتٍ غريبة بدت وكأنها صلاةٍ أدتها تحمد الله على ما تراه الان .. ابتعدت تلكَ المرأة عنها لتغمرها بنظراتٍ ملؤها الحنان لامست شغاف قلبَ ريلينا وجعلتها تقع بحبّها منذ اللحظة الأولى ..
    - آه ... يبدو أنني قد أخطأت بالعنوان .. أليسَ هذا منزل ليونادرو ؟

    تعالت ضحكات المرأة التي لم تتركها بعد لتدخلها للمنزل وقد تكلمت للمرة الأولى حينَ هتفت : بالتأكيد هوَ كذلك عزيزتي .. آه لا تعلمين كم كنت متشوّقة لرؤيتكِ .. ( تحوّلت نظراتها لشيء من الأسف وكأنها قد وعت على شيءٍ مهم ) اعذريني على هذا الاستقبال الغريب من شخصٍ لم تعرفيه ولكنني لم أتمالك نفسي.
    رمشت ريلينا بعينيها وهي تنظر لها مطوّلاً علها تتعرف عليها أكثر ليخطر على بالها بعضُ الهمسات التي تداخلت بوعيها - الغائب عن الوعي - أثناء زيارات ليوناردو لها بالمصحّ العقلي .. شيءٌ ما يخصُّ إمرأةٍ يحبّها كانت بحالةٍ سيئة وتحسنت بعدَ صبرٍ طويل منه ... التمع الإدراك بنظراتها لتحاول قول شيءٍ قبلَ أن تسمع شهقةً من الخلف ... التفتت لترى اخيها يقف عند باب المنزل وبيده هاتفه وكأنه كان يتحدث مع أحدهم خارج المنزل ... ثوانٍ من الصمت قد مرّت وأخاها يتشبّع من الحقيقة التي أمامه وقد تقلّدت بأخته ... واقفة في بهوِ منزله ... ( تبتسم باستنكار ) ونظراتها مليئة بالفضول والـــ ... استمتاع ؟!
    - لقد عادت !!
    هتفَ لمن يكلّمه على الهاتف ليردف قبل أن يغلق الهاتف : لقد عادت ريلينا نيكولاي ... خطّة تلكَ الماكرة قد أفلحت !!

    لم تحاول أن تسأل عن ما قَصَدَه قبل أن تجد نفسها .. وللمرة الثانية .. غارقة في حضنٍ مليءٍ بالشوق والعتاب والفرح العامر ..
    هذهِ المرة هي من ضحكت باستغراب لتقول وهي تبادل أخيها الأحتضان : حسناً حسناً .. يبدو أنَ الجميع كريمٌ معي بإبداء عاطفته نحوي هذا اليوم ...
    ضربها على كتفها بقوّة قبل أن يهمس متوعدّا : ما هذهِ سوى المقبلات قبل أن تبدأ الوجبة الرئيسية لتعنيفكِ على ما فعلتهِ بي طوال تلكَ الأشهر.
    تنفسّت عبق ريحه الذي دوماً ما يريحها .. لتغمر نفسها في أحضانه أكثر فتجيبه ممازحة : لا أعتقد أن هذهِ الحسناء قد توافقكَ على ما تنتوي فعله .. يجب أن ترى كيف ترمقكَ الآن بتوعّد.
    قهقه مستمتعاً وقد وعى على وجود ( الحسناء ) خلفه .. ليستدير ويرى أن نوين ( بالفعل ) تمرقه شزراً قبلَ أن تتوعده بهتافٍ حاد : ألمس شعرةٌ واحدةٌ منها وسترى الويل.
    ازدادت ضحكاته علواً ليلتفت لريلينا المستمتعه بهذا المشهد الغريب والـ ( حميم ) الذي تعيشه الآن .. فيعود ويحتضن أخته من جديد وكأنه لا يقوى على فراقها لحظة واحدة .. قبلَ أن يهمس بتهكم مصطنع : لم يمضِ على عودتكِ دقائق قليلة حتى عدّت بالمصائب يا فتاة .. ماذا أفعل معكِ أخبريني !!

    اجابته بين أحضانه التي لم يبدُ عليها ممانعتها لها : حسناً.. يمكنكَ أن تبدأ بإخباري بهويّة التي هددّتك قبل لحظات .. ونجت بفعلتها !

  10. #2869

    كنكهةِ القهوة .. مرّة لاذعة .. غنيّة باللذة.. بعبقٍ فخم يخدّر حواسَ من يرتشفها .. تجسّدت أنثى جلست على بهوِ الزمن بتلكَ المعاني .. يرافقها الصمت وما ينوي مغادرتها .. وكأنها قد وجدت ألفتها مع الصمت الناعم الذي يحيطها .. فنرى هالات الارتياح تكسو ملامحها وهيَ ترتشفُ عصيرها بكلاسيكية لم تخلو من بعضِ التوتر.
    توتّرٌ لاحظته عيناه التي لم تغادر مرآها منذ ... متى ؟! ساعتين .. أم ثلاث ؟!
    فقد الإحساس بالوقت وهو يلوك الثواني التي يتجرّع بها نكهة لقياها .. وكأنه لم يلقاها سابقاً ... يمشّط بنظراته تقاسيم وجهها الناعم .. شعرها القصير الأسود يداعب رقبتها التي زُيِّنت بقلادةٍ فضيّة ناعمة .. عيناها البنّية يفوح منها عبقُ القوّة التي بات يرتشفها منذ فترةٍ طويلة جعلته يدمن النظر إليها هكذا فقط .. لا يودّ مقاطعة خلوتها ولو للحظة .. علّه يجدُ كلُ أجوبة تساؤلاته من موقعه البعيد رغم القرب .. دونَ المساس بالهالة الغريبة التي تحيطها ..
    وكأنه ... خائف !! خائف من مواجهة عيناها التي ستحكي لهُ الكثير بنظرةٍ واحدة فقط ..
    وكأنه .. يخشى تلكَ الحكاوي .. يخشى الغوص بها وتجرّع طعمها المغاير لما استطعمته براعمه الذوقية طوال عقدين بأكملها ...
    فكيف ... كيف له أن يستوعب فكرة ( عائلة ) بعد أن كان يفتقر لكلّ معانيها منذ فترةٍ أوشكت على أن تنسيه حتى أبجديّتها ...
    ( عائلة ) ... تنهّد بسرّه وعقله ينحدر لمنعطفٍ آخر شمل ابتسامتها الماكرة وعيناها الحبيبة وهيَ تشترط عليهِ شرطها الشيطانيّ كي توافق على طلبه منها. لم ينسَ ملامح وجهها وهيَ تطالبه بجملةٍ واضحة وصريحة أن ( يستمع ) لوالدته .. ولم تكتفِ فراشته بهذا .. بل تمادت لتطلب المزيد والمزيد وهوَ يجلس قبالتها بلا حيلة .. غير قادر على الرفض .. بل لم يستطع أن يجد سبباً واحداً للرفض .. حين ذلّلت ( هي ) كل الأسباب التي قد تمنعها من أن تعود إليه.
    عطفها اللامتناهي - رغم قسوتها بطلبها هذا - يتغلل لمسام روحه .. يشبّع قلبه العطشان بمياهِ العاطفة. علّمته بجبروتِ حبّها كيفَ يمكن للقلبِ أن يحوي أكثر من شخصٍ به ... علّمته كيفَ يمكن للانتقام أم يتحوّل للمسامحة .. والغضب أن يتحوّل للعفو .. والحزن ... أن يتحوّل ( بلمسة ) للحبور.
    لاح طيف ابتسامة على شفتيه وهوَ يفكر مجدداً بعائلته .. حسناً، يستطيع أن يعتاد على فكرة تكوينه عائلة معها .. لكن ....
    عاد ليرفع نظراته نحو من جلست بعيداً عنه .. وعاطفته الوليدة التي باتت تحبو على ركبتيها تحاول أن تستوعب كيفَ لهُ أن (يستقبلها) بحياته.
    حسناً .. فليواجه الأمر وليرَ ( قدرة سيرينا يوي ) على تذليل هذهِ الصعوبة !


    ~
    عقدت حاجبيها امتعاضاً وهيَ تقرأ ما احتوته بين يديها من معلوماتٍ لم تكترث مسبقاً للنظر فيها ..
    هناكَ أشياء كثيرة عليها مواكبتها .. فقد كان جلّ تركيزها بالماضي على التخلص من الذي قد يأخذ منها مستقبلها ... والان وقد بات المستقبل خالياً من أيّ تهديداتٍ كبيرة .. عادت لتحاول بناء هذا المستقبل من جديد.
    - نسيت كم هوَ مملّ العمل بمجالِ الإدارة ! رحمكَ الله يا أبي ... ألم تجد حرفةً أخرى تداولها !

    حكّت حاجبها بتفكير وهي تراجع الأرقام المصفوفة بإتقان أمامها .. لتجد الحلّ الذي كانت تبحث عنه منذ ساعات بجلستها تلك .. فتلمع عيناها ببريق الإثارة وهيَ تدون بعض الملاحظات في حاسوبها القابع بالقرب منها على المنضدة الخشبية.

    حانت منها التفاتة لما خلف النافذة القريبة منها .. وعقلها يأخذ استراحة لحظية من صومعة الارقام هذهِ لتفكر بما أخبرها نيكولاي قبل ساعات ... لم تصدّق أن خطّتها ( الخطيرة ) قد تأتي بثمارٍ بهذهِ السرعة ... فكم مضى على ( اختطاف ) ريلينا المزعوم والذي كان برعايتها ... خمسة أيام ؟ حسناً بعد التفكير بالأمر كانت فترة ليست بالقليلة لتحصد الثمار التي ترقبّتها بصبر.. لكنّها كانت ترجو أن ترى بأمّ عينها هذهِ الثمار ...
    - مزيداً من الصبرِ يا سيرينا.
    تمتمت لنفسها تلكَ الكلمات علّها تهدّئ من روعها وترتب أفكارها لما قد يحصل بعدَ بدء الأمور كي تعود لنصابها.

    تنهيدة حارة انفلتت من شفتيها لتعود لمشكلتها الكريهة القابعة بين يديها وتستأنف ما كانت تعمله.
    شتمت بعنف وقد جزعت من حالتها هذهِ .. لقد طفحَ الكيل !!.. ستترك أمر تلكَ الشركة وليحصل ما يحصل !! لن تجبر على الجلوس لدقيقةٍ أخرى كي تراجع هذهِ المسائل القانونية المترتبة براوتبَ الموضفين الذين سيعملون لديها بعدَ شهرٍ من هذهِ اللحظة !!
    - لا استطيع التصديق، أن من أشرف على تعليم زوجتي أصول ( اللباقة ) تلفظ هذهِ الألفاظ دون أيّ تحفّظٍ يذكر !!
    قلبها تناسى عملية النبض للحظات .. قبل أن يعود ويهدر بعنف بين أضلعها ...
    عيناها .. متجمّدة بمكانها .. ومقلتيها ترتجف لتترجم بتشجنها ذاك مشاعر عديدة تزاحمت بقلبها وحيّز جسدها .. فلم يعد الأخير يقوَ على تجسيد أي ردّ فعل مناسب لما داعب مسمعها بتلكَ اللحظة..
    أخذت عدّة أنفاسٍ متسارعة بعد ان استوعبت أنها قد حبست الأوكسجين بين رئتيها .. لتخرج من شفتيها الفاغرة شهقةً ناعمة وهي تدير وجهها لمن وقف قريباً منها... قريباً جداً!!
    تكاد لا تذكر آخر مرّة لامست عيناها مقلتيه التي ورثها عن أباه .. تلكَ العينان الحبيبة التي كانت تتغنى لها بكلّ نظراتِ العشق من شخصٍ آخر .. تلكَ العينان الدافئة التي دوماً ما بثّتها بالأمان الذي يحويها ويشعرها بكينونتها ...
    ارتجفت شفتيها وهيَ تستوعب الأمر بشموليّته المستحيلة ... ولدها ... بذرة عشقها الأسطوري الذي نثرته الرياح الشيطانية .. يقف بكامل جبروته أمامها ... يقف متّزناً .. قويّاً ... ببرودٍ استفزّ كبرياءها ... استفزّها لدرجة أنها توانت عن فكرة الاقتراب منه واحتضانه وتوسّله الغفران ... فما ملكت سوى أن تطالعه بذاتِ البرود من موقعها وقد تداركت نفسها وأخيراً .. لتغمض عيناها وتريح ظهرها على الكرسي فتأخذ عدّة لحظاتٍ من الصمت قبل أن تجيب : لا أذكر بأنني قد علمّتها كيفَ تكون لبقة معَ ما يزعجها. كما أنني ( طالعته بقوّة قبل أن تردف ) أريتها كيفَ تعبر عن مشاعرها دونَ أيّ تحفّظ !
    عادت لتغلق عيناها محاولة بكل استماتة السيطرة على مشاعرها المتوترة لقربه الشديد منها ... أفكار عديدة تعصف بعقلها .. من أين تبدأ معه ؟ بل هل يجب هيَ من تبدأ ؟؟ فقد ابتعد عنها عنوةً رغم طلبها المتكرر أن تحادثه ولو لمرة ... مرة واحدة فقط !! لكنّ ابنها العنيد لم يرضخ لطلباتها بتاتاً ... مالذي أتى به إذاً ؟؟ هل يعقل أن ريلينا قد هربت منه ؟؟ مستحيل !!


    شعرت به يجلس قبالتها لتفتح عيناها وتطالعه بنظراتٍ مستكينة .. رانت منها نظرة جانبية نحوَ بابِ المنزل الموارب .. ومن ثمّ للنافذة الكبيرة على الجانب الآخر ..
    كيفَ دخل للمنزل دون أن تشعر به ؟
    لامست شفتيها ابتسامة مستمتعه وهي تفكر باحتمالياتٍ عديدة .. حسناً هي لا تستهين بقدرته على التسلسل لمنزلها .. ولكن أن لا تشعر به وهو يقتحم خلوتها .. هذا ما أثار استغرابها وإعجابها أيضاً.
    ( أبن أبيه فعلاً )
    قاطع تفكيرها نظرته المتأملة لها ... تنهدت بإرهاقٍ نفسيّ وكأن جبلاً جباراً أُزيح من صدرها بمجرد رؤيتها له .. سليم .. معافى .. وعيناه ... يكسوها الشجن الغريب !
    التمعت عيناها على الإدراك الجديد للتغير الطفيف الذي تلمحه فيه بعدَ آخر مرة لقته فيها ... فترى نظراته تحيد عنها وكأنه يستذكر شيئاً قبلَ أن يجيبها باسماً : أراكِ أجدتِ تعليمها هذا الأمر أيضاً.
    ضيقت مابين عينيها لتتساءل بابتسامة لم تستطع منعها : أيضاً ؟
    وكأنه صحى من خيالاته التي أبعدته عنها .. ليعي على الموقف الذي هوَ فيه .. فيعتدل بجلسته ويطالعها بهدوءٍ ورثه عنها قبل أن يرثه عن أباه .. لاعبت أنامله حافة المنضدة ليقول بنبرةٍ عملية : كانت تصلني الرسائل التي ترسليها لي قبل أشهر .. كنتِ تريدين التكلم معي حولَ الماضي وأنا كنت أتجاهلها .. حسناً .. لا تفهمي من جلوسي أمامكِ أنني مستعد ( لتقبل ) تلكَ الحقائق .. ولكنني سأستمع .... فقط !
    شدد على الكلمة الأخيرة وكأنها مهربه الوحيد من ما قد يُلقى عليه بعدَ هذا التصريح .. لتتسع ابتسامة سيرينا فتسأله بمكرٍ لم يكن غريباً عليه البتّة : أوه حقاً ؟ ومالذي تغيّر خلالَ تلكَ الأشهر لتأتي وتطالبني بما رجوتكَ أن تسمعه ؟!
    ابتلع رمقه ليشيح نظراته عنها قبل أن يجيب باقتضاب : ريلينا ترسل لكِ سلامها وتخبركِ أنها تسدّد دينها لكِ.
    التمعت عينا سيرينا باستمتاعٍ كبير لتدير نظراتها من حولها هاتفة بلهفة : ريلينا ؟! هل هيَ هنا ؟!
    - لا ! لم ترد أن تتدخل بأمرٍ بيني وبينكِ .. أرادت أن استمع لما ستقوليه وكأنها متأكدة من أن ما قد تحكيه لي قد يشفع عن شيئين .. أوّلهما إبتعادكِ عن حياتي .. وثانيهما ( إشرسّت نظراته أكثر من ذي قبل ليردف ) خطّتكِ الشيطانيّة الأخيرة بجعل ريلينا بين أيدي الحثالة تلكَ .... !!!
    لانت نظرات سيرينا وهي تتطلع لشرارة الغضب التي تلتمع بها عينيه ... وذاب قلبها لحلاوة هذا الغضب الذي لا يغذّيه سوى .. الحب ..
    حبٌّ خالص ونقيّ زرع القدر بذوره .. لتسقيه هيَ بتأنٍّ بمرور تلكَ السنوات..
    أخذت نفساً مطوّلاً قبل أن تستريح بجلستها وتعود بذاكرتها للماضي البعيد ... فتهمس وكأنها غابت عن اليوم والآن : حسناً يا صغيري .. سأحكي لكَ حكاية جميلة .. عن فتاةٍ جامحة وعنيدة يغزوها عنفوان الكبرياء ... ورجلٌ جامح وعنيد يغزوه البرود .. فتجمعهما قصّة عشقٍ إسطورية .. وتفرّقهما سمومُ الخيانة اللاذعة ... لتجعل منهما كيانين هائمين مابين تمنّي الخيال وترجّي المحال !!

  11. #2870


    - تقولين بأنه قد ذهبَ لها ... حرفياً !! ذهبَ بقدميه !!
    أطلق تساؤله المطعّم بنكهة الاستغراب والدهشة .. ليأتيه الجواب الواثق سريعاً : أجل يا ليو .. كان هذا شرطي الوحيد.
    عقدت نوين حاجبيها لتنظر ما بين ليو وريلينا باستغراب .. فتتساءل بلا استيعاب : لم أفهم للآن لمَ هذه الدهشة من قبلك يا ليو .. فكما نعلم جميعاً هي والدته .. يجب أن يكون رجلاً ويواجه ماضيه ويكلّمها بنهاية المطاف!

    أماءت ريلينا لها بالموافقة .. لكنّ ليو لم يتخلّ عن دهشته حين استطرد : ولم يعترض على شرطكِ هذا ولو قليلاً ؟

    هنا شقّ ثغر ريلينا ابتسامةٍ سارحة وهي تستذكر النقاش المطوّل بينهما بعدَ أن طلبت منه أن يستمع لما تريد سيرينا قوله .. وانتهاء النقاش بمشهدٍ حميم جعل وجنتيها تحمرّ خجلاً وهي تستذكر خشونة عاطفته التي بثّها بها .. وكأنه ينتقم منها بالطريقة الوحيدة التي يستطيعها .. وكأنه يشكو لها عن صعوبة ما تطلبه منه ... ولكنّها لم ترفض تلكَ العاطفة الخشنة .. بل بادلته ذات العاطفة وبخشونةٍ أقوى .. تشتكي لهُ .. ومنه .. على كلّ الأيام التي فرّقت بينهما وباعدت بين قلبيهما !! وبالتالي حصلت على انتصارها.

    انتبه كلٌّ من نوين وليو لوجنتيها المحمرة وتوترها الذي بات واضحاً عليها حين تمتمت : حسناً ... تعلم يقيناً كم أنّ هيرو صعب المراس .. ولكنه يملك اشياء كثيرة يكفّر عنها .. وما طلبته كان البداية فقط.

    رفع ليو حاجبه وإمارات الاستنكار تعلو محياه : هل تعنين بأنّكِ قد سامحتيه ؟ بهذهِ البساطة ؟
    ابتلعت رمقها لتجيبه مشيحة نظراتها عنهما : ليسَ تماماً ... هوَ يعلم أن هناك طريقاً ليسَ بالقصير نخطو رحالنا فيه لتجاوز ما حصل بالماضي ... ابتداءً من كونه أخفى عليّ كونه صديق طفولتي ... واستمراراً لما حصل بعدها حتى هذهِ اللحظة.

    تنهد ليوناردو بتثاقل , ليقول وهوَ غير آبه أن يخفي امتعاضه : لا أستطيع أن أغفر لهُ يا ريلينا ... ما فعله كان بغاية ...
    - الصواب ؟!!

    رفع رأسه بقوّة نحوَ نوين التي تدخلت بهذا النقاش ... لتسترعي انتباه ريلينا حينَ أردفت بحكمة : ما فعله كان الصواب يا عزيزي .. فتعلم يقيناً أننا أحياناً نحتاج للهروب، كي نجد أنفسنا من جديد ... هذا ما فعلته ريلينا .. وهذا ما فعلناه جميعاً أيضاً بصورةٍ أو بأخرى !!

    حاول ليو مناقشتها بأن هتف بانفعال : صحيح ولكنّه كان الأكثر جُبناً بيننا .. لا استطيع التصديق كيفَ له أن يتخلى عنها بتلكَ السهولة !!
    - هوَ لم يتخلى عني يا أخي !!
    قاطعته ريلينا بانفعال وهي تنتصب واقفة .. لتكمل بصوتٍ متهدّج : هوَ لم يتركني لحظةَ واحدة .. وأنا كنتُ أشعر بهذا .. لكنني كنت غاضبة من ابتعاده عن مرآي فقط ... كنت ... ( تألمت نظراتها للحظة ) كنت بحاجة إليه .. لا أعلم كيفَ أشرح لكَ هذا .. فهوَ الأقرب لي كي يفهم حالتي حينها ... كان الأقرب دوماً يا أخي.

    ارتخى كتفا ليو وهوَ يرى نظرات الانكسار تعاودها من جديد .. ليندم بشدّة على فتحه لهذا الموضوع .. لكنّ نوين – كعادتها – تدخلت لتلطف الأجواء بشخصيتها الرقيقة ..
    - صغيرتي .. نعلم يقيناً بحاجتكِ إليه، ولكنه كانَ يحتاج للابتعاد، فلا تلوميه .. لا يملك أحدنا على لومه وقد كانَ هوَ الآخر يعاني تشتتاً واضحاً ... كيفَ له وأن يلملم شتاتكِ وهوَ لا يستطيع أن يجد ذاته ؟! سيرينا قد ألقت قنبلة بتلكَ اللحظة .. وقد كان التوقيت ( امتعضت قبل أن تكمل بأسف ) جدّاً خاطئ ... المُلام الوحيد بهذا الأمر هوَ التوقيت .. ولا نملك أن نلوم الماضي فما حصل قد حصل.
    استكانت ريلينا لتعود لما كانت عليه قبلَ دقائق .. فترسم ابتسامة خاملة على شفتيها وهي تطالع نوين التي كانت تمسك يدها بحنوٍّ ورفق : أعلم بهذا ... ولا فائدة من تكرار ما حصل بالماضي.

    أماءت نوين لها، لتشدّ من إمساك يدها هاتفه بثبات : والآن أرينا أنّكِ ستعودين لترسمي البسمة على وجهكِ وعلى وجوه الجميع .. أثبتي لنا أنّ قوّتكِ لا تزال تقبع هُنا ( لامست مكان قلبها برفق ) لا تستسلمي للماضي أبداً حبيبتي.

    أماءت ريلينا بالموافقة .. لتنظر نحو ليو الذي كان مأخوذاً بما يراه .. يطالع زهرتيّ حياته تلعقا جراح روحيهما بقوةٍ وثبات .. لتثبتا لنفسيهما قبل أن تثبتا له ... أنهما لن يستسلما للحزن .. مهما حصل !!
    عادت لتجلس بمكانها السابق ويداها تداعب حافّة كأس العصير أمامها .. لتسمع ليو يسألها بعدَ أن استعاد نفسه : مالذي تنوين فعله الآن ؟
    لاح شبح ابتسامة ماكرة على شفتيها وهيَ تتخيل ما تودّ فعله , بدءاً من زوجها ومروراً بالبقية ... لتسمع تنهيدة خرجت من أخيها وقد أطرق رأسه بأسى : لا أرتاح لهذه النظرات !! مالمصيبة التي ستفعليها الان؟؟ اعترفي!!

    اجابته بمكر : لن أخبركَ الآن .. سترى النتائج بنفسك !
    لم يستطع كبح ضحكته التي خرجت عنوة من بين جنبات قلقه , لينظر نحوَ نوين بيأس : وأنتِ من كنتِ تقولين أنَ لديّ أختٌ كالملاك !!

    ضحكت نوين باستمتاع لتضربه بخفة على كتفه وتوجه كلامها لريلينا من بعدها : كنا بانتظار عودتكِ منذ خمسة ايام بعد أن اخبرتنا سيرينا أن هيرو قد أنقذكِ، لم استغرقتِ كل هذا الوقت كي تعودي؟
    أراحت المعنية ظهرها على كرسيها لتجيب نوين بهدوء : حسناً كنتُ أنا الأخرى أحتاج لفترةٍ بيني وبين نفسي لأرتب أوراقي وأعود من جديد ... وكنت أيضا احتاج لاستدراك ما حصل خلال تلكَ الأشهر.

    أماء لها الاثنان بالتفهم .. لتبتسم لهما ريلينا برقّة وهي تطالعهما من مكانها القريب منهما .. همست دونَ وعيٍ منها : أنا سعيدة من أجلكم ... سعيدة لأنني أرى بسمة أخي نقيّة وصافية وخالية من الحزن الذي دوماً ما توشّح به ثغره بالماضي .. وسعيدة لأنه بيدٍ حانية ورقيقة مثلكِ يا نوين.
    احمرّت وجنتي نوين لتطرق رأسها بتوتّر .. ضحك ليو بخفّة لينقذها من توترها حينَ هتف : وماذا عنكِ أنتِ يا ريلينا .. هل أنتِ سعيدة معَ ذاك العنيد ذو الرأس الصلب؟؟

    ضحكت المعنية بخفة لتجيبه بنظراتٍ ماكرة : تستطيع القول بأنّ السعادة لي لا تأتِ بسهولة ودون قتال.

    قطّب حاجبيه ليتساءل بلا استيعاب : أيّ قتال هذا !!

    انتصبت واقفة لتوليّه ظهرها وتهمّ بالخروج من المنزل هاتفة : لا تظنّ بأنني قد أرضَ بحياةٍ زوجية روتينية مع العنيد ذو الرأس الصلب ذاك ... حياتنا لن تخلوا من المعارك اللذيذة.
    أدارت وجهها لتغمز لهما وتدير رأسها قائلة : عليّ الذهاب الآن .. هناك مهمّة أخيرة تنتظرني كما يبدو.
    لاحقها الاثنان ليتعالى صراخهما هاتفين : ريلينا ... إلى أين تذهبين ؟

    - هتفت من نافذة سيارتها قبل أن تغادر المنزل كليّاً : سأضرب عصفورين بحجرٍ واحد ... أعطي زوجي درساً جديداً كي يندم على ما فعله بي ... وأضرب صديقتي على رأسها لتعود لصوابها.
    فهم ليوناردو ما ترمي إليه .. ليهدء من روع زوجته التي أخذت تدور حول نفسها بتوتر .. فيقول مطمئناً لها : لا تقلقِ حبيبتي ستكون بخير ... عليّ الاتصال بينكولاي وإخباره أن هناك زائراً مرتقباً له سيعكّر صفو هدوئه.
    اخر تعديل كان بواسطة » Miss saw في يوم » 17-07-2015 عند الساعة » 21:10

  12. #2871

    يسابق الثواني وقدميه تودّ لو تطفو وتحمله بعيداً عن هذا المكان .. لكنها ثابتة على الأرض .. وجسده يودّ لو يتلاشى إلى العدم .. لكنه متصنّم ..
    كمُّ كبير من الحقائق .. حوتها تلكَ ( القصة الجميلة ) التي أطلقتها عليه قبل ساعةٍ من تلكَ اللحظة .. جعلته للحظة واحدة .. يتمنى لو أنه مغيّبٌ عن الوعي ... فما سمعه كان أقرب للخيال من الإستحالة !!
    أيُّ عقليةٍ شيطانيّة ذات همّة جبارة حملتها تلك العقول التي تعاونت فيما بينها لتدمّر حياة أشخاصٍ كثر ... حياةٍ تلوَ الأخرى .. لتصل بالنهاية إلى أن يشكّ الزوج بزوجته ... وتلطّخ الملاك - التي لم تفعل أيّ جرمٍ في حياتها سوى أنها أحبّت ليوناردو – يديها بالدماء ... وتدور الأيّام ليقع هوَ مع ريلينا بذاتِ الفخّ الذي كان يتجرع مرارته لفترةٍ طويلة .. فخّ الخيانة التي أحالت مشاعره لصومعةٍ من المعارك الضارية داخله ...
    تبسّم بقهر وهوَ يتطلع للفراغ أمامه .. غير قادر على تمييز ملامح والدته التي جلست أمامه بذاتِ الوضعية .. منهكة من كمّ الاعترافات .. متوجسّة من ردّ فعله .. ومتأمّلة ... لا تملك بعدَ هذهِ اللحظة سوى أن تتأمّل خيراً.
    وهل لها الحقّ ؟!
    بالتأكيد !! فما مرّت بهِ بالماضي لم يقلّ ولو قليلاً عن ما عاناه هوَ الآخر مع ريلينا .. بل ما عانته ريلينا بالذات مع جميع من حولها ..
    فذات اليد التي قتلت .. قد أحيت ..
    وذات الجرح الذي نزف .. قد اندمل وشفي ..
    وذات القلب الذي جفّ قد ارتوى ..
    وذات الماضي الذي تلطخ بالدماء .. بدأ بالتلاشي تحت مسمّيات الأمل هذا ..
    أجل !! هي تملك كل الحق أن تطالب ابنها بالمسامحة .. بل وتملك الأحقيّة باحتوائه بين جنبات روحها من جديد ..
    ألم تعاني ما يكفي من الحرمان ... فبنفس الوقت الذي حُرِم ( هوَ ) منها .. قد حُرمت هيَ من أشياء عديدة .. بداية بزوجها مروراً بولدها .. وانتهاءً بكلّ ما بنته لحياتها ...
    قد حاربت سيرينا حتى آخر لحظة .. حاربت ولم تستسلم أبداً ..
    بينما هوَ ؟؟ مالذي فعله حينَ وصل ألمه لأقصاه .. مالذي فعله حين رأى ريلينا على تلكَ الحالة وقتها ...
    هرب !!!
    بكل جبنٍ وضعف .. هرب !!
    لم يتوقع أن تغير ما ادلته عليها والدته مشاعره ... لم يتوقع أن يشعر بالأسف على نفسه ومن نفسه ولنفسه .. لأنه سمح لعقليته الرعناء أن يلومها رغمَ كلّ شيء ..
    ولكنه ببساطة .. لم يستطع بعد تقبّلها في حياته .. لم يستطع أن يترك لمشاعره الحريّة المطلقة كل يحتضنها ويبكي أيامه لروحها ...
    أن يجعل قلبه – ولأول مرّة – يشكو كلّ جراحه التي عاناها منذ طفولته ..
    كان دوماً يحارب كي يبقى ثابتاً .. بارداً .. لا تهزّه أعتد الرياح ولا تثنيه أقسى الوحوش ضراوة عن هدفه !!
    لم يملك تلك الفسحة التي يشكو فيها من ما عاناه .. كان ردّ فعله الوحيد هوَ الرغبة الوحشية العمياء بالانتقام .. لدرجة أنه قد أعمي عن الحقيقة الواضحة لينتقم من ريلينا نفسها ...
    أطلق نفساً مرتجفاً وعيناه المغمضة تكاد تبتلع مقلتيه أسفل جمجمته ..
    لم يستطع ... فقط لم يستطع !!

    ولكن ... يبدو أن ريلينا قد ( ورثت وبصورة غير مباشرة ) أسلوب ( والدته ) بتطبيب جراحه..
    فلم يشعر إلا وبتلك الأنامل الناعمة تلامس وجنتيه بلهفةٍ وشوق .. وصوت نشيجٍ ناعم داعب مسمعه ..
    فتح عيناه فجأة ليرى دموع والدته تشقّ طريقها على وجنتيها .. لعلّها هي الأخرى قد حاربت طويلاً كي تكبح مشاعرها .. ولكن طبيعتها الأنثوية قد غلبتها وكانت لدموعها الكلمة الأخيرة للتعبير عن كل ما اعتمرها من أسى على تلكّ الذكريات ...
    لم يستطع تجاهلها بعدَ الان .. ولا حتى الاستمرار بمعاقبتها بجفاءه المعتاد معها ... أغمض عيناه بقوّة .. ليرفع يده الثابتة نحوَ يدها .. ويشدّ عليها بقوّة ..
    اتسعتا عيناهاً دهشةً وحبوراً .. وهي ترى، صغيرها ... رجلها ... بطلها المغوار ..
    حارب بروده وكبرياءه وكلّ غضبه تجاهها .. كي يبتلع حزنها الكبير بهذا الفعل البسيط بمظهره .. الكبير بمعناه ...
    ... وجعل نار شوقها له تلوك زيتَ الماضي وتشتعل أكثر بلهيب التوق لاحتواء وليدها ....
    شهقاتها ازدادت علواً لتجد نفسها تحتضنه بقوّة وقلبها عجز عن تحليل مشاعرها المتضاربة ...
    لم تملك سوى الاستسلام لهذا الشعور .. وما أحلاه من استسلام ..
    همست بتعبٍ وإرهاق بانا واضحين لكليهما : انتهى الأمر يا ولدي ... انتهى وأخيراً.
    شعرت بجسده يرتجف وكأنه هوَ الآخر يحارب مشاعره .. لتسمعه يهمس بين خصلات شعرها : لم ينتهِ الأمر بعد .. فلا تزال ريلينا تحارب بمعركة داخلها .. ولا أعلم كيف لي واحتواء أضرارها المتواصلة .. هي تبدو قوية أمامي .. لكنني اعلم يقيناً بما تعانيه .. لقد .. لقد قتلت أمها !! قتلت من حاربت طويلاً للعثور عليها !! كيف لها أن تتلافى تلكَ الحقيقة ..
    احتدت ملامحها بالعزيمة لتتجلى حنكتها وقوتها وهي تبتعد عنه وتمدّه بما يحتاجه من قوة وثبات هاتفة : ستتجاوز الأمر ... ثق بكلامي ... لقد أشرفت على تربيتها لسبع سنواتٍ كاملة درست فيها إمكانياتها وبثثت فيها ما تحتاجه لتقف على قدميها بعدَ كلِّ إعصارٍ يواجهها ... وما هذا سوى أكثر الأعاصير قوّة وتأثيراً.

    بادلها ذات النظرات ليتساءل بلا حيلة : كيف سأساعدها ؟!
    لانت نظراتها ولكنها لم تتخلّ عن ثباتها لتهمس وكأنها تستودعه سرّاً : وجودك بقربها سيكون كافياً .. بل وجودنا جميعاً معها سيعيدها لسابق عهدها ... بل وأفضل بكثير .. ريلينا الماضية كانت أيضاً تتغذى برغبة الانتقام رغم أنها قد سارت على الطريق الأصح لتداوي جرحها .. أما الان فهي تملك كلّ الأسباب لتشفى بالكامل وتمضي حرّة ...

    بقي يطالع عيناها الثابته بإعجاب .. ليرسم ابتسامة حزينة على شفتيه ويهمس : على الرغم بأنها تشبهها بالشكل ... لكنها تشبهكِ بالطباع .. وكثيراً ..
    ضيّق مابين عينيه ليتمتم لنفسه بصوتٍ مسموع : هذا سيربك عليّ بعض الأمور ... التعامل معها لوحدها مصيبة كبيرة.
    سمعها تضحك بخفة لتتركه وتسير نحوَ المنضدة من جديد هاتفة : هذهِ مشكلتكَ التي ستتعامل معها ... والان هيا لنذهب ونجلب زوجتكَ يا ولد ...
    توقفت للحظة قبل أن تستدرك شيئاً جعلها ترمقه بانزعاجٍ واضح : وبالمناسبة .. أراك تناديها زوجتي دون أيّ اكتراث .. وكأنّك قد أعطيتها الزفاف الأسطوري الذي تستحقه .. أو حتى الزفاف ال ( صحيح ) !

    رفع حاجبه الأيمن ليجيبها ببرودٍ لم يستطع التخلي عنه : أراكِ تؤدين دور الوالدة الصارمة باحترافية ... وأنا لم أناديكِ أمي حتى الآن ... !
    شمخت أنفها بكبرياء لتتركه وتسير أمامه هاتفه : لا اهتم لما تنادني به .. انت ولدي رغماً عن أنفكَ الجميل هذا يا ولد.

    فغر فاهه وهو يرى كيفَ تسير أمامه بكل ثقةٍ وخيلاء .. ليتخيل مليكة روحه مكانها .. وخصلات شعرها الحريري الطويل يداعبه الهواء ليتراقص أمامه بغرورٍ مشابه.
    تبسّم بمكر ليسير خلفها هامساً لنفسه : حسناً .. يبدو أننا مقبلين على نزالٍ جديد ولكن بنكهةٍ أخرى ... الأمر سيبدو ... ممتعاً.

  13. #2872

    ينظر لمحدّثه بلا استيعاب .. وعيناه تكاد تخرج من محجريها لترتجف شفتيه قبلَ أن يهمس مستنكراً ما سمعه : تقول ... أنها ... قد سافرت !!

    - هذا بالضبط ما أخبرتكَ به.
    كان هذا جواب ليو الذي لم يخفَ الغضب المكبوت منه .. ونظراته الباردة كالصقيع نحوه أثبتت له أنه لم يتجاوز تركه لأخته بعد ... ومن يلومه !! حتى هيرو لا يستطيع لومه.

    شعّ الغضب الدفين من نظرات هيرو ليستدير بسرعة تاركاً الجميع أمام منزل ليو ... لتضرب سيرينا كفاً بكفّ هامسة بأسى مصطنع : يبدو أنني بالفعل قد ربّيت وحشاً.
    ضحكت نوين بخفة لتضع يدها على كتف سيرينا قائلة بودٍ صادق : لا تقلقي عليها .. أنتِ دونَ الجميع لا يجب أن تقلقي!

    فتحت سيرينا عيناها ليشعّ الحماس من مقلتيها .. فتجيب نوين بنبرةٍ لم تخلُ من الاستمتاع : ومن قال بأنني قلقة عليها عزيزتي .. كلّ ما في الأمر هوَ أنني ولأول مرّة .. لم أتوقع فعلتها هذهِ .. ( ضيّقت مابين عينيها وكأنها تستذكر شيئاً ما ) حسناً لنقل بأنها ثاني مرّة ...

    دخل ليوناردو للمنزل قليلاً ليعود ويخرج بعد أن جلب معطفه ومعطف زوجته ليغلق الباب خلفه ويهتف بجديّة : حسناً دعونا من هذا الكلام ... فنظرات ابنكِ لا تبشّر بالخير يا سيرينا ويبدو أنه يجب عليّ اللحاق بهم جميعاً لروسيا كي أتلاحق الأضرار التي قد تحصل حين يصل لهناك.

    ضحك كلّ من نوين وسيرينا باستمتاع ليغادرو المكان خلف هيرو الذي أطلق كلّ غضبه بمقود السيارة وهوَ يتوعد لزوجته بالعقاب الشديد على فعلتها المتهورة تلك.

  14. #2873

    تحتضنها الطبيعة بحنانٍ ربّانيّ .. تتوسّد الحشائش الخضراء بينما عيناها الناعسة تطالع السماء الصافية بشرودٍ باتت معتادة عليه .. أنفاس رتبية تنبثق من شفتيها المفتوحة جزئياً وجسدها المستكين تكسوه اشعة الشمس الدافئة ... دفءٌ هوَ نادر بهذا البلد المتكسي غالباً بالبياض .. وكأن الطبيعة تواسيها بدفءٍ ناعم من الشمس .. تواسي روحها التي تتعايش مع البرودة يوماً بعدَ الآخر .. لدرجة أن جسدها أوشك على التجمد هوَ الآخر ...

    تراقب صديقتها على تلكَ الوضعية من بعيد .. وعيناها الثابتة تبثّ وعوداً لا حصر لها .. وعوداً تتجلى بالتغيير .. ولا شيء سواه ..
    أطلقت تنهيدة متألمة لم تملك السيطرة عليها .. لتعود وتلتفت نحوَ رفيق وقفتها بابتسامةٍ واثقة .. فتراه يبتسم لها هوَ الآخر بشجنٍ داعب عيناه الحكيمة .. تمتم بهدوءٍ تجلّى بالزمن الذي عاشه ليصل إلى هذهِ المرحلة من القوّة والثبات رغم كل ما يعانيه : سعيدٌ برؤيتكِ مجدداً صغيرتي .. ابتعادكِ عنّا انتِ الأخرى كان سبباً كبيراً لحالة كاثرين كما ترين.
    تألمت ريلينا لتلكَ الكلمات .. ولكنها لم تسمح لهذا الشعور أن يطول بجوفها .. فتقترب من نيكولاي بذاتِ الابتسامة الواثقة فتجيبه بهمسٍ ناعم : ستتعافى يا نيكولاي ... تعلم يقيناً بأنها ستتعافى .. هذه هيَ الحياة .. تأخذ بقسوة .. لكنها حين تعطي .. فتعطي بكرمٍ بذاتِ قوّة القسوة.

    أسبل أهدابه ليجيبها ببسمةٍ حزينة شقّت ثغره : الكرم الذي تتكلمين عنه يأخذ وقته بالقدوم.
    - ولكنه قادم !
    تفاجئ من التفاؤل الكبير الذي يصدر عن هذهِ الفتاة التي كانت بحالةٍ أسوأ من حالة ابنته بالتبنّي قبل فترةٍ لا تتعدّى الأيام .. أمطرها بنظراتٍ ملؤها الإعجاب .. ليراها تسير أمامه متجهة نحوَ كاثرين التي انتصبت واقفة حين شعرت بشخصٍ يقترب من خلوتها ...
    رأى كيف تجمّدت بمكانها .. ثم تتسع عيناها وهي ترى ريلينا تقترب منها بثباتٍ وهدوء.

    تبسّم برفق ليستمع لخطواتٍ أخرى تقترب من مكان وقفته .. فيلتفت باستغراب نحوَ صاحب تلكَ الخطوات .. فتتسع عيناه دهشةً من ما يراه.

    ~


    لا تزال على وقفتها المتشنجة وهيَ تراها تقترب منها بتأنٍّ غريب .. وكأنها تتمهل الاقتراب كي تسمح لها بالتشبع من الحقيقة المفاجئة هذهِ ..
    ارتجفت شفتيها لتهمس بلا استيعاب : ر... ريلينا !!

    تبسمت المعنية برفق لتقترب منها بخطواتٍ أسرع كي تحتويها بين يديها وقد أوشكت كاثرين على الوقوع أرضاً ...
    أسندتها بوقفتها لتحتضن جسد صديقتها المرتجف .. فتهمس بين خصلات شعرها البنيّ .. أجل ريلينا يا حمقاء ... أتيت لأذكركِ بالأسباب العديدة التي يجب أن تعودي لرشدكِ من أجلها.

    احتضنتها كاثرين ونشيجها يتعالى .. وكأنها كانت مخدرة الحواس لفترةٍ طويلة .. متلاهية عن الشعور بذاك الإحساس القاتل الذي ينخر بجسدها دون أن تدري ... متلافية الإحساس بالوحشة التي تطبق أنيابها على روحها يوماً بعدَ الآخر .. لتنفجر كلّ تلكَ المشاعر ببكاءٍ أخذت تطلقه بين جنبات روح صديقتها التي دوماً ما استمدت منها القوة ...
    أخذت تشكو لها بتمتماتٍ غير مفهومة عن الضياع الذي تتعايش به ... ثم تعود لتسألها بتمتماٍت أخرى عن حالها .. فتغرق نفسها أكثر بأحضان ريلينا وهي تشتكي على نفسها بأنها صديقة سيئة بأن أهملتها ... ثم تبتعد عنها وكأنها للتوّ قد وعيت على وجودها لتسألها لو كانت بالفعل هنا وأنها لا تحلم ..
    لم تملك ريلينا وقتها سوى أن تصمت .. وتبثّ صديقتها بمشاعرها الصادقة بمجرّد ابتسامة .. لامست شفتيها لتلامس روح كاثرين .. التي هدأت بعدَ لحظاتٍ ليست بالقليلة .. ثم استكانت أنفاسها لتجلس على الأرض مع ريلينا .. تنظر لها بصمت .. وتوجّس ... صمتٍ مرتقب لما ستفعله ريلينا بعدّ هذهِ اللحظة ...
    بينما الأخيرة .. بادلتها نفس النظرات الواثقة وتلكَ الابتسامة الغريبة لم تختفي من ملامح وجهها ... أخرجت من جيبها هاتفها لتقول لمن تحدّثه بعدَ لحظات : لقد هدأت يا هايلد ... يمكنكِ القدوم واجلبي ما اتفقنا عليه.

    ~

    لا تصدّق أنها قد تورّطت بهذهِ المصيبة ... لا ... لا ... لابدّ وأنه حلمٌ جميل قد تحوّل لكابوس كما اعتادت مؤخراً .. ستصحو بعدَ لحظات .. أجل ستصحو...
    أغمضت عينيها بقوّة ووجيب قلبها المتعالى يخبرها بأنها لا تحلم .. وأن أملها الوحيد للهروب من ورطتها والمتقلّد بمن يفترض أن يكون ( حبيبها ) يقف بعيداً عنها .. بابتسامةٍ ماكرة، كأنه يخبرها بتلكَ اللحظة أنها لن تتهرب من الأمر ولن يشفع لها كونه يحبّها ...
    - هيا يا فتاة .... كوني قوية واثبتي للجميع بأنكِ لستِ بالضعيفة ..
    دقات قلبها المتعالية لم تسمح لها بالتكلم .. توترها قد وصل لأقصاه وهي تنظر لحافة الهاوية التي تقف عليها ... مستحيل أنها ستفعل هذا ... مستحيل ...
    - ريلينا ... أنتِ لا تعنين هذا صحيح .. دعينا نعد للمنزل انتهى الأمر وأقسم بأنني سأعود معكم.

    دفعتها المعنيّة خطوةً للأمام لتهتف بصرامتها المعتادة : لا ! لن يعود أحد منا للبيت بل سنقوم بهذا معاً ... جميعنا قد مررنا بأيام سوداء .. حسناً يكفينا بكاءً ونحيباً على الماضي !! ستفعلين هذا لتواجهي أكبر مخاوفكِ ... فمن مواجهة الخوف تنبع العزيمة والإصرار على الاستمرار ... وهذا ما تحتاجيه الآن.

    ( إبتسمت ريلينا وصدى صوتٌ مغاير لصوتها قد كرّر ذات الكلمات على مسمعها ذات يوم )

    استدارت كاثرين لتنظر نحوَ هايلد التي كانت تنظر هيَ الأخرى نحوَ أسفل الهاوية بشيءٍ من الخوف .. ولكنها كانت أفضل حالاً منها .. لتترجاها هاتفة : هذا يكفي يا هايلد أقسم بأنكم أثبتتم ما تريدون إيصاله لي.. لن أبقى هنا ... أقنعيها بالعدول عن هذهِ الفكرة.
    شدّت المعنية من الحزام الموضوع على خصرها لتبتلع ريقها قبل أن تهمس بشيءٍ من التوجس : أودّ كثيراً أن أقنعها ولكننا نعلم كم هيَ عنيدة ومن المستحيل أن توافق ... ما حصل قد حصل وأنتِ لم تملكي الرفض كونكِ كنتِ بعالمِ الضياع.
    قالت جملتها الأخيرة بأسلوب ميلودارمي دلّ على مللها من الحالة الرتيبة التي تراها بأعين الجميع منذ أشهر.

    لعقت ريلينا شفتيها لتعدّل من وضع الطائرة الشراعية التي تستند عليها .. فتقول للفتاتان بهتافٍ متحمس : مستعدات؟؟؟؟؟

    قبل أن يأتيها ردّ أيٌّ منهما .. علا صراخٌ من الخلف منادياً باسمها ..
    استدارت ريلينا باستمتاع وهي تعلم يقيناً من صاحب هذا الصراخ ... رأته يقترب منها بنظراتٍ مليئة بالوعيد هاتفاً بغضب : ريلينا بيسكرافت .. مالذي تظنين نفسكِ فاعله هاه !!! تعالي إلى هنا وكفّي عن حماقاتكِ !!

    رأت المعنية بالصراخ سيرينا تسير خلف ابنها بنظراتٍ كانت مستغربة بالبادئ ... لكنها تحوّلت للحماس وهي تتفطن لما تنتويه تلكَ الفراشة بفعله ..
    هتفت ريلينا بحماسٍ هي الأخرى : أتذكرين الدرس الأخير الذي علمتني إياه يا سيرينا ؟

    اقترب هيرو منها أكثر ليحاول إمساكها قبل أن تسقط من الحافّة .. ولكنها ابتعدت خطوة للوراء بنظراتٍ تحذيرية مشتعلة ...
    اتته ضحكات والدته من الخلف قبلَ أن تهتف باستمتاع : سعيدة بأنكِ لم تنسي أيّاً من ما علمتكِ إياه.

    علت ضحكات ريلينا وهي تطبع قبلة سريعة على وجنتي هيرو لتهمس له كلماتٍ ما جمّدته بمكانه ... ثم التفتت نحوَ الفتاتين فتهتف بعنفوانٍ مشتعل : هيا يا فتيات .... لنحارب الخوف الأخير لنا.


    مالت بجسدها نحوَ الهاوية بالطائرة الشراعية الكبيرة والتي تقودها هيَ ... فتغمض كاثرين عينيها بقوة ليتعالى صراخها المطالب بالنجدة ... بينما هايلد اكتفت بأن أغمضت عينيها وضحكاتٍ متوترة تنطلق من شفتيها .. كانت الأخيرة تحارب خوفها بكلّ قوة ولكنها لم تتمالك نفسها باللحظة الأخيرة ليتعالى صراخها هيَ الأخرى ..
    المستمتعه الوحيدة بالأمر كانت الفراشة الجامحة .. التي أدارت نظراتها لزوجها الحبيب وهو يبتعد عن مرآها شيئاً فشيئاً .. لكنها لم تغفل عن الابتسامة التي شقت شفتيه بصورة .... ماكرة.

    اقتربت سيرينا من ولدها ونظرات الاستمتاع لم تغادر محياها .. ليتبعها ليو وتروّا – ذو النظرات القلقة – و ديو ونيكولاي ونوين ..
    تساءلت الأخيرة بشيءٍ من الاستغراب وهي تنظر للطائرة التي باتت تدور بدوائر بسيطة في الهواء .. وضحكاتٍ مستمتعه تعلو فوق صراخ الفتاتين الهلعتين من هذهِ التجربة
    - مالذي قالته ريلينا قبلَ أن تقدم على فعلتها المتهورة تلكَ.

    اتسعت ابتسامته الماكرة دونَ أن يجيبها .. لكن جملة فراشته لم تغادر ذاكرته وهيَ تهمس له بمكرها الانثوي اللذيذ : سأهرب منكَ الان يا صيادي ... عليكَ الإمساك بي من جديد ... حينها فقط سأعود .. وأكن لكَ أنتَ وحدك لتفز بقلبي للأبد.

    التمعت عيناه ولهيب التحدي يشتعل بصدره ... ليهمس بخلده بتوعّدٍ واشتياق : وكم سأستمتع بملاحقتكِ وامتلاككِ من جديد بينَ يديّ ... يا فراشتي !

  15. #2874

    غامضةٌ هيَ الحياة، غامضة بصورة واضحةً للغاية .. لعلَّ وضوحها الكبير هوَ سرّ غموضها .. أم لعلّ عطشُ الإنسان للمزيد من الحقائق يجعلها تبدوا بذاك الغموض ... الحياة تعطي وتأخذ بقدرٍ متساوي .. تضحك وتحزنُ بذاتِ الكيل .. موازنةٌ كونيّة صوّرها الخالق بأبهى حلّةٍ وتصوير .. موازنة لابدّ لنا وأن نأخذها بنظرِ الأعتبار ...
    موتٌ .. يتبعه ولادة، هذهِ هيَ سنّة الحياة...
    خُلقنا نصرخ ونبكي لمعرفتنا ونحنُ صغار بمشاقِّ الحياة التي سنقبل عليها، نشأنا نتخبّط بين جدرانِ الزمن نحاول إثبات وجودنا في صرحِ هذهِ الحياة ..
    أن نتميز، أن نُبهر، أن ننتصر ... ونمضي فخورين ...
    ومع مرورِنا بعقارب الزمن، انشغلنا بتلكَ الطموحِ عن غايةٍ أسمى ... عن مفهوم الخلود الذي صوّرته لنا قصصٌ تراثية ...
    كلكامش كان يطمح لخلودٍ جسديّ .. وبعدَ درسٍ قيّم استشفّ مفهوماً مغايراً، الخلود لا يشترط أن يكون خلوداً جسدياً بل خلودِ الذاكرة .. الذاكرة هيَ مفتاح تلكَ الحياة ...
    الذاكرة؛ هي من تصوّر لنا هيأة الخلود الروحانيّ، فمهما تطرّق موضوع الموت والحياة بمفهومها الانعكاسيّ البحت .. تكون الذاكرة الحيّز الذي يجمع الاثنان بخطٍّ واحد ... يرسم لنا آفاقَ الخلود الأبدي بمفهمومٍ روحانيّ سطّرته العصور على مرّ التاريخ ...
    أن تموت ويحتضنكَ الثرى، لا يعني أن تندثر في غياهبِ النسيان .. فذاكرتي لها من القوّة أن تبقيكَ حيّاً ... ذاكرتي هيَ إكسير الخلود.




    لكلّ من فقدَ عزيزاً على قلبه ... لكلّ من فقدَ جزءاً من ذاته ... إكسير الخلود الذي نبحث عنه يكمن بين ذاكرة روحنا ...
    حافظوا على نقاء هذهِ الروح ... ليبقوا خالدين بقلوبكم ... للأبد ...~
    اخر تعديل كان بواسطة » Miss saw في يوم » 17-07-2015 عند الساعة » 21:17

  16. #2875
    1437161062792
    اخر تعديل كان بواسطة » Miss saw في يوم » 17-07-2015 عند الساعة » 20:32

  17. #2876
    وها نحن ذا قد وصلنا للختام ... وأخيراً sleeping
    لا أعلم من أين أبدء ... لعلّي حتى لا أعلم أين سأنتهي .. هذا لو ملكت القدرة على إيصال كلّ ما أريد إيصاله ..
    أنتِ فراشتي ... قصة رافقتني طوال ثلاث سنوات .. قبل أن أبدء بكتابة الرواية بأشهر عديدة حتّى ..
    [ فِكرة ] كانت دوماً ما تبثّ القوة والبسمة بداخلي وأنا انهمك بالدراسة .. عالم ثانٍ أدخل إليه عنوةً عن كل ما يشغلني .. لأجد نفسي أخطّ رحالي برواية لم أظنّ أنها ستصل إلى هذا المستوى ... وللأمانة ، فأنا لا أملك الكلمات التي تصف مدى سعادتي بوصولي إلى هذه المرحلة ..
    بها تعرّفت على صديقات رائعات ... صديقات بحقّ تحولن لأخوات وأنيسات وحشتي ورفيقات دربٍ أثبتو وفاءهم رغم طول السنوات الماضية .. فلا أملك سوى أن أدعو للجميع – حاضراً وغائباً – بالسعادة والمراتب العُلا في الدُنيا والآخرة ..
    كنتنّ نعم القارئات .. ونعم الصديقات .. بل ونعم الكاتبات أيضاً ..
    فيداكنّ التي خطّت حروفاً من ذهب قد كانت حافزي الأكبر للاستمرار , والله لولاكنّ لما انتهت الرواية .. بل لما وصلت لهذه المرحلة الكتابيّة .. فـشكراً لكنّ يا رائعات .. شكراً من صميم القلب والروح.

    لا أنسى معروف كلماتكنّ الندية معي حبيباتي ..
    وكلمات الشكر لا تفكينّ حقكنّ ... بل وحتى العرفان والامتنان على البقاء معي رغم كل التأخير ... فشكراً للجميع ولا أستثني أحداً منكنّ ..



    كبرياء إنسان
    محبه رلينا
    Šiļěnť Řoŝe
    ريلينا 5
    براءة دموع
    وردة وفاء
    ❀Ashes
    هيرو ريلينا
    maylove
    Đάrkήεss Άήgεlά
    Flight Risk
    ♫ fŁeuR DéMon
    رميلة
    sєcяєτ
    Anna Augello
    heero0.1
    ana mooney
    Suzen sy <3
    Beautiful Liar
    Love hero
    Claudia Recari
    MERMAR
    Miss Silina
    ~~وردة فلسطين~~
    Sweet Girls"
    هيرو01
    سماايلي
    ωinly
    n.o.r
    pяιиcєѕѕє pєяɒυє
    Pįηk Đяęaм
    μ☂šş Ġữήđάμ
    miss dano
    ᘝJust❤meღ
    نورا لاشي
    IӣӃ
    Nada Omran
    sousou - chan
    Kandam ZERO~1
    سمو احساس
    relena lover
    لوبيليا
    S H O C K
    اِنسياب قَلم
    Lillian1
    فتاة الامنيات1
    camb
    misay
    Miss Snape
    noursta
    كبرياء انثى~
    duaa_m
    روكاوا كايدى
    ♥ Яoηά
    Ļ ṏ ᴙ ἰ
    lovly mira
    هويتي فلسطينيه
    خربشآت أنثى
    DOZz
    nada
    Ryana Alawood
    Rsb
    penora
    yukiko
    raboubaker
    Manga queen
    helena nano
    العاشقة القاتلة
    Roze Baby
    SMILE PAINTER
    mystory
    itazura roro
    Cynie
    ...barbara
    Tsunà Samà
    Claudia _ Recare
    lovely***selena
    є к υ σ
    عاشقة هيتشول
    رفيعة المقام
    بكآء قلب
    Rose.M.S.
    Killer breeze
    ريحانةُ العربِ
    rahma rose
    hentilar
    Bella angel
    smswm1999
    1Vanille
    vinus <3
    أُنسٌ زَهَر
    miss yuri
    sky storm7
    sakura for ever
    Arriety"
    ندى الماضي
    its my life
    الاميره رلينا
    hadeel.enime
    rand issa
    مالكني احساسي
    miss raan
    hope bridge
    Melody (:



    كنتنّ نعم القارئات يا جميلات الروح ... وفّقكنّ الله embarrassed

    *

    الآن لنترك الفصحى جانباً .. biggrin
    ونعبّر بصورة عاميّة laugh

    كتبت كلمة النهاية وأنا أشيع كلّ ضحكة وبسمة رافقت دربي أثناء تخطيطي للمصايب السودة الي حتقراها المسكينات laugh كلّ تهديد ووعيد من القارئات أن اترك الشخصية بسلام وأصل للنهاية دون أن يموت أحد laugh حتى أنني الان مطلوبة بعضاً من النقود - biggrin - على الحبوب المهدئة وحبوب الضغط والسكر للي سويته فيكم laugh < عافاكم اللهbeard
    للحقّ سأقول أنني لا اشتاق للكتابة أكثر من اشتياقي لهذهِ اللحظات ... لعلّي آتي مستقبلاً برواية أخرى فقط كي اعيد إحياء هذه اللحظات اللذيذة ...
    لا أملك أن أودع الرواية بمشاعر الأسف والحسرة .. فكلّ شيء وله نهايته .. sleeping < مو قادرة تعترف بالدموع الحالية الكبرياء يا جماعة laugh < شتب tired !


    -

    الفراشة السوداء ... مالذي حملته لكنّ ؟
    مالذي أثار أقصى درجات السعادة في قلوبكم بالرواية كَ كل ..
    نافذة رأي على كلّ الشخصيات بالرواية ..
    ونافذة أخرى لأحداث الرواية بشكل عام ...
    مالذي راق لكم أكثر .. المشاهد الدرامية, أم مشاهد الحركة والإثارة ... ولمَ ؟!

    أكثر حدث شدّ انتباهكم طوال الرواية ..
    ما الأوجه السلبية .. قبل أن تكون الأوجه الإيجابية للرواية .. ؟!
    مكامن القوّة والضعف بالرواية ...
    حكمة تعلمتموها منها ...
    وأخيراً ... كيفَ وجدتم النهاية ؟

    -
    احكو لي بكرمكم عن كل مشاعركم .. فمشاعركم مهمة لي بشدة ..




    غير أنني على علم بمعضم سلبيات الرواية .. ولكن ما يهوّن عليّ سلبياتها هو أنني كنت اتلافاها بمرور الوقت وقد وصلت – ولله الحمد – لمستوى من ايصال المشاعر بشكل يرضي ذائقتكم كما تقولون .. فعسى أن أكون قد أوفيتكم حقّكم .. وعسى أنني لم أقصر على قدر استطاعتي ...


    وهنا ... أخط كلماتي الأخيرة بصورة عامة للجميع .. عسى أن ينال الفصل استحسانكم ... والرواية بشكل عام ...

    مترقبة آراءكم بلهفة ... فلا تتأخرو < tired !
    اخر تعديل كان بواسطة » Miss saw في يوم » 17-07-2015 عند الساعة » 23:09

  18. #2877

  19. #2878
    الرد الاول , الحجز الاول , في البارت الاخير smoker :فيس تستعرض عضلاتة bull_head:
    ميوث لا تحلمي اني افك الحجز هذا البارت مراح اقراه حتى لو على جثتي smoker
    +
    غلبتك سوسو pirate

    اخر تعديل كان بواسطة » براءة دموع في يوم » 17-07-2015 عند الساعة » 20:41
    73420f4e980b4c403b3ab41872f58365

  20. #2879
    سبقتيني برواتي
    حجز2 لي ريلينا5
    حجز 3لي
    الي القراء
    اخر تعديل كان بواسطة » محبه رلينا في يوم » 17-07-2015 عند الساعة » 20:40
    attachment

  21. #2880
    eek
    مازلت في طور الإستيعاب أنه البارت الأخير cry
    حـــــجـــــــــــــــــــــــز كبـيــــــــــــــــــر بطووول وأهمية هذا البارت ^^
    سترك يا الله nervous
    استعنا على الشقا بالله biggrin
    اشتقت لمكسات القديم cry

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter