4
يا وهجٌ, تستكينُ لهُ الأرواحخُذني من عالمي, وأرسم في قلبِ الظلام، نورَ الصباح.
الألماس .. لا يتكوّن مِن العدم وبلا تنازلت وتضحيات !
الألماس؛ كان يوماً حجارةً سوداء يسّمى بالفحم .. صُقل وهذّب باستخدام أدقّ الأدوات, فقدَ من المواد المكوّنه لهُ الكثير .. وخسر أجزاءً من جسده، الأكثر ..
الألماس؛ لم يكن ليبدو بهذهِ الطلّة البهية واللمعان الأخّاذ والمنظر الذي تبتهج إليه الأنفس وتتغنّى به أعناق الإناث إلّا بعدَ صقلٍ وجذب وإدخاله بعمليات صعبة قاسية ( جارحة) مؤلمة !
فلو كان للماس روحاً تصرخ, وقلباً ينبض, لمات منذ الثانية الأولى التي وُلدَ فيها ..
هكذا نحنُ البشر, وهكذا هيَ حياتنا ..
العُظماء, هم من ينظرو للمطّبات في حياتهم على أنها تلكَ الادوات الجارحة التي تصقل كيانهم وتجذب أطراف عقليّتهم لتجعلهم يبدون بعدَ طول مشوارٍ صعب .. بأبهى حلّة .. تزدان بها الأنفس, وتتغنّى بها عقائد البشريّة وتزهو في محطيها الرقيّ والتطوّر ! وأعني بالتطورّ، هوَ تطوّر الفكر الذي لا يأتي بلا تعبٍ أو مصاعب ..!
المصاعب يا أحبّتي هيَ ما تكوّننا, فلا تتوقعو أن تكونوا عُظماء وأنتم تجلسون في بيتوكم متوسّدين مقاعدكم الوثيرة وتطمحون للمجدِ من خلف نافذة غرفتكم الدافئة وأناملكم تُداعب كوب قهوةٍ ساخنة تلتسع بها بشرتكم بشغفٍ لذيذ !
يجبُ على الإنسان أن يواكب حياته ويعافر مِن اجل البقاء وإثبات وجوده ليبثّ كينونة الاستقلال والعظمة في نفسه ..
يجب أن يستمرّ , مهما وقع .. أن يبتسم مهما حزن .. أن يضحك مهما بكى .. أن يعيش مهما مات .. مهما ماتت الحياة مِن حوله .. مهما إشرأبت نفوس المحيطين به بعالمٍ جامد يغرق في بحور التطور التقنيَّ ويبتعد رويداً رويداً عن التواصل العاطفيّ الجسديّ ..
أن يُحيي روحهُ في بؤرةِ الرماد التي حُرقت أوصالها وتقطّعت أغصانُها النضرة ...
أن يستمرّ .. مهما توقّفت الحياة مِن حوله ..
أن يستمر!!
وقفت بارتباك محاولة تثبيت ابتسامتها على شفتيها المُرتجفة وهي تنظر إلى ( أبيها ) يتفحّص ملامحها للمرّة الأخيرة, ليهمس بتساؤلٍ مُريب : هل أنتِ مُتأكّدة أنّكِ بخير حبيبتي ؟
أماءت لهُ بالإيجاب, لتقترب منه وتطبع على وجنته اليُسرى قبلة سريعة .. فتسير موليّة ظهرهُ له, منضمّة إلى ( زوجها ) الذي كان يقف بعيداً عنهم قليلاً .. لوّحت لهُ بيدها , هاتفة : إلى اللقاء والدي العزيز.
بادلها التحيّة ملوّحاَ لهُ بيده اليمنى, وعيناه شاردة بالماضي القريب ..
}{
وقفَ بمكانٍ لم يعلم ماهيّته .. يطالع المناظر الخضراء أمامه بشرودٍ واضح .. عيناه ساهمة في الماضي . وقلبه يضجّ بالألم الكسير على محبوبته الوحيدة التي قدّمها بيديه للتهلكة .. بدى واضحاً أنّه قد ساقها لهكذا مصير .. فالزواج من شخصٍ لا تحبّه أمرٌ صعب للغاية .. وهوَ الأدرى بهذا الأمر رغم كلّ شيء ..
ضيّق مابينَ عينيه بألم, ليعي على وجودِ شخصٍ آخر, يشاركه خلوته ..
همسَ دونَ وعيٍ منه وكأنه يفرّغ مابجعبة أفكاره للهواء .. مُناشداً – باستماتة العاجز – تحليلاً واعياً لما هوَ فيه :
- حينَ تُقلبْ الموازينْ في حياةٍ خلّدتْ معنى الإتّزانِ المنطقيّ ، ولا شيء غيره .. تنحرف أفكارنا نحوَ واقعيةٍ تُناقض المنطق!
تبسّم المُستمع لتلكَ الكلمات، ردّد بنبرةٍ هادئة ، واضعاً يداه في كلتا جيبيّ سرواله الكُحلي : ومَن قال بأن الواقع قد يكون منطقيّاً ؟ اللامنطقيّة العشوائية قد تحمل مِن الحقيقة مالن تحمله المنطقيّة الرتيبة!
هبّ نسيمٌ دافئٌ تلاعب بخصلاتِ شعرِ الرجل الكُحلية والتي قد تخللّتها بعضاً مِن الشعيرات الفضيّة اللامعه .. أطرقَ ذاك الشخص رأسه ليستنشق عبيرَ البحرِ – الاتي من بعيد - المُمتزج معَ ريحِ الصباح ، ليعقّب هامساً : قد تكون مُحقّاً .. ( ضحك بإعجاب، ليُردف ) لم أضنّ أن شخصاً بمثل عُمرك يملك هذه العقلية الراجحة.
بادلهُ الشخص الآخر ضحكاتهُ الخافته، ليجيب هاتفاً : قد يُثير فضولك، كميّة الرجاحة التي يتملّكُها رأسي الصغير هذا!
إلتفت نحوَ شريك وقوفه، ليمدّ يديه نحوَه بابتسامةٍ سمِحه : ديو ماكسويل ..
نظرَ الرجل ليدي الشاب، ليرسم ابتسامةً وقورة على شفتيه، ويردّ عليه التحية مُجيباً بنبرةٍ عمليّة : فرناندو ليكسر؛ سُررت بمعرفتك أيُّها الشاب.
شدّ ديو قبضته على يدِ محدّثته، ليهمس بنبرةٍ خلت مِن معالم الودّ : لا تعلم .. كم يعتريني السرور الأكبر !
تركَ فرناندو يدُ ديو, ليعود وينظر أمامه بذاتِ النظراتِ الشاردة , همسَ مجدداً : أتدري, زفاف ابنتي الوحيدة اليوم.
اعتصر ديو قبضة يده بقوّة, ليطرق رأسه محاولاً السيطرة قدرَ الإمكان على غضبه, وشك على قول شيءٍ .. إلّا أنه صعق من كلام فرناندو, حينَ عقّب : ولكنّني لستُ سعيداً بهذا على الإطلاق, لهذا لا تبارك لي.
رمشَ ديو بعينيه, ليدير رأسه نحوَ فرناندو بنظراتٍ مستنكرة وعلامات الاستفهام تدورَ حول رأسه .. همس باستغراب : ولمَ قد لا تكون سعيداً بزواج ابنتكَ الوحيدة ؟؟
تنهّد فرناندو بألم, ليقول باختصار : كنت أضنّ أنني أسعدها باختياري لها شخصاً ذا مكانةً مرموقة .. ولكنّ ( رسم ابتسامة غامضة, مردفاً ) طفلتي لا تملك قلباً لتعطيه لزوجها المٌرتقب.
توسّعت عينا ديو على تصريح الرجل الغريب – عنه – حينها .. ليتساءل بلا تردّد : أتعني أنّها تحبّ شخصاً آخر ؟
أطرق والد هايلد رأسه, ليقول بهدوء : هيَ لم تقل لي هذا الأمر, ولكنّه واضح ... ( رفع رأسه من جديد, لتزهو مقلتيه بطبقةٍ شفافة دلّت على فخرٍ وشيءٍ من الشجن سكن عينيه ) كانت تقف أمامي بكامل أنوثتها القويّة , تُطالب والدها بحقّ حرّيتها .. تطالبه أن أتغاضى عن هذا الأمر .. وأطلق سراح روحها نحوَ مليكٍ مجهول ... كانت مثل والدتها تماماً .. تُحارب بكلّ عاطفتها بضراوة ... كانت نسخةً مصغّرة عن إمرأة حاربت أهلها ذوي الطبقة الارستقراطيّة .. لتتزوّج من المهندس البسيط ... وفازت .. ( ضحك بخفّة, ليستأنف كما لو كان يروي حكاية ماقبل النوم, بكلّ انفعالٍ وعنفوان ) فازت بقلبها وروحها ... من أنا لأحكم سيطرتي على محاربتي الصغيرة هكذا ؟! أيُّ أبٍّ كنت حينَ زججتها في سجنِ العبوديّة المسمّاة بزواج المصلحة!!
أدمعت عيناه دونَ سيطرةٍ من نفسه عليها .. ما قدرت رجولته على كبحِ جماح دموعه من الانسلال برقة على وجنتيه الشاحبة ..
تهدّجت أنفاسه, ليجلي حنجرته ويسارع لمسح القطرات القليلة التي انسلّت على وجهه, ثم أدار وجهه نحوَ ديو قائلاً بسخريةٍ من حاله : أنظر لي, أحدّث شخصاً غريباً عن أسرار عائلتي ومصير ابنتيّ وخيبتي أنا .. ياللسخف!
صحى ديو من شروده , وكأنه سافر مع كلمات والد مليكة قلبه إلى ذاتِ المكان الذي اضحت فيها ذكريات فرناندو ... استدرك كلمات محدّثه بعدَ لحظات .. ليرسم ابتسامةٍ خلّابة على شفتيه .. ثمّ سارع لإمساك يدي فرناندو بخفّة ...
استغرب الأخير من فعلة ديو .. ونظر إليه باستنكار هاتفاً : مالذي تفعله ؟
هتف ديو بثقة : ما رأيكَ لو قلتُ لكَ .. أنّ من يجلس معكَ ويمسك بيدك الآن .. هوَ مالك قلب ابنتك يا سيّدي ؟
رمش فرناندو بعينيه باستغراب, ليتساءل بلا استيعاب : مـ .. مالذي تتحدّث عنه يا ولدي؟
شدّ قبضته على يد والد هايلد, هاتفاً بذاتِ الحماس : أقولُ لكَ بأنّني المجنون مالك قلب المجنونة هايلد .. وأقدّم لكَ عرضاً سيحلّ مشكلة ابنتكَ ومشكلتكَ أنتَ أيضاً....
توسّعت عينا فرناندو وهوَ يستمع لكلام ديو الذي إنتهى بان تصافح الرجلان وابتسامة الفرح التي تزهو بالنصر بالنسبة لديو .. كانت دليلاً على اتّفاقٍ واضح بين الطرفين.
}{
رمشَ بعينيه من جديد, حالما عاد لواقعه بعدَ تلكَ الذكريات .. ليهمس باستغراب : أيعقل أنّه لم يلحق بها !! ولكنّه كان مصممّاً على توضيح وجهة نظره لآلفريد وتسوية الموقف بصمت ... أقسم لي على أنّه سيقنع آلفريد بإلغاء الزفاف بحجّة ما ومن بعدها يتقدّم لخطبتها ... مالذي جرى بتلكَ الساعة يا ترى ؟!
اخر تعديل كان بواسطة » Miss saw في يوم » 19-11-2013 عند الساعة » 17:28
حالما دخلت للمنزل الفخم حتى أسرعت بخطاها للأعلى, هاتفه بجملتها الباردة ( تُصبح على خير )
بقيَ يُطالع خيالها الذي إختفى مِن أمامه فجأة.. لينظر إلى الخدم المتجمهرين عند زاوية الرواق الذي وقف فيه .. أخرج يديه من جيبي بنطاله, ليجلي حنجرته , هاتفاً بصرامة: اليوم إجازة للجميع..تستطيعون القدوم غداً بعدَ سفرنا أنا وَ ( أطرقَ رأسه, ليرسم شبح ابتسامة على شفتيه, فيردف ) زوجتي.
أماء الخدم لهُ بانصياع, ليستديروا عائدين إلى غرفتهم الخاصّة ..
بينما هوَ، وقف بمكانه, مُعيداً نظراته للأعلى بابتسامةٍ غامضة على شفتيه.. فتُعاوده ذكرىً لذيذة لم يمضِ عليها أكثر من ساعتين..
" أ .. أوّل شيءٍ سنفعله في صباح الغد.. هوَ رفع قضيّة طلاق, يا شريكي ! "
عادت همساتها المتعثّرة بمداعبة خياله، بعدَ لحظةٍ مِن حلمٍ لم يصدّق أنّها قد تُبادلهُ شعوره وهوَ يعيشه بواقعٍ لذيذ ..
لكأنّه بتلكَ اللحظة, نسيَ من تكون ونسيَ مَن يكون .. تعرّى من كينونته الجامحة بكلّ نيرانِ الحقد والكره, والانتقام .. وبقيت أعلام العشق تتجلّى شامخة في صرحِ كبرياءهم الذي أذعن أخيراً لإرادة قلبيهم ..
تقدّم بخطواتٍ ثابته نحوَ السلّم الملتوي بتصميمه الفخم, وابتسامته الغامضة تلك لا تزال ترفرف على شفتيه المفتوحة جُزئيّاً, مضهرةً صفّ اسنانه اللؤلؤيّة برونقٍ يليق بشموخه الراجح.
ما إن دخلت للغرفة حتى سارعت بالضغط على ذات الزر خلف أذنها, فتتموّج صورة هايلد لتظهر لنا ملامحها الشاحبة وعينيها المُرتجفة .. وضعت يدها على صدرها وأنفاسها المُتسارعة كانت لتحكي عن شعورها بالاضطراب لحظتها . لم تكن لتصدّق أنّ هذا الأمر قد يحدث ولو بعدَ ألف عام .. ولكنّه حدث, وفعلته بمليء إرادتها .. كانت الخطّة مِن الأساس أن تموّه للجميع أن آلفريد وهايلد تزوّجوا، فقط لتلافي الصعوبات الجسيمة التي قد تنتج عن اكتشاف أحدٍ ما لمقتل شخصيّة ( معروفة ) بهاواي مِثل آلفريد ذاك ..
جلست بارتباك على فراشها, لتحكم قبضتيها على حافّة الفراش وعينيها تُطالع الفراغ بمقلتين مُرتجفتين ..
أغمضت عينيها لتعود وتستذكر لحظاتٌ سابقة لم يمضِ عليها الكثير ..
~
أمسكت وجه هايلد بكلتيّ يديها لتتأكد مِن خلوّه من أيّ آثار الكحل الذي بعثر رونق جمالها, وعدّلت للمرّة الأخيرة من خصلات شعرها فيعود لانسيابيّته للخلف مُظهراً جمال وجهها النَضِرْ .. تأكّدت من الأمر للمرّة الاخيرة لتخرج جهازاً أسود اللون غريب الشكل,يبدو كمسدّسِ كبير بلا فوهة , فقد استبدل مكان الفوهة بشاشةٍ صغيرة ..
همست بنبرةٍ ثابتة : أنظري نحو الشاشة بثبات, ودونَ أن تحرّكي وجهكَ حتى أقول لكِ.
رمشت هايلد بعينيها, لتهتف بفضولٍ تلبّسها بالكامل : لا أزال جاهلة لخطّة ( باء ) التي تكلّمتِ عنها , ريلينا.
أغمضت المعنيّة عينيها, لتهتف بصبر : هذا جهاز يقوم بعمل صورة ثلاثيّة الأبعاد. بعدَ أن آخذ كل تقاسيم وجهكِ , يحفظها هذا الجهاز وَ الباقي ستفهميه , حين تنفّذي ما طلبته منكِ.
أذعنت هايلد لأمر ريلينا, وبعدَ لحظاتٍ من انتظارٍ طويل إنتهت، وتحت أنظار البقيّة المثبّة بفضول عليها, باستثناء هيرو الذي يبدو من ابتسامته أنّه فهمَ خطّتها الذكيّة والملتوية, لكنّه يبقى يتسائل بخصوصِ أمرٍ ما.. أشاح بنظراته نحوَ ديو الذي وُضع رأسه في حضن لانا التي بقيت تمسّد وجنته بقلق, وعينيها مصوّبة على ما تفعله ريلينا بفضولٍ لم يقلّ عن فضول هايلد .. كان ديو مغشياً عليه .. حوّل نظراته مرّةً أُخرى نحوَ جثّة آلفريد, وراودته فكرة ساخرة بأنّها قد تجعله يستيقظ مِن الموت كي يُكمل سيرَ خطّتها ..
شعر بخطواتٍ ثابتة تقترب مِنه .. أدار نظراتهُ نحوَها وقد وقفت قُبالته بملامح واجمة, لتُسلّمه الجهاز , فتهتف بنبرةٍ خلتْ مِن معالم الودِّ أو حتى المُزاح: حانَ دورك.
رمش بعينيه, مستوعباً كلماتها الغريبة تلك .. لتّتسع عيناه فجأة ويهتف باستغرابٍ كبير : هـ .. هل تقصدين بأنّنا ... ؟!
شدّت قبضتها على الجهاز, لتجيبه بنظرات جليديه : هذا بالضبط ما أعنيه.
سُرعان ما فهمت هايلد ولانا خطّة ( باء ) تِلك .. لتنتفض العروس المعنيّة بالأمر - فجأة - وتهتف بحدّة : لا يا ريلينا, لن أجعلكِ تُقحمين نفسكِ بهذا الأمر وأنا هيَ التي يجبُ أن تتجرّع كأسَ الندم لأفعالي المتهوّرة.
لم يبدُ على ريلينا أنّها كانت تستمع لهتافات هايلد, وحين تقدّمت رفيقتها نحوها بنيّة ثنيها عن ما تنوي فعله, هتفت ريلينا بذاتِ النبرة الباردة والحادّة : أعتقد بأنني بتُّ ضليعة بهذا الأمر منذ أول ثانية وطئتُ بها هاواي, وما أفعله ليسَ من أجلكِ فقط , بل مِن أجلنا جميعاً.
أشارت للباب, لتقول وهي لا تنظر سوى لعينيه : ما يقبع خلف هذهِ الباب شخصيات سياسيّة وأجهزة حماية مُدّججين بالأسلحة, هل تضنّين ولو لوهلة أنّنا قد ننجو من هذهِ المصيبة دونَ أي خسارة ؟!
رسمت ابتسامة ماكرة من زاوية فمها, وعينيها لا تزال تلتحم مع عيناه الشاردة فيما تقوله, لتستأنف كلامها بثقةٍ كبيرة : الأمر قد حُسم والخطّة ستنتهي حالما نخرج أنا وهوَ مِن هُنا بهيئة عاشقين على وشكِ الزواج.
حالما نطقت بكلمة ( عاشقين ) حتى رمش بعينيه, ليُطالع مقلتيها التي توشّحت بطبقةٍ شفّافة زادت من جماليّتها الكثير..
اختفت ابتسامتها وهي تتفطّن بما يفكّر فيه لحظتها, لتعيد تقديم الجهاز لهُ بيدٍ قاست كثيراً لتُخفي ارتجافها, ولكنّها لم تنجح .. إذ أطرق رأسه ليُطالع يدها التي ابيضّت سلاميّاتها لشدّة إحكامها بأمساكِ الجهاز .. لكأنّها تستعين بصلابة الفولاذ كي تتقوّى عزيمتها على قرارٍ إتّخذته دونَ حولٍ او قوّة .. أو بالأحرى, دونَ استيعاب لبوادر هذهِ الخطّة ..
لم تكن تفكّر سوى بمخرجٍ من هذهِ الورطة .. علمَ تماماً بغايتها مِن خطّةٍ كهذه.. فلم يملك بدّاً من مدّ يده نحوَ الجهاز بنظراتٍ حاكت برودة نظراتها .. هامساً بصوتٍ لم يصل سوى لها : آمل أنّكِ تعرفين ما أنتِ مُقدمة عليه, يا فراشتي.
و ما إن نطقَ بتلكَ الكلمة, حتى عصف بقلبها مشاعر تلاطمت بجدرانٍ وهميّة وازدحمت بحيّز جسدها الذي بات يشتعل حماساً وخوفاً بذاتِ الوقت.
أغمضت عينيها وهوَ يبتعد عنها مُتّجهاً نحوَ جثّة آلفريد, مُكملاً مايجب فعله, لتبتلع ريقها وهيَ تهمس لنفسها : آمل هذا.
وتحققت غايتها حالما أعلنَ القسّ أنهما زوجاً وزوجة ... توقّعت أن ينتهي الأمر عند هذهِ النطقة ويغادران المكان بخطواتٍ ثابتة لا تُظهر للجميع كمّ التوتّر الذي يتلبس بدنها ..
ولكن؛ حينَ ذكر ( يمنك تقبيل العروس ) .. لم تكن للتوقع جموحه حينها .. تملّكها, وجعلها تتوه , لطالما سمعت صديقاتها يتكلمون عنها .. وقرأت أشعاراً تحكي بألفِ بيتٍ عن روعتها .. ولا تُنكر أنّها ليست المرّة الأولى.. لكن، هذهِ المرّة كان مُختلفاً .. حفر خطوط تملّكه لها خطّاً خطاًّ.. ولامس بانامله شغاف قلبها, ونحت بأنفاسه حدود كيانها الذي تلاعب فيه كالصلصال ..
كانت بينَ يديه .. مُلك يديه .. رهنُ يديه ..
كانت إنسانه, على قيدِ العشق .. وكانَ إنساناً، على قيدِ الهيام ..
لامست أناملها شفتيها مِن جديد .. وأنفاسها الساخنة تلفحُ بالفراغ أمامها.. وعينيها الشاردة تُطالع المجهول ..
هيَ الآن زوجته .. مُلكه .. له !
هيَ لهُ , وقد وقّعت بنفسها على صكّ ملكيته لها ..
قال لها يوماً أنهُ يملكها .. كان يملكها روحاً وقلباً، كانَ ولا يزال وسيبقى !
توقّفت عن التفكير عندَ تلكَ النقطة .. لتزدحم الأفكار من جديد ويصرخ عقلها الصامت مُطالباً بتفسيرٍ عقلانيّ لما أقحمها قلبها فيه ..
طرقاتُ منتظمة، بعثرت السكون ( الصاخب ) الذي اكتنف فيه أجواءها .. رفعت رأسها ذا الملامح الشاردة, لتصحو من غيبوبتها المؤقته وتنتفض واقفة متّجهة نحوَ الباب ..
وقف امامها وعينيها الخاملة لا تزال تُطالع الفراغ, لتهمس بلا وعيْ : لستُ بحاجةٍ لأيِّ شيء.
أتاها صوتهُ مِن خلف الباب, هامساً بهدوء : إنّه أنا.
إرتجف قلبُها، كحال بدنها، ما إن داعب مسمعُها صوته الهادئ الرزين, يلوّن وحدتها وينير ظُلمة غرفتها دونَ سيطرةٍ منها على الأمر..
اعتصرت مقبض الباب وقد توانت عن فكرة فتحه, لتُسند جبهتها عليه , فتعضّ شفتيها بارتباكٍ كبير, غير قادرة على النطق بأيّ كلمة ..
كانت بتلكَ اللحظة عاجزة, وخائفة !
خائفة من خطورة فتحها للباب, خائفة من الاستسلام لهُ مِن جديد .. وما قد ينتج بعدَ ذاك الاستسلام .. لم تنسَ أنّها لاتزال ( عدوّته ) كما يجبُ أن لا ينسى هوَ الآخر ..
تعلم يقيناً أنّ ماحدثّ في حفلِ الزفاف لم يكن تمثيلاً, من جانبها هيَ على الأقل .. أما مالايزال يبعثر شتاتها .. ( هوَ ) !!
مالذي يعتريه الان مِن شعور ؟
الجواب على سؤالها هذا أتاها سريعاً, دونَ أن تُطالب بهِ حتّى .. حينَ همسَ بنبرةٍ دافئة وقد بدى مِن صوته أنّه قريباً جداً من الباب ..
- لا تفتحي الباب. ولكن اسمعيني ..
ابتلعت رمقها لتخرج نفساً ساخناً مِن شفتيها, فتهمس مُجيبة: لاتضنّ أن زواجنا هذا قدْ يُغيّر أيّ شيء, بل لاتضنّ أن استسلامي بين يديك قد يعني شيئاً غير أنني أكرهك.
على الجانب الآخر, كانَ يقف بنفس وضعيّة وقوفها, مُسنداً وزنه – برأسه – على الباب, وأنفاسه تعرب بشكلٍ قاطع على أنّ حالته لا تختلف بتاتاً عن حالتها ..
رسمَ ابتسامة خاملة على شفتيه, حالما سمعَ جملتها الأخيرة, ليهمس بذاتِ النبرة السابقة : أوَحقّاً تكرهيني يا فراشتي؟
أجابته بنبرةٍ مخنوقة : لا تُناديني فراشتي وكأنّها سلاحكَ السرّيّ الذي يُخبرني من تكون .. أنا اعلم من تكون!
توسّعت ابتسامته لتلتمع عيناه بطبقةٍ شفافّة أعربت عن شوقه واحتياجه الكبير لسماعه الاتي مِنها, لم تخيّب ظنّه, إذ استأنفت همساتها المُتحسّرة : وما يقتلني هوَ أنني أعلم .. أعلم أنّك صديق طفولتي الذي بقيتُ ليالٍ عديدة أُعاني السهاد على أمل لُقياه , فكبرَ الشعور هذا مع كبر المسافات وطول السنين, لتغدو مشاعري حبيسة صيّادٍ تفنّن بجرحِ قلبي الذي لثمهُ يوماً في الماضي.
أغمض عينيه بألم, ليطلق نفساً حادّاً مِن صدره، خدشَ غروره وذبح كبرياء وتمرّد على عِناده ليلتّف حوله كأفعىً تحبس فريستها بسهولة .. بذاتِ الهمس, قال : ومالذي قدْ يكون موقفي أنا يا فتاة ؟ قولي لي !! مالذي يجب أن يكون موقف شخصٍ قضى حياته يعيش على أملِ إيجادِ خيطٍ ملموس للعثور على قاتلَ أبيه ؟! أبوه الذي رآه يتضرّج بدمائه في بهوِ المنزل , وحيداً دونَ مُنجد ! أبوه الذي كان لهُ عالمهُ المثاليّ, وما عالمي المثاليّ الان سوى نسخةٌ قديمة بعثرها غبار الماضي وشتّتها ريحُ الانتقام !
هتفت بحدّة غير مُدارية لمشاعره لحظتها : وبأيِّ حقٍّ يكُن أخي قاتل أبيك ؟! بأيّ سُلطةٍ تأتي وتقول هذا الكلام, تقذفه أمامي كما لو كان أمراً مُسّلماً بِه دونَ ان تبحث على الأدلّة والبراهين ؟! .. وبأيِّ حقٍّ تخون ثقتي بكَ وتسلّمني لآدآل كما لو كنتُ سلعةً بالية! في السابق كنتُ أشعر بالحقد لخيانتكَ لي, أما الآن فكلّ ما أشعر بهِ هوَ الغضب, ليسَ مِنك بل من نفسي وأنا أجدُني واقعة بشباكِ مصيدةِ العنكبوت التي كبّلتني بينَ الماضي والحاضر التعيس!!
ضرب الباب بجبهته, ليهتف هوَ الآخر : كلّ الأدلّة تشير إلى أن ليوناردو قتل أبي, لا تتحامقي الكلام وتبرّئيه مّن تلكَ الجريمة التي لن اغفرها لهُ أبداً... حينها لم أكن أعلم أنّه أخوكِ , صدقاً أنا أقول .. حينَ ظهر على الساحة مؤخّراً أخبرني تيريز بالأمر وكنتُ بحالةٍ مِن الضياع .. ! الضياع مابينَ ماضيّ لكِ وحاضري معكِ..
التمعت عيناها, لتهفت بسُخرية: وتخونني بهذهِ البساطة ؟! تقدّمني للموت هكذا يا يوساكي !!
إعتصر مكان قلبه, ليغمض عينيه بقوّة ويهتف من بين اصطكاك أسنانه : لا تُناديني بهذا الإسم, فحاملهُ لم يعد ذاتَ الشخص يا ريلينا!
ضحكت بسخرية لتبتعد عن الباب, هاتفة : أوه، لا تدري كم أنتَ محقّاً بهذا الأمر !! يجب أن أقطع لساني الآن لأنني لوثّت أغلى شخصٍ ملكته بحياتي مِن بعد والدتي بنسبه لهذا الشخص الذي يقبع خلف الباب.
ابتعد خطوةٌ هوَ الآخر للوراء, ليهتف بغضبٍ حزين : هذا الشخص لم ينسى من يكون, لكنّه لم يعد كما كان.
أشاحت نظراتها لجانبها, لتهمس بألم: ومالفرق ؟! أنتَ لم تعد من أحببتُ في الماضي.
توسّعت عيناه صدمةً لهذا التصريح , لكنّ صدمته لم تدم طويلاً, لينظر إلى الباب بثقة, متخيّلاً وقوفها خلفه , فيقول بحزم : ألا ترين أنّ هذا تصريحاً خطيراً بعضَ الشيء؟!
ضحكت بسخرية على حالها, لترفع نظرها للسقف غير قادرة على إجابته ..
هي لم تعد تستطيع الإنكار .. على الأقل ليسَ بالنسبة لهُ, ولا تستطيع تجاوز حبّها العميق لهيرو الذي وجدته قبل أن تجد يوساكي فيه .. كانت مُنجذبه لهُ من اللحظة الأولى .. كما لوكانت هُناك لعنةٌ ألصقت بهما منذ الولادة .. كما لو كانت هُناك أواصراً خفيّة تربط قلبيهم وتحيلهما عن الانفصال .. لكنّ .. كلّ شيء يتغير حينَ نتجرّع مرارة الخيانة, أليسَ كذلك ؟!
أنزلت نظراتها نحوَ الباب, لتهتف ببرود : المُعادلة – رغم تعقيدها – واضحة لكلينا ألا ترى؟
أطرق رأسه, ليقترب مِن الباب مِن جديد, فيهمس مُتفّهماً : إفتحي الباب, لو سمحتِ.
حرّكت رأسها بالنفي وكأنه يراها, لتُجيبه بحزم : لا.
تنهّد بألم, ليعود البرود يكتنف ملامحه, وكأنّه ليسَ ذات الشخص الذي كان على وشكِ الانفجار مِن هول عاطفته وهي بينَ يديه .. ليهمس : ومالذي توصّلتِ إليه بمُعادلتكِ؟!
بقيت تنظر مطوّلاً نحوَ الباب, وكأنّها تبحث عن طريقةٍ مثالية لعرضِ جملتها بأبهى صورةٍ وأقوى تأثيراً
- أنا خُنتكَ , وأنتَ خُنتني .. لنتصرّف كالكبار ونتقبّل هذهِ الحقيقة.
- حينَ تتقبليها أنتِ أوّلاً !!
أطرقت رأسها مُبتسمة بمكر، لتهمس : هل أبدو لكَ كما لو أنّني لم أتقبّلها؟!
بقي يُطالع الباب طويلاً, وكأنه يفكّك طلاسم نبرتها الغامضة تلك , علمَ بأنها ترنو لشيءٍ ما .. فلم يمنع نفسه من ان يُحاكي ابتسامتها الماكرة بابتسامةٍ ضاهتها مكراً, ليقول : مالذي ترمين إليه ؟!
إقتربت نحوَ الباب دونَ ان تفتحها, لتُجيبه بثقة : كلانا واقعٌ بينَ طريقين قدْ يبدوان واضحين لنا .. لكنّ الغموض ما ينفكّ عن تلبّسه..
رمش بعينيه, غير قادر على إنكاره لكلامها ذاك .. ليغمض عينيه, قائلاً : وَمالجديد بالأمر ؟
فرشت أناملها على مكانٍ مِن الباب, كأنها تتخيل وقوفه هُناك بالضبط .. لتجيبه : الجديد هوَ أنّ الحقائق قدْ تغيّرت .. ومكان وقوفنا برقعة الشطرنج هذهِ لم تعد عادلة لكلينا ألا ترى ؟
تساءل مستنكراً : تقولين بأنّكِ لم تعودي ترغبين بدقّ عنقي ؟
لا تدرِ لمَ كلمة " عنق " تِلك , جعلت وجنتيها تتورّد وهي تستذكر تلك اللحضات الساخنة التي كانت يديها تطبقُ بإحكام قيودها على نعومتها المستفزّة لأنوثتها .. تداركت شعورها ذاك بأن هزّت رأسها لتعود وتسأل نفسها السؤال الذي سأله إيّاها قبلَ ثوانٍ قليلة .. رفعت حاجبها هيَ الأخرى, لتتساءل بنفس نبرته : وهل تركت فكرة قتلكَ لي مثلاً ؟
إنطلقت ضحكة خافتة مِن شفتيه .. ليطرق كليهما رأسيهما بشرود في ذلك السؤال ..
هل حقّاً تركا عداءهما ؟! هل تنازل عنادهما الغبيّ عن عرشِه الوهمي سامحاً للعقلانية بأخذ مكانها الصحيح محاولةً بكلّ قوتها لملمة شتاتهما الذي بعثرته ريحُ الإنتقام العمياء ؟!
كان, ولا يزال يحاول الانتقام .. لكن مِن مَن يا ترى ؟ أمِن نفسه أم مِن ماضيه .. أم مِن قلبه الذي لم يعد خائناً بنظره في نهاية المطاف ؟!
رفع رأسهُ نحوَ الباب مِن جديد , وفعلت هيَ المثل .. وكأنّهما مُتّفقين بتحرّكاتهما, وعقليهما باتا يعملان على نفس الوتيرة المضطربة ..
همست, وهمسَ هوَ الآخر : ليسَ بعد.
كانَ هذا هوَ الجواب الأنسب .. على الأقل , الجواب الأصدق!
فلو أجابا بالنفيّ سيُخادعان الواقع .. ولو أجابا بالإثبات القطعيّ سيوهما نفسيهما أن لهما الإرادة المُطلقة ..
تبسّم كليهما بمرارة .. لتلامس جبهتيهما الباب, فتهمس ريلينا بألم لم تستطع مواراته عن نبرتها التي كشفتها : حتّى متى يا هيرو ؟
شدّ قبضته بقوّة , ليهمس بحدّة : حتى نقطع الشكّ باليقين.
علمت مقصده مِن تلكَ الجملة .. وكان جوابه يتوافق عليها هيَ الأخرى .. لاتزال شكوكها قائمة على أخيها , فجوابه ذاك لم يقطّع شكّها باليقين بتاتاً .. إذن, حتّى معرفتها بما جعل هيرو كما هوَ الان .. يجبُ أن تُداري هذا الضياع الذي يتعايش فيه كليهما ..
كانت هُدنة – غير مصرّحة – اعلناها أمام محكمة القدر .. وتوافقا سرّاً وهمسا بالقسم علانيّة فكانت لنبضات قلبيهما الكلمة الأخيرة ..
" حتّى نقطع الشكّ باليقين, سنبقى أعداء, يرنو قلبينا للإبحار في محيطِ العشق والغرق بينَ طيّاته ومداعبة تيّاراته الجامحة .. "
* حين تتشابك خيوط الغموض وترى نفسك تغرق – دون إرادةٍ منك – في بحرِ الضياع, يجبُ أن تأخذ وقتاً مستقطعاً من لعبةِ الحياة .. وتتمعّن بهدوء في جغرافيّة الأمور, وتستكشف حدودَ الشخوص مُتمعناً بنقاط الضعف والقوّة .. واضعاً خطوطاً حمر على أسطرِ الغموض المُريب .. مدقّقاً في تفاصيل التفاصيل .. سامحاً لإحساسك بالانجراف خلف الحقائق .. تاركاً كلّ مهامّكَ الأخرى لتضع نصبَ عينيكَ غايتكَ الأسمى ..
وما غايتهما الأسمى .. سوى معرفة الجواب على السؤال الذي ذكرته فراشتنا آنفاً " أينَ موضعنا في رقعةِ الشطرنج هذهِ ؟ " *
أخذت تِلك الانامل التي احكمت قبضتها على جريدةِ الصباح ترتجف بصورةٍ دلّت على سخطِ صاحبها .. ثوانٍ فقط حتّى هبّ إعصاراً بعثر أوراق الجريدة وسط الغرفة الفخمة بأثاثها الداكن, وأرجائها الأرستقراطيّة التصميم ..
أنفاسهُ المُتسارعة أعربت بشكلٍ قطعيّ عن اضطرابه بتلكَ اللحظة, عيناه التي تجدح بشرارة الغضب الأعمى كانت لتتكلم عن ما يعتريه من مشاعر .. وصدره الذي يعلوا ويهبط مع كلِّ نفسٍ حارق كانَ الشيء الوحيد الذي يتحرك من جسده المتصنّم في موقعه, دونَ حراك..
زمجر بغضبٍ مدويّ : هذا لا يُعقل !! كيفَ لهذا الغبيّ أن يخطوا بهذهِ الخطوة الحمقاء !!
بحركةٍ رشيقة وخطواتٍ زلزلت الأرضية الرخامية, تقدّم نحوَ مكتبه ليلتقط الهاتف, وما هيَ سوى لحظاتٍ قليلة من الانتظار , حتّى هتف بغضبٍ عارم : بأيّ سبيلٍ وأيِّ طريقةٍ تستطيع أن تشرح لي فيها, كيفَ لهذا الغبيّ آلفريد يتزوج الطُعم .. ويذهب مع عروسه الساحرة لشهرِ العسل ... لينتهي الأمر بانفجار الطائرة وموتِ العريسين بحادثٍ مأساويّ ؟!
رُسمت ابتسامة ماكرة على شفتين مُطبقة , ليُجيب المتكلم بنبرةٍ واثقة وهادئة : لا تسألني هذا السؤال يا تيريز , مهمّتي اقتضت على الذهاب لهاواي ومُساعدة آلفريد بمهمّته للقضاء على عونة جيمس .. أنتَ لم تحدّد حينها من هُم عونة جيمس!
ضربَ تيريز سطح المكتب بقوّة , ليهتف بذاتِ الحدّة والغضب : وكانت أوامري واضحة يا هيرو !! أمرتكَ بمعاونته على القضاء عليهم, لا إتمام الزواج !
توسّعت ابتسامة هيرو وهوَ يُطالع صورة بقايا طائرة مُحطّمة توسّطت المُحيط, لتعود عيناه تتمعن العنوان الذي كُتب بأكبر خطِّ قد تحتويه تلك الجريدة:
" حادثٌ مأساويّ أودى بحياة رجلُ الاعمال المشهور في هاواي, آلفريد بنكهام ,وعروسه الحسناء هايلد ليكسر "
أعاد الجريدة على سطح المنضدة التي جلس قبالتها, ليجيب بذاتِ النبرة الهادئة : أوامرك كانت واضحة يا تيريز , أن أُساعد شريكي. حين ذهبت لهاواي وجدتُ أن آلفريد قد غيّر قراره وكان مُصرّاً على الزواج .. وحين تساءلت عن سبب إصراره ذاك, قال بأنّ الشخص الخامس لم يكن معهم .. لا أذكر اسمه جيّداً .. كواتر ربما .. لهذا قال بأنّه سيتمّ زواجه مع عروسه, وحين يعود من شهر العسل سيجمعهم في ذاتِ المكان وأساعده بتسديد الضربة القاضية.
تهاوى تيريز على مقعده, عاقداً حاجبيه بصورةٍ تدلّ على محاولته فكّ طلاسم كلمات هيرو الكثيرة .. ليشتم بعدَ هنيهات, ويهتف مُستنكراً : أوَكان بوعيهِ الكامل ذلك الغبيّ ؟!
تهادت أنامل هيرو تنسلّ بنعومة فوق حافّة كأس العصير الذي تربّع أمامه, يطالع الفراغ بابتسامته الواثقة , ليُتمتم ساخراً : أوتسألني أنا ؟! أعتقدُ أنّه قد نال جزاء تفكيره الغبيّ , نصحته وقتها بالاستمرار بالخطّة .. ولكنه رمقني شرزاً , هاتفاً بحدّة بانّه رئيس هذهِ المهمّة وأن لا سلطة لديّ عليه هُناك.
رفع تيريز حاجبه الايمن, ليتساءل باستغراب : وهل سكتَّ عن كلامه هذا ؟!
رسم هيرو ابتسامة من زاوية فمه, حين فهمَ يقيناً بمقصد تيريز .. تأكيداً قد استغرب تيريز من رضوخ هيرو لأمرِ آلفريد .. خصوصاً وأنّه قد " أمره " دونَ أن يحمل لنفسه عواقب وخيمة .. ولكنّ هيرو كان أذكى من الوقوع بفخّ سؤال تيريز المُستنكر هذا, إذ تنهّد بملل , مرّدداً ببطئ : لم أكنْ لأتركه يبقى حيّاً دقيقةً واحدة بعدَ كلامه هذا , وأعتقد أن موته كانَ خير دليل على خطأ إرسالي إليه كشريك.
توسّعت عينا تيريز, ليصرخ بغضبٍ عارم : تقول بأنّك كنت السبب !؟
استرخى هيرو بجلوسه على مقعده الوثير, ليجيب تيريز بنبرةٍ واثقة : أقول بأنني قمت بالتخلص من عقبةٍ غبيّة ! آلفريد قد كُشف لَهم , وباتَ ورقةً محروقة .. وخبرُ موته وعروسه , تأكيداً سيجلب نتائج سلبيّة على جماعة جيمس المُتعاطفة بشكلٍ أبله مع حبيب العروس الميتة.
رمش تيريز بعينيه, غير قادر بتاتاً على فهم تفكير هيرو, ليستلقي على كُرسيه, هامساً بجزع : مالذي تصبو إليه من فعلته الرعناء هذهِ يا هيرو ؟
توسّعت ابتسامة هيرو الماكرة, ليجيب بحدّة : أقول بأنّ موت آلفريد وعروسه هوَ الأفضل للجميع, خصوصاً لنا .. للقضاء على عدوٍّ قوي كجيمس, يجب أن نستغلّ نقطة الضعف .. ونقطة الضعف تلك قد حانت.
ثوانٍ فقط, حتى ابتسم تيريز بذاتِ المكر الذي توشّح ابتسامة هيرو حينها, ليتمتم بنبرةٍ مُتعالية وفخورة بذاتِ الوقت : لطالما سحرني تفكيرك الخبيث يا هيرو .. ولكنّك الآن فقت مكري الاف المرّات يجبُ أن أعترف.
قطّب هيرو حاجبيه امتعاضاً من جملته تِلك , ليعلو الوجوم ملامحه وينتفض من مكانه , هاتفاً ببرود : من الجيّد أنّك اعترفت , والان يجبُ أن ننطلق لشنّ الهجوم والحصول على باقي الدارات.
هتف تيريز مُقاطعاً إياه : لا! .. ليسَ الان ! هُناك ماهوَ أهمّ الان.
هيرو باستنكار : أهم من الحصول على ثلاثة دارات بنفسِ الضربة , والقضاء على الحشرة المسّماة بجيمس ؟
أجابه تيريز بثقة : أجل .. لتعلم يا هيرو , أنّ الدارة الأخيرة قدْ تمّ العثور عليها .. وحسب معلوماتي قد بدأ جيمس بالتحرّك نحوها .. لن تكون ضربتنا القاضية ذات فائدة الان, يجب أن تجلب لي الدارة الأخيرة, ومن بعدها نتصرّف مع باقي الدارات لدى المعتوه الذي لا يدري أيّ مصيرٍ ينتظره.
زمجرت عينا هيرو غضباً وشوقاً للانتقام الوشيك , ليعدّل من طريقة وقوفه وهوَ يُطالع الفراغ بتصميم : أينَ مكانُ الدارة ؟
وقفت صهباء الشعر, بملامح مكفهرّة أمام بابٍ مغلقة .. مكتفّة يديها ومقطبّة حاجبيها, بينما حذاءها ذو الكعب العالي يطرق الأرضية بصورةٍ تدلّ على بدء نفاذ صبرها من وقوفها الذي يبدو أنه قد طال ... أكثر من اللازم .
أطلقت صوتاً دلّ على سخطها, لتنظر يمنة ويسرة بحذر .. فتُقدم على خطوتها التالية , بأن وضعت يدها على مقبض الباب بنيّة فتحه ..
- لاه لاه , ألم تعلّمكِ امّكِ أنّ التسلّل عيب؟!
أغمضت عينيها بقوّة وانكمشت بوقفتها. بدت كمن أُمسكَ بالجرم المشهود ..
لتترك مقبض الباب دون أن تستدير, وتهتف بحنق : ومالذي تريدني أن أفعله ؟! لا يُسمح لأحد بالدخول لهما حتى لأجل الاطمئنان عليهما؟!! هُما بالغرفة منذ مساء البارحة ولم استطع معرفة حالتهما حتى الان!
شعرت بخطواتٍ هادئة تقترب منها, لتخبرها ريحهُ المسكيّة بأنّه قد أصبح بجانبها تماماً .. نظرت إليه من طرف عينها, لتلمح ابتسامته تنسل بنعومة على شفتيه , وملامحه المستكينه تخبرها عن مزاجه الهادئ بتلك اللحظة .. سمعته يقول بنبرته التي تعطّل حواسّ إدراكها : لا تقلقي عليهما, سيكونا بخير وبأفضل حال.. لكنّها أوامر الطبيب ولا كلام آخر بعده.
تنهّدت بحدّة لترخي عضلات جسدها المتشنجّة , فتسمح لنفسها بالاسترخاء على الحائط الرخامي ونظراتها الشاردة تهيمُ بالفراغ .. همست بأسى وهي تستذكر لحظاتٍ لم يمضِ عليها طويلاً : لم تكن معنا هناك يا كواتر !! لم ترى كيف كانت حالتهما بتلكَ اللحظة!
اقترب منها ليُسند جسدهُ على الحائط هوَ الأخر, وينظر إلى ذات الاتجاه الذي تنظر إليه لانا, فيهمس بهدوء : المهم هوَ أنّكما بخير الان.
شدّت قبضة يدها بقوّة, لتزمجر عيناها بالغضب , هاتفة : تقول بخير ؟! كم أنتَ مُخطئ يا كواتر !! ... فكلمة بخير هذهِ لا تمتّ لوضعنا الحاليّ بصلة. مِن جهة أخي وحبيبته يرقدان في المشفى .. ومن جهةٍ أخرى حالُ ريلينا الذي باتَ مربوطاً بشكلٍ جنونيّ باليد اليُمنى للوغد تيريز!
توسّعت عينا كواتر وهوَ يستدرك جملتها الثانية التي حملت لهُ حقيقة قد أُخفيت عنه .. ضيّق مابين عينيه ليتساءل بقلق : ومالذي حصل معَ ريلينا ؟
وعت لانا على زلّتها تلك , لتشيح نظراتها عنه, غير قادرة على إكمال كلامها خشية ارتكابها خطأً آخر .. ولكنّ كواتر لم يكن ليتركها هكذا .. فاقترب منها بحذر, هامساً بتحذير : لا تخفي عني يا لانا !! مالذي فعلته ريلينا ؟ وما دخل هيرو بزواج هايلد ؟
إبتعدت عنهُ خطوةً واحدة , تنظر إليه ببعض الانزعاج , هاتفة : وما شانكَ بحال ريلينا على أيّةِ حال! لقد أوصتني أن لا أخبر أحداً حتى تحلّ المُشكلة !
اقترب منها خطوةً أخرى, ليُمسكها من كلتيّ يديها بقوّة , غير مسيطر على تغيّر مزاجه – الغريب – في تلكَ اللحظة : بل ليَ كلّ الحقّ, فهي صديقتي ومن حقّي أن أعرف مالذي حصلَ مع صديقتي .
توسّعت عينا لانا , لتظهر شرارة الغيرة – الغير متوقعه من قبلها هيَ بالذات – في لمعان مقلتيها الخضراء, لتهتف بنبرةٍ حادّة : إذن فلتذهب لصديقتك ولتخبرك بالأمر!
وعى على نفسه حين أبعدت يدها بقوّة عنه, لتستدير وتولّي ظهرها له, وخطواتها التي زلزلت الأرض المُستكينة كانت لتحكي لهُ ألف حكاية عن ما يعتريها من مشاعر بجوفها ..
رمش بعينيه وهوَ يرى خيالها يختفي مِن أمامه , ليطرق رأسه وينظر لكلتا يديه اللتين رفعهما أمام وجهه ببطيء .. ويعيد الأحداث التي سبقت كمشهدٍ من فيلمٍ بالأبيض والأسود ..
وبتلكَ اللحظة, وعى على شيءٍ غريب ومستحيل ! بل أقرب للخيال !!
رسم ابتسامة مُستنكرة على شفتيه, ليطلق ضحكة قصيرة وخافته .. دلّت على عدم استيعابه ..
سُرعان ما اختفت تلكَ الابتسامة, ليعتدل في وقفته , وتكتنف ملامحه بعلامات الثقة والقوّة .. فيستدير ذاهباً بالاتجاه المُعاكس الذي اتخذته شعلته المُلتهبة تِلك .. وأفكارٌ غريبة تدور وتدور في حيّز عقله , مولّداً بدايةً لحكايةٍ جديدة ...
جلست على الكُرسيّ الخشبيّ بخيلاءٍ واضح واستكانة تليق بنساءٍ من الطبقة الارستقراطيّة .. تكللّت عيناها الزبرّجدية بطبقةٍ شفافة عكست بلمعانها قوّتها التي تنضح بوضوح من مقلتيها ..
جلست بهدوء, تُطالع الأُناس الذي يسيرون جيئة وذهاباً مِن أمامها .. هُناك من اتخذ لهُ مكاناً منزوياً مع محبوبته.. وهُناك من أوصى بمنضدةٍ كبيرة لتتسع بكرم لعائلته السعيدة ..
ضحكاتٌ وهمسات وابتسامات .. كانت لتحكي عن حياةٍ تمنّت أن تحضى بها ولو ليومٍ واحد .. تسلّلت ابتسامة هادئة على شفتيها وهي تمتحنُ الأجواء المحيطة بها في ذاك المقهى الشعبي الذي اتخذته – مؤخراً – مكاناً سريّاً لتصفية عقلها ..
لكن يبدو أنه لم يكن مكانا سرّياً على أيّة حال ..
كانت قد أطرقت رأسها , تنظر للفراغ بوجوم , وشرودٍ واضح يحتلّ ملامحها.
- أعتقد أنّها قد أصبحت عادةً لكِ, تختفين هكذا وتعودين دونَ أن تُعطي خبراً بقدومكِ.
رمشت بعينيها لترى انعكاس صورتها على حذاءٍ أسود لامع, دلّ بلمعانه على شخصيّة الذي يرتديه.
أغمضت عينيها, لترسم ابتسامة هادئة على شفتيها , هامسة : ويبدو أنّها قد أصبحت عادة لكم, تقتحمون خلوتي على حين غرّة.
سمعته يُطلق صوتاً يدلّ على امتعاضه .. لترفع رأسها وتنظر لملامحه الواجمة, وعينيه التي شابهت عينيها الساحرة , مضيّقة ما بينها بتعبيرٍ بسيط عن انزعاج صاحبها الهادئ الملامح ..
ضحكت بخفّة, لتشير للمكان أمامها , قائلة : حسناً ألن تجلس على الأقل وانت تعاتبني ؟
هدرَت انفاسه بانزعاجٍ أكبر, ليتقدّم بخطواتٍ هادئة نحوَ مكان جلوسها , هاتفاً : أنتِ لا تكفّين عن إقلاقي دائماً ريلينا !!
كتّفت يديها لتسترخي أكثر بجلوسها , وتقول بذاتِ النبرة الهادئة : وأنتَ لا تكفّ عن قلقكَ اللا مبرر له , ليو .
جلسَ أمامها بحدّة ليشير بسبّابته بأن تصمت , ليقول بذاتِ الحنق : يجب أن تعلمي أنّكِ ملزمةً منّي رغم كلّ شيء, وذهابكِ لهاواي على غفلةٍ منّي أنا وجيمس كانَ أمراً خاطئاً للغاية ولن أعدّيه لكِ على خير.
تنهدّت بنفاذِ صبر, لتعتصر مابينَ عينيها , هامسة بتحذير : هلا هدأتَ قليلاً فنحن بمكانٍ عام كما ترى..
نظرَ ليو من حوله, ليرى بعض الاشخاص قد تركوا مابينَ أيديهم وحولّوا أنظارهم بفضولٍ مُزعج لهما. ألقى ليو نظرة تحذير لمن تجرّأ بفضوله أن يقتحم خلوتهما, ليجعلهم يعودوا لما كانو يفعلون ..
عاد لينظر نحوها وإمارات الانزعاج لا تزال تكتنف ملامحه , ليهمس بتحذير : هلّا وضحّتِ لي على الأقل , لما ديو وهايلد مُستلقين الان في مشفى المقرّ السرّي للمنظمة !! بل لمَ تلكَ المسمّاة بهايلد في المقرّ من الأساس؟!
عادت تتنهد بإرهاقٍ نفسيّ واضح, لتنظر إلى النافذة بجانبها بانزعاجٍ تمرّد على هدوئها المستفزّ لأعصاب ليو .. أخذت عِدّة لحظاتٍ من الصمت قبل أن تهمس : هلّا أعرتني تفهّمكَ يا أخي.
سُرعان ما تبّدلت ملامح ليو, من الانزعاج لشيءٍ من الاستغراب .. رمش بعينية مرّاتٍ قليلة قبلَ أن يتساءل : مالذي جرى ؟
زفرت بحدّة, لتغمض عينيها بانزعاجٍ واضح .. وتدير وجهها لتطالع أخيها الذي بدأ القلق يتسرّب ببطئ إلى ملامحه الواجمة ..
زفرت للمرّة الأخيرة , لتطلق قنبلتها هاتفة بصوتٍ خافت : لم يجري شيء سوى أنّ صديقتي العزيزة كانت ستتزوج من شخصٍ لم تكن لتقبل بهِ, وانا كنت أؤدّي واجبي كصديقةٍ معها .. وبالصدفة اكتشفنا أنّ من كان ينوي الزواج بها أحد عونة تيريز .. وقد تواطأ مع هيرو للإيقاع بِنا , بخطّةٍ خبيثة وملتوية من قبل تيريز .. فانتهى المطاف بأن قتل هيرو شريكه .. ولأجل مُداراة قضية قتل رجلِ أعمالٍ معروف ومشهور بتلكَ اللحظة ... تـ ... ( أطرقت رأسها لتغمض عينيها بقوة وتهمس بصعوبة ترجمت أثرها على نفسها ) تزوجنا أنا وهيرو بصفتنا هايلد وآلفريد.
أخذت عِدّة أنفاسٍ سريعة دلّت على إرهاقها الشديد من القنبلة – الصامته – التي ألقتها على أخيها بتلكَ اللحظة ..
كانت لا تزال مطرقةً رأسها, غير قادرة على رؤية ملامح ليو ومعرفة ردّ فعله المتوقع من قبله ..
لم تشعر بشيء .. ولم تعي على شيءٍ سوى صراخٍ كان ليهدّ المكان الذي جلسا فيه حينها .. صراخٍ بعنوان التساؤل المستنكر الغاضب ..
التفتت جميع الأوجه على الشخصين الجالسين على المنضدة قُرب النافذة الصغيرة .. وإمارات التساؤل والخوف تعلو محياهم. بينَ لحظةٍ وأخرى .. رأوا الرجل الغاضب ينتفض من مكانه ليجرّ الفتاة خلفه بخطواتٍ زلزلت المكان لقوّتها ..
حالما وصلا لمكانٍ هادئ, في زاويةٍ منعزلة قرب شاطيء البحر .. حتّى توقف عن جريه وجرّه القاسي لأخته التي لم تُبدي أيّ اعتراض على الأمر ..
ترك يديها بقوّة وأخذ عدّة انفاسٍ سريعة حاولَ بها قدر الإمكان تثبيط شرارة الغضب الأعمى التي سيطرت على تفكيره ورجاحته التي طالما تميّز بها ..
وقفت خلفه بنظراتٍ باردة , لا تدلّ على أيّ شيءٍ سوى عدم الاكتراث .. بينما أخذت يدها اليمنى تُمسّد مكان ساعدها بخفّة للألم الذي نتج عن إمساك ليو القاسي لها ..
تخصّر بوقفته, غير قادر على الاستدارة لها ورؤيتها ... نجحَ وأخيراً بالسيطرة على غضبه الذي أعماه عن العقل والمنطق .. ليلتفت نحوها ببطيء, وغشاوة الغضب لا تزال تكتنف مقلتيه ..
قطّب حاجبيه بقوّة, ليتقدّم نحوَها بنظراتٍ حانقة .. همسَ بلا استيعاب : كيفَ لكِ أن تفعلي شيئاً كهذا يا حمقاء ؟!
هتفت بحدّة وهي تدير رأسها نحوه : لقد فعلت وانتهى الأمر .. ولم أكن لأفعلها لولا أنني كنت مجبرة , صدّقني يا ليو .. الأمر كان خطراً للغاية .. ولم نكن لننجوا بغير هذهِ الطريقة!
أخذ نفساً طويلاً حيث ارتفع صدره إثره .. ليعود ويزفره بذاتِ الحدّة التي أخذه بها .. إعتصر مابينَ عينيه, ليتساءل بامعتاض: وهل ... لا تزالان ... اعني ( ضحك بسخرية ليلتفّ حول نفسه , هاتفاً ) لا أصدّق ما سأقوله يا إلهي ... أنتِ تعلمين الان أنّكِ متزوجة من هذا اللعين صحيح !!
أطرقت رأسها لتقول بتوتّرٍ واضح, رغم نبرتها القوية : الأمر معقّداً بعض الشيء, أحتاج لسؤالِ شخصٍ خبير بهذهِ الأمور .. فالزواج حصل بالكنيسة وكنّا نردّد المراسيم على أساس أنّني هايلد وهوَ آلفريد .. لا أظن أنه زواجاً حقيقيّاً رغم كلّ شيء .. وخبر وفاة الشخصين هذين بانفجارٍ مؤسف ... أعتقد أنّه إلغاءٌ واضح لعقدِ الزواج.
ضحك ليو بسخرية , ليعود ويتقدّم نحوها هاتفاً بحدّة : تعتقدين أنّه إلغاءٌ لعقدِ الـ .... ( هدر بغضبٍ أعمى ) تعتقدين ماذا ايتها الحمقاء !! أنتِ الان زوجةٌ له , بغضّ النظر عن إسمكِ أو كينونتكِ .. أُناسٌ كثر يتزوجون بأسماء مزيّفة .. والزواج كان في الكنيسة بين يديّ الربّ وقد أقسمتما على هذا أمام الرّب .. يعني أنكِ – أيّاً كان اسمكِ – متزوجة منه هوَ – أيّاً كان اسمه !! – هل تستوعبين هذا الأمر أم أعيد شرحه لكِ ..... ؟
توقّف عن كلامه وهذره حين رآها ترفع رأسها نحوه بملامح مشدوهة .. ارتجفت شفتيها لتقول بتوتّر : مالذي ... مالذي تقوله يا أخي ؟!
وعى على أنّه قد تجاوز عليها بعضَ الشيء, فحاول تخفيف حدّة نبرته .. حين تقدم منها ليكون قبالتها تماماً , إستأنف تصريحه بنبرةٍ أخفّ حِدّة : أقول يا حبيبتي , أنّكِ الان قد تكوني زوجة هيرو يوي فعلاً.
ارتجفت أناملها التي أحكمت قبضتها حول العمود الحديديّ الذي اسندت وزنها عليه ..
واقفة في بهوِ الطبيعة , تحت رحاب السماء التي بدأ صفاؤها الجميل يختبئ بحياء خلف غيومٍ رقيقة حملت بينَ طيّاتها غيثاً مُنعشاً ..
أخذت نفساً عميقاً, مُتأمّلة أن يصفو مزاجها بعبير الأمطار التي أثقلت الأثير الذي أحاطها بوداعة .. سامحةً لخلاياها الحسيّة بارتشاف شذى الأمطار , وشجن الجمال الذي تكتنف بهِ تلك الأجواء ..
رسمت ابتسامة على شفتيها .. ابتسامة ناقضت باستكانتها مشاعرها المضطربة التي جعلت من حيّز تفكيرها معركةً ضارية لا أمل لخروجِ منتصرٍ حيٍّ منها .. بكلّ الحالات , كلا الطرفين خاسر !
أطلقت زفيراً مُرتجفاً, حاكى توتّر نبضاتها حينَ شعرت باقتراب شخصٍ ما مِنها .. لم تلتفت .. ولم تستغرب على الإطلاق .. بل رسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها .. لتهمس من بينِ طيّاتِ السكون التي بعثرتها أصواتٌ رقيقة لارتطام قطراتِ الأمطار مع جسديهما , والأرض :
- كنتَ تعلم منذ البدء, أليس كذلك ؟!
شعرت به يتقدّم نحوها بخطواتٍ بطيئة, هادئة .. ومرعبة !
ارتجف جسدها لوهلة,لكنه سرعان ما عاد للاستكانه .. ليهمس وقد أطرق رأسه بهدوء : الأمر لم يكن بسيطاً للفهم, ولكنّه يحدث.
أدارت رأسها لتنظر إليه بحدّةٍ وغضبٍ استشاط فجأة في صدرها : ولمَ قد توافق على الأمر مادمت تعرف ؟! ( إلتمعت عينيها بدموع القهر, لتردف ) لمَ قد تربط نفسكَ معَ ......
توقّفت عن الكلام، حينَ لم تجد هويّةً تصف بها نفسها .. سخرت من نفسها في خلدها .. وأخذت الأجواء تضحك ساخرة عليهما .. أيُّ وصفٍ قد يحوي هذين الكيانين ؟ بل أيُّ إعرابٍ قد يفي محلّهما من جملة الحياة؟
فلا هُما مرفوعين بالحب, ولا منصوبين بالكُره .. ولا مجزومين بالنُكران !
بل تباينت هذهِ الصفات, لتشملهما في شبهِ جملةٍ لا محلّ لها من الاعراب !
هذا هوَ الوصف الأدق , فهما ليسا جملةً واضحة .. ولا يشملهما نظام المفردات ولا يحويهما حيّز الأعراب بتاتا!
يُطالعها مِن مكانه بنظراتٍ غامضة , دقّات قلبه أبعد ما أن تكون عن الرتابة والهدوء .. وجسده ينتفض مُطالباً صاحبه بالعودة لمكانه الأصليّ .. بل أن يحتوي ما لهُ من الأساس .. لكنّ عقله يعود ويلزم لجام الأمور ليثبت سيطرته بعنجهيّة متكبرة لا ترى للتسامح معنى ... فيعود القلب ويرفع راية الاستسلام, ليدجّج جنوده بأسلحةِ العنفوان .. ويضحى الجسد حيّزاً مفرّغاً من الاستكانه , يعجّ بالصمت الصاخب .. مُطالباً بالحريّة !
بينما هيَ .. تُطالعه بمقلتين تكوسها طبقة القهر , ترتجف على أنغامِ الضياع ..
ضياعٌ اكتنف روحها الهائمة مابينَ التمنّي والإباء .. عقلها الذي يأبى الانصياع .. وقلبها يتمنّى ذاك الانتماء ..
ليشهد الحيّز الذي يفصل مابينهما, على معركةٍ ضارية لا تعرف للتسامح معنى .. وتعود النتيجة المتوقعه تتجلّى واضحة أمام عقليّتهما .. أن لا يوجد طرفاً كاسباً ..
أطرقَ رأسهُ حين وعى على تساؤلها الذي انتظر جواباً منذ بضع دقائق, ليهمس بذاتِ الهدوء : شاءت الظروف أن ننتهي هكذا.
رفعت حاجبها الأيمن , لتهتف بسخرية: وهل انتهينا ؟
رفع رأسه ليطالعها بنظراته التي حكت بصخب زرقتها عن حاله, ليُجيبها بذكاء : ومالنهاية سوى بدايةً لشيءٍ جديد.
أقتربت خطوةٌ منه , لتتساءل بتعالي : ومالذي قد تعنيه نهاية بِ " زواجنا " هذا ؟
رفع حاجبيه ليقول ساخراً : لا تتوقّعي أنني أقفُ أمامكِ مُطالباً بحقوقي!
احمرّت وجنتيها فجأة حينَ فهمت ما يرمي إليه.. لتتوتّر وهي تجيبه بحدّة : بل أنت من لايجب أن يتوقّع أن يدومَ هذا الزواج .. يجبُ أن نجد ثغرة لإنهائه وبسرعة!
كتّف يديه ليقول : ومن قال بأنني أريده أن ينتهي ؟
توسّعت عيناها لتقترب منه أكثر هاتفة بحنق : مالذي تعنيه يا هذا !!
ابتسم بمكر, ليجيبها مطرقاً رأسه :لا أذكر أنني قلتُ بأنني أوافق على أمرِ الطلاق هذا .. ( رفع رأسه ليسألها بريبة ) أولم نوافق على بند " حتى يفرّقنا الموت ؟ " !
اقتربت منه أكثر وقد أصبحت مقابلة له تماماً, لتهتف بانفعالٍ كبير : هيرو يويّ .. أنتَ لن تخوض معي نقاشاً كهذا .. منذ الغد سنذهب للكنيسة ونسأل القسّيس عن طريقةٍ يمكننا بها إنهاء هذا الزواج .. هل تفهم !
بقي يُطالعها بشرود, وهيَ تقف هكذا بانفعالٍ وعنفوان طالما خلبه .. قريبة جدّاً .. قريبةً أكثر من اللازم, بل أخطر من اللازم ..
حوّل نظراته لمكانٍ معين من وجهها , ليهمس بصوتٍ أثقلته مشاعر غريبة : لكلّ حادثٍ حديث ! .. الآن هُناك شيءٌ أهمّ من أمرِ زواجٍ مشكوكٍ بمصداقيّته..
وعت على موقعها قربها هكذا, وعرفت اين اتجهت مسار نظراته الغامضة .. لتحمرّ وجنتيها على وقعِ ذكرىً قديمة .. وتبتعد عنه بخطواتٍ قليلة, لِتُتمتم بحدّة : مالذي تتكلّم عنه؟
زفرَ بحدّة ليطرق رأسه , مُجيباً : هل تذكرين وعدنا في هاواي .. أن نعرف موقعنا من رقعة الشطرنج وبالتالي نكتشف موقعنا في هذهِ اللعبة, لنستنتج إن كنّا على حقٍّ أم خطأ ؟
ضيّقت مابينَ عينيها, لتقول باستنكار : بغضّ النظر عن كلامك الممزوج ببعضه, ولكنّ هل أفهم بأنّكَ بدأت تعي على حقيقة تيريز العفنة !
جدحها بنظرةٍ محذّرة .. ففهمت تحذيره لتشيح نظراتها عنه بامتعاض هاتفة : العينُ بالعين ! أنتَ تتهم أخي بشيءٍ من المستحيل أن يفعله وأنا أصرّح بما أراه واضحاً .. الأعمى يستطيع معرفة انجراف تيريز وراء النوايا السيئة !
أطرق رأسه ليقول بحدّة : الأمر ليسَ بتلكَ البساطة التي تحكمين بها .. وأنتِ – واسمحيلي أن أقول – جاهلة عن معظم الحقائق التي نحنُ بها .. أنا الأدرى بكلّ شيء.
قطّبت حاجبيها لتهتف ساخرة : كلّ شيء ؟
فهمَ مقصدها من تساؤلها هذا, ليجيب بامتعاض : تقريباً كلّ شيء.
كتّفت يديها لتتساءل بحدّة : غايتكَ من هذا الكلام هيَ ماذا ؟
أجابها دون اكتراث لحدّتها : أخبركِ جيمس عن مكانِ الدارة الجديدة، صحيح ؟
رفعت حاجبها الأيمن لتقول بمكر : وهل تضنّ بأنني قد أقول , حتى لو أعرف ؟! ... لا تنسى بأننا لا نزال أعداء .. وموضوع الخيانة بات أمراً مسلّماً بهِ معك.
أشار لها بان تصمت, هاتفاً : هلا توقفتِ عن الثرثرة قليلاً ... وأجيبي بنعم أو لا.
زمّت شفتيها لتجيبه : لن أجيب !
تنهد بملل قائلاً : ريلينا , أنا لستُ بمزاجٍ جيّد لتحمّل عجرفتكِ معي ... أجيبي هل تولّيتِ مهمّة الدارة الأخيرة أم لا ؟!
قال جملته الأخيرة بحدّةٍ أكبر مع ارتفاع صوته بعض الشيء ... من ما جعلها ترتأي للإجابة , غير آبهة بما قد يؤول إليه تصريحها : روسيا.
رفع حاجبيه , دهشةً من جوابها , ليقول : قلت أجيبي بنعم أم لا .. لم أقول أعطيني مكان الدارة !
أغمضت عينيها دون اكتراث, هاتفة بخفوت : تعلم بأنني أعلم .. كما أنك تعلم بمكانها لهذا لا داعي للمُماطلة ...
رسم ابتسامة غريبة على شفتيه, ليقترب منها , متمتماً : وما رأيكِ أن نقلب دفّة السفينة قليلاً ؟
نظرت اليه بلا استيعاب, لتتساءل بريبة : مالذي ترمي إليه؟
توسّعت ابتسامته, لتغدو ماكرة .. فيجيبها بغموض : أقول بأن نعدّل خطّ الهجوم بعض الشيء يا ... عدوّتي.
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته
* ثرثرة متأخّرة![]()
احم![]()
كيف حالكنّ حبيباتي الرائعات الغاليات الجميلات المحششات - هذهِ لسوزان- الشريرات
- هذهِ للجميع
- ؟!
عسى أن تكنّ بأفضل صحةٍ وحال ..
ومعذرة على التأخير بفتح خانة الثرثرة هذهِ .. ولكنّ انشغالات جديدة تداخلت بمضماري"
عموماً ...
بالنسبة للفصل السابق - أعلاه - كان توضيحاً شموليّاً لخيوطٍ خفيّة تستّرت عليها بالفصل الذي سبق ..
لهذا .. آمل أن تكون أحداث هذا الفصل قد روت عطشكنّ للإيضاح..
وعليهِ , تعلمون أن الفصل المقبل لن يكون بذاتِ الهدوء .. فتباينات الأحداث كما بدت واضحة للجميع تتضمن عواصف مابعد كلّ هدوء ..
لهذا , آمل أن تشحذو همّتكم و [ صبركم ] وتركيزكم مع الأحداث المُقبلة .. فمنها يبدأ الغموض بفكّ شيفرته تدريجياً .. آمل أن ينال استحسانكم.
\\
ما يُطلب منكم بخصوص هذا الفصل هوَ رأيكم الشموليّ مع اقتباساتٍ نالت رضاكنّ وتعليقٌ فلسفيّ عليها لو شئتم ..
وتوقّعات لما هوَ قادم..
وَ توضيح بسيط"
هناك خطأ مطبعي نبّهتني عليه كايدي الجميلة بردّها ..
والد هايلد طبيباً وليسَ مهندساً .. يبدو أن ذهني لم يكن معي حين كتبت هذهِ الجملة .. عنيت بأنه طبيباً فقط.
آمل أن لا يلتبس عليكم الأمر ...![]()
\
هذا .. ونلقاكم مع الفصل المقبل قريباً لو شاء الله وسمحت لنا الضروف
بحفظ الرحمن حبيباتي![]()
اخر تعديل كان بواسطة » Miss saw في يوم » 29-11-2013 عند الساعة » 13:12
أن تركت أكثر ما تحب لفترة طويلة، ستجد صعوبة بمواجهته عند عودتك.
ستحتاج لدفعه تسبب التصادم !
مرحبا حجز ولى عودة باذن الله كالعادة يا عزيزتى مبدعة و ليتنى اجد كلمة مناسبة اكثر لكى يا غالية فى امان الله![]()
أعطيكِ حجزاً
~
~
هل أستطيع البكاء ؟
قلبي الصغير لا يتحمل
ومتلهفة للبارت الجديد
<<<روحي اقلبي وجهك مختفية عن المنتدى ماياقرب السنة فااخر مرة قرأت فيها كان البارت الثاني والعشرون
لتعود وتجد ماشاءالله لاقوة الا بالله البارت الثاني والثلاثون
يعني جاية وقارئة عشرة بارتات ماشاءالله متواصلة وبرضو جيعانة تبغى البارت الجديد
والله سلمت أناملك وأفكارك وإلهامك الذي حرك وبعثر كياني ومشاعري وقلبي![]()
اخر تعديل كان بواسطة » Miss saw في يوم » 26-12-2013 عند الساعة » 15:41 السبب: خطأ فنّي =_= , وين صاير زرّ الاقتباس ي جماعة *_*
عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)
المفضلات