يُرى لو أنك بدأت من الكتاب والسنة دون تأويل أو تعطيل أو تمثيل ، وقد كانت كل أدوات التفسير واللغة ومجامِع علم القرآن الكريم قد كُفيِتها ، وأدوات السنة قد استمسكتها ، فلا ريبَ أن القطيعة التي ستفعلها بينك وبين الاجتهادات التراثية من بعض (البعضية القليلة كانت و الكثيرة) فتاوى وتفاسير ، ستكون متغايرةً كليًا مع التراث ، ومتوافقةً كليًا مع الحاضر ، والذي قال: لقد تركتُ فيكم ما لن تضلوا من بعده ، كتاب الله وسنتي ) لا يقصد غير السنة النبوية دون أيّ صبغة تراثية كانت في زمنها اجتهادات ، وكانت لحاضرها مقبولة. ودون أي اجتهاد في تفسير القرآن الكريم وجعْل كتب التفاسير تضاهي لفظًا أو معنًى أو فعلًا أو اعتقادَا القرآنَ الكريم .. إنه لا شك ، لا يُقبلُ الالتزام بفهم التراث ، أو بفهم صياغة التراث للسنة والكتاب ،بجعله أساسًا تقف عليه السنة والكتاب ، أو لا يُستطاع الاجتهاد في الدين دون امتلاكه ، وتعطيل العقل وتفنيد النقل ، .. ويبدو لو أننا التزمنا الحقَ في استمساكنا بالحديث النبوي وإعطائه صدى الحاضر ، لكان بلا ريب هو المنقذ الوحيد لنا ، وفسَّرْنا القرآن الكريم تفسيرًا حديثًا ، على الأقل في آيات التي لا تنصُ على أمور الشريعة من الصلاة والزكاة مما يُفنِّدْ أي تأويل لها ، كان ذلك بداية مشروع نهضة .
ومَزْمَعٌ ، أنا لو رُددنا إلى قرن من قرون السابقين ، لاجتهدنا كما اجتهدوا ، وفسَّرنا كما فسَّروا ، ورضينا أيضًا كما رضوا. وإنما الفهمُ التراثيّ للتراث(كقول الجابري) أغفلنا في مواضع كادت أن تعيها أوساط الفكر وتستمر استمرارًا لا كسل فيه ولا زهو ،ولكن كثرة النقل دون التبصر ودون الضفر بالحق ، الذي هو الأحق أن يُّتبع ، رمتْنا في خمولٍ طويل ،واستئناسٍ للقديم وطمأنينةٍ له ، دون تفكر و دون تبصر لكثيرٍ منه، وجعل بعضٍ من الاجتهادات إلى فرْضها فرْضًا غليظًا ، أدخل وأشكل ، وأبدل وأغفل ، ونزع وزرع ، وحصدنا ذلك كله .
ليس في التراث كالقرآن الكريم ، صالحٌ لكل زمان ومكان ، وليس نِتاجُ أناسٍ في زمانٍ من الأزمان ، صلُح إلى أبد الآبدين ، وليس استيراد الثقافة الغريبة ، أو الدخيلة في مواضعَ أُخرْ ، ستتشكل تشكل الثقافة الراتعة بين أبنائها ممن تُخالطهم هذه الثقافة راسخةً مجبولون عليها جبلةً ، ويُبصَرُ في أفق الإنسان ، الاختلاف مهما اتُّفِقْ ، وذلك يحكم بين ثقافتين ستتخالفان خلافًا ليس يسيرًا ، ولهذا ، ولجعل الراتعون بين ثقافتهم التجديد فيها ما استطاعوا ، ويُحاكوا تجارب الأولين والآخرين ما قدِروا ، ولو بشق تمرة .





اضافة رد مع اقتباس





المفضلات