وتراهم كيف يغيرون مواقعهم و أليكسس يتفحص الخرائط و يتحدث مع القائدين الغريبين بهمسات لم تسمعها أو تفهمها .. ثم مضى وقتٌ ثقيل وهي ترى القمر ينتصف بكبد السماء و يختفي تارة بين الغيوم الرمادية..
شعرت بالدوار ثم بالتعب و النعاس , فترنح جسدها قليلاً وهي غير قادرة على ابقاء عينيها مفتوحتين , شعرت بها الفرس و توقفت عن السير , توقف "آينـوس" كذلك فجأة و انتبه أليكسس وهو يلتفت خلفه , نادى وآيترس ليصبح بمكانه وهو عاد بسرعة إلى حيث سيلفرين...
لم تستطع أنابيلآ فتح عينيها متمتمه بتعب : اعتقد بأني.. غفوت..
هبط أليكسس من حصانه ثم ليساعدها على الهبوط همس : أعلم هذا أميرتي.. تعالي لترتاحي..
سمحت له ليحملها والحراس يقربون العربة بسرعة , صعد بها و قام بتغطيتها جيداً , ثم قال للحارس : أخبر النائب بأني سأرتاح قليلاً أيضاً..
راقبها نائمة بعمق ثم تمدد على الكرسي المقابل و بقيت عينيه معلقتين عليها حتى أطبق عليهما الظلام ببطء و ثقل , ربما فعل هذا لعله يعيد ذكرى تلك الليلة التي لا يعلم كيف فاته كل ما جرى , لقد استيقظت قبله و هو استيقظ على همسها و وجهها البريء الجميل كوردة متفتحة تحت ضوء القمر , ربما سيحدث هذا مجدداً , كم أَحَب هذا...!
لكن صوتاً ما أزعجه بعد فترة من الزمن.. ليفتح عينيه بضيق , كان وآيترس عند باب العربة التي لا تزال تسير ببطء والظلام لا يزال مطبقاً بالخارج..
_ سيدي القائد , عليك ان تستيقظ , اقتربنا من مركز القوات الرئيسي و كذلك من قصر النبيل , والشروق بدأ بالظهور..
تحرك بحذر وعينيه إلى الأميرة التي لا تزال نائمة : حسناً , أخفض صوتك وآيترس الأميرة نائمة..
_ آسف جداً , لكننا أوشكنا على الوصول.. سأجلب لك بعض الشراب.
فتحت أنابيلآ عينيها لاحقاً على أصوات متعالية , و شقشقات العصافير وهمسات الأشجار بنسائم الفجر الباردة.. ,
تمطت ثم تلحفت بالغطاء و فتحت باب العربة , ألتفت أقرب الفرسان كان يقف عند الباب على قدميه و رآها ليهتف :
_ لقد استيقظت الأميرة..
هبطت غير مصدقة وهي ترى القصر الشامخ والحدائق الواضحة أمامها , هي تعرفه.. اقترب أليكسس قائلا بهدوء :
_ صباح الخير , لقد وصلنا . هل نمتِ جيداً ؟.
ابتسمت له وقلبها يدق بضربات قوية من السعادة والشوق لرؤية "ريموس" : آه , صباح الخير.. هذا قصر ريموس..
أومأ : سندخله الآن..
التفتت وهي ترى نصف الفرسان يغادرون مع القائدين إلى الجانب الآخر بسرعة , همست : هل هم يغادرون..؟!
رد بهدوء وهو يمد ذراعه لها : سيسبقونني إلى الموقع فقط.. لتصعدي مجدداً أنابيلآ لقد فتح الحارس البوابة.
توقفت العربة تماما أمام باب القصر الداخلي , فخرجت الأميرة منها قافزة وهي تراه , "ريموس" الحنون الطيب والذي انقذ حياتها و منحها دفقاً من الدفء والحب لا لأي شيء لكنه أب !. وقد فقد ابنته و زوجته و فجأة ظهرت له أنابيلآ .. التي فقدت الكثير..!
ارتمت بين ذراعيه المفتوحتين لأجلها وهي تكاد تبكي , ضمها لقلبه هامساً لها بالأمان , وأن لا أحد يستطيع اذيتها وهي معه..
نزل أليكسس من آينوس وهو ينظر إليهما ببسمة شاحِبة , ليس عليه القلق إن مات.. هنالك شخص آخر يحب أنابيلآ وسيعتني بها..
همس له نائبه "وآيترس" منتشلا إياه من أعماق تفكيره : سيدي , يجب أن نغادر مع حلول الظلام..
أومأ الأمير الشاب بصمت , وتقدم ليحيي صاحب القصر النبيل و الذي أصر على بقاءه لتناول الطعام والراحة..
رحبت بالأميرة السيدة "لوفـر" وابنها آيفرون الذي أخذ يقفز مرحاً من شدة السعادة لرؤيته أنابيلآ.. دخلت الغرفة التي مكثت بها قبلاً أخذت حماماً ساخناً و بدلت ثيابها لترتاح قليلاً ثم لتهبط إليهم.. لكن ما أن خرجت إلى الممر حتى رأت "ريموس" ,كان قادماً لرؤيتها..
ابتسمت بخجل إليه وفجأة بدأت تشعر بأنها تفرض نفسها هنا بقصره , اخفض عينيها اللتين بلون الذهب بذنب , لكنه اقترب منها هامساً برقته و حنانه الذين يسيلان الجليد :
_ لم استطع الراحة أبداً منذ مغادرتك, قلبي بدأ يضخ أخيراً لرؤيتك يا ابنتي..
امسك بيديها بين يده و مسح على رأسها بيده الأخرى , تمتم : الجميع يتساءل أين غادرتنا , لكني أخبرهم بأنك ستعودين , رغم أنني نفسي لم أكن واثقاً , لا أريد أن أشعر بأني أخسر ابنتي مجدداً.. اعتبريني والدك أو عمك.. أو أي شخص , لكن لا تبتعدي كثيراً عنا..
بكت وهي تسند رأسها على صدره الدفيئ , همست بشفتين ترتجفان : أريد البقاء معك.. لا الابتعاد..
لكن كيف وهي يجب أن تغادر !, هذه الفكرة قطعتها بالأعماق.. يجب أن تنهي كل شيء كي ترتاح.. حتى لو كانت نهايتها هي..! , توسلت بقلبها أنها لو ماتت ليدفنها ريموس في هذه الأرض الدافئة , قريباً منه..!!.
مسح عليها برقة : لا تبكي يا صغيرتي.. لي عليك ان تبتعدي , أنا سأحميك من كل شر.
و اخيراً حل وقت العشاء , وجلس على الطاولة , الأمير "أليكسس" ونائبه والنبيل "ريموس" بجانبه أنابيلآ ثم جانبها الآخر الصبي "آيفرون" و والدته.. لم يتحدث أحد كثيراً.. ولاحظت الأميرة بأن أليكسس لا يأكل كثيراً كان شارد الذهن جامد الملامح..
في النهاية نهض و معه وآيترس طبعاً و اعتذر ليخرج , خرج معه "ريموس" إلى حيث البوابة , شاهدتهم يتكلمون كثيراً من بعيد تراه خيالاتهم في الأضواء الخافتة , لا تدري بما يتحدثون.. لكن قلبها ظل يضخ بقوة , لا يعقل بأن أليكسس سيغادر الآن...!
ثم افترقوا , وبقي أليكسس واقفاً وحده بالظلام و عباءته تتطاير من حوله , دخل ريموس القصر بصمت , و حدقت أنابيلآ بعينيه , اقترب منها و ابتسم بشحوب , ثم همس : هم سيغادرون الآن, أتودين وداعه..؟ قال بأن لا أخبرك. لكني أظن بأنك تعلمين مسبقاً..
طرفت بعينيها اللامعة ثم أومأت كالخرساء.. خرجت بسرعة دون معطفها رغم برودة الجو.. نظرت حولها في الأركان المظلمة و الأشجار الساكنة ولم تجده , خرج الهواء أبيض متكثفاً من شفتيها وهي تهمس : أليكسـس..؟!
التفتت لتسير بسرعة إلى الجانب الآخر , لكنها اصطدمت بشيء صلب افقدها توازنها و كادت تقع , لولا أن ذراعين امسكتا بها , شعرت بقربه وهو يهمس مندهشاً : " أنابيــلآ..!! "
رفعت رأسها إليه و تنفست بصعوبة وهي بالكاد ترى ملامح وجهه وعينيه اللامعتين : أنها أنا.. و إلى أين أنت ذاهبٌ الآن !!.
وبخته بحِده بجملتها الأخيرة والدموع تغزو عينيها الذهبية , ذهابه الآن سيفسد خطتها.. وسيغمر القلق الشديد قلبها..
ظل ممسكاً بذراعيها رغم أنه خفف قبضته القوية كثيراً , كان يحدق بها طويلاً دون أي حرف فقط أنفاسه تتردد بسرعة أمام وجهها.. ارتجف صوتها بحزن وهي تهمس : تمهـل أرجوك..
_ أنابيـلآ سأعود قريباً , أرجوك أن تكوني سعيدة هنا..
همس ببطء , هزت رأسها وقد بدأ الضعف يطرق جسدها حتى عظامها .. تذكرت قصة القائد الذي مات و آينوس يدور حول رأسه..
وبدت كأنها صورة أليكسس ميت مضرجاً بالدماء و الحصان يبكي صاهلاً حول جسده.. بكت منهارة :
_ لا تذهب.. أرجـ..ــوك..!!
قرّبها منه ليحيطها بهدوء ويلفها بعباءته , همس قرب اذنها : سيكون كل شيءٍ بخير.. ستعيشين براحة آنــآ..
أغمضت عينيها بقوة والدموع تسيل , يجب أن تنفذ خطتها الليلة أيضاً , لا مجال للتأخير.. من عليه أن يجابه الخطر , هي..!
هدأت فجأة وهو يمسح دموعها بيديه ذات القفاز الأسود , مس وجنتها و تأمل عينيها طويلا , ثم ابتسم برقة , طبع قبلة خفيفة على رأسها و رافقها حتى الباب و تحت الأضاءة همس بعمق وعينيه تعانقان عينيها.. بينما يديه تشدان على يديها قليلا : انتظريني قليلاً فقط.. لأني سأطلب منك شيئاً أخيرا عندما أعود..!
تراجع خطوات نحو الخلف للظلمة , ثم سحب يديه من يديها أخيراً.. وفراشة ليلية سوداء تطير من فوقهما..
... تم الجزء 21 ^^ /




اضافة رد مع اقتباس
<< هل كنتِ تنسيقين قبلاً أصلاً
!؟؟!
, خاصة جزء دايمند و غاردينيا
!! 




















المفضلات