ظل والدها يحيطها بأمان و يهمس لها مهدئاً و مقبلاً رأسها , همس عندما هدأت أخيراً :
_ آووه يا حبيبتي ها أنت معي.. لا تخشيّ شيئاً..
عندما أصبحوا بمجلسهم الخاص , دخلت زوجة والدِها "كآميلآ" أم "ليلياك" بسرعة و عانقتها بحب ثم أمسكت بوجهها بين يديها الناعمة هاتِفة : شكراً لله !!. لقد عدتِ إلينا..!
ثم ضمتها مجدداً , تمتم الملك ببسمة شاحِبة : كاميلا لم تكف عن الدعاء لعودتِك حبيبتي..
وبعدما هدأ الجميع , قالت مارسيلين بأنفاس مخطوفة وهي تضع يدها على قلب والدها :
_ أبــي , أرسل لي فالكوس هناك.. هل شفيت من جراحك..؟!
حدق الوزير بصدمة وهمس : أنا ..أرسلتُ ماذا ؟!.
التفتتْ الأميرة إليه بعيون واسِعة و همستْ بتوتر : أ.. ألم ترسل إلي.. رسالة تـ... تخبرني بأن أبي آ.... !
هز الوزير رأسه نافياً ومندهشاً , ثم رفع عينيه إلى الملك.. الذي تنحنح بتوتر و تمتم بذنب طفيف :
_ لقد... لقد أرسلتُ أنا هذا.. حسناً , سبقتُ فالكوس ذات ليلة إلى برج الحمام و لكني لم أجد شيئاً كنت أشعر بأنك بخير وسترسلين إلي , بقيت مستيقظا حتى اشرق الفجر و رأيت نسراً أبيض على شرفة غرفتي الخاصة..
ابتعدت عنه قليلاً لتنظر بعينيه بصدمة , تابع الملك بعبوس : كانت منِك.. و كنتُ أقُبلها شاكراً , أردتُ عودتك بشدة.. أردتُ رؤيتك و ضمك بين ذراعي يا طفلتي.. كنت مرعوباً مما جرى..
قال الوزير "فالكوس" وهو ينهض : لقد زورتَ خطي يا مولاي , ..همم اسمحوا لي بالمغادرة..
و كذلك اعتذرت الملكة لتغادِر قليلاً , لأحساسهم بخصوصية ما يجري بين الملك و ابنتِه التي لا تزال عينيها متوسعة دهشة :
_ لقد.. كتبتَ رسالة لي مدعياً أصابتك بخط فالكوس..؟! أهذا صحيح ؟!.
تمتم الملك بضيق وعينيه لامعة بالحزن : حسناً .. لم .. أقوى على فِراقك طويلاً يا صغيرتي.. لقد مرضتْ حقاً لغيابك.. مارسيل.
شهقت مارسيلين باكية وهي تضمه بقوة مجدداً : آووووه أبـــــــي سامحني... أحبك كثيراً , لن اختفي إلى أي مكان...!
عانقها بحب شغوف أبديّ , حب الوالد .. كيف يمكنه أن يترك طفلته تكبر للحياة , أبداً لن يتحمل أي أب هذا.. أنه لن يترك طفلته وهي لن تكبر أبداً , ولن تهيم بالحياة الصعبة وحدها.. أنها قطعة من قلبِه , أنها الجوهرة الأهم التي لا يمكنه الانفصال عنها..
همس فجأة وهو يحتضن وجهها : ولكن.. كيف جئتِ لوحدِك... وأين كنت ومالذي حدث؟!
هي لم تنسى "سيدريك" ولكنها لن تذكره مالم يسأل والدها , لذا قالت بهدوء : لقد كان معي .. سيدريك.. ؟
_ سيدريك ؟!... سيدريك من ؟!
_ أبـــــــــي !! , سيدريك لاندآر.. لقد ساعدني كثيراً و حرسنّي.. لقد أوصلني حتى بوابة القصر !.
حدق بها والدها بصدمة , و ظهرت بعينيه جلياً أنه يتذكر "سيدريك" بالفعل... توترت الأميرة محدقة به , ما ستكون ردة فعل الملك ؟! تجاه شخص قد نفاه من مملكتِه ..؟!
_ سأرسل له رسالة شكر , وليعود من حيثُ أتى !.
هتفت مارسيلين وهي تقف بضيق شديد : لا يمكنك فعل هذا أبي.. أ... أعني.. أنه متعب و.. يجب أن يرتاح بعد هذه الرحلة الطـ..
_ و كذلك أنتِ صغيرتي.. لا شك بأنك في غاية الأرهاق..
توسلت برجاء باكي : لا يمكنك أن ترسله بعيداً , أعني.. سيدريك شخص قوي و في غاية الاحترام يجب أن تتحدثا.. أرجوك..
هز الملك رأسه متمتماً : حسناً سوف أرى هذا غداً , هيا يا حبيبتي لتأكلي شيئا دافئاً و لترتاحي كثيراً..
هتفت و والدها يلتفتُ بعيداً : أبــي ! , لقد أنقذ حياتي.. مرات عديدة..!
فقط نظر نحوها بشكل هادئ غريب , أومأ فقط لأجل أن تهدأ انفاسها المتسارعة ونظراتها المتوترة..
نزلت مارسيلين مسرعة ما أن افترقت قليلا عن أباها إلى ساحة القصر و سألت بنفس مقطوع أقرب الحراس بينما خادمة تلحقها هاتفة بأن عليها أن تبدل ثيابها و تستعد للراحة :
_ أين هو سيدريك ؟!
_ أتقصدين اللورد الذي أتى معك سيدتي, أنه في الاسطبل الملكي من هناك يطعم حصانه..
ركضت مارسيلين إلى حيث مرابِط الخيول , و وجدته يمسح على خيله بيده وعينيه خاويتين في الفراغ , واقف في الظل والشمس قد بدأت تزول كان بملابِسه نفسها , ألقى فقط بعباءته على السور ثم أخذ يعتني بالخيول يطعمها و يسقيها ويمسح عنها العرق..
_ سيــدريك..
هتفت بتعب , التفت إليها هامساً ببسمة لطيفة جانِبية : سموك , هل التقيتِ بالملك , كيف هي حاله ؟!
_ إنه بخير جداً , كما أنه خادعنا بالرسالة. لكننا جميعاً بخير الآن و سعداء..
أومأ بتهذيب و عاد ليمسح على حصانه , جاءت من جانبه و تطلعت بعينيه البعيدتيّن بحزن , همست :
_ يجب أن ترتاح , لقد مررنا بالكثير.
لكنه تمتم بهدوء شديد : لكن ..يجب أن أغادر ما أن يرتاح الحصان قليلاً.
صرخت بقوة : لا !!.. , ثم تمالكت نفسها قائلة بضيق شديد : لا تغادر لما تفعل هذا والدي يريد الكلام معك غداً.. سيدريك أرجوك..
ضاقت عينيه الغامضتين قليلاً و التفت ليرنو نحوها بهدوء , همس بأدب :
_ لكني منفي من هذه المملكة , الملك أمر بهذا.. علـ...
قاطعته باكية وهي تلوح بقبضتها الصغيرة تكاد تضربه بصدره : لا ! لقد قلت بأنك لن تتركنّي أبداً.. تذكر هذا.. لقد قلت هذا...!!
أخذت تشهق أنفاسها بصعوبة و شفتيها ترتجفان , إن ذهب سيدريك الآن , فهي لن تقدر على رؤيته مجدداً أبداً .. لا يجب أن يحدث هذا..!, لن تستطيع أبداً لقياه مجدداً..
_ لا تتركني !!.. قلت بأنك لن تتركني.., سيدريك.. أرجوك..
بكت أمامه وكأنها تشعر بأنه لن يبال بما ترجوه باكية يائسة هكذا.. ربما تفيق غداً لتجده قد رحل..! , بعد كل ما فعلته , بعد كل ما حدث معهما و المخاطرة التي ألقت بنفسها بِها , لقد جازفت بكل شيء لأجل أن تبحث عنه هو.. أن ترى عينيه , وبعد أن فعلت كل تلك الأشياء المجنونة , اخترق حب سيدريك قلبها بقوة هزت كيانها , عصبتْ عينيها قليلاً فقط لأجله , و أدركتْ أشياء لا يدركها أي انسان , مشاعر متخبطة كثيرة تدفقت دفعة واحدة بروحها.. وان ابتعد هو .. كل هذا سيذبل مشاعرها ستموت و تتفتت لتختفي مع الرياح..
كتمتْ انفاسها فجأة و بردتُ دموعها وهي تطرف بعينيها بسرعة بعدما مست يد سيدريك الباردة وجنتها لتمسح خط الدمع الساخن برفق ناعم رقيق كطرف ريشه..
همس إليها بصوتٍ دافئ أذاب جليد الخوف حول قلِبها : لن أتركك , سأبقى مادمتِ بحاجتي.. لكن , أرجوك ألا تبكي بسببي..!
_ أني بحاجتِك دوماً !! " صرحت بسرعة و قلق أن يتخلى عنها.. سوف ترمي بنفسها إلى الجنون..!
انحى رأسه قليلا إليها و همس بدفء : اعتقد هذا أحياناً , سأبقى حتى تشيري إلي بالذهاب بعيداً ..
كادت تبكي مجدداً وهي تهمس : لن أفعل..! , أطلب منك أن تبقي قربي إلى الأبـد...!
رفع يدها إلى شفتيه فقط ثم أغمض عينيه الساحرتين.. ابتسمت دون أن تشعر محدقة بوجهه الخيالي مست السعادة روحها بكلماته العذبة النقية , اقتربت قليلاً منه و احاطت وسطه بذراعيها بخفة همست شاكرة : آووه سيدريك..
_ أميرة مارسيلين..؟!
انتفضت بعيداً عنه بسرعة و التفتتْ محدقة بالوزير فالكوس الذي قدِم بنفسه , نظر بشك طفيف إليهما ومن خلفه حارسين
, مد يده إليها قائلا برقة : رافقي الحراس للداخل سموك كي تأكلي مع الملك والملكة , أنا سأرافق اللورد إلى جناح الضيافة بنفسي.. يجب أن تخلدوا للراحة سريعاً.
أومأت بصمت ثم ألقت بنظرة أخيراً إلى سيدريك الهادئ بلا أي تعابير, التفتت ثم غادرت مع الحراس وقد اكتشفت أنها بغاية التعب و الارهاق الآن..
....
المفضلات