تلوت بمكانها بألم وهي تركض بممرات صخرية بلا نهاية , مظلمة موحشة و طويلة جداً , الكثير من الوحوش و القتلة يلاحقونها , لا تعلم كم مر عليها من الوقت , لكن الكثير وهي لا تكاد تشعر بساقيها من شدة التعب ,لمحت نافذة صغيرة جداً وبعيدة للغاية مضيئة في نهاية الممر الطويل..
أرادت أداركها , هذا المنفذ , الخلاص..
لكن شيء ما أمسك بقدمها , فاختل توازنها فوراً و وقعت أرضاً بشدة .. تأوهت والممر يطول فجأة والنافذة تختفي ببطء..
_ لا... لا , لاااا...!!
قفزت عليها كل الوحوش والأشرار , وهي تشعر بثقل رهيب و حرارة تغزو جسدها بأكمله..
صرخت مجدداً : لا.. ربااه.. !!!
لكن عندما اطبق الظلام مجدداً على عقلها , احتاج جسدها موجة باردة رطبة , انتفضت برعب , لكن طردت الحرارة بعيداً , وشيئاً فشيئاً و ببطء.. شعرت بالراحة و الهدوء , حتى أن الكوابيس لم تعد تلاحقها..
مضى وقتٌ من السكينة والجو المريح , لم تكن تشعر بالبرودة ولا بالحرارة , رغم بعض وخزات ألم في ظهرها..
سمعت همسات تأتي من وقتٍ لآخر , لكنها أصبحت أكثر وعياً وهي تسمع صوتٌ ناعم رقيق يناديها :
_ أنابيــلآ.. هيا صغيرتي تشجعي..
غمرتها السعادة حتى قلبها وقد تعرفت للصوت , فتشجعت بالفعل و حركت جفونها بصعوبة لم تدركها , ثم تأوهت بتعب :
_ لا تتركني..!
_ لن أفعل أبداً..
شعرت به يمسك بيديها معاً , فابتسمت وعادت للهدوء والظلام الدافئ.. , لم تكن تتذكر ما جرى جيداً في الآونة الأخيرة , لم تتذكر ما فعلته, كان عقلها مشوشٌ جداً , وكل الأحداث المخيفة التي مرت بها تتشكل كالكوابيس تلاحقها من حين لآخر , لكنها اختفت الآن و وعيها يعود... آخر حلم في هذه الليلة , رأت "أليكسس" وشعرت بأنه حلم مختلف وليس كابوساً.. كان يبدو حزيناً يائساً.. وقد التفت بعيداً عنها.. لم تستطع الاقتراب و سؤاله..
طرفت بعينيها كثيراً بتعب وهي تحدق بالسقف المرتفع المزخرف , احتاجت لدقائق كثيرة حتى تتذكر هذا المكان , أنها غرفتها في قصر "ريموس كآسيل" !!!
زاغت عينيها فجأة وقد تصاعدت في رأسها كل الذكريات و ما جرى حقاً..!
لقد ركبت على "سيلفرين" و عادت للقصر و كادت تقتل ثم بدأ الهجوم , أليكسس دمر القصر بمن فيه فوق رؤوسهم !.
لم يدرك بوجودها أولاً , ثم رآها , لكنها هي... لحقت به... الوحش الذي كان يلتهم سعادتها وسنوات حياتها التي يفترض بأنها أجمل السنوات !!.
لقد كان على وشك قتل أليكسس , لكنها هي... آآخ , شعرت بوخز طفيف في جانب ظهرها الخلفي ولم تتحرك..
توترت برعب , لكن.. الفرس , سيلفرين أصيبت أيضاً..!!, لا تدري مالذي جرى بعدها.. هل أصيب أميرها.. ربما مات أحد ما ؟!!
نهضت متألمة و لكن فجأة فتح باب الغرفة , سكنت وهي تنظر في عينين عسليتين داكنتين شبيهتين بعينيها بشكلٍ ما , ظهرت ابتسامته الشاحبة وسط تجاعيد فمه الوقورة , التمعت عينيه بفرح حين التقت بعينيها..!
شهقت باكية وهي ترفع يديها الهزيلتين : هل هذا حقيقي..!؟
اقترب منها سريعا ليأخذ رأسها في صدره يضمها بحنان دافئ , مسح هامساً : يا ألهي استجيبت دعواتي.. حمداً لله..
بكت أنابيلآ , وقلبها تغمره السعادة لرؤية ريموس بخير..!
سألته بعدما هدأت انفاسها : مالذي حدث..؟!, وهل سيلفرين بخير ؟,وكيف وجدتـ...!
قاطعها بلطف وهو يقدم لها الماء : سأحدث بكل شيء , لكن أولاً سأخبر السيدة أن تجلب لك الطعام..!
رفضت أنابيلآ بتوتر : أرجوك, هل أليكسس بخير , و سيلفرين ماذا حدث لها ؟!
همس ببسمة حزينة : كلاهما بخير , الفرس تتعافى جيداً , وقد نهضت على قدميها قبلك بيومين..!
اتسعت عينيها صدمة , سألت بخوف : منذ.. منذ متى وأنا نائمة..؟!
_ لقد نزف جرحك كثيراً صغيرتي , كنت بوضعٍ حرج , واغشي عليك لثمانية أيام , قطع الأمير البلاد كي يجلب لك الدواء.. لكن الجميع بخير الآن , لقد انتهت كوابيسك يا فتاتي العزيزة..!
ضم جسدها الرقيق إليه داعماً وهي تتمسك به باكية مرتجفة : لا أصدق.. لا أصدق..!!
قبلها على رأسها مهدأ وقال : لقد انتهى كل شيء بالفعل , لقد مات هو !, وأنا سأحميك دائماً , لن أجعل للخوف طريقاً إليك..!
أقفلت عينيها بقوة لتسيل الدموع , همست تتساءل : و.. أليكسس..؟!
مسح على كتفيها راداً : الأمير بخير يا صغيرتي , كلنا بخير..
بعدما عادت للهدوء دخلت السيدة "لوفر" مندهشة و سعيدة , جلبت لها أنواع الطعام الشهي و المفيد , ثم خرجت لتجعلهما يتحدثان بارتياح أكثر معاً , شرح لها ريموس ما حدث بشكل مختصر مفيد لها ..
بكت بخوف وهي تضم يديه بين يديها الضعيفتين : لقد عرضتكَ للخطر , سآمحني أرجوك.. أرجوك..!
لم تستطع أن تهدأ وأن تتخيل مكروهاً قد أصيب به "ريموس" الذي لحق بها , أو "أليكسس" , رفع يديها يقبلها برقة ويتمتم :
_ اهدئي أنابيلآ يا صغيرتي , لم يكن هناك من تعرض للخطر سواك.. لقد لحقت بك دون أن أعلم برسالتك , كنت أشعر بما تريدين القيام به , كنت تريدين جعلي وحيداً..
وألتمعت دموع خفية بعينيه العميقتين, انحنت لتضمه مجدداً باكية متمتمه : آسفة حقاً , ولأنني أحبك جداً لم أرد تعريضك للخطر.. سآمحني..
رد هامساً برقة : وأنت قد تملكتِ قلبي يا صغيرتي , منذ أن وجدتك , لستِ تملكين شيئاً لأسامحك عليه , لكن أتمنى أن تبقي بأمان هنا معي..
بكت بحرقة وهي بالكاد تتحدث : لقد أردت دوماً أن أبقى هنا , أن ألجأ إليك , كنت وحيدة جداً..
أخذ يكفكف دموعها بيديه و همس برقة و حنان : هذا يكفي أنابيلآ يا عزيزتي , أنت لست وحيدة أننا جميعاً معك ,وأنا بكل كياني سأحميك , سأبقى بجانبك مهما تقلب الزمن سأمسك بيدك , وسأبقى جالساً عند سريرك حتى تغفو عيناك كل ليلة .. اسمحي لي بهذا أرجوك , أن أناديك بابنتي !.
شعرت وكأن جناحين من الدفئ والنعومة تغمر قلبها المسكين , وكأن أحلامها المحلقة البعيدة وقعت فجأة بين يديها , اجهشت بالبكاء طويلاً , حتى وهو يهدئها لم يستطع منع عينيه من ذرف دموعٍ حارة..
بعدما تناولت القليل , عادت مجدداً للراحة وقبل أن تطبق عينيها , سألت بهمس ضعيف :
_ هل أليكسس هُنا..؟!
لم تسمع الجواب جيداً , نامت مجدداً بهدوء ..
.... .... ....
أخذ يركض بـ "إينوس" حتى أبواب القصر الداخلية , فتحت كلها بكبر مصراعيها , وابتعد الحراس بسرعة شديد و الفارس و حصانه
يدخلون ردهة القصر مباشرة و كأنهم يقتحمونه اقتحاماً , بينما غباره واتربته تملء المكان , قفز من الحصان وهو يهتف بالحراس :
_ دعوه هنا.. لا أحد يمسه..!!
ولم يقترب أحد من الحصان بالفعل , أخذ أليكسس يركض بسرعة رهيبة صاعداً الدرج الرئيسي إلى أعلى القصر , بينما يسمع حوله شهقات و همسات الحرس والخدم المصدومون بعودة الأمير الذي ظنوا بأنه قد تبرأ من المملكة كلها , كاد يصطدم بأحدهم خارج الجناح الملكي للملك نفسه..
طرف الصبي ذو الملابس الملكية بعينيه الزرقاوين و تمتم بصدمة :
_أليكسس ؟!!
أخذه أخوه الأكبر بعناق سريع مشتاق , ثم وضع يديه على كتفيه وهو ينحني قليلاً , ليقابل عيني أخيه الأصغر رغم أنه في الخامسة عشرة لكنه بدا أكثر ثباتاً وهدوءً بشكلٍ واضح , همس له بعيون متوترة :
_ إذن , أمي وأختي بالداخل !!.
أجاب الصبي بملامح جامدة وعيون جدية : أجل , لكن ليلياك غادر قبل أيام قليلة.. ليس هنا من أحد غيرنا و غير المستشار الملكي ..!
تلفت أليكسس حوله قليلاً ثم عاد للنظر في وجه أخيه ليهمس بقلق واضح : هل هو.. يستطيع الكلام ؟!
بقي الفتى صامتاً لثانية محدقاً بعيني أخيه بعمق, ثم أجاب بعبوس : قد يفعل عندما يراك !, لكن لا تدخل أخي.. دعه يموت هكذا بهدوء دون أن يبرد دمه بك..!
توسعت عيني الأمير الأكبر حتى أصبحتا كلون سماء الظهر بينما صغر بؤبؤ عينيه الأسود , همس موبخاً :
_ كريستيان ؟!
تمتم الصبي مجدداً لأخيه وعيناه تقولان الكثير : لا تدخل أليكسس , أرجوك ألا تفعل !.. لا تنظر إليه.. لا يهم ما سيفعله بالمملكة , سيعود كل شيء إليك بالنهاية , أخي..!
لكنه استقام بوقفته و طبطب على كتفه هامساً : أشكرك , كريست أنت داعم قوي.. سامحني لأني أترك الكثير من الحمل لك..!
أغمض الصبي عينيه و أخيه يتجاوزه ليسرع بالدخول إلى الجناح الملكي.. دخل إلى الغرفة الأولى سامعاً نحيبٌ أليم..
وجد "كآميليا" واقفة وحدها تحاول كفكفة دموعها ولم يكن هنالك من خدم , اقترب هامساً اسمها , فالتفتت مدهوشة , ثم تأوهت باكية هرعت نحوه شبة منهارة , أخذها بين ذراعيه يهدئها طويلاً طلب منها أن تتماسك. ثم حين هدأت أخيراً , همس بقلب خافق :
_هل أمي بخير ؟!, أهي بالداخل عنده ؟!
تنفست كآميليا بعمق و ألتمعت عينيها مجدداً لتقول بشفتين ترتجفان : أجل , وهناك الوزير الأول و المستشار الملكي.
عبس أليكسس هامساً بغضب : و أين اختفى الحكيم اللعين ؟!!.
_ أليكسس !, هو من طلب منه المغادرة , وظل يصرخ حتى لا يدخل عليه أحد , ثم نادى وزراءه !, أنه يريد.. فعل شيء ما لا أفهمه.. لقد أتينا قبل ثلاثة أيام أنا وأمي.. لم استطع رؤيته يتألم طوال الليل والنهار !
صمت وهو يشعر بأن حلقه جافٌ جداً , والده على شفا الموت لكنه لا يريد عائلته بقربه !. انتابه الألم و لم يقدر على تخيل نفسه بمكانه يوماً , لا يجب أن تكون لحظاته الأخيرة هكذا.. راوده حزن عميق وشفقة عليه. أنه والده أولاً و آخراً , والموت هو سنة الحياة..!
ضم كآميليا التي أخذت تبكي مجدداً بصمت و قبل رأسها عابساً : هذا يكفي كآميلي يا عزيزتي , لا تنسي بأنك تحملين طفلاً , سوف يتألم من بكاءك المتواصل..!
أومأت بحزن ثم همست : سأخرج و أتبع كريستيان , هل رأيته بطريقك ؟!.
أومأ أليكسس بجمود , كريستيان يتصرف بغرابة , أنه هادئ جداً أكثر من المعتاد..! , قام بمناداة الوصيفات كي يعملن على راحة أخته , وطلب من الخدم أن يبقوا هنا دائرين.. عض على شفتيه وهو واقف مسمّر أمام الباب الأخير المفضي لغرفة الملك الخاصة..!
غار قلبه , ليت هنا أحد بقربه , ليته يستطيع أن يبعث برساله إلى "دآيمند" مع وآيترس أو ربما إلى "برآيس", أو إلى مجهول إن كان هذا يشعر بقليل من الراحة, لكنه أبقى مساعدة الأول ومستشاره هناك مع بقية جيوشه كي يحرسوا المملكة التي دمرها بالأمس. ويساعدوا "كآسيل" بأعادة بناءها..
خفق قلبه مجدداً , "أنابيلآ" قد تحسنتْ جيداً بالأمس ألقى نظرة عليها وهي نائمة , وستكون بخير و سترتاح الآن في حياتها من تلك التهديدات التي سلبتها السعادة والأمان طويلاً , "سيلفرين" يعتنون بها أشد عناية وقد عادت للوقوف على قوائمها , لكن يجب أن تبقى هي و أميرته مرتاحتان أطول فترة , تلك الجراح ليست سهلة الألتئام !.
... ... ...
المفضلات