الجزء التاسع عشر [ بين ستائر الظلام , خيوط تتشابك ! ]
قبل ساعات قليلة عندما وقفت الأميرة غاردينيا على العتبات الأولى للحديقة , كانت متحيرة بشأنها , تلك التي ترتدي ثيابا أقرب للعادية أحمر واسع مخملي اللون يعكس لون عينيها الذهبيتين كأشعة الشمس أو كالعسل الصافي , وكذلك لون شعرها القرفي اللون الحريري المظهر بلا أي تموجات مربوط جانباً ببساطة..
تركتها الخادمة بعدما وضعت بعض العصير والكعك و كان هنالك حرس حول المكان , لكن الأميرة كانت تتأمل البحيرة .. تشجعت غاردينيا , رغم مظهر أنابيلآ المنطوي جداً و الهادئ , لكنها رغبت بشدة بالحديث مع تلك الشابة التي تبدو بمثل عمرها تقريبا..
رفعت أنابيلآ رأسها عندما سمعت صوت خطوات ثابتة تقترب منها و نهضت مندهشة قليلا وهي ترى الأميرة الشقراء تقترب بابتسامة هادئة , حيتها بحرارة قائلة : آووه لم أعرف بأن ضيوفنا في غاية التميز , اعذريني لتأخري بالتحية..
ردت أنابيلآ بخجل يصبغ وجنتيها : آوه لا , لقد وصلنا بوقت متأخر جداً.. المعذرة منكم..
جلستا مجدداً و سألتها غاردينيا بلهفة : لا بأس عزيزتي.. لقد قدمتِ مع خطيبك ! لا بد أن نقيم حفلة مميزة رائعة هذه الليلة !.
توترت وهمست بقلق و تردد : آآه ليس عليكم هذا أبداً , أعني نحن مغادرون قريباً و.. أنا لست.. من.. محبي الحفلات !.
ابتسمت الأميرة غاردينيا بحنان : مثلي تماماً , لكن يجب أن نمرح قليلا , ومن يضايقنا سنلقي به خارجاً فقط..
فابتسمت أنابيلآ حتى ظهرت أسنانها الصغيرة– "سيكون كل شيء بخير " تابعت غاردينيا بلطف : والدي سعيد جدا بكم وأنا كذلك , لكن اعذريني لقلة معرفتي بمن حولنا , أني لا اختلط بالمجتمع كثيراً ..
تنهدت بخفية , أنهما متشابهتان , فقد تولدت لديها عقدة رعب شديد من الحفلات و الناس الكثر... انتبهت و غاردينيا تقول:
_ أنا لم أعرفك بنفسي , أني غاردينيا. اعتقد بأن والدي مجتمع الآن مع خطيبك , لقد سمعت به قليلا الأمير أليكسس , وكل ما سمعته كان رائعاً..
كانت أنابيلآ تنظر جانبا إلى الأسفل ببؤس , فشعرت غاردينيا بخطب ما .. أنها لا تبدو خطيبة سعيدة أبداً , فحاولت مجدداً بلطف في أمر آخر : هذا مكاني المفضل في الصباح !.
و الآن ابتسمت اخيراً بشكل بطيء لتقول بهدوء : جميل جداً هادئ و مسالم..
ثم تنفست لتكمل بعيون لامعة وشفتين متوترتين : لقد .. انتظرنا والدك حتى وقت متأخر و قام بتحيتنا بنفسه , كان رائعاً جداً معنا..
_ أبي !.
ضحكت غاردينيا برقة و تابعت : حسنا كما أنه عنيد جداً !, وهو لا يزال شاباً أحاول أن أزوجه بالفعل !.
وهي تتنهد بداخلها بقلق محزن , ربما سأموت قريباً و يجب قبلها أن يجد أبي السعادة , و كذلك أنابيلآ تتظاهر بالبسمة الخالية من كل الهموم , لكن ما تحمله القلوب أمر لا يمكن الاطلاع عليه مالم يسمح صاحبها للسان بنطقه ..!
وقبل وقت الغداء بقليل , هبط أليكسس بنفسه ليحيي الأميرتين وجاء معه "برآيس" وبعض حرس الأمير .. أمسك بيد أنابيلآ قائلا بهدوء لهم : سنمشي قليلا هنا تحت ظلال الأشجار من بعد اذنكم..
وابتسم تلك الابتسامة الساحرة فكادت غاردينيا تضحك بينما كشر برآيس بوجهه قليلا ثم قال بأدب : بالطبع , أرجو أن تستمتعا بوقتكما في الحديقة..
.. وعندما دخلا بين عرائش الأزهار الأخاذة و ظلال الأشجار الجميلة , سحبت أنابيلآ يدها ببطء من يده وهي تقول هامسة بهدوء :
_ هل سار كل شيء على ما يرام؟!.
تنهد أليكسس وهو ينظر أمامه : .. لست أدري , لكني أدعو..
قالت هي بهدوء معاكس لضربات قلبها المضطربة : آه , لا تحمل نفسك الكثير , أعني...
كانت تود لو تقنعه بأمور كثيرة تجول متخبطة بعقلها و أولها أن يدعها و شأنها الآن , لكنه قاطعها بهمس وهو يعود ليمسك بكلا يديها معاً : أنا أشكرك للغاية لثقتك بي أنابيلآ و مضينا معاً بهذا , لم يتبقى الكثير وينتهي كل شيء صدقيني , كما أن كاسيل سيكون سعيدا للغاية بأن تريه مجدداً..
ذكر ريموس طرق بقلبها الحنين , وألتمعت الدموع بعينيها , نظرت نحوه بألم مخفي , و بصوت متوتر : قبل كل هذا... آآ .. هل عليك القتال ؟!. ربما يجب أن... أتحدث إليه...
حدق بها بعيون واسعة, وتوقف مردداً بحده خافته كي لا يسمعه أحد مصادفةً : لا بالطبع !!! , التحدث لن يجدي ! , بعد كل ما فعله بك و تريدين الحديث معه , بربك أنابيلآ ! ما أن يراك حتى... لا نعلم ما سيفعله بك !, وأنا لن أسمح بهذا قط.. لكن أن أحببت رؤية رأسه مقطوعاً فسأجلبه لك..!
تأوهت وهي تنظر بعيداً عنه و صوتها يرتجف : أنت لا تعرفه !, وأنا كذلك لم آ...
قاطعها بنفس الحدة : آووه لا تظني هذا ! , لقد تحريت كفاية عنه , أني أعرف اسمه و أصله كاملاً.. و سأمضي بما أفعله..!
هذا لا يعقل !, أليكسس يصبح أحيانا لا يطاق... ما به يريد القتال فقط...؟! التفتت تنظر نحوه محاولة أن يبدو صوتها أهدأ و أرزن :
_ آسفة لكن ... أنا سمعت ما تكلمت به بالأمس مع مساعدك الثاني , أنك لا تبال بما يحدث بمملكتك الآن .. أنت ولي العهد من بعد والدك , وعائلتك بـ...
تغيرت نظرته وهو يقول بنفاذ صبر و أسنانه تصر ببعضها : آآه ليس أنتِ أيضاً !!. فلتذهب مملكتي للجحيم ! و لن أكون ولي العهد بعد الآن أخي الأصغر سيتولى هذا لا تقلقي على الحكم ! أنا بالفعل ماضٍ في الحرب ! وعندما أمضي أكون وحيداً و لا عائلة خلفي !...عندما أنجح وانتصر فأنني انتصر وحدي و أن خسرت و قتلت فأنني أقتل وحدي , هذه قاعدة معروفة لدينا .. لا مجال لأتراجع الآن مستحيل , ولن أتكلم مع ذلك اللعين الوضيع بل سأقتله فوراً ..
لم تعد ترى وجهه الغاضب جيداً لأن الدموع ملئت مقلتيها , فشهقت قائلة بحده : هل أنت معتوه ؟! , أني أكرهك حقاً أنت لا تستمع إلي ولا تفهم ما يجول بخاطري وأنا مشردة وحيده هكذا بلا عائلة حقيقية ومستقبل مجهول , بينما تريد أراقه الدماء بسببي.. في النهاية أنا لا أعني شيئا كثيراً لك , أننا حتى لسنا أقرباء لتفعل هذا لأجلي... وكل هذا...
قاطعها مهدأ : ليس هذا المقصد أنما...
_ اعتقد بأن الحل آتٍ من عندي ! , قلت بنفسك لا مزيد من الهرب...!
أخذت دموعها تسيل بسرعة رغما عنها وهي تلتفت بعيدا تمسح عينيها بكلا يديها , همس بصوت مضطرب قلقاً وهو يضع يدا على كتفها : ولكن لا بأس بالمساعدة .. أنا يجب أن أساعدك...!
_ لماذا يجب ؟!, لا تشعر بالذنب تجاهي أرجوك !, فأنا ممتنة على كل شيء وليس لك ذنب كي اسامحك عليه..
_ لقد سمحتِ لي بمساعدتك أنابيلآ ..وحتى النهاية , أرجوك المسألة ليست كبرياءً فأنا احترم جداً كل اراءك بـ...
نظرت نحوه بعينين ذهبيتين لامعتين جداً و محمرتي الأطراف , قائلة بصوت أكثر توازناً : ليس هذا , لكني لم أعرف بأنك تجازف حقاً بمكانتك وأنا أعلم أيضا بشخصية والدك الشديدة جداً والجدية , الآن أريدك أن تتركني وحدي.. يجب فعل هذا لأن...
قاطعها مصراً وهو يخفض رأسه قليلا ليقابل عينيها : لا أبداً .. لن أتزحزح الآن عن موقفي من أمامك !...
تأوهت : آوووه أرجوك ! , ستتأذى !!... سيتأذون رجالك ! وربما سيقتل بعضهم... أنتم تقاتلون ملكاً...!!
ارتفعت الدموع مجدداً , ربما سيقتل أليكسس !!, أو يصاب بأذى شديد , وأيضا رجاله لا يعلمون لما بالضبط يجب أن يقاتلوا تلك المملكة و مؤكد بأن لديهم عائلات و ابناء سيفقدونهم ...! , و كل هذا بسببها..
_ استمعي إلي , أرجوك.. لقد قررنا هذا و نحن بأتم الاستعدادات , الجميع مدرب على القتال..
بقي ينظر نحوها بجبين ضيق لأنها صامتة تنظر بعيداً , تنهدت بهمس حزين : هذا كله خطأي !, لو لم أهرب في البداية...
_ لو لم تهربي , ربما لم تكوني على قيد الحياة هنا معي...
تكلم بعبوس جدي , وتابع و أنابيلآ تعطيه ظهرها لتنظر بعيداً : لا مجال للنقاش بهذا أنابيلآ..
_ أنا جزء من هذا بالطبع , و أنت لن تجرؤ على حبسي من أجل الأخطار...!
زفر بحده وهو لا يرى سوى شعرها ونبرتها المبحوحة من شدة كتمان الدموع : لا !, ليس هذا فقط, أنا لم أفعل كل هذا إلا لأجل مكانتك الكبيرة لدي , لا أحد يفهمها لكني أريد حمايتك مهما حدث.. أنت تصدقينني أليس كذلك ؟!.
التفتت تسأله بعيون لامعة وصوت خافت متعب : لا يمكنك فعل هذا طوال حياتي ! , ثم ما المكانة التي تتحدث عنها ؟!. أني لا...
قاطعها بنفاذ صبر وهو يرفع رأسه عالياً : آآه ! بلى استطيع فعل ما أشاء !!. كما أننا لن ننتهي إذا تابعنا هذا النقاش !.
شعرت أنابيلآ بالغضب منه و التعب !, أنه يبدو كمدلل شرير لا يبالي بمشاعر الأخرين ,ويريد فقط أن ينفذ الجميع أوامره..
هزت رأسها قائلة بهمس وهي تنظر في عمق عينيه اللامعتين في الجو الشبة معتم : أرجوك ألا تحاول تضخيم الأمور !.. ببساطة لا ترفع راية الحرب و ترق الدماء !... أرجوك..!
ظل ينظر قليلا نحوها ثم عبس وهو يلتفت بعيداً : لا. السفلة الأنذال يجب أن يقتلوا.
زفرت به أنابيلآ بحده غير مصدقه بروده أمام كلماتها : أنت !, أنت لا تستمع إلي حتى !!, أنك حتى لا تريد أن تجعل كلامي في اعتبارك للتفكير به , تخطط و تمضي فقط ولا يهمك رأي الأخرين ! خاصة أن كان لهم شأن به ! كحالي أنا .. أنا أكرهك حقاً و بالفعل كما قلت النقاش بهذا لا ينتهي ! بسبب عنادك !!.
التفتت بسرعة ثم ذهبت تسير بعيدا عنه بغضب , بينما بقي هو واقف بهدوء ثم تنهد وهو ينظر إلى السماء ..
لكن بعد دقيقة خرج من بين ستار الأشجار المستشار "برآيس" الذي قال بهدوء : هناك آحم .. مشكلة ..!
نظر نحوه أليكسس ويده على جبينه وكأنه يشعر بالصداع : أخبرني شيئا لا أعرفه !.
_ الملك يعد لإقامة حفلة كبيرة لأجلكما , أعني .. خطيبتك أيضا ستخرج للعلن !!
_ أرجوك ! أي شيء إلا هذا... لقد أخبرت الملك بالفعل بأني لا أريد أياً من هذا !.
قال برآيس بعبوس : بما أنك أخبرتني بأمر الأميرة و أن عمي قد وجدها وحيدة في حال سيئة و اهتم بها , فأنا مهتم أيضاً , لكن لم تخبرني بأي شيء قبل هذا.. كيف تعرفت إليها و... أفسدت زفافك وعلاقاتك والكثير من الأمور لأجلها..
رد أليكسس بصوت خافت منحرجاً وهو يتلفت حوله : أنت تقولها بشكل غريب.. أعني.. هذا أمر سري , لقد وعدتها بكتمان السر...
حدق به برآيس بريبه وهمس : أنك تمشي فوق جسر هش أعلى جرف هاويٍ أليكسس , هذا خطير..!
قاطعه الأمير ببرود : نعم .. نعم , هذا خطر و إلى آخره .. لا يهمني , ما أنا منشغل به يجب أن اجتمع بقادة جيشي مساء الغد.. اهتم بأمر ذلك ال... تعرف من أعني... علي أن أحاول الفرار عودة لقصري أنا و أنابيلآ..
لكن برآيس قال متنهداً : لكني أعمل على أمر هامٍ جداً لأجل شخص آخر..!
هز أليكسس رأسه قائلا بهمس بارد : هل أنت في ورطة أيضاً ؟!.
_ هل تمزح معي !, أنا لستُ مثلكما !.. و الآن لما أتكلم معك.. استعد للحفلة فقط... استعدا حقاً جيداً !.
و غادر المستشار بهدوء تاركاً الأمير يتكأ على الشجرة متنهداً بتعب .. على أنابيلآ أن تبدو بمظهر مختلف..!!
كانت وجبة الغداء خاصة جداً , جمعت الملك , وابنته الأميرة غاردينيا , و أمير ميرديلايك , وأنابيلآ بالطبع , تصنعت الابتسام حتى شعرت بالتعب , أحاديث الملك و الأمير مسلية رغم ان نكات الملك قديمة قليلا .. حتى غاردينيا كانت تضحك بتوتر !!.
ثم أرادت أنابيلآ الراحة قليلا , فاصطحبتها للجناح وهما تتحدثان بهدوء عن أمور عادية ..
لكن قبل أن تدلف الغرفة , قالت غاردينيا بمرح : لا شك بأنك لا تملكني فستانا لأجل حفلة الليلة , لقد أخبرت بأنكم أتيتم على عجل , لكني أملك الكثير بخزانتي , واعتقد بأننا بنفس القياس , أظن بأن اللون الذهبي الهادئ يليق بك جدا ,أريد أن أريك خزانتي لاحقا بعدما ترتاحين ^^!!
خجلت أنابيلآ قليلا لتقول : آآه , لا , أرجوك لدي آ..
قاطعها غاردينيا بابتسامة جميلة : لا عليك , سيكون هذا رائعا جداً..
_ آووه عزيزتي , آ.. أشكرك !.
المفضلات