أصبحت كثير من المجالس - إن لم يكن أكثرها- عامرة(بل خربة) بغيبة من يسمونهم "المطاوعة" فتلك الجلسات تخصصت في: أكل لحوم الصالحين، و"الحش بالمطاوعة"، وغيبة المتدينين.. تعددت الأسماء والمسمى واحد.
هذه المخالب التي تحصد أعراض المنتسبين للدين تقدم ما لديها - غالبا- بلغة مشحونة وسخرية لاذعة والتقاط للأخبار من أي مصدر وربما تأليفها أو الزيادة عليها و"فبركتها" حتى تصبح مثيرة للضحك والاشمئزاز((كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع))..
ولعل أكثر الأخبار المتداولة في هذه المجالس إما مختلقة أو مضخمة، وما آفة الأخبار إلا رواتها، ومن يتفكهون بهذه الأعراض يزاولون عملا محرما، فالدين النصيحة وليس لغيبة، فهي ليست من خلق الكرام ولا من سمْتِ الأفاضل:
شر الورى من بعيب الناس مشتغل مثل الذباب يراعي موضع العلل
• • •
إذا شئت أن تحيا سليما من الأذى وحظك موفور وعرضك صيّن
لســـانك لاتذكر به عورة امـرئ فكلـــّك عورات وللـــناس ألـــسن
لا يعني ذلك أن "المتدينين" أو العاملين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المحتسبين أو الموظفين الرسميين فوق النقد، بل هم أولاً وأخيراً بشر يخطئون ويصيبون في أعمالهم وأساليبهم ((كل بني آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون))، ومنع الأنسان من الدعوة حتى يصبح ملكاً مقرباً أو نبياً معصوماً شبهة داحضة:
ولو لم يعظ في الناس من هو مذنب فمن يعظُ العاصين بعد محمدِ
ولو تأملنا جيداً في هذه المجالس لوجدنا أن نقد هؤلاء تزكية لهم:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
ثم إن كل عمل للإنسان يحتمل التأويل ولا يعدم عذراً((احمل أخاك على سبعين محملاً)) لعلّ له عذراً وأنت تلوم.
ثم يقال لهؤلاء الأخوة الذين يتهمون هؤلاء "المطاوعة" بشتى التّهم ما ظهر منها وما بطن:
أقــلّوا علـــيهم لا أباً لأبيكــــــم من اللوم، أو سدوا المكان الذي سدوا
وإن قصّر هؤلاء فأين دوركم؟!!
أيها العائب أفعال الورى أرنــي بالله ماذا تفــــعل
لا تقل عن عمل ذا ناقص جئ بأوفى ثم قل ذا أكمل
ولو فرضنا أن ما يقال في هذه المجالس صحيح، فما المانع من قبول الحق الذي يدعون إليه:
اعمل بعلمي وإن قصرت في عملي ينفعك عملي ولا يضررك تقصيري
و((الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها )).
فالمسلم- بل العاقل- يقبل الحق ممن صدر حتى ولو كان من الشيطان ومصداق ذلك حديث((صدقك وهو كذوب)).
ثم إن سوء الأسلوب وقسوته لا يمنع العاقل من قبول الحق ولو جاء بأسلوب جاف؛ فإن أخطأ الآمر الأسلوب يتحمل
خطأه لكن اللبيب الأريب ينفُذ إلى اللب والمضمون الصحيح، و((نصف العقل مداراة الناس)) فمن أساء الأسلوب تحمل سوء أسلوبه، أما المأمور المنصوح فقد قامت عليه الحجة بوصول الحق إليه.
والخلاصة أن الاحتجاج بعدم الامتثال للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بأنهم لا يعملون بما يقولون أو بشدة
أسلوبهم أو ببعض أخطائهم أو أنهم سذج متخلفون؛ حجج داحضة باطلة وعلل عليلة.




اضافة رد مع اقتباس













المفضلات