هي القدس، مدينة المدن، وبلدة البلدان، يفوح تاريخها عبقا وقداسة، وهي محط أنظار العاشقين، ومهوى قلوب المؤمنين، شاغلة الدنيا، وشاغلة الناس، وهي للمسلمين من أقدس الأقداس، جعل الله حبّها من الدين، والدفاع عنها من الجهاد، والعمل على تحريرها من أوجب الواجبات، كيف لا؟ وقد جاء النّص يقرّر أنّ السير إلى مسجدها عبادة، وأنّ الصلاة فيه تعدل صلوات في غيره، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "لا تُشدّ الرّحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى"، وهل يبقى لقائل قول، بعد قوله جلّ وعلا عن المسجد الأقصى: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا، إنّه هو السميع البصير" [الإسراء: 1]، فقد بارك الله ما حول الأقصى ببركة الأقصى، فهو منبع البركة، ومنهل الخير.هذه هي القدس التي في القرآن، هذه هي القدس التي في الأذهان، أمّا القدس الجريحة اليوم- فوا حرّ قلباه- هي في امتهان، يسومها المغتصب سوء العذاب، يُهجّر أبناءها، ويهوّد أنحاءها، ها هي أقدس أرض وأبركها، يغتصبها أحطّ قوم وأفسدهم، فهل يقبل حرٌ هذا الحال؟ أم يهبّ منافحا، يخاطب القدس، ليسألها، وليلبي من بعد السؤال:
يا قدسُ، يا محرابُ، يا منبرُ يا نورُ، يا إيمانُ، يا عنبرُ
مَنْ لوَّث الصّخرةَ تلك التي كانت بمسرى أحمدٍ تفخرُ؟
والمسلمون اليوم- على كثرتهم- غثاء كغثاء السيل، لاهون، خائفون لا يتحرّكون، كلّ ذلك والقدس تتعرّض لأعتى حملة في تاريخها، فهي تُقضم قطعة قطعة، وهي تهوّد يوما بعد يوم، وهي على شرفها مدنّسة، تستغيث ولا مجيب، تنادي ولا حبيب!
وبرغم كلّ هذا الأسى، فستبقى القدس بالنسبة إلى المسلمين كالقلب للجسد، وكالروح للبدن، عزّهم من عزّها، وذلّهم من ذلّها، وكما فتحها عمر، وحرّرها صلاح الدّين، فسوف يُعزّها المسلمون، الذين لا يرون عنها بديلا، ولا يقبلون عنها تحويلا، ولسان حالهم يقول:
القدسُ في العيونْ نفنى ولا تهونْ
ونحنُ جُندها للنّصر سائرون
ولا مكان اليوم للحديث عن سلام بغير القدس، فأيّ سلام"] هذا الذي ينشدونه؟ وأيّ تعايش هذا الذي يطلبونه، والقدس تحت الحصار، والأقصى في خطر؟ فها هو المسجد الأقصى الأسير يكاد يقوَّض بنيانه من أثر الحفريات تحته، والتي خلخلت أسسه، وأوهنت دعائمه، قصداً بهدف
هدمه لإقامة هيكلهم المزعوم مكانه، ولكننا نقولها بملء الفمّ: أقصانا لا هيكلهم، مسجدنا لا معبدهم.




اضافة رد مع اقتباس






التي لا تتجواز فقط ان يدرس و يتعلم ومن ثم يبني اسرة








المفضلات