16- معركة بيرل هاربر (( Pearl Harbor )) :-
علم اليابانيون أن عنصر المفاجأة و السرعة هما من أهم عناصر الهجوم ، قامت استراتيجيتهم على تجريد العدو من السلاح و تأسيس خطوط دفاعية حول المناطق المحتلة ، كانت خطة اليابان الطموحة تهدف إلى شل القوات الأميركية في جزر هاوي و في الوقت نفسه احتلال جنوب شرق آسيا .
كان الهجوم المدمر ضد الأسطول الإيطالي في ميناء تارانتو الذي شنته طائراتٌ بريطانية قاذفةٌ للطوربيدات انطلاقاً من حاملة الطائرات ، كان هذا الهجوم هو الذي أوحى لليابانيين بفكرة الهجوم على ميناء بيرل هاربر بعد ذلك بعام ، و يعد النجاح في الضربة الأولى للحاملات أمراً بالغ الأهمية و هنا كانت ثقة الأدميرال الياباني ياماموتو قد ترسخت من خلال أداء حاملة طائراتٍ بريطانية بمفردها في قصف ميناء تارانتو الإيطالي ، فقد أجرى دراسةً مكثفة على ميناء تارانتو الإيطالي في العام السابق .
كان ياماموتو مقتنعاً بضرورة القضاء على الأسطول الأميركي في بيرل هاربر أولاً قبل الاستيلاء على جنوب شرق آسيا فأنفق هو و ربابنة أسطوله أشهراً في التدرب سراً على الهجوم في قاعدةٍ يابانيةٍ منعزلة ، يقول أندرسون : (( خططوا للإستيلاء على النفط و نقله سريعاً إلى اليابان ، لكن ما كان الخطر الأكبر بالنسبة لهم ، الأسطول الأميركي و أين كان هذا الأسطول ، في بيرل هاربر ، إذن كان الدافع الحقيقي لبيرل هاربر هو محاولة القضاء على الأسطول الأميركي لحماية مخزون النفط )) .
لقد تأكد ياماموتو بأن طائراته تحمل قذائف طوربيد مصممةً خصيصاً لكي تسقط و تنطلق في مياهٍ ضحلة و اليابانيون معتادون على الإبحار مباشرةً وراء منخفضٍ جوي ، إذ كانت سفن الأميرال ناغومو تستفيد من الغطاء الذي وفرته الغيوم و المطر و كانت غواصاتٌ يابانية تبحر في مقدمة السفن و تحتها من أجل حراستها .
أسطولٌ ياباني قوي يبحر مسرعاً نحو الشرق في ديسمبر عام 1941م ، و يتعمد قائد الأسطول الأميرال ناغومو الإبحار في طريقٍ يجنبه التعرض لمراقبةِ سفنٍ أو طائراتٍ أجنبية ، و يختلف هذا الأسطول الضخم اختلافاً جذرياً عن أي قوةٍ عسكريةٍ بحرية تم تجميعها من قبل إذ تبحر في قلب الأسطول مجموعةٌ من ست حاملات طائرات على متنها 360 طائرةً مقاتلة ، إن قدرة هذا الأسطول على الوصول إلى مداً بعيد في أعالي البحار إلى جانب القوة الهائلة لطائراته يعطيه قدرةً هجومية لا مثيل لها في التاريخ البحري ، و ستدخل هذه القوة البحرية المعركة لأول مرةٍ قريباً جداً و ستحرز نصراً كبيراً و تكتسب شهرةً واسعة و تحقق صيتاً ذائعاً ، فخلال ساعتين ستقوم الطائرات المنطلقة من حاملات الطائرات بقلب ميزان القوى في المحيط الهاديء ، كما ستضمن بأنه خلال الصراع الممتد عبر آلاف الأميال في المحيط ستخرج حاملة الطائرات سيدة الموقف بلا منازع ، كان مفهوم توجيه ضربةٍ جويةٍ شاملة إنطلاقاً من السفن ما يزال جديداً و لم يكن الأميرال ناغومو مقتنعاً على الإطلاق بأن مثل هذه الضربة ستثبت فعاليتها عملياً ، و رغم ذلك فإن أسطوله يستعد و لا يمكن الآن وقف الهجوم إلا بأمرٍ من القائد العام في طوكيو الأدميرال ياماموتو ، و يستدير الأسطول الياباني نحو الجنوب متجهاً إلى موقعٍ يبعد 300 كلم عن جزر هاواي و يعتبر ياماموتو القائد العسكري الأكثر موهبةً و دهاءاً في بلاده اليابان ، و يعود الفضل لكفاءته و بُعد نظره لإمتلاك الأسطول الامبراطوري الياباني لهذه القوة المتفوقة من حاملات الطائرات .
كما أن الاستراتيجية التي كانت تقوم عليها هذه الحملة البحرية هي إلى حدٍ كبير من وضع ياماموتو ، فهو يدرك بأن العدو الرئيسي لليابان ستكون الولايات المتحدة و تعتمد الركيزة الأساسية في استراتيجيته على شن هجومٍ مباغت ضد القاعدة الأميركية في بيرل هاربر مقر الأسطول الأميركي في المحيط الهاديء و يتم حشد كامل القوة الجوية لحاملات الطائرات اليابانية لهذه العملية بمفردها و التي جرى اختبارها بعناية من خلال تمريناتٍ مكثفة ، و يعتقد ياماموتو بأن فرصة النصر الوحيدة المتاحة أمام اليابان في الحرب القادمة هي أن تضرب أولاً و بلا هوادة ، و يعتزم ياماموتو أن يشن سلسلةً سريعةً من الهجمات الأخرى ضد تشكيلةٍ واسعةٍ من الأهداف و يأمل بأنه في الوقت الذي تكون فيه أميركا قد أعادت بناء قوتها البحرية تكون اليابان قد أصبحت امبراطوريةً بحريةٍ كبرى تحميها قواعد منتشرة في جزر المحيط الهاديء .
لقد كان أكثر ما يقلق ياماموتو هو أن لا تكون جميع سفن الأسطول الأميركي موجودةً في ميناء بيرل هاربر و كان يدرك بأن عليه قبل كل شيء أن يدمر حاملات الطائرات الأميركية .
في 6/12/1941م انهارت المفاوضات بين البلدين فبعثت طوكيو رسالةً مطولة إلى سفارتها في واشنطن ، كان يتعين تقديم الرسالة التي اختتمت بإعلان اليابان الحرب على أميركا في الساعة الواحدة تماماً من اليوم التالي و كان كل بحارٍ ياباني يعلم بأن الحرب باتت وشيكة و يبرق ياماموتو إلى الأسطول قائلاً : (( إن مصير الامبراطورية معلقٌ على هذه المهمة و كل فردٍ يجب ألا يبخل بنفسه من أجل ذلك )) .
في 7 /12/ 1941م شن اليابانيون هجوماً في المحيط الهاديء ، تضمنت هجوماً على جنوب شرق آسيا و ميناء بيرل هاربر في جزر هاواي ، انطلقت 350 طائرة يابانية من حاملات طائرات اقتربت من شمال جزر هاواي و بلغت القواعد الأميركية في بيرل هاربر ، حدث ذلك باكراً في الصباح ، و كانت الرؤية و الأحوال الجوية مثالية و شعر الطيارون اليابانيون بأنهم أخذوا عدوهم على حين غرة و كانت المفاجأة تامة .
ففي صوت يشبه صوت الرعد ، انفجرت البارجة ( أيرزونا ) بعد أن أصابتها قنابل الطائرات اليابانية في بيرل هاربر ، و تناثرت قطعها على أجزاء المرفأ . فكانت هذه بداية المفاجأة .
قصفت قاذفات الانقضاض اليابانية محطة كانوهي الجوية للقوات البحرية الأميركية ، فيما ضربت قاذفات انقضاض أخرى و بعض المقاتلات حقل بيلوز ، و كما يقول لنا أحد الضباط الأميركيون الموجودين في حقل بيلوز : (( كنت ضابطاً في قسم الاتصالات و عينت في دائرة المراقبة السادسة و الثمانين في حقل بيلوز الواقع على جانب الجزيرة للريح ، في السابع من ديسمبر و عند الساعة السابعة و النصف صباحاً استيقظ كل المقيمين في مركز الضباط العزب على صوت تحطم طائرة ، تحطمت طائرة B-17 عند آخر المدرج ، فدب الذعر في قلوب فريق العمل و أخذوا يصيحون بأنهم يتعرضون لهجوم ، بينما كنا نتحدث مع طاقم العمل بدأ سرب من الطائرات اليابانية بالقصف ، كانت تحلق على علوٍ منخفض بحيث رأينا وجوه الطيارين ، تبعثر الرجال للإحتماء من القصف ، أذكر أنني قفزت تحت كوخ العمليات )) .
الساعة السابعة و ثمانية و خمسون دقيقة وصلت الطائرات الأفقية اليابانية إلى بيرل هاربر و لم يشك أحد في أنها يابانية .
استمرت أسراب الطائرات في قصف المنشآت العسكرية و شن هجوم شامل على الجزيرة ، لكن اليابانيين لم يكتفوا بالمواقع العسكرية بل انتقلوا إلى الأهداف المدنية ، و تحدثنا سيدة أميركية عند بداية الهجوم على ميناء بيرل هاربر : (( لم يبد تحليق الطائرات الواحدة تلو الأخرى أمراً استثنائياً ، فنحن نعيش في منشأة عسكرية و مع ذلك شعرنا بوجود شيء مختلف لأن جدران منزلنا قد اهتزت بسبب الانفجارات )) .
هرع كل من استطاع إلى حمل السلاح و المواجهة ، ساد جو من الارباك فيما كان الأميركيون يحاولون فهم ما يجري .
الساعة الثامنة و الخمس دقائق صباحاً فتحت مدافع البارجة نيفادا النيران على طائرات الطوربيد ، كما فتحت سفينة الترميم فيستال و الراسية قرب أريزونا النيران أيضاً ، تلقت البارجة كاليفورنيا صاروخاً ضخماً و بدأت الطائرات اليابانية تشن هجماتها على البارجة على علوٍ مرتفع و كانت مقاومة الأميركيين غير منظمةٍ و غير فعالة .
و من بين الأهداف السهلة كانت أوكلاهوما الضعيفة ، حيث أصيبت السفينة أوكلاهوما بأكثر من عشرة صواريخ و أحدثت الانفجارات ثقوباً في درع السفينة و بما أن النوافذ و الفتحات قد تركت مفتوحة في الليلة السابقة ، تدفقت مياه البحر إلى داخل السفينة ، في الساعة الثامنة و أربع عشرة دقيقة صباحاً انقلبت أوكلاهوما على المرفأ و حجزت أكثر من 400 رجل في الداخل و هم يضربون الفولاذ بأيديهم ، نفذ مساعد مدفعي اسمه ليون كولب الأمر بإخلاء السفينة و توقع أن تتحول السفينة إلى حطام ، من فوق لهيب الحطام كان الطيار الياباني تايسوكي ماروياما ابن التسعة عشر عاماً يراقب الدمار الذي تحدثه قنابله قائلاً : (( أصابت القنبلة التي رميتها البارجة أوكلاهوما ، و بما أنني كنت أنفذ مهمتي الأولى سررت كثيراً بإصابة السفينة و بأننا ربحنا المعركة )) استمرت المحاولات اليائسة لإنقاذ العالقين داخل أوكلاهوما المنقلبة طوال الليل .
و كما يسرد لنا أحد البحارة الأميركيين أحداث الهجوم : (( عندما ضربت الصواريخ الأولى سفينتين في السابع من ديسمبر تساءلت عما يجري ، بعد حدوث الانفجارين الثاني و الثالث جاء المسؤول عن سطح المركب إلى غرفة الاتصالات و قال لنا : ليتخذ الجميع موقعه على السفينة إن العدو يهاجمنا ، و قلت في نفسي : من هو العدو ؟ )) ، و يتذكر أحد البحارة عن ذلك اليوم : (( أراد الجميع الثأر ، و ظننت أنه إذا تمكنا من بلوغ جزيرة فورد حيث مربط الطائرات كلها لأنقذنا بعض المدافع الرشاشة و واجهنا الطائرات في حال استمر الهجوم )) .
* المرفقات مرقمة :-
1- ميناء في جزر هاواي في المحيط الهاديء و يبين لك في الخريطة كيفية الهجوم على بيرل هاربر .
2- الصورة تبين خرائب بيرل هاربر .
3- الخريطة تبين خط سير الأسطول الياباني إلى جزر هاواي .





اضافة رد مع اقتباس




المفضلات