الصفحة رقم 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
مشاهدة النتائج 1 الى 20 من 36
  1. #1

    أنت هو وطني الذي أنتمي إليه...


    الوطن ليس ذلك المكان الذي نأتي منه أو تلك البقعة التي نعيش عليها... بل هو ذلك الشخص الذي يملك الشطر المفقود من الروح... فهو الوطن الحقيقي... الذي إليه ننتمي
    .


    ღღ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ღღ


    أعزائي رواد منتدى القصص، بعد انقطاع شهور طويلة عن الكتابة بعد إن كنت بالكاد قد طرحت قصتي الأولى هنا و التي هي بنفس هذا العنوان (أنت هو وطني الذي أنتمي إليه) فقد قررت بعد طول تفكير و تنقيح للأفكار أن أقدم لكم قصتي في نسخة جديدة محررة ومعدلة.

    لمن لم يسبق له وأن قرأ النسخة الأولى، ولأولئك الذين سبق وقرؤوها، أتمنى أن تجدوا في ما كتبت ما يعجبكم.

    تدور الأحداث في عالم مسلسل أنيمي قديم لكن خالد في نظري. إن عرفتموه من خلال أسطر القصة فهنيئاً لكم، أما أولئك الذين لم يعاصروه وليست لديهم أدنى فكرة عنه فأدعوكم أعزائي للتوجه مباشرة إلى هذا الموضوع الشيق والعريق في منتدانا الغالي و الذي يحوي تقارير وصوراً وتفاصيل متكاملة حول هذا المسلسل الرائع. (الرابط من هنا)

    أهدي قصتي هذه لإخوتي الأعزاء هنا في المنتدى، مـــــايــــــا و ســـــــاري و مـــــــامـــــــادو.

    أترككم الآن مع بداية القصة، فاستمتعوا.


  2. ...

  3. #2
    الفصل الأول
    أثيـــنــــــا


    "أليس الكون جميلاً حقاً؟"

    كان يطرح هذا السؤال علي كلما جلسنا نراقب الأرض من على سطح القمر. الواقع أنه لم يكن سؤالاً بقدر ما كان تصريحاً... نعم... لقد كانت تلك الكلمات التي لا يمل من تكرارها على مسمعي بمثابة إعلان لولائه الأبدي وتعبيراً عما يفيض في صدره من عشق لهذا الكوكب. لن أبالغ لو قلت إنني ربما سمعت هذه الكلمات قرابة الألف مرة ونيف خلال الأشهر القليلة التي أمضيتها هنا منذ وصولي لهذه المجرة. في كل مرة سمعتها فيها كانت ردة فعلي هي إما تجاهله بصمت... أو تجاهله مع زفرة تضجر. وأحياناً كنت أشزره بنظرة ممتعضة. لكن كان من الواضح أنه مهما كانت ردة فعلي فهي لن تمنعه من اعادة طرح هذا السؤال لآلاف مرات قادمة.

    لعلكم تتساءلون من أكون.

    أنا مخلوقة من معدن حي، أتيت من مجرة تبعد ملايين السنوات الضوئية عن كوكب الأرض. مجيئي كان بمحض المصادفة، فقد كنت هاربة من (أسياد) مجرتنا، والذين هم مخلوقات ذكية صغيرة الحجم تشبه البشر نوعاً ما. كان (أسيادنا) يصنعوننا من المعدن الحي الذي ينتشر بوفرة في كواكب تلك المجرة. كان الهدف من صنعنا هو مساعدتهم في تشييد عوالمهم والمساهمة في حمايتها من غزو المخلوقات المعادية. تعايشنا معهم لمئات السنين، وكانت حياة مثالية بالنسبة لنا.

    لكن بمرور الوقت بدأت الحروب والنزاعات تنشب بين كواكب هذه المجرة، وصار (أسيادنا) يتصارعون فيما بينهم للسيطرة على الثروات الطبيعية وشتى الموارد. وجدنا أنفسنا نحن مخلوقات المعدن الحي قد تم إقحامنا في هذه الحروب، فانتهى بنا الأمر كأدوات فتاكة للحرب. صرنا نتقاتل فيما بيننا أيضاً. البعض منا لم يمانعوا أن يقتلوا إخوتهم وحتى أن يسفكوا دماء شعوب تلك الكواكب باسم الولاء للسادة وإطاعة أوامرهم. أما أولئك الذين رفضوا أن يصبحوا أدوات للحرب، فقد تم وسمهم بالخيانة وتمت ملاحقتهم وإبادتهم من قبل إخوتنا أنفسهم. أولئك الذين رفضوا الرضوخ لأوامر الاسياد أو من تم إلحاق الهزيمة بهم من الأطراف المعادية كان مصيرهم هو الزج بهم في سجون خاصة لا يمكن الفكاك منها وتعذيبهم بوحشية.

    الوسيلة الوحيدة للخلاص من ألوان التنكيل والتعذيب كانت المشاركة في ألعاب دموية ابتدعها الأسياد. أولئك السفلة كانوا يزجوننا في حلبات للمبارزة و يجبروننا على القتال حتى الموت فيما بيننا.. وكل من كان يرفض أو يتخاذل في هذه المواجهات كان مصيره أن يتمزق بأيدي إخوته الذين يواجههم في الحلبة. كانت جماهير وحشود صاخبة من الأسياد القذرين يراقبون هذه المواجهات كما لو كانت ضرباً من التسلية و يستمتعون بمشاهدتنا نمزق بعضنا.. بل و يهتفون مشجعين كذلك.

    كم أكره التفكير في تلك الحقبة البائسة و البشعة.. حقبة تلونت بدماء الأبرياء.. وتقطعت فيها أوصال المئات من إخوتي وتم رمي ما تبقى من جثثهم في الفضاء حتى ملأته. كان فضاء تلك المجرة عبارة عن مقبرة موحشة لنا نحن مخلوقات المعدن الحي. ما الذنب الذي اقترفناه حتى يحل بنا هذا كله؟ أهذا جزاؤنا على ما قدمناه لتلك المخلوقات التي أسميناها بالأسياد ؟!

    تنتابني رعشة كلما فكرت بالأمر. إن نجاتي بأعجوبة من كل تلك المصاعب ما كان ليكون لولاه.. منقذي وقائدي.. ولكنه قد رحل. رحل وتركني وحيدة .. رحل بعد أن أنقذ حياتي مضحياً بنفسه من أجلي.

    همت في الفضاء وحيدة، وانتقلت عبر المجرات هاربة من بطش أولئك القذرين. لا أذكر بالضبط كيف وصلت الى هذه المجرة. ربما سحبني ثقب أسود مǿ لم أجد نفسي إلا وقد أصبحت في مرمى مركبة فضائية عملاقة غريبة سرعان ما هاجمتني وأخذتني أسيرة عندها.

    مخلوقات صغيرة بشعة كانت تملؤ تلك المركبة، وفي نظري لم يكونوا سوى نسخة أخرى من الأسياد. سمعتهم يتحدثون عن استغلالي واستخدامي كأداة للقتال ضد عدو لهم يمنعهم من السيطرة على كوكب يسمى بـ (الأرض). لم أكن لأسمح لهم بذلك.. فأنا سئمت من كوني دمية تتلاعب بها المخلوقات الأخرى. لكن مقاومتي لهم لم تكن ذات جدوى للأسف. تلك الكائنات الشريرة وضعت حول عنقي طوقا غريبا أخضعني لسيطرتهم التامة. رغم محاولتي لمقاومتهم لكن سيطرة الطوق كانت أقوى مني.

    ما جرى بعدها كان أشبه بحلم لا أستطيع الاستيقاظ منه. كان جسدي لا يستجيب لي.. بل لأوامر ذلك المدعو بالمدمر (1). ذلك القذر.. فقط لو تمكنت من إحكام قبضتي عليه قبل أن يثبت هذا الطوق اللعين علي بلحظة واحدة لكنت سحقته بين أصابعي بلا تردد!

    وجدت نفسي قد زججت في قتال آخر ضد من هو من بني جنسي، تماماً كما كان الحال في حلبات الموت عندنا. كان اسمه جونكر. كان مقاتلاً شديد البأس وذكياً، لكنه واجه وقتاً عصيباً في قتالي الذي ما كان لينتهي إلا بموت أحدنا.. لكن أمري لم يكن بيدي وقتها. بعد مواجهة عنيفة وطويلة بيننا أرهقت كلينا، سنحت لي فرصة أخيرة كي أجهز عليه. لكنه تمكن بحركة خاطفة من تحطيم الطوق الذي يتحكم بي. يبدو أنه أدرك أنني لست عدواً له.. وأنني واقعة تحت سيطرة المدمرين ليس إلا.

    فجأة بدأ كل شيء من حولي يدور كالدوامة، وأخذ جسدي يتهاوى نحو الأرض حتى كاد يرتطم بها... لولا أن أسرع جونكر ليلتقطني بين ذراعيه. كان آخر ما سمعته قبل أن يغشى علي صوته يهمس لي: "أمسكت بك.. لا عليكِ..."

    لا أدري كم بقيت غائبة عن الوعي، لكنني حين استيقظت وجدته بقربي.

    لم يكن وحده. كان معه مخلوق صغير شبيه الى حد ما بـ (الأسياد). لا شك أنه واحد من سكان هذا الكوكب الذين سمعت المدمرين يدعونهم (البشر). أبدى جونكر ارتياحه لتخليصه لي من سيطرة المدمرين، وشعرت أنه توقع مني أن أشكره أو ما شابه، لكنني لم أفعل. سألني إن كنت بخير. نظرت إليه مطولاً... كان جسده في حالة يرثى لها من نزالنا.. ويسألني إن كنت أنا بخير؟ ما أغرب أمره.

    أخذ الطفل البشري الذي معه يطرح علي الأسئلة. ماذا كان يفعل هذا الصغير هنا على أية حال؟ كان يسألني بإلحاح عن اسمي ومن أين أتيت وما إذا كنت حليفة للمدمرين. ضقت ذرعاً بأسئلته المزعجة التي ظل يكررها بعناد رغم تجاهلي له ... وزاد الدوار الذي كاد يفجر رأسي الأمر سوءاً. للحظة راقت لي فكرة الامساك بالبشري وعصره بقبضتي كي يصمت. اكتفيت بأن حدجت الصغير بنظرة يتطاير منها الشرر كانت كفيلة بجعله يقفل فمه وقد تسلل إليه الخوف مني، ثم نظرت نحو المدعو جونكر وقلت له بسخرية: "اطمئن أنا لست حليفة لأولئك القذرين.. ولو كنت كذلك لكان أمرك قد انتهى منذ بداية المعركة."

    رفع جونكر أحد حاجبيه وكأنما لم يعجبه كلامي. أردفت قائلة: "أنت محظوظ، إذ كنت سأجهز عليك لولا حركتك الأخيرة. عليك أن تكون ممتناً لكونك لا تزال على قيد الحياة!"

    لوهلة لم يحرك جونكر ساكناً، ثم رد ببرود: "أهذا ما تظنينه حقاً؟ يبدو أن حالتك أسوأ مما تبدو عليه"

    يا لوقاحته... كيف تجرأ على الاستهزاء بي هكذا! صككت على أسناني بغيظ وبدأت بالنهوض. حاول جونكر بحركة تلقائية أن يساعدني. دفعته بقوة بعيدا عني وأنا أصرخ باهتياج : "لا تلمسني! لست بحاجة لمساعدة من مثير للشفقة مثلك!"

    صرخ بي الفتى الصغير بحنق: "هييه أنتِ! من تظنين نفسك ؟! لقد أنقذنا أنا وجونكر حياتك للتو أيتها الجاحدة!"

    استوقفتني كلماته. ماذا كان يعني بأن كليهما أنقذاني؟ ما علاقة هذا الصبي بجونكر أصلاً؟ قبل أن أفتح فمي بكلمة نطق جونكر بلهجة ساخرة بدوره: "لا عليك يا كنتارو! يبدو أن ضرباتي القوية قد أثرت على رأس هذه المسكينة."

    شعرت لحظتها بأنني أغلي كالمرجل. حاولت ان أسدد قبضتي إليه وأنا أصرخ: "اخرس أيها الــ ... "

    لكن لحظتها خارت قواي وخانتني قدماي. كدت أسقط على الارض لولا أن أمسكني بسرعة وأجلسني على الأرض برفق. هذه المرة لم يكن لدي من القوة ما يكفي لأصرخ به أو أعترض على مساعدته، بل وجدت نفسي أتشبث بذراعيه القويتين اللتين أحاطتا بي لتمسكاني للمرة الثانية وتحميانني كما لو كنت طفلة ضعيفة خائفة.

    قال لي برفق وقد تلاشت نبرته الساخرة: "اهدئي قليلاً، أنا وأنت لسنا عدوين... المدمرون هم العدو الحقيقي. ارتاحي واستجمعي قواك. أنت بأمان هنا على الأرض. لن نسمح للمدمرين بلمسك مرة أخرى."

    نظرت في عينيه... ولدهشتي رأيت فيهما اهتماماً وعطفاً لم أتوقعهما. كان واضحاً أنه قلق علي. لكن لماذا يقلق على غريبة مثلي؟ ألم أكن على وشك قتله للتو؟ ألم أقابل صنيعه بالجحود والنكران؟ و فوق هذا كله يطمئنني و يعدني بالأمان.. ما أغرب أمر جونكر هذا فعلاً!

    ما حصل بعدها أن المدمرين سرعان ما أرسلوا آلياً آخر بعدما أدركوا انهم خسروا سيطرتهم علي. أسرع جونكر لقتال الآلي المدمر رغم حالته. ذلك الفتى الصغير اندمج معه بطريقة ما.. كم هذا غريب حقاً! راقبته من مكاني وهو يعاني في قتاله حتى انتصر في معركته الثانية على التوالي. لقد استمات للدفاع عن سكان المدينة القريبة من موقع المعركة وتمكن من انهاء الوحش بعد جهد جهيد. رأيت الفتى يخرج من صدره.. ثم ارتمى كل منهما غائبا عن الوعي. لا شك ان المعركتين القاسيتين قد نالتا منهما. فكرت في مغادرة الأرض والذهاب للبحث عن مركبة المدمرين وتلقينهم درساً على تجرؤهم على العبث معي. لكن لسبب أجهله لم يطاوعني قلبي على تركهما هكذا...

    حين أفاق جونكر كنت جاثية بقربه. سألني عن المدعو كنتارو والذي أدركت أنه نفسه الطفل البشري فأشرت له أنه نائم بقربه. تحدثنا قليلاً.. سألته لم يدافع عن هذه الأرض، ولم يخاطر بنفسه هكذا من أجل مخلوقات صغيرة حقيرة لا تستحق الحياة وتستغله في حربها ضد المدمرين؟

    رد علي بأنه يحارب المدمرين باختياره هو لأنه يحب الأرض وسكانها، وأن الأرض هي موطنه الثاني بعدما خسر موطنه الأصلي .. أخبرني عن كوكب كنتاروس وعن مايا وقصة مجيئهما للأرض .. أخبرني أن القلادة جزء من المعدن الذي صنعته مايا منه ولذلك يحتاج لالتحام كنتارو معه كي يصبح في كامل قواه. أخبرني أن كنتارو ووالده بمثابة عائلته، وأنه سيبذل الغالي والرخيص لحماية عائلته وهذه الأرض.

    أنصت إليه وهو يروي كل ذلك وقد اعتراني الذهول. هل يمكن أن يكون البشر مختلفين حقا عن ( أسياد ) مجرتي؟ هل يعقل أن يرتبط مخلوق معدن حي بإنسان ضعيف كهذا برباط من الشراكة والمحبة؟

    سألني جونكر بعفوية: "أين هو وطنك؟"

    سؤاله هذا كان في مقتل.. كلماته انغرست في صدري كالسهم. لحظتها داهمتني مشاعر كبتها طويلاً من الحزن واليأس والشعور بالذنب. لم أشعر بنفسي إلا وأنا أذرف دموعي بحرقة. نعم.. نحن مخلوقات المعدن الحي نبكي أيضاً. كنت غير قادرة على منع نفسي من البكاء. أشحت بوجهي عنه وتركت الدموع تنهمر لعلها تغسل الجراح التي كلمت روحي طويلاً... بكيت على المعاناة التي تجرعتها.. على موطني الذي خسرته.. على رفاقي و إخوتي.. على منقذي الذي تركني وحيدة.. على حياتي التي باتت باهتة بلا معنى.

    "وطني... قد ضاع منذ زمن.." تمتمت وأنا اختنق بعبراتي. "كل شيء.. وكل من أعرف... كلهم قد ضاعوا للأبد..."

    بدا أن جونكر قد رق لحالي. في المعركة كان يبدو شخصاً مختلفاً تماماً، فهناك كان مقاتلاً صلباً و لاذع الكلمات و متغطرساً حتى.. لكنه لحظتها كان يتكلم معي بلطف. صوته كان مطمئناً و دافئاً...

    "هون عليك. لا أعلم ما هي قصتك، لكنني أستطيع أن أرى بأنك مررت بظروف لا تحسدين عليها. "

    شعرت به يضع يده برفق على كتفي فنظرت نحوه. سألني بابتسامة هادئة: "ألن تخبريني باسمك؟"

    ترددت قليلاً قبل أن أجيبه... وكأنما قد تاه اسمي في غياهب الأهوال التي مررت بها في رحلة حياتي الشاقة. وكأنما قد ضاع هذا الاسم مع كل شيء آخر ضاع مني فلم يعد له وجود.

    "اسمي هو... أثينا" كان نطقي لاسمي أشبه ما يكون بتعويذة أيقظتني من سبات عميق.

    "أثينا..." ردد جونكر وكأنما قد استساغ وقعه على أذنيه. "لم لا تطوين صفحة الماضي يا أثينا وتبدئي حياة جديدة هنا على الأرض؟ اعتبري هذا المكان موطنك من الآن فصاعداً."

    أخبرته أنني سأبقى مؤقتا فقط حتى أستجمع شتات نفسي، كان هذا قبل شهور مضت، وها أنا لا زلت هنا...
    .

    athena
    أثيـــنــــــا
    اخر تعديل كان بواسطة » lotus2018 في يوم » 04-07-2019 عند الساعة » 17:19

  4. #3
    كنا نجلس على القمر لساعات بصمت نتأمل جمال الأرض الأخاذ ونستمتع بالسكينة والهدوء. كنا نسترق هذه الأوقات حين لا يكون هناك هجوم كاسح على الأرض من قبل تلك المخلوقات البغيضة التي تسعى للسيطرة على هذا الكوكب. في البداية كان وجوده يضايقني، وكنت أصرخ فيه مطالبة إياه بتركي وشأني، لكنه كان عنيداً. كان يصر على الجلوس بالقرب مني ويلتزم الصمت كي لا أشعر بوجوده. شيئا فشيئاً اعتدت على ذلك ولم يعد وجوده مصدراً للضيق بالنسبة لي. نادراً ما كنا نتحدث، وكنت أراقبه وهو يطير نحو الأرض مسرعاً حين تتوهج قلادته العجيبة تلك في إشارة له من شريكه الصغير أن الأرض في خطر وشيك. كانت تمضي الساعات ثقيلة علي، ثم أجده يعود منتصرا و آثار الإنهاك على جسده. في البداية كنت غير مبالية بتفاصيل معاركه ولا حتى بعودته سالماً. و لكنني بمرور الأيام بدأت أشعر بأن الفضول يقتلني.. وكنت لسبب ما أغدو مشغولة البال إن تأخر بالعودة. لعل سبب قلقي كان خوفي من السقوط في براثن الوحدة من جديد ما إذا قضى جونكر على يد المدمرين؟ كنت اقنع نفسي بأن أمره لا يهمني على الإطلاق. لكن هذا لم يصرف عني تلك الهواجس.

    في واحدة من تلك المرات التي طال فيها غيابه استبد بي القلق بحيث فكرت جدياً في الطيران نحو الأرض والتحقق من مصيره. لكن بينما كنت أشاور نفسي لمحته قادماً نحوي فتنفست الصعداء. كنت ألعنه في نفسي على جعلي عرضة للقلق هكذا.

    حالما حطت قدماه على الأرض تأملت هيأته وقلت بلا تفكير: " تبدو بحال مزرية أكثر من العادة.. هل كانت المعركة صعبة هذه المرة؟"

    اتسعت عيناه دهشة مني! كانت الصدمة تغشى ملامح وجهه لدرجة أشعرتني برغبة في أن تنشق الأرض وتبتلعني. سارعت بالقول بحنق محاولة إخفاء ملامح الارتباك: "لم تنظر إلي هكذا ؟ كان هذا فضولاً لا اهتماماً!"

    أطلق جونكر ضحكة عالية. ضحك واسترسل في مزيد من الضحك. ازداد شعوري بالحنق واستبدت بي رغبة في مهاجمته وإشباعه ضرباً. شددت على قبضتي وأنا أتميز غيظاً. "ما الشيء المضحك ؟!"

    تمالك نفسه وتوقف عن الضحك بصعوبة. "لأول مرة تبدين اهتماماً بحالتي!"

    حاولت جهدي أن أرد عليه بنبرة لا مبالية، لكن مزيج الارتباك والغضب اللذين كانا لا يزالان يلونان وجهي أفسدا الأمر. "من أخبرك أنني مهتمة؟ لا أبالي حتى لو ذهبت إلى الجحيم!"

    قهقه من جديد... بدا أنه مستمتع بمشاهدة معاناتي في إصلاح ما تبقى من صورتي كمخلوق بارد المشاعر ولا أبالي. عجزت عن افحامه بأي رد آخر فابتلعت كبريائي الجريح وأشحت بوجهي وأنا أتمتم بسخط: "تباً لك."

    جلس بقربي كعادته وحدق كلانا بكوكب الأرض. سألني بصوته العميق "أليس الكون جميلا حقاً ؟"

    شعرت لأول مرة منذ وصولي بشيء يتحرك في أعماقي. شيء زعزع الصخرة الباردة التي تجثم على أشلاء روحي المنهكة. لأول مرة بدا لي أنني أبصر كوكب الأرض بحق. باغتتني قشعريرة غريبة وأنا أتأمل هذه الزرقة الفاتنة... أي سحر يملكه هذا الكوكب الصغير الأزرق بحيث يجعل هذا المخلوق القابع بقربي يتعلق به إلى الحد الذي يجعله يضحي بنفسه في سبيل حمايته رغم أنه ليس موطنه الحقيقي؟

    هذه المرة كلماته أثارت في نفسي شعورا بالراحة والطمأنينة. تمتمت بعفوية بصوت بالكاد مسموع: "نعم.. إنه جميل حقاً."

    حين أدركت أنني ارتكبت خطأ آخر جسيماً هذا اليوم أخذت ألعن نفسي. تمنيت أن لا يكون قد سمع ما قلته للتو... لكن هيهات! رأيته من طرف عيني ينظر نحوي ذاهلاً. ربما لم يكن يتوقع أن يسمع مني جواباً على سؤاله هذا أبداً. وربما كان يتساءل ما إذا كنت قد فقدت عقلي أو ما شابه. يا للورطة! نظرت نحوه منتظرة أن ينفجر بالضحك مني مجدداً. أقسمت في نفسي انه لو فعل فسوف يلقى مني ما لن يسره. صحيح أنني قبل قليل كنت أندب فكرة هلاكه على يد المدمرين، لكن هذا لن يمنعني من تقطيعه إرباً إن سخر مني ثانية.

    لكنه هذه المرة اكتفى بالتحديق بي بوجه يصعب تفسير ملامحه. هل كان مسروراً بما قلته أم لǿ أطال النظر إلي وكأنه في حيرة من أمره حتى ضقت ذرعاً بذلك فعقدت ما بين حاجبي قائلة بنفاد صبر: "ما بك؟!"

    أشاح بوجهه مصوباً نظره نحو الأرض من جديد، وارتسمت على زاوية فمه ابتسامة غريبة. لم تكن ابتسامة ساخرة ولا مرحة... بل بدت أقرب ما يكون لابتسامة الانتصار. أو هكذا خيل إلي. ما الذي كان يدور في رأسه لحظتها يا ترى؟

    وبينما أنا في حيرة من أمري باغتني قائلاً وهو لا يزال ينظر صوب كوكب الأرض: "إن كنت تجدين الأرض جميلة من هنا... فبالتأكيد ستسرين برؤيتها أكثر إن ذهبت إليها بنفسك. أتحبين أن تذهبي معي إليها يا اثينا ؟"

    لم تكن قدماي قد وطئتا الأرض منذ أن غادرتها بعد معركتنا تلك. الواقع أنه لم يتسن لي مشاهدة معالم هذا الكوكب الأزرق على الاطلاق... باستثناء موقع تلك المعركة المشؤومة بالطبع.

    زممت شفتي ثم أجبت بلهجة جافة: "كلا شكراً. لا رغبة لي في ذلك."

    نظر نحوي مجدداً وسألني بلطف: " ما المانع يا أثينا ؟ لم لا تزالين تعتبرين نفسك غريبة هنا ؟"

    "ببساطة.. لأنها الحقيقة." نهضت واقفة وعيناه تلاحقانني باهتمام. "...ثم إنني أضعت ما فيه الكفاية من الوقت بمكوثي هنا... فقريباً سأرحل عن هذا النظام الشمسي."

    قفزت من على الهضبة التي كنا نجلس عليها، وما إن لمست قدماي الأرض حتى لويت رأسي نحوه لأراقب ردة فعله. كانت معالم وجهه الرزينة قد تغيرت إلى شيء أقرب ما يكون للاضطراب وكأنما قد أجفلته كلماتي. سألني مشدوهاً: "أتنوين الرحيل حقاً؟"

    أجبته بنبرة عدم اكتراث: "بالتأكيد سأرحل. ولم عساي أبقى؟ أخبرتك أن بقائي هنا أمر مؤقت، ألا تذكر؟"

    التزم الصمت لوهلة محاولاً أن يستجمع أفكاره قبل أن يطرح سؤاله التالي. كنت أستطيع أن أستشعر القلق الذي كان يحاول كان يخفيه رغم ثبات نبرة صوته. "وإلى أين تنوين الذهاب؟"

    سؤاله هذا جعلني أدرك لأول مرة منذ الأشهر الماضية أنني لم أفكر ولو لمرة واحدة في وجهتي التالية. نظرت نحو الفضاء الفسيح ونصال من الحيرة تمزقني. في السابق كان لي هدف واضح، وكنت مستعدة للذهاب لأقاصي الكون في سبيل تحقيقه. أما الآن....

    "ليست لدي أدنى فكرة.." تمتمت بشرود.

    "ألا تنوين العودة لوطنك؟"

    التفت نحوه وقد انطلقت من بين شفتي ضحكة سخرية مريرة قصيرة. "ألا تعلم أنه لا وطن لدي أعود إليه؟"

    "الحقيقة يا أثينا... أنا لا أعلم اي شيء عنك..." نطق كلماته هذه وهو ينهض واقفاً بدوره ووثب بخفة ليحط أمامي.

    نظر في عيني مباشرة... كنت أشعر برعشة تسري في أوصالي حين تناظرني هاتان العينان الثاقبتان... لقد كانتا تحاولان النظر في أعماقي وقراءة الأسرار الدفينة في صميم وجداني. لم أكن قد حدثته بأي شيء يخصني طوال الفترة الماضية، لذا كان من الطبيعي أن يجهل قصتي وقصة المكان الذي أتيت منه وتاريخه الدموي المشين. الواقع أنني حين فكرت بالأمر أدركت أن جونكر كان حريصاً على عدم مضايقتي بطرح أية اسئلة حول سبب ظهوري المفاجئ في هذه المجرة بعد أن كان يظن ولوقت ليس ببعيد أنه مخلوق المعدن الحي الوحيد فيها. أراهن أنه كان يقاوم بقوة الفضول الذي يسيطر عليه كلما ذكرته رؤيتي بأن هناك آخرين مثله ومثلي في هذا الكون المترامي الأطراف، وأنه كان يتحرق شوقاً لمعرفة كل شيء عن بني جنسه الذين لم تتح له فرصة التعرف إلى أحد منهم سواي.

    أطلقت زفرة نمت عن نفاد صبري. "ليس هناك ما يستحق ان تعرفه عني، بل عن أي من بني جنسنا يا جونكر." ابتلعت مرارة داهمتني حالما بدأت الذكريات الدفينة تنهش رأسي. فتح فمه ليقول شيئاً ما، لكنني أدرت له ظهري على الفور وسارعت بالانصراف وأنا أقول بنبرة قاسية: "صدقني أنت بحال أفضل هنا وحدك..." كنت أستطيع أن أشعر بنظرات خيبة الأمل في عينيه تخترقان أعماقي حتى وأنا أخطو خطواتي مبتعدة عنه.

    كان ذلك الحديث الأخير بيننا لبضعة أيام تلت ذلك اليوم. كنت أتجنب البقاء في نفس المكان مع جونكر، وكان هو بدوره قد توقف عن محاولة الجلوس بقربي، فكان كل منا يقبع في ناحية قاصية عن الآخر وكأننا لا نعرف بعضنا.

    في اليوم الذي قررت فيه أنه لا جدوى من البقاء على هذا الحال وأن الأوان قد آن للرحيل، كنت بالكاد قد غادرت سطح القمر وطرت في الفضاء حين سمعت صوته ينادي علي. توقفت والتفت لأجده قد لحق بي.

    "أثينا... أعيدي التفكير فيما انت مقدمة عليه!" قال لي بنبرة فيها شيء من التوسل. "قاعدة المدمرين قد تكون في أي مكان في هذا النظام الشمسي. إنها محاطة بحاجز ساتر يحجبها عن الرؤية تماماً. سبق وحاولت البحث عنها بلا طائل. قد تقعين في قبضتهم مجدداً دون ان تدركي وجودهم قربك حتى!"

    رددت عليه وابتسامة متعالية على شفتي: "لو صدقت توقعاتك هذه فسيكون هذا من سوء حظهم هذه المرة." تابعت بصوت متغطرس وقد استسغت الفكرة برمتها: "في الواقع إني أتمنى... بل إني أريد أن أجد قاعدة تلك الحثالة وأمزقهم شر تمزيق جزاء على فعلتهم تلك. سيدفعون الثمن غالياً."

    "هذا هراء!" صاح جونكر بي موبخاً. "مواجهتهم بمفردك لن تجدي نفعاً. إن لديهم ترسانة لا يستهان بها من الأسلحة، ورميك لنفسك في مرمى نيرانهم هو الجنون بعينه!"

    كلماته تلك أشعرتني بالغيظ. "ألا تخجل من نفسك؟ أنسيت من نكون؟ نحن عمالقة معدن حي... نحن الأقوى... نحن الأسمى! الكون كله يجب أن يركع تحت أقدامنا! نحن من يجب أن تحسب له كل المخلوقات الوضيعة الأخرى حساباً له، لا أن نخشاهم نحن! نحن من يجب..."

    وللحظة... تجمدت الكلمات على لساني. غمرني إحساس غريب سبب رعشة قوية هزت أعماقي. ما كان ذلك الإحساس؟ ولماذا انتابني الآن بالذات... أوه... تذكرت... هذه الكلمات كانت كلماته هو... ألفاترون. لقد قالها لي في اليوم الذي قررنا فيه التمرد على الأسياد ومن تبعهم من بني جنسنا الخونة.

    لم أستيقظ من شرود ذهني إلا حين لفت نظري بريق قلادة جونكر. نظر جونكر للقلادة ثم حول نظره نحوي على الفور.

    خاطبني بلهجة حازمة. "أثينا... علي الذهاب. لا تتعجلي الرحيل بل انتظري عودتي." ثم أضاف بلهجة أقل شدة وبشيء من الرجاء: "انتظريني أثينا. لا ترحلي بعد..."

    لم ينتظر حتى يسمع ردي بل هب مسرعاً لنجدة سكان الأرض كما هي الحال دائماً. تسمرت في مكاني لبعض الوقت أحدق في الفراغ حولي وأنا أشعر بالبلاهة. هل كان حقاً يتوقع مني ان أنصاع له وأعرض عن فكرة الرحيل لمجرد أنه طلب مني ذلك؟

    "تباً لك يا جونكر! من تظن نفسك؟!" تمتمت بسخط قبل أن أستدير وأطير بدوري بعيداً عن كوكب الأرض ومن فيه. بعيداً عن جونكر.

    لكن كلماته كانت تطاردني وتشوشني. بعدما قطعت مسافة لا بأس بها وجدتني أتوقف وقد تلاطمت بي أموج الحيرة والتردد. أخذت أراجع حساباتي... هل كان من الصواب حقاً أن أرمي نفسي في أحضان المجهول بهذا الشكل؟ هل كنت حقاً مستعدة للاشتباك مع المدمرين بمفردي في عقر دارهم؟ وحتى لو لم تتح لي فرصة التعثر بقاعدتهم والأخذ بثأري منهم، إلى أين سأمضي في مجاهل هذا الفضاء؟ وبالمقابل... لو حصل وأن صرفت النظر عن فكرة الرحيل وقررت الاستقرار... هل سأقضي حياتي هناك على القمر أحدق نحو ذلك الكوكب الأزرق الذي حرمت على نفسي الاقتراب منه ومن ساكنيه؟ أهذا كل ما تبقى لي في هذه الحياة؟

    " لم لا تطوين صفحة الماضي يا أثينا وتبدئي حياة جديدة هنا على الأرض؟ اعتبري هذا المكان موطنك من الآن فصاعداً."

    ليت الأمر كان بهذه البساطة يا جونكر. ليته كان كذلك.

    "انتظريني أثينا. لا ترحلي بعد..."


    وجدت نفسي أعود أدراجي بتثاقل. كان من الواضح انني أدور في حلقة مفرغة لا خلاص منها. ربما لم أكن جاهزة للمضي قدماً بعد.

    حين عدت إلى القمر لمحت شيئاً ما يطير خارجاً من غلاف الأرض سرعان ما تبين أنها مركبة فضائية غريبة الشكل. لم تبد لي كإحدى سفن المدمرين. ما هي إلا لحظات حتى اقتربت المركبة المسرعة مني، وكم كانت دهشتي عارمة حين ميزت قائدها.

    "أثينا!" هتف قائد المركبة من داخلها حالما صار بقربي. "أتذكرينني؟ أنا كنتارو!"

    بالطبع تذكرت من يكون. صحيح أننا لم نتقابل سوى مرة واحدة قبل شهور مضت - ولم يكن هذا اللقاء ساراً بلا ريب - لكن الفتى البشري كان قد ترك انطباعاً قوياً في نفسي. كنت أتذكر مشهد التحامه العجيب مع جونكر في كل مرة كانت تلمع فيها قلادة الأخير. تذكرت أيضاً المرة الوحيدة التي حاول فيها جونكر عبثاً تجاذب أطراف الحديث معي قائلاً إن كنتارو يسأله عني باستمرار ويتمنى أن أكون بحال أفضل. كان ردي ببساطة هو أنني لويت شفتي بازدراء وقلت بفظاظة: "بلغ كنتارو تحياتي وأخبره أن يذهب للجحيم". لا داعي لأخبركم أن جونكر لم يكن مسروراً ابداً بردي هذا.

    شعرت أن هناك خطباً ما... أليس من المفترض أن يكون جونكر بصحبة كنتارو هذǿ لم هو خارج نطاق الأرض بمفرده في هذه المركبة الغريبة؟ وأين هو جونكر بأي حال؟

    كانت هذه الأسئلة تتزاحم في رأسي، وقبل أن تتاح لي فرصة طرح أي منها عليه صاح بصوت لمست فيه الهلع: "جونكر في خطر يا أثينا! لقد أخذه المدمرون لكوكب ما... وهو بين الحياة والموت في هذه اللحظة!"

    ما إن وقعت هذه الكلمات على مسمعي حتى شعرت ببرودة تسري في أوصالي وابتلعت ريقي بصعوبة. حاولت السيطرة على الرعشة التي كادت تطغى على صوتي. "كيف حصل ذلك؟"

    "لا وقت للشرح... علي أن أسرع لمساعدة جونكر وراي كذلك قبل فوات الأوان!"

    انطلق كنتارو بصحنه الطائر متجهاً إلى الكوكب الذي يظن أن المدمرين أخذوا جونكر إليه بلا تردد، ورأيته يلتفت للخلف نحوي وكأنه يدعوني لمرافقته. دون أي تفكير وجدتني أطير إلى جانب مركبته، وخلال تلك الرحلة أخبرني بشكل موجز عما جرى. كان المدمرون قد اختطفوا صديقة كنتارو واستخدموها كرهينة، وهددوا بقتلها إن قاومهم جونكر. انفصل الأخير عن شريكه البشري وذهب خلف الوحش الآلي لإنقاذ الصغيرة ولكن بدلاً من ذلك انتهى به الأمر أسيراً للعدو، وبطريقة ما اكتشف المدمرون الأوغاد أن نقطة ضعف جونكر هي قلادته فأطلقوا عليها نيرانهم بلا رحمة وأردوه صريعاً. أخبرني كنتارو أنه إن لم يعجل في محاولة انعاش جونكر بالتحامه به فقد يخسر الأخير حياته بالفعل.

    "يا له من مغفل... كيف يسير بقدميه نحو شرك واضح كعين الشمس بهذا الشكل؟" فكرت في نفسي وقد بلغ مني الغيظ والسخط مبلغاً شديداً. "لماذا يضع نفسه تحت رحمة عدوه من أجل طفلة! إلى متى سيبقى ذلك الأحمق يخاطر بنفسه من أجل هذه المخلوقات التافهة؟!"

    أبصرت من بعيد ما لم يستطع البشري الصغير ابصاره. كان جيش من صحون المدمرين الطائرة قد تجمهر حول الكوكب الذي أعلمني كنتارو بإحداثياته. توقفت عن الطيران وهتفت بكنتارو آمرة إياه بالتوقف أيضاً. امتثل لي وقد أجفله توقفي المفاجئ.

    "لماذا توقفنا ؟ كدنا نقترب من حيث يوجد جونكر وراي!"

    "أستطيع رؤية أعداد من مركبات المدمرين تحيط بالكوكب الذي تقصده."

    تجهم وجه كنتارو، وأخذ يفكر بصوت عالٍ قائلاً وعيناه مصوبتان في الاتجاه الذي كان من المفترض أن نمضي فيه: "أوه... لا شك أن تلك المركبات كانت بصحبة مليون نجمة لتعمل على تأمين حماية المكان من أية مساعدة يخشون وصولها لجونكر."

    سرعان ما حول نظره نحوي. كانت عيناه اللتان تضاهي زرقتهما زرقة الكوكب الذي يعشقه جونكر ترمقانني بقلق. "لا وقت لدينا لمواجهتهم! كيف سنتصرف الآن يا أثينا ؟"

    نظرت نحوه ببرود. هل كان ذلك الصغير يتوقع مني حقاً أن أقحم نفسي في شيء كهذǿ ما علاقتي أنا بالورطة التي ورط فيها بطله الجبار نفسه؟ لن أدعي أنني لم أشعر بالأسف على وقوعه في قبضة أولئك الملاعين. لكن الحقيقة هي أنه جنى على نفسه وعليه أن يدفع الثمن. طالما سيبقى جونكر يلعب دور المنقذ المضحي في سبيل هذه المخلوقات البائسة فليس من المستغرب أن يهلك على أيدي المدمرين، عاجلاً أم آجلاً.

    كانت عيناه لا تزالان معلقتان بي مترقباً جوابي. طالعته ببرود وأتته كلماتي قاسية كالصخر. "ومن أخبرك أنني جزء من خطة الإنقاذ التي تزعمها ؟"

    رفع كنتارو حاجبيه متعجباً. أخذت يتلعثم بالكلمات ذاهلاً مما سمعه مني. "ماذǿ ولكن... ولكن!... ظننت..."

    قاطعته بنبرة تهكم: "ظننتني رافقتك لأنني أنوي تقديم المساعدة مثلاً؟ دعني أحزر... أنت لا تزال مقتنعاً أنني أدين لك ولجونكر بحياتي. أليس كذلك؟" صدرت مني قهقهة نضحت بسخرية لاذعة وأنا أضيف: "يا لك من ساذج!"

    احتدم وجهه غيظاً مني وأخذ جسده يرتعش قليلاً لشدة اهتياجه. صاح بي مستنكراً: "أنت... أنت حقاً لا تبالين بأمر جونكر؟ ألا يهمك إن قضى عليه المدمرون؟!"

    "... كلا." أجبته بجلافة.

    ما سر تلك الغصة التي كدت أختنق بها لحظتها ؟ لقد قلت الحقيقة ... أليس كذلك؟

    طالعني كنتارو بنظرة ناقمة أيما نقمة، وتوقعت منه أن يرعد ويزبد. لكنه فاجأني حين ابتلع سخطه وأشاح بوجهه بعيداً عني كاتماً غيظه. سمعته يتمتم قائلاً: "لا أفهم كيف يتعاطف جونكر مع مخلوق أناني وقاس مثلك. أنت بغيضة كالمدمرين! من يحتاج مساعدتك بأي حال!"

    انطلق كنتارو بصحنه الطائر مبتعداً عني وأنا متعجبة من أمره. لقد توقعت منه أن يرجع القهقرى بعدما تبين له أنه لن يحظى بأية مساعدة مني... ولكنه عوضاً عن ذلك بدا أكثر إصراراً على انقاذ صديقيه. يا له من معتوه! كيف له أن يواجه كل تلك المركبات المدججة بالأسلحة والتي تقف بالمرصاد لأي دخيل؟ لا فرصة لصحنه الطائر هذا أمام شراسة العدو. سينسفونه بلا رحمة ما إن يلمحوه...

    أخذت أخبر نفسي أن مصير هذا الفتى لا يعنيني، وأنه وإن كان هو الآخر أحمق بما يكفي ليرمي نفسه للتهلكة فليكن. فليذهب للجحيم هو وجونكر وتلك الصغيرة... فليذهب كل أهل الأرض للجحيم، فأنا لا أبالي بأي منهم!

    شرع صوت خفي ينبعث من داخلي بإمطاري بوابل من التقريع ويكاد يدفعني للجنون... أخذت أهز رأسي بعنف محاولة اخراسه... لكن ذلك الصوت واصل توبيخي بإلحاح مقيت. فجأة قفزت لمخيلتي صور مرعبة... كنتارو ومركبته قد تحولا لغبار متناثر في الفضاء... جونكر ممزق إلى أشلاء... الأرض تستعر بنيران أسلحة المدمرين وينقلب لونها الأزرق إلى الأحمر الدامي...

    "اللعنة! اللعنة!" دوى صوتي كمن أصابه المس حين أنشأت مشاعري المتناقضة تتصارع فيما بينها داخلي حتى تكاد تفقدني صوابي. قوبلت بصمت مطبق ولكن ساخر من الفضاء حولي، وكأن الكون نفسه يضحك من هذه المهزلة المثيرة للشفقة التي أنا بطلتها.
    اخر تعديل كان بواسطة » lotus2018 في يوم » 04-07-2019 عند الساعة » 23:16

  5. #4
    لم أشعر بنفسي إلا وأنا أطير بأسرع ما أستطيع كي ألحق بكنتارو وأنا ألعنه وألعن جونكر معه في نفسي. وصلت إليه في الوقت المناسب قبل أن يصبح مكشوفاً للمدمرين، فتنفست الصعداء لأن كارثة لم تقع. فوجئ بي ألقي بجسدي أمام مركبته الصغيرة لأقف حائلاً بينه وبينهم، فتوقف على الفور وفتح ثغره مشدوهاً. شعرت بالحرج حين رأيت عينيه تلمعان ببارقة من الأمل فتحاشيت النظر فيهما وأنا أعاجله بالقول بنبرة اجتهدت أن تكون جافة: "لا تسئ الفهم... فأنا لم أغير رأيي. كل ما في الأمر أنني أريد أن آخذ بثأري من هؤلاء الأوغاد."

    أدرت ظهري له مستطردة: "أنا سأتولى أمر مركباتهم بينما تستغل أنت فرصة انشغالهم بمواجهتي لتتسلل نحو الكوكب. أمر انقاذ جونكر وصديقتك منوط بك أنت، فإن أخفقت فهذه مشكلتك وحدك."

    بالطبع لم أستطع رؤية ردة فعله حين وقعت كلماتي على مسمعه، لكنني لم أستطع منع نفسي من التساؤل ما إذا كان لا يزال يظن أنني وضيعة وأنانية. ليس الأمر وكأن رأيه بي يعنيني على أي حال.

    وفي لمح البصر كنت قد أصبحت على مقربة من مركبات المدمرين الذين باغتتهم رؤيتي أظهر لهم هكذا من العدم. أراهن أن آخر شيء كانوا يتوقعونه هو أنني لا أزال موجودة في هذا النظام الشمسي بعد عن اختفيت عن الأنظار كل هذه المدة. ارتسمت ابتسامة عريضة على شفتي وأنا أسمعهم يخاطبون بعضهم بهلع من داخل مركباتهم وكل منهم يسأل الآخر ما إذا كانت هذه العملاقة الماثلة أمامهم هي فعلاً أثينا أم شبحها.

    جلجل صوت ضحكتي الساخرة وخاطبتهم باستفزاز: "مر وقت طويل... هل اشتقتم إلي أيها السفلة؟"

    خيم صمت مطبق قبل أن يرد علي أحدهم والذي هو على الأغلب الأعلى رتبة بينهم: "أنتِ! ماذا تفعلين هنا ؟!"

    "أتيت كي ألقنكم درساً يليق بكم!" أجبته وقد بدأ الغل الدفين في صدري تجاههم يتصاعد ويغمر كل ذرة في جسدي حتى شعرت برأسي يغلي منه. اتخذت وضعية الهجوم وعينا تلمعان كصياد يتأهب للانقضاض بوحشية على طريدته وأنا أزمجر: "حان وقت دفع الثمن أيها الأوغاد!"
    انفجرت صرخة المحاربين متدفقة من أعماق صدري لتدوي في الأرجاء وأنا أندفع كالبرق نحو العدو. اقتحمت صفوفهم ونكلت بمركباتهم الواحدة تلو الأخرى، تارة أمزقها بأنصالي المتصلة بجسدي، وتارة أرمي بها نحو غيرها ليسحق بعضها بعضاً وتنفجر كالقنابل الموقوتة، وتارة أخرى أركلها بقدمي. كانت أعداد لا تحصى من مركباتهم تتكالب علي من كل حدب وصوب، لكن هذا لم يثن من عزيمتي، بل كنت مع كل مركبة جديدة أفتك بها أشعر بنار الحماسة تتأجج أكثر فأكثر في داخلي فتزيدني اندفاعاً وتمنحني لذة لم أذق لها مثيلاً منذ زمن.

    خلال معركتي هذه كنت حريصة على تفادي أسلحة المدمرين الاشعاعية قدر المستطاع، فرغم شدة بأسي في القتال إلا أن المعدن الذي صنع منه جسدي فيه نقطة ضعف مزعجة تكمن في كونه غير محصن ضد الضرر الناشئ من بعض المصادر الإشعاعية، على خلاف المعدن الذي صنع منه جونكر والذي عرفت لاحقاً أنه يمتلك قدرة ملفتة على احتمال هذا النوع من الأسلحة بالتحديد.

    لكن محاولاتي هذه لم يكتب لها النجاح طويلاً، إذ سرعان ما أدرك المدمرون أن هذه المجزرة لن تتوقف ما لم يوحدوا صفوفهم ويضربوا ضربة رجل واحد. وهذا ما كان. في طرفة عين تحلقت المركبات الناجية من بطشي على شكل حلقة أحاطت بي من كل الجوانب وشرعت كلها بتوجيه أسلحتها نحوي بشكل متواصل. غمرتني الإشعاعات كسيل عارم لا يعرف التوقف فمنعت جسدي من الحراك كما لو أن اصفادا عملاقة تكبله بقسوة.

    قمت تلقائياً بتغطية وجهي بذراعي المتصالبين لحماية عيني من أية إصابة مباشرة. تحاملت على نفسي وحاولت جاهدة أن أقاوم هذه القوة الرهيبة التي شلت حركتي وكادت تفتك بي.. اندفعت نحو الأمام بسرعة وأنا مغمضة العينين ورميت بلكمات من قبضتي الاثنتين على غير هدى آملة أن انجح في توجيه ضربة لأية من تلك المركبات التي حاصرتني. لم يكن من المستغرب أن محاولتي هذه قد بائت بالفشل، وزاد الوضع سوءا حين أحكم المدمرون محاصرتهم لي وزادوا من تركيز اشعاعاتهم الموجهة إلي بعناد.


    صككت على أسناني مغالبة الآلام المبرحة التي زلزلت كل ذرة في جسدي وحاولت التماسك قدر المستطاع، لكن كمية الاشعاع الهائلة التي كانت مسلطة علي كانت كجرعات مكثفة من سم ينهش جسدي بطيئا ولكن قاتلاً. خانتني رباطة جأشي.. وأفلتت من بين شفتي صرخة ألم رهيبة اختلطت بهدير أسلحة خصومي. كان علي تخليص نفسي بأية وسيلة قبل أن تبدأ خلايا جسدي بالانصهار من الداخل ككتلة جليد تذوبها الشمس اللافحة. لن أمنح المدمرين فرصة التغلب علي مهما بلغت شدة أسلحتهم اللعينة تلك... لن يحلموا بالانتصار علي... أنا أثينا!

    لم يكن أمامي سوى مخرج واحد لهذا المأزق... كان علي التحرك بسرعة فالوقت لم يكن في صالحي، والفشل لم يكن خياراً وارداً. استجمعت ما تبقى من قواي حتى آخر قطرة في جسدي، وبانتفاضة عنيفة انطلقت كالصاروخ نحو الأعلى رأسياً. أربكت حركتي هذه المدمرين، فشرعت مركباتهم بالارتقاء للأعلى لاحقة بي بلا هوادة حتى كادوا يدركونني... لكنني لم أكن لأجعل من نفسي لقمة سائغة لهم مجدداً. لقد آن أوان انهاء هذه المعركة لصالحي بلا تأخير.

    "الآن!" حدثت نفسي وأنا أعض على شفتي بإصرار، وبحركة خاطفة مني أوقفت اندفاع جسدي وتشقلبت للخلف حتى أصبحت وراء أعدائي مباشرة، وقبل أن يدركوا ما جرى انقضضت على مركباتهم أسقطها الواحدة تلو الأخرى، وحرصت هذه المرة على الطيران بينهم بشكل لولبي مما جعل مهمة التصويب علي ضرباً من المستحيل، فوقفوا عاجزين عن صد هجومي الساحق.

    كان النصر حليفي في وقت قياسي.

    وقفت أتأمل المكان من حولي بعد انتهاء المعركة وقد أدركني التعب الشديد، فكان الوهن الذي يغزوني قد أخمد نشوة الانتصار تماماً وتركني أصارع لالتقاط أنفاسي المتلاحقة. كنت قد استنفذت كل طاقتي... خارت قواي، وخذلني جسدي المتهالك فترنحت مستسلمة للإعياء وانحنيت بجذعي للأمام، ولم يمنعني من السقوط في الفراغ الذي لا نهاية له سوى قبضتان قويتان أمسكتا بكتفي من الخلف وجذبتاني نحو صاحبها ليجمعني بين ذراعيه ويحملني برفق. وجدت نفسي في موقف سبق وعشته في لقائنا الأول. سمعت صوته العميق الذي ألفته يهمس لي: "أمسكت بك، لا عليك يا أثينا."

    لقد نجى جونكر.

    "إذا... فقد نجح ذلك البشري.. لا بأس بك يا فتى. " قلت في نفسي قبل أن أفقد الشعور بما حولي وتبتلعني موجة من الظلام الدامس.

    sign2
    "أمسكت بك... لا عليك يا أثينا..."
    اخر تعديل كان بواسطة » lotus2018 في يوم » 04-07-2019 عند الساعة » 23:18

  6. #5
    السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. smile

    مِن أجمل ما يُمكن تخيُّله بالنِّسبة لأحد عُشّاق أنمي "جونكر"، هو وجود مثل تلك الكاتبة العربيّة في الواقع! cool-new كاتبة تشتهر بكتابة روايات الخَيال العِلميّ الدِّراميّة.. مُبدعة أكشن رشيقة اللُّغَة، وروائيّة رومانسيّة فَذَّة.. لكنّها قَبْلَ ذلك أيضاً، جونكريّة حَتَّى النُّخاع! ولأنّها كذلك، فهي تأخذنا بخيالها الجامِح إلَى ذلك العالَم الجونكريّ السِّحرِيّ.. عالَمٌ يَرسمُه خيالها بإبداعٍ يجعلنا نَصْمتُ أمامه.. نُبْحِرُ بعيداً هناك مع كُلِّ حَرْفٍ وهَمْسَة، ونضيع بين روعة الكلمات وتناغم المَشاعِر مِن الخَيال السّاحِر.. em_1f4abe32e

    أجَلْ يا هبة! أرَى فيكِ تلكَ الكاتبة العربيّة القديرة!

    شكراً جزيلاً علَى البدء في طَرْحِ رائعتكِ "أنتَ هو وطني الّذي أنتمي إليه" بنسختها الثّانية (المُعَدَّلَة)، وكَم شَرَّفَني تواجد اسمي في الإهداء! e414

    أعْجَبَني الفصل الأوَّل جِدّاً! أعْجَبَتْني التّعديلات الّتي أدخلتِها! لقد أبْهَرْتِني عديد المَرّات يا هبة! قُدْرَتُكِ العجيبة علَى خَلْقِ تَداخُلٍ مُثيرٍ جِدّاً بين (أثينا) وأحداث حلقة (مليون نجمة) الأصليّة كانت مِن الأُمور الّتي تستحقّين عليها وِساماً خاصّاً! وأمّا نهايةُ الفصلِ فجاءت في مُنْتَهَى الرّومانسيّة! em_1f49e يا لَها مِن نهاية، وَيا لَها مِن صورة! e40a

    (ألَيْسَ الكَوْنُ جميلاً حَقّاً؟).. ذلك السّؤالُ الّذي حَملَهُ صوت جونكر الدّافِئ في نهاية حلقة والدة كانتارو المُزَيَّفة وأحداثها المُؤثِّرة.. في الحقيقة، مُنْذُ أن اختارَتْ الكاتبة ذلك السّؤال تحديداً لتبدأ به روايتها، أدْرَكْتُ أنّنا نقف أمام كاتبةٍ عظيمةٍ مُرْهَفَةِ الإحساس، سنتوق للتّحليق معها مُجَدَّداً في أحداثِ روايتها..

    لا تتأخَّري علينا رجاءً..
    🙏

    attachment
    الصور المرفقة الصور المرفقة attachment 
    اخر تعديل كان بواسطة » مامادو في يوم » 16-07-2019 عند الساعة » 20:36

  7. #6
    لقد أحسنت صنعا بوصف المعركة و كأنني أشاهد و أسمع حتى صوت أثينا و هي تخاطب كنتارو بتعالي و تلعن نفسها بسخط في موقف آخر و تسخر من المدمرين حين باغتتهم ثم تهتف كالمحاربين في هجومها عليهم ...
    و أعجبني منظر كنتارو الذي تخيلته و قد لمعت عيناه ببارقة أمل لدى لحاق أثينا به ^_^ و قبلها منظره حين توقف مشدوها حين وقفت أمامه فجأة
    كما تخيلت صراخها و منظرها متألمة وسط إشعاعات صحون المدمرين و تخيلت هجومها الأخير عليهم و الذي لم يحسبوا له حسابا حتى انتصرت عليهم
    كل ذلك جسدته ببراعة منقطعة النظير
    رغم ذلك مازلت أحب نسختك القديمة أكثر ، اعذريني فقد تعلقت بها
    و بانتظار التتمة ^_^
    بالتوفيق
    http://www.quranflash.com/
    اللهم أنر و أفسح قبور أمي و أبي الحبيبين
    و خالتي الحبيبة
    جمعني الله بكم في الفردوس
    رب آنس وحشتي و كن معي


  8. #7
    "أليس الكون جميلاً حقاً؟"

    كان يطرح هذا السؤال علي كلما جلسنا نراقب الأرض من على سطح القمر. الواقع أنه لم يكن سؤالاً بقدر ما كان تصريحاً... نعم... لقد كانت تلك الكلمات التي لا يمل من تكرارها على مسمعي بمثابة إعلان لولائه الأبدي وتعبيراً عما يفيض في صدره من عشق لهذا الكوكب. لن أبالغ لو قلت إنني ربما سمعت هذه الكلمات قرابة الألف مرة ونيف خلال الأشهر القليلة التي أمضيتها هنا منذ وصولي لهذه المجرة. في كل مرة سمعتها فيها كانت ردة فعلي هي إما تجاهله بصمت... أو تجاهله مع زفرة تضجر. وأحياناً كنت أشزره بنظرة ممتعضة. لكن كان من الواضح أنه مهما كانت ردة فعلي فهي لن تمنعه من اعادة طرح هذا السؤال لآلاف مرات قادمة.
    يا لها من مقدمة شاعرية جميلة، كأنني أقرأ أبيات شعر، لا مطلع قصة. أقول دائما أن مقدمة القصة هي أهم فقرة في أي قصة، فإما أن تكون جذابة فتشد القارئ. أو ضعيفة فتقتل رغبة المتابعة. وهذه المقدمة جعلت خيالي يتوسع أكثر.
    في واحدة من الأسئلة المحيرة عن بطلنا الجبار هو: أين يختفي جونكر في لحظاات الهدوء والسكينة؟ ومن أين يظهر عندما يستدعيه كنتارو لحظة الخطر؟

    في رأي الشخصي، جونكر يظل حائما في الفضاء ويدور حول الأرض متأهباً ومستعداً لاتصال كنتارو عندما يكون هناك خطر من المدمرين.
    فكرة أن يكون على سطح القمر يراقب الأرض، استثنائية جداً وقد أعجبتني.


    أنا مخلوقة من معدن حي، أتيت من مجرة تبعد ملايين السنوات الضوئية عن كوكب الأرض. مجيئي كان بمحض المصادفة، فقد كنت هاربة من (أسياد) مجرتنا، والذين هم مخلوقات ذكية صغيرة الحجم تشبه البشر نوعاً ما. كان (أسيادنا) يصنعوننا من المعدن الحي الذي ينتشر بوفرة في كواكب تلك المجرة. كان الهدف من صنعنا هو مساعدتهم في تشييد عوالمهم والمساهمة في حمايتها من غزو المخلوقات المعادية. تعايشنا معهم لمئات السنين، وكانت حياة مثالية بالنسبة لنا.
    كوكب سكانه مصنوعون من المعدن الحي؟؟؟؟ كم من الممكن هذا أن يسعد جونكر. ليس فقط أن يتعرف على أحد من بني جنسه ولكن أن يكون هناك عالم سكانه من أمثاله، سيكون هذا حلما له بأن يذهب إلى ذلك عالم.

    لكن بمرور الوقت بدأت الحروب والنزاعات تنشب بين كواكب هذه المجرة، وصار (أسيادنا) يتصارعون فيما بينهم للسيطرة على الثروات الطبيعية وشتى الموارد. وجدنا أنفسنا نحن مخلوقات المعدن الحي قد تم إقحامنا في هذه الحروب، فانتهى بنا الأمر كأدوات فتاكة للحرب. صرنا نتقاتل فيما بيننا أيضاً. البعض منا لم يمانعوا أن يقتلوا إخوتهم وحتى أن يسفكوا دماء شعوب تلك الكواكب باسم الولاء للسادة وإطاعة أوامرهم. أما أولئك الذين رفضوا أن يصبحوا أدوات للحرب، فقد تم وسمهم بالخيانة وتمت ملاحقتهم وإبادتهم من قبل إخوتنا أنفسهم. أولئك الذين رفضوا الرضوخ لأوامر الاسياد أو من تم إلحاق الهزيمة بهم من الأطراف المعادية كان مصيرهم هو الزج بهم في سجون خاصة لا يمكن الفكاك منها وتعذيبهم بوحشية.
    إن دوام الحال من المحال، ولابد أن يغلب الطمع والجشع وحب السيطرة على أصحابه. مسكينة ما قاسته أثينا، هي وبني جنسها.

    مخلوقات صغيرة بشعة كانت تملؤ تلك المركبة، وفي نظري لم يكونوا سوى نسخة أخرى من الأسياد. سمعتهم يتحدثون عن استغلالي واستخدامي كأداة للقتال ضد عدو لهم يمنعهم من السيطرة على كوكب يسمى بـ (الأرض). لم أكن لأسمح لهم بذلك.. فأنا سئمت من كوني دمية تتلاعب بها المخلوقات الأخرى. لكن مقاومتي لهم لم تكن ذات جدوى للأسف. تلك الكائنات الشريرة وضعت حول عنقي طوقا غريبا أخضعني لسيطرتهم التامة. رغم محاولتي لمقاومتهم لكن سيطرة الطوق كانت أقوى مني.

    مسكينة، هربت من أسر لتقع في آخر. وممن؟ من أسوء غزاة للفضاء. الطوق الذي وضعوه على رقبتها، كان أبشع مثال للاستعباد والسيطرة. وهذا في نظري يدل على أن المدمرين أكثر سوءً من (الأسياد).

    ما جرى بعدها كان أشبه بحلم لا أستطيع الاستيقاظ منه. كان جسدي لا يستجيب لي.. بل لأوامر ذلك المدعو بالمدمر (1). ذلك القذر.. فقط لو تمكنت من إحكام قبضتي عليه قبل أن يثبت هذا الطوق اللعين علي بلحظة واحدة لكنت سحقته بين أصابعي بلا تردد!

    وجدت نفسي قد زججت في قتال آخر ضد من هو من بني جنسي، تماماً كما كان الحال في حلبات الموت عندنا. كان اسمه جونكر. كان مقاتلاً شديد البأس وذكياً، لكنه واجه وقتاً عصيباً في قتالي الذي ما كان لينتهي إلا بموت أحدنا.. لكن أمري لم يكن بيدي وقتها. بعد مواجهة عنيفة وطويلة بيننا أرهقت كلينا، سنحت لي فرصة أخيرة كي أجهز عليه. لكنه تمكن بحركة خاطفة من تحطيم الطوق الذي يتحكم بي. يبدو أنه أدرك أنني لست عدواً له.. وأنني واقعة تحت سيطرة المدمرين ليس إلا.

    فجأة بدأ كل شيء من حولي يدور كالدوامة، وأخذ جسدي يتهاوى نحو الأرض حتى كاد يرتطم بها... لولا أن أسرع جونكر ليلتقطني بين ذراعيه. كان آخر ما سمعته قبل أن يغشى علي صوته يهمس لي: "أمسكت بك.. لا عليكِ..."

    لا أدري كم بقيت غائبة عن الوعي، لكنني حين استيقظت وجدته بقربي.

    لم يكن وحده. كان معه مخلوق صغير شبيه الى حد ما بـ (الأسياد). لا شك أنه واحد من سكان هذا الكوكب الذين سمعت المدمرين يدعونهم (البشر). أبدى جونكر ارتياحه لتخليصه لي من سيطرة المدمرين، وشعرت أنه توقع مني أن أشكره أو ما شابه، لكنني لم أفعل. سألني إن كنت بخير. نظرت إليه مطولاً... كان جسده في حالة يرثى لها من نزالنا.. ويسألني إن كنت أنا بخير؟ ما أغرب أمره.
    من الطبيعي أن يرسلوها لقتال جونكر، وفي الحقيقة أثينا مقاتلة قوية جداً، الأمر يعود لخبرتها الطويلة في القتال لكن جونكر لم يكن قليل الحيلة أيضا. جيد أن استطاع انتزاع الطوق من رقبتها وحررها من سيطرة المدمرين. لكن من الواضح أيضا أنها متكبرة وتعالية. كيف لها ألا تشكر جونكر على مساعدته لها.

    نظرت في عينيه... ولدهشتي رأيت فيهما اهتماماً وعطفاً لم أتوقعهما. كان واضحاً أنه قلق علي. لكن لماذا يقلق على غريبة مثلي؟ ألم أكن على وشك قتله للتو؟ ألم أقابل صنيعه بالجحود والنكران؟ و فوق هذا كله يطمئنني و يعدني بالأمان.. ما أغرب أمر جونكر هذا فعلاً!
    من عاش الحرب والألم والموت والدمار، يصعب عليه أن يفهم أو أن يعرف معنى العطف والأهتمام. مسكينة أثينا، على الرغم من تكبرها، إلا أن وراء ذلك البرود، ألم ومعاناة. وتصرف جونكر ليس بجديد على محارب نبيل مثله.


    الكاتبة الرائعة هبة، لقد أعجبتني الصفحة الأولى وسوف أعود للتعليق على البقية. أحيكي على ما كتبتي.
    اخر تعديل كان بواسطة » Sari Husam Ahel في يوم » 19-07-2019 عند الساعة » 09:17

  9. #8

    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة مامادو مشاهدة المشاركة
    السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. smile

    مِن أجمل ما يُمكن تخيُّله بالنِّسبة لأحد عُشّاق أنمي "جونكر"، هو وجود مثل تلك الكاتبة العربيّة في الواقع! cool-new كاتبة تشتهر بكتابة روايات الخَيال العِلميّ الدِّراميّة.. مُبدعة أكشن رشيقة اللُّغَة، وروائيّة رومانسيّة فَذَّة.. لكنّها قَبْلَ ذلك أيضاً، جونكريّة حَتَّى النُّخاع! ولأنّها كذلك، فهي تأخذنا بخيالها الجامِح إلَى ذلك العالَم الجونكريّ السِّحرِيّ.. عالَمٌ يَرسمُه خيالها بإبداعٍ يجعلنا نَصْمتُ أمامه.. نُبْحِرُ بعيداً هناك مع كُلِّ حَرْفٍ وهَمْسَة، ونضيع بين روعة الكلمات وتناغم المَشاعِر مِن الخَيال السّاحِر.. em_1f4abe32e

    أجَلْ يا هبة! أرَى فيكِ تلكَ الكاتبة العربيّة القديرة!

    شكراً جزيلاً علَى البدء في طَرْحِ رائعتكِ "أنتَ هو وطني الّذي أنتمي إليه" بنسختها الثّانية (المُعَدَّلَة)، وكَم شَرَّفَني تواجد اسمي في الإهداء! e414
    أخي العزيز مامادو. للمرة المليون أشكرك على دعمك المتواصل وكلماتك التي توقد في نار الحماسة وتدفعني للاستمرار دوماً! ثقتك العالية بكتاباتي المتواضعة تشيع في نفسي سروراً لا حدود له. يكفيني فخراً أنك وصفتني بأنني (جونكرية حتى النخاع) ! فهذا بحد ذاته وسام أعلقه على صدري ما دام في الحياة بقية!

    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة مامادو مشاهدة المشاركة

    أعْجَبَني الفصل الأوَّل جِدّاً! أعْجَبَتْني التّعديلات الّتي أدخلتِها! لقد أبْهَرْتِني عديد المَرّات يا هبة! قُدْرَتُكِ العجيبة علَى خَلْقِ تَداخُلٍ مُثيرٍ جِدّاً بين (أثينا) وأحداث حلقة (مليون نجمة) الأصليّة كانت مِن الأُمور الّتي تستحقّين عليها وِساماً خاصّاً! وأمّا نهايةُ الفصلِ فجاءت في مُنْتَهَى الرّومانسيّة! em_1f49e يا لَها مِن نهاية، وَيا لَها مِن صورة! e40a
    الحمد لله أنه أعجبك. هو لم يستغرق سوى 7 أشهر كي تنتهي تعديلاته em_1f606

    حلقة مليون نجمة من الحلقات المفضلة عندي وأعتبرها من الحلقات القوية والمميزة. أحببت أن يكون لأثينا دور في بعض من حلقات المسلسل دون إجراء تغيير جوهري على الحبكة نفسها، واخترت هذه الحلقة لتكون بداية التغيير في أثينا وعلاقتها بجونكر، ويسعدني أنني وفقت في اختياري. يسعدني أن الصورة الجديدة نالت اعجابك، وأنا ممتنة لأنني وجدت ذلك الرسام المحترف الذي أبدعت أنامله في تصوير هذا المشهد!


    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة مامادو مشاهدة المشاركة

    (ألَيْسَ الكَوْنُ جميلاً حَقّاً؟).. ذلك السّؤالُ الّذي حَملَهُ صوت جونكر الدّافِئ في نهاية حلقة والدة كانتارو المُزَيَّفة وأحداثها المُؤثِّرة.. في الحقيقة، مُنْذُ أن اختارَتْ الكاتبة ذلك السّؤال تحديداً لتبدأ به روايتها، أدْرَكْتُ أنّنا نقف أمام كاتبةٍ عظيمةٍ مُرْهَفَةِ الإحساس، سنتوق للتّحليق معها مُجَدَّداً في أحداثِ روايتها..

    أوه كم أخجلتني e056 تلك العبارة التي يرددها بطلنا الغالي هي أحد الأسباب التي جعلتني أغرم به أصلاً ولها مكانة خاصة في القلب e106

    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة مامادو مشاهدة المشاركة

    لا تتأخَّري علينا رجاءً..[/COLOR] 🙏
    الفصل الثاني على الطريق... وقد انجزت فيه الكثير e106 و سيكون هذه المرة على لسان جونكر شخصياً !

    attachment

    e20ce20ce20ce20ce20cصدقني حين أقول لقد دمعت عيناي من فرحتي حين رأيت هذه الصورة الرائعة التي لو قضيت الدهر أشكرك عليها لما وفيتك حقك. من أعماق أعماق قلبي اشكرك على هذه اللوحة الفنية التي اعتز بها :e106

  10. #9
    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة مايـا مشاهدة المشاركة
    [FONT=arial narrow][SIZE=4]لقد أحسنت صنعا بوصف المعركة و كأنني أشاهد و أسمع حتى صوت أثينا و هي تخاطب كنتارو بتعالي و تلعن نفسها بسخط في موقف آخر و تسخر من المدمرين حين باغتتهم ثم تهتف كالمحاربين في هجومها عليهم ...

    و أعجبني منظر كنتارو الذي تخيلته و قد لمعت عيناه ببارقة أمل لدى لحاق أثينا به ^_^ و قبلها منظره حين توقف مشدوها حين وقفت أمامه فجأة

    كما تخيلت صراخها و منظرها متألمة وسط إشعاعات صحون المدمرين و تخيلت هجومها الأخير عليهم و الذي لم يحسبوا له حسابا حتى انتصرت عليهم
    كل ذلك جسدته ببراعة منقطعة النظير
    رغم ذلك مازلت أحب نسختك القديمة أكثر ، اعذريني فقد تعلقت بها
    و بانتظار التتمة ^_^
    بالتوفيق
    غاليتي مايا، يسعدني أن ما كتبت لاقى اعجابك واستحسانك فرأيك فيما أكتب يهمني للغاية e106e106 أرجو أن أوفق في مواصلة الكتابة على النحو اللائق بقصة تتحدث عن بطلنا ! ويسعدني أنك أحببت النسخة القديمة و تفضلينها إذ يكفيني فخراً أنها كانت جيدة بما يكفي لتتعلقي بها. أرجو أن أتمكن من اقناعك بالقصة المعدلة بحيث تجدينها بروعة القديمة !

  11. #10
    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة Sari Husam Ahel مشاهدة المشاركة
    يا لها من مقدمة شاعرية جميلة، كأنني أقرأ أبيات شعر، لا مطلع قصة. أقول دائما أن مقدمة القصة هي أهم فقرة في أي قصة، فإما أن تكون جذابة فتشد القارئ. أو ضعيفة فتقتل رغبة المتابعة. وهذه المقدمة جعلت خيالي يتوسع أكثر.
    أشكرك أخي ساري. أنت لك الفضل الأكبر في أنني تجرأت و نشرت قصتي رسمياً على الملأ و يسعدني ترك بصمتك هنا! وكأننا بالأمس تعارفنا من خلال فيديوهات ولات على اليوتيوب. أين كنا و أين صرنا! الأيام تطير فعلاً e01d

    صدقت... المقدمة مهمة جداً ولكن لا انجح في اختيار المقدمة المناسبة دائماً e40f لكن هذه العبارة بالذات لها مكانة خاصة في قلبي e106 لذا كان لا بد من استخدامها وأعتقد أنها أتت في الموقع المناسب تماماً!

    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة Sari Husam Ahel مشاهدة المشاركة
    في واحدة من الأسئلة المحيرة عن بطلنا الجبار هو: أين يختفي جونكر في لحظاات الهدوء والسكينة؟ ومن أين يظهر عندما يستدعيه كنتارو لحظة الخطر؟

    في رأي الشخصي، جونكر يظل حائما في الفضاء ويدور حول الأرض متأهباً ومستعداً لاتصال كنتارو عندما يكون هناك خطر من المدمرين.
    فكرة أن يكون على سطح القمر يراقب الأرض، استثنائية جداً وقد أعجبتني.
    وأنا راودني هذا السؤال لعقود! وكنت أفكر فعلاً أنه حقاً يطير هنا وهناك بحرية كما في اغنية النهاية اليابانية و كذلك يجوب الفضاء الشاسع لكن غير بعيد عن الأرض متأهباً و منتظراً نداء كنتارو له... وهذا فعلاً حاله في القصة اضافة لمكوثه على القمر أحياناً لمراقبة جمال الأرض. لكن مع وجود اثينا كان مضطراً في البداية لملازمة القمر معها لفترات طويلة كي لا تشعر بالوحدة (رغم تصريحها بأنها ترغب في البقاء وحيدة أصلاً!) لكن بمرور الوقت سترى بعينك كيف سيتغير الوضع.

    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة Sari Husam Ahel مشاهدة المشاركة
    كوكب سكانه مصنوعون من المعدن الحي؟؟؟؟ كم من الممكن هذا أن يسعد جونكر. ليس فقط أن يتعرف على أحد من بني جنسه ولكن أن يكون هناك عالم سكانه من أمثاله، سيكون هذا حلما له بأن يذهب إلى ذلك عالم.
    نعم... أنت تعرف مدى تاثري بسلسلة (ترانزمفورمرز). إن كان لتلك العمالقة المتحولة عالمها الخاص فلم لا يكون لعمالقة المعدن الحي عالمها أيضاً؟

    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة Sari Husam Ahel مشاهدة المشاركة
    إن دوام الحال من المحال، ولابد أن يغلب الطمع والجشع وحب السيطرة على أصحابه. مسكينة ما قاسته أثينا، هي وبني جنسها.


    مسكينة، هربت من أسر لتقع في آخر. وممن؟ من أسوء غزاة للفضاء. الطوق الذي وضعوه على رقبتها، كان أبشع مثال للاستعباد والسيطرة. وهذا في نظري يدل على أن المدمرين أكثر سوءً من (الأسياد).
    سأتطرق لتفاصيل عديدة بهذا الخصوص مع الوقت فترقبها.

    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة Sari Husam Ahel مشاهدة المشاركة
    من الطبيعي أن يرسلوها لقتال جونكر، وفي الحقيقة أثينا مقاتلة قوية جداً، الأمر يعود لخبرتها الطويلة في القتال لكن جونكر لم يكن قليل الحيلة أيضا. جيد أن استطاع انتزاع الطوق من رقبتها وحررها من سيطرة المدمرين. لكن من الواضح أيضا أنها متكبرة وتعالية. كيف لها ألا تشكر جونكر على مساعدته لها.
    أثينا صعبة المراس وطباعها ليست محببة em_1f606 لكن فلنمحها فرصة فالأسباب واضحة

    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة Sari Husam Ahel مشاهدة المشاركة
    من عاش الحرب والألم والموت والدمار، يصعب عليه أن يفهم أو أن يعرف معنى العطف والأهتمام. مسكينة أثينا، على الرغم من تكبرها، إلا أن وراء ذلك البرود، ألم ومعاناة. وتصرف جونكر ليس بجديد على محارب نبيل مثله.
    :e414e00ee00ee00ee00ee00e

    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة Sari Husam Ahel مشاهدة المشاركة
    الكاتبة الرائعة هبة، لقد أعجبتني الصفحة الأولى وسوف أعود للتعليق على البقية. أحيكي على ما كتبتي.
    وأنا سأكون بالانتظار. أشكرك جزيلاً e414

  12. #11
    lotus2018
    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة lotus2018 مشاهدة المشاركة
    أخي العزيز مامادو. للمرة المليون أشكرك على دعمك المتواصل وكلماتك التي توقد في نار الحماسة وتدفعني للاستمرار دوماً! ثقتك العالية بكتاباتي المتواضعة تشيع في نفسي سروراً لا حدود له. يكفيني فخراً أنك وصفتني بأنني (جونكرية حتى النخاع) ! فهذا بحد ذاته وسام أعلقه على صدري ما دام في الحياة بقية!
    تستحقِّين كُلَّ الدّعم مِنِّي ومِن جميع عُشّاق جونكر، ويكفي أنَّكِ أوّل جونكريّة عربيّة أعرفها عَكَفَتْ علَى كتابة مِثْلِ هذه القِصّة العجيبة، وبِمِثْلِ هذه الجَوْدَة! cool-new

    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة lotus2018 مشاهدة المشاركة
    الحمد لله أنه أعجبك. هو لم يستغرق سوى 7 أشهر كي تنتهي تعديلاته em_1f606
    الأشياء العظيمة تتأخَّر قَبْلَ أنْ تأتي! e405

    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة lotus2018 مشاهدة المشاركة
    حلقة مليون نجمة من الحلقات المفضلة عندي وأعتبرها من الحلقات القوية والمميزة.
    هي حَقّاً كذلك! smile

    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة lotus2018 مشاهدة المشاركة
    أحببت أن يكون لأثينا دور في بعض من حلقات المسلسل دون إجراء تغيير جوهري على الحبكة نفسها، واخترت هذه الحلقة لتكون بداية التغيير في أثينا وعلاقتها بجونكر، ويسعدني أنني وفقت في اختياري.
    وأنا أحببتُ هذا الأمْرَ جِدّاً منكِ! مِن المُلْفِت والرّائع أنَّكِ قُمْتِ بخَلْقِ خَطٍّ مُوازٍ لأثينا في أحداث حلقة مليون نجمة، سارَتْ عليه دون التّأثير علَى سَيْرِ الأحداث الأصليّة للحلقة نَفْسِها! أنتِ صانِعَةٌ ماهِرَة وحاذِقة!

    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة lotus2018 مشاهدة المشاركة
    يسعدني أن الصورة الجديدة نالت اعجابك، وأنا ممتنة لأنني وجدت ذلك الرسام المحترف الذي أبدعت أنامله في تصوير هذا المشهد!
    إنّهُ فَنّانٌ كبير! أتَرَقَّبُ أعمالَهُ الجونكريّةَ القادِمةَ مَعَكِ! asian

    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة lotus2018 مشاهدة المشاركة
    أوه كم أخجلتني e056 تلك العبارة التي يرددها بطلنا الغالي هي أحد الأسباب التي جعلتني أغرم به أصلاً ولها مكانة خاصة في القلب e106
    عِبارةٌ لا تُنْسَى! e40a

    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة lotus2018 مشاهدة المشاركة
    الفصل الثاني على الطريق... وقد انجزت فيه الكثير e106 و سيكون هذه المرة على لسان جونكر شخصياً !
    attachment

    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة lotus2018 مشاهدة المشاركة
    e20ce20ce20ce20ce20cصدقني حين أقول لقد دمعت عيناي من فرحتي حين رأيت هذه الصورة الرائعة التي لو قضيت الدهر أشكرك عليها لما وفيتك حقك. من أعماق أعماق قلبي اشكرك على هذه اللوحة الفنية التي اعتز بها :e106
    يُسْعِدُني عَظيمَ السّعادة أنّ التّصميم قد نالَ رضاكِ! attachment حاولتُ تقديم شيءٍ يليق بمقام قصَّتِكِ الجميلة وتلك الصّورة الرّائعة الّتي جَسَّدَتْ نهاية الفصل الأوّل، والحمد لله أنّ النّتيجة جاءت مُرْضِيَةً بالنِّسبة لكِ، خصوصاً أنّني لَسْتُ مُصَمِّماً محترفاً! em_1f605

    تمنِّياتي لَكِ بِكُلِّ التّوفيق والمَزيد مِن العطاء الإبداعيّ..
    الصور المرفقة الصور المرفقة attachment attachment 

  13. #12
    كنا نجلس على القمر لساعات بصمت نتأمل جمال الأرض الأخاذ ونستمتع بالسكينة والهدوء. كنا نسترق هذه الأوقات حين لا يكون هناك هجوم كاسح على الأرض من قبل تلك المخلوقات البغيضة التي تسعى للسيطرة على هذا الكوكب. في البداية كان وجوده يضايقني، وكنت أصرخ فيه مطالبة إياه بتركي وشأني، لكنه كان عنيداً. كان يصر على الجلوس بالقرب مني ويلتزم الصمت كي لا أشعر بوجوده. شيئا فشيئاً اعتدت على ذلك ولم يعد وجوده مصدراً للضيق بالنسبة لي. نادراً ما كنا نتحدث، وكنت أراقبه وهو يطير نحو الأرض مسرعاً حين تتوهج قلادته العجيبة تلك في إشارة له من شريكه الصغير أن الأرض في خطر وشيك. كانت تمضي الساعات ثقيلة علي، ثم أجده يعود منتصرا و آثار الإنهاك على جسده. في البداية كنت غير مبالية بتفاصيل معاركه ولا حتى بعودته سالماً. و لكنني بمرور الأيام بدأت أشعر بأن الفضول يقتلني.. وكنت لسبب ما أغدو مشغولة البال إن تأخر بالعودة. لعل سبب قلقي كان خوفي من السقوط في براثن الوحدة من جديد ما إذا قضى جونكر على يد المدمرين؟ كنت اقنع نفسي بأن أمره لا يهمني على الإطلاق. لكن هذا لم يصرف عني تلك الهواجس.
    أتخيل هذا المنظر الجميل، البطل الجبار والمحاربة العظيمة، معا على سطح القمر، ينظران إلى الأرض ويتأملان جمالها. على الأقل جونكر يفعل أما أثينا، فأين تسرح في أفكارها ؟

    رغم أن جونكر يعرف أن أثينا لن تعطيه حق أو باطل في جلوسه قربها، إلا أن في اعتقادي أنه يفعل لذلك من أجل نفسه، لا من أجلها. صحيح أن جونكر ليس وحيدا في هذه الدنيا طالما أن لديه كنتارو والأستاذ هوشي و راي في حياته، لكن أن يكون برفقة شخص مثله، هذه بحد ذاتها نعمة. لو أن أثينا فكرت بذلك، لربما تفاعلت معه وتشاركت معه أطراف أحاديث.

    قلقها على جونكر عندما يطول غياب، يعني أن مشاعرها تجاه بدأت تلين وصارت تألفه. لا بد وأن الأمر صعب عليها، فهي لم تعرف في حياتها الموحشة كي تعبر عن مشاعر المراعاة والإهتمام.


    في واحدة من تلك المرات التي طال فيها غيابه استبد بي القلق بحيث فكرت جدياً في الطيران نحو الأرض والتحقق من مصيره. لكن بينما كنت أشاور نفسي لمحته قادماً نحوي فتنفست الصعداء. كنت ألعنه في نفسي على جعلي عرضة للقلق هكذا.

    حالما حطت قدماه على الأرض تأملت هيأته وقلت بلا تفكير: " تبدو بحال مزرية أكثر من العادة.. هل كانت المعركة صعبة هذه المرة؟"

    اتسعت عيناه دهشة مني! كانت الصدمة تغشى ملامح وجهه لدرجة أشعرتني برغبة في أن تنشق الأرض وتبتلعني. سارعت بالقول بحنق محاولة إخفاء ملامح الارتباك: "لم تنظر إلي هكذا ؟ كان هذا فضولاً لا اهتماماً!"

    أطلق جونكر ضحكة عالية. ضحك واسترسل في مزيد من الضحك. ازداد شعوري بالحنق واستبدت بي رغبة في مهاجمته وإشباعه ضرباً. شددت على قبضتي وأنا أتميز غيظاً. "ما الشيء المضحك ؟!"

    تمالك نفسه وتوقف عن الضحك بصعوبة. "لأول مرة تبدين اهتماماً بحالتي!"

    حاولت جهدي أن أرد عليه بنبرة لا مبالية، لكن مزيج الارتباك والغضب اللذين كانا لا يزالان يلونان وجهي أفسدا الأمر. "من أخبرك أنني مهتمة؟ لا أبالي حتى لو ذهبت إلى الجحيم!"
    له الحق أن يستغرب، فأن تسأله أثينا عن صحته وعن معركته الصعبة له مفاجئة كبيرة. قلقها عليه دليل على أرتياحها له. من طبيعي أن تحور سؤالها حتى لا تظهر مشاعر المراعاة، لكن في رأي، إنها البداية لمعاملة أفضل.


    جلس بقربي كعادته وحدق كلانا بكوكب الأرض. سألني بصوته العميق "أليس الكون جميلا حقاً ؟"

    شعرت لأول مرة منذ وصولي بشيء يتحرك في أعماقي. شيء زعزع الصخرة الباردة التي تجثم على أشلاء روحي المنهكة. لأول مرة بدا لي أنني أبصر كوكب الأرض بحق. باغتتني قشعريرة غريبة وأنا أتأمل هذه الزرقة الفاتنة... أي سحر يملكه هذا الكوكب الصغير الأزرق بحيث يجعل هذا المخلوق القابع بقربي يتعلق به إلى الحد الذي يجعله يضحي بنفسه في سبيل حمايته رغم أنه ليس موطنه الحقيقي؟

    هذه المرة كلماته أثارت في نفسي شعورا بالراحة والطمأنينة. تمتمت بعفوية بصوت بالكاد مسموع: "نعم.. إنه جميل حقاً."
    اجابته على سؤاله الشهير، دليل أقوى على أنها تتغير وإلى الأفضل.


    "أثينا... أعيدي التفكير فيما انت مقدمة عليه!" قال لي بنبرة فيها شيء من التوسل. "قاعدة المدمرين قد تكون في أي مكان في هذا النظام الشمسي. إنها محاطة بحاجز ساتر يحجبها عن الرؤية تماماً. سبق وحاولت البحث عنها بلا طائل. قد تقعين في قبضتهم مجدداً دون ان تدركي وجودهم قربك حتى!"
    رغم أنه خائف عليها من خطر المدمرين إذا ما التقت بهم، إلا أنني مصر على أن رغبته في أن تبقى أثينا على الأرض لأنها من بني جنسه.


    رددت عليه وابتسامة متعالية على شفتي: "لو صدقت توقعاتك هذه فسيكون هذا من سوء حظهم هذه المرة." تابعت بصوت متغطرس وقد استسغت الفكرة برمتها: "في الواقع إني أتمنى... بل إني أريد أن أجد قاعدة تلك الحثالة وأمزقهم شر تمزيق جزاء على فعلتهم تلك. سيدفعون الثمن غالياً."
    غرورها وتكبرها سيوقعانها في المأزق الأكبر في المستقبل.


    " لم لا تطوين صفحة الماضي يا أثينا وتبدئي حياة جديدة هنا على الأرض؟ اعتبري هذا المكان موطنك من الآن فصاعداً."

    ليت الأمر كان بهذه البساطة يا جونكر. ليته كان كذلك.
    نسيان الماضي صعب، ولكنه ضروري حتى يتمكن المرء من العيش بسلام وراحة البال.


    حين عدت إلى القمر لمحت شيئاً ما يطير خارجاً من غلاف الأرض سرعان ما تبين أنها مركبة فضائية غريبة الشكل. لم تبد لي كإحدى سفن المدمرين. ما هي إلا لحظات حتى اقتربت المركبة المسرعة مني، وكم كانت دهشتي عارمة حين ميزت قائدها.

    "أثينا!" هتف قائد المركبة من داخلها حالما صار بقربي. "أتذكرينني؟ أنا كنتارو!"

    بالطبع تذكرت من يكون. صحيح أننا لم نتقابل سوى مرة واحدة قبل شهور مضت - ولم يكن هذا اللقاء ساراً بلا ريب - لكن الفتى البشري كان قد ترك انطباعاً قوياً في نفسي. كنت أتذكر مشهد التحامه العجيب مع جونكر في كل مرة كانت تلمع فيها قلادة الأخير. تذكرت أيضاً المرة الوحيدة التي حاول فيها جونكر عبثاً تجاذب أطراف الحديث معي قائلاً إن كنتارو يسأله عني باستمرار ويتمنى أن أكون بحال أفضل. كان ردي ببساطة هو أنني لويت شفتي بازدراء وقلت بفظاظة: "بلغ كنتارو تحياتي وأخبره أن يذهب للجحيم". لا داعي لأخبركم أن جونكر لم يكن مسروراً ابداً بردي هذا.
    ِشهور ولم تنزل للأرض؟؟؟ ألهذه الدرجة كانت أثينا تحب العزلة؟ أو ربما لم ترغب في لقاء كنتارو أصلاً؟ أعتقد أن كره أثينا للأسياد انعكس سلباً كنتارو، بحكم أن الأسياد لهم شبه قريب للبشر. في رأي أن كنتارو قد ترك انطباعاً على أثينا في أول و آخر لقاء بينهما ربما لأنه قريب جدا من جونكر وأنه يعامله بالمساواة.


    شعرت أن هناك خطباً ما... أليس من المفترض أن يكون جونكر بصحبة كنتارو هذǿ لم هو خارج نطاق الأرض بمفرده في هذه المركبة الغريبة؟ وأين هو جونكر بأي حال؟
    إنها خائفة عليه تماماً.


    كانت هذه الأسئلة تتزاحم في رأسي، وقبل أن تتاح لي فرصة طرح أي منها عليه صاح بصوت لمست فيه الهلع: "جونكر في خطر يا أثينا! لقد أخذه المدمرون لكوكب ما... وهو بين الحياة والموت في هذه اللحظة!"

    ما إن وقعت هذه الكلمات على مسمعي حتى شعرت ببرودة تسري في أوصالي وابتلعت ريقي بصعوبة. حاولت السيطرة على الرعشة التي كادت تطغى على صوتي. "كيف حصل ذلك؟"

    "لا وقت للشرح... علي أن أسرع لمساعدة جونكر وراي كذلك قبل فوات الأوان!"
    تصحيح، إنها خائفة عليه لحد الموت.


    انطلق كنتارو بصحنه الطائر متجهاً إلى الكوكب الذي يظن أن المدمرين أخذوا جونكر إليه بلا تردد، ورأيته يلتفت للخلف نحوي وكأنه يدعوني لمرافقته. دون أي تفكير وجدتني أطير إلى جانب مركبته، وخلال تلك الرحلة أخبرني بشكل موجز عما جرى. كان المدمرون قد اختطفوا صديقة كنتارو واستخدموها كرهينة، وهددوا بقتلها إن قاومهم جونكر. انفصل الأخير عن شريكه البشري وذهب خلف الوحش الآلي لإنقاذ الصغيرة ولكن بدلاً من ذلك انتهى به الأمر أسيراً للعدو، وبطريقة ما اكتشف المدمرون الأوغاد أن نقطة ضعف جونكر هي قلادته فأطلقوا عليها نيرانهم بلا رحمة وأردوه صريعاً. أخبرني كنتارو أنه إن لم يعجل في محاولة انعاش جونكر بالتحامه به فقد يخسر الأخير حياته بالفعل.
    هذه الفقرة هي المفاجئة الكبرى لي. لقد قمت أدخلتي حلقة "اختطاف راي" في خضم قصتك!!!!! أنا أحييك على هذه الفكرة الرائعة.


    "يا له من مغفل... كيف يسير بقدميه نحو شرك واضح كعين الشمس بهذا الشكل؟" فكرت في نفسي وقد بلغ مني الغيظ والسخط مبلغاً شديداً. "لماذا يضع نفسه تحت رحمة عدوه من أجل طفلة! إلى متى سيبقى ذلك الأحمق يخاطر بنفسه من أجل هذه المخلوقات التافهة؟!"
    رغم أن مشاعر القلق والمراعاة بدأت تظهر عليها، إلا أنها لم تفهم بعد أن جزنكر مستعد أن يذهب إلى أقراص الأرض من أجل حياة صغيرة.


    أبصرت من بعيد ما لم يستطع البشري الصغير ابصاره. كان جيش من صحون المدمرين الطائرة قد تجمهر حول الكوكب الذي أعلمني كنتارو بإحداثياته. توقفت عن الطيران وهتفت بكنتارو آمرة إياه بالتوقف أيضاً. امتثل لي وقد أجفله توقفي المفاجئ.

    "لماذا توقفنا ؟ كدنا نقترب من حيث يوجد جونكر وراي!"

    "أستطيع رؤية أعداد من مركبات المدمرين تحيط بالكوكب الذي تقصده."
    ولما يقلقها هذا ؟


    تجهم وجه كنتارو، وأخذ يفكر بصوت عالٍ قائلاً وعيناه مصوبتان في الاتجاه الذي كان من المفترض أن نمضي فيه: "أوه... لا شك أن تلك المركبات كانت بصحبة مليون نجمة لتعمل على تأمين حماية المكان من أية مساعدة يخشون وصولها لجونكر."

    سرعان ما حول نظره نحوي. كانت عيناه اللتان تضاهي زرقتهما زرقة الكوكب الذي يعشقه جونكر ترمقانني بقلق. "لا وقت لدينا لمواجهتهم! كيف سنتصرف الآن يا أثينا ؟"
    كنتارو هو الآخر لن يتردد في فعل المستحيل لإنقاذ جونكر؟


    نظرت نحوه ببرود. هل كان ذلك الصغير يتوقع مني حقاً أن أقحم نفسي في شيء كهذا ؟ ما علاقتي أنا بالورطة التي ورط فيها بطله الجبار نفسه؟ لن أدعي أنني لم أشعر بالأسف على وقوعه في قبضة أولئك الملاعين. لكن الحقيقة هي أنه جنى على نفسه وعليه أن يدفع الثمن. طالما سيبقى جونكر يلعب دور المنقذ المضحي في سبيل هذه المخلوقات البائسة فليس من المستغرب أن يهلك على أيدي المدمرين، عاجلاً أم آجلاً.
    حقا قمة البرود، كيف لها أن تفكر بهذه الطريقة؟ اعتقدتها سوف تهب لانقاذ جونكر. أعتقد أنها خائفة بعد الشيء من لقاء المدمرين، ففي النهاية فعلوا بها ما هو أسوء مما كان الأسياد قد فعلوه بها وبإخوتها.

    كانت عيناه لا تزالان معلقتان بي مترقباً جوابي. طالعته ببرود وأتته كلماتي قاسية كالصخر. "ومن أخبرك أنني جزء من خطة الإنقاذ التي تزعمها ؟"
    لم تكن أثينا بخياره الأمثل للمساعدة لكن لم يكن لديه خيارات أخرى.


    رفع كنتارو حاجبيه متعجباً. أخذت يتلعثم بالكلمات ذاهلاً مما سمعه مني. "ماذا ؟ ولكن... ولكن!... ظننت..."

    قاطعته بنبرة تهكم: "ظننتني رافقتك لأنني أنوي تقديم المساعدة مثلاً؟ دعني أحزر... أنت لا تزال مقتنعاً أنني أدين لك ولجونكر بحياتي. أليس كذلك؟" صدرت مني قهقهة نضحت بسخرية لاذعة وأنا أضيف: "يا لك من ساذج!"

    احتدم وجهه غيظاً مني وأخذ جسده يرتعش قليلاً لشدة اهتياجه. صاح بي مستنكراً: "أنت... أنت حقاً لا تبالين بأمر جونكر؟ ألا يهمك إن قضى عليه المدمرون؟!"

    "... كلا." أجبته بجلافة.
    كلامها كان صدمة حقيقة لكنتارو ولكن ماذا كان يمكن أن يتوقع من محاربة باردة الأحاسيس والمشاعر؟ لكن حتى مع اجابتها أنها لا تبالي لما يمكن أن يحدث لجونكر فقد كان كذباً


    ما سر تلك الغصة التي كدت أختنق بها لحظتها ؟ لقد قلت الحقيقة ... أليس كذلك؟
    بدأت مشاعرها الباردة بالإنكسار.


    طالعني كنتارو بنظرة ناقمة أيما نقمة، وتوقعت منه أن يرعد ويزبد. لكنه فاجأني حين ابتلع سخطه وأشاح بوجهه بعيداً عني كاتماً غيظه. سمعته يتمتم قائلاً: "لا أفهم كيف يتعاطف جونكر مع مخلوق أناني وقاس مثلك. أنت بغيضة كالمدمرين! من يحتاج مساعدتك بأي حال!"
    تشبيهها بالمدمرين كفيل لأن يغير شيئاً من طريقة تفكيرها


    انطلق كنتارو بصحنه الطائر مبتعداً عني وأنا متعجبة من أمره. لقد توقعت منه أن يرجع القهقرى بعدما تبين له أنه لن يحظى بأية مساعدة مني... ولكنه عوضاً عن ذلك بدا أكثر إصراراً على انقاذ صديقيه. يا له من معتوه! كيف له أن يواجه كل تلك المركبات المدججة بالأسلحة والتي تقف بالمرصاد لأي دخيل؟ لا فرصة لصحنه الطائر هذا أمام شراسة العدو. سينسفونه بلا رحمة ما إن يلمحوه...
    هذا أفضل من أن يضيع وقته معها وفي سماع كلامها الجارح.


    أخذت أخبر نفسي أن مصير هذا الفتى لا يعنيني، وأنه وإن كان هو الآخر أحمق بما يكفي ليرمي نفسه للتهلكة فليكن. فليذهب للجحيم هو وجونكر وتلك الصغيرة... فليذهب كل أهل الأرض للجحيم، فأنا لا أبالي بأي منهم!

    شرع صوت خفي ينبعث من داخلي بإمطاري بوابل من التقريع ويكاد يدفعني للجنون... أخذت أهز رأسي بعنف محاولة اخراسه... لكن ذلك الصوت واصل توبيخي بإلحاح مقيت. فجأة قفزت لمخيلتي صور مرعبة... كنتارو ومركبته قد تحولا لغبار متناثر في الفضاء... جونكر ممزق إلى أشلاء... الأرض تستعر بنيران أسلحة المدمرين وينقلب لونها الأزرق إلى الأحمر الدامي...
    بدأ ضميرها يستيقظ.

  14. #13
    لم أشعر بنفسي إلا وأنا أطير بأسرع ما أستطيع كي ألحق بكنتارو وأنا ألعنه وألعن جونكر معه في نفسي. وصلت إليه في الوقت المناسب قبل أن يصبح مكشوفاً للمدمرين، فتنفست الصعداء لأن كارثة لم تقع. فوجئ بي ألقي بجسدي أمام مركبته الصغيرة لأقف حائلاً بينه وبينهم، فتوقف على الفور وفتح ثغره مشدوهاً. شعرت بالحرج حين رأيت عينيه تلمعان ببارقة من الأمل فتحاشيت النظر فيهما وأنا أعاجله بالقول بنبرة اجتهدت أن تكون جافة: "لا تسئ الفهم... فأنا لم أغير رأيي. كل ما في الأمر أنني أريد أن آخذ بثأري من هؤلاء الأوغاد."
    أحاول أن أفهم شخصية أثنا هنا. قلقة على كنتارو لدرجة أنها تشتمه وتلعنه. وعندما وقفت أمامه ورأت بريق عينيه، شعرت بالخجل من تركها له، وكي تخفي خجلها، وتظهر بمنظر القوية الصلبة، قالت تلك العبارات الأخيرة. فأي الشعورين هما الحقيقي؟


    أدرت ظهري له مستطردة: "أنا سأتولى أمر مركباتهم بينما تستغل أنت فرصة انشغالهم بمواجهتي لتتسلل نحو الكوكب. أمر انقاذ جونكر وصديقتك منوط بك أنت، فإن أخفقت فهذه مشكلتك وحدك."
    إنها تعمل على مبدأ "إذا فشلت، ذنبك على جنبك


    بالطبع لم أستطع رؤية ردة فعله حين وقعت كلماتي على مسمعه، لكنني لم أستطع منع نفسي من التساؤل ما إذا كان لا يزال يظن أنني وضيعة وأنانية. ليس الأمر وكأن رأيه بي يعنيني على أي حال.
    نسي كل هذا بعد أن عادت للمساعدة.


    وفي لمح البصر كنت قد أصبحت على مقربة من مركبات المدمرين الذين باغتتهم رؤيتي أظهر لهم هكذا من العدم. أراهن أن آخر شيء كانوا يتوقعونه هو أنني لا أزال موجودة في هذا النظام الشمسي بعد عن اختفيت عن الأنظار كل هذه المدة. ارتسمت ابتسامة عريضة على شفتي وأنا أسمعهم يخاطبون بعضهم بهلع من داخل مركباتهم وكل منهم يسأل الآخر ما إذا كانت هذه العملاقة الماثلة أمامهم هي فعلاً أثينا أم شبحها.
    الغضب الصاتع آتٍ


    جلجل صوت ضحكتي الساخرة وخاطبتهم باستفزاز: "مر وقت طويل... هل اشتقتم إلي أيها السفلة؟"

    خيم صمت مطبق قبل أن يرد علي أحدهم والذي هو على الأغلب الأعلى رتبة بينهم: "أنتِ! ماذا تفعلين هنا ؟!"
    "أتيت كي ألقنكم درساً يليق بكم!" أجبته وقد بدأ الغل الدفين في صدري تجاههم يتصاعد ويغمر كل ذرة في جسدي حتى شعرت برأسي يغلي منه. اتخذت وضعية الهجوم وعينا تلمعان كصياد يتأهب للانقضاض بوحشية على طريدته وأنا أزمجر: "حان وقت دفع الثمن أيها الأوغاد!"
    الإنتقام، هو طبق يفضل أن يقدم بارداً.


    انفجرت صرخة المحاربين متدفقة من أعماق صدري لتدوي في الأرجاء وأنا أندفع كالبرق نحو العدو. اقتحمت صفوفهم ونكلت بمركباتهم الواحدة تلو الأخرى، تارة أمزقها بأنصالي المتصلة بجسدي، وتارة أرمي بها نحو غيرها ليسحق بعضها بعضاً وتنفجر كالقنابل الموقوتة، وتارة أخرى أركلها بقدمي. كانت أعداد لا تحصى من مركباتهم تتكالب علي من كل حدب وصوب، لكن هذا لم يثن من عزيمتي، بل كنت مع كل مركبة جديدة أفتك بها أشعر بنار الحماسة تتأجج أكثر فأكثر في داخلي فتزيدني اندفاعاً وتمنحني لذة لم أذق لها مثيلاً منذ زمن.
    أتخيل هذا المشهد وأرى علامات الرضا على وجه أثينا وصوت ضحكتها يملئ الفضاء وهي تهاجم صحون المدميرين وتدمرها الواحدة تلو الأخرى. مشهد قوي


    خلال معركتي هذه كنت حريصة على تفادي أسلحة المدمرين الاشعاعية قدر المستطاع، فرغم شدة بأسي في القتال إلا أن المعدن الذي صنع منه جسدي فيه نقطة ضعف مزعجة تكمن في كونه غير محصن ضد الضرر الناشئ من بعض المصادر الإشعاعية، على خلاف المعدن الذي صنع منه جونكر والذي عرفت لاحقاً أنه يمتلك قدرة ملفتة على احتمال هذا النوع من الأسلحة بالتحديد.
    لا محارب كامل خالي من نقاط الضعف. أحسنتي في الإشارة إلى ذلك.


    لكن محاولاتي هذه لم يكتب لها النجاح طويلاً، إذ سرعان ما أدرك المدمرون أن هذه المجزرة لن تتوقف ما لم يوحدوا صفوفهم ويضربوا ضربة رجل واحد. وهذا ما كان. في طرفة عين تحلقت المركبات الناجية من بطشي على شكل حلقة أحاطت بي من كل الجوانب وشرعت كلها بتوجيه أسلحتها نحوي بشكل متواصل. غمرتني الإشعاعات كسيل عارم لا يعرف التوقف فمنعت جسدي من الحراك كما لو أن اصفادا عملاقة تكبله بقسوة.

    قمت تلقائياً بتغطية وجهي بذراعي المتصالبين لحماية عيني من أية إصابة مباشرة. تحاملت على نفسي وحاولت جاهدة أن أقاوم هذه القوة الرهيبة التي شلت حركتي وكادت تفتك بي.. اندفعت نحو الأمام بسرعة وأنا مغمضة العينين ورميت بلكمات من قبضتي الاثنتين على غير هدى آملة أن انجح في توجيه ضربة لأية من تلك المركبات التي حاصرتني. لم يكن من المستغرب أن محاولتي هذه قد بائت بالفشل، وزاد الوضع سوءا حين أحكم المدمرون محاصرتهم لي وزادوا من تركيز اشعاعاتهم الموجهة إلي بعناد.
    أقتبس مقولة الوزير زوريل في أول ظهور له في مسلسل مغامرات الفضاء "حتى النمل الصغير يستطيع القضاء على الأسد الكبير" وهذا ما فعله المدمرون.


    صككت على أسناني مغالبة الآلام المبرحة التي زلزلت كل ذرة في جسدي وحاولت التماسك قدر المستطاع، لكن كمية الاشعاع الهائلة التي كانت مسلطة علي كانت كجرعات مكثفة من سم ينهش جسدي بطيئا ولكن قاتلاً. خانتني رباطة جأشي.. وأفلتت من بين شفتي صرخة ألم رهيبة اختلطت بهدير أسلحة خصومي. كان علي تخليص نفسي بأية وسيلة قبل أن تبدأ خلايا جسدي بالانصهار من الداخل ككتلة جليد تذوبها الشمس اللافحة. لن أمنح المدمرين فرصة التغلب علي مهما بلغت شدة أسلحتهم اللعينة تلك... لن يحلموا بالانتصار علي... أنا أثينا!
    تذهلني طريقة سردك لمشاعر الألم الذي تحسه أثينا وكل الأسلحة الإشعاعية مصوبة نحوها. وأنا الذي اعتقدت أنها قوية لدرجة أنها لا تشعر بالألم أو لا تتأثر به.


    لم يكن أمامي سوى مخرج واحد لهذا المأزق... كان علي التحرك بسرعة فالوقت لم يكن في صالحي، والفشل لم يكن خياراً وارداً. استجمعت ما تبقى من قواي حتى آخر قطرة في جسدي، وبانتفاضة عنيفة انطلقت كالصاروخ نحو الأعلى رأسياً. أربكت حركتي هذه المدمرين، فشرعت مركباتهم بالارتقاء للأعلى لاحقة بي بلا هوادة حتى كادوا يدركونني... لكنني لم أكن لأجعل من نفسي لقمة سائغة لهم مجدداً. لقد آن أوان انهاء هذه المعركة لصالحي بلا تأخير.

    "الآن!" حدثت نفسي وأنا أعض على شفتي بإصرار، وبحركة خاطفة مني أوقفت اندفاع جسدي وتشقلبت للخلف حتى أصبحت وراء أعدائي مباشرة، وقبل أن يدركوا ما جرى انقضضت على مركباتهم أسقطها الواحدة تلو الأخرى، وحرصت هذه المرة على الطيران بينهم بشكل لولبي مما جعل مهمة التصويب علي ضرباً من المستحيل، فوقفوا عاجزين عن صد هجومي الساحق.
    يعجبني أنك منهتي أثينا ليس فقط القوة الجسدية ولكن أيضا الذكاء والحنكة وسرعة البديهة. تلك كانت فعلا حركة ذكية منها، وقد لقي المدمرون المصير الذي يستحقونه.


    كان النصر حليفي في وقت قياسي.
    وبجدارة


    وقفت أتأمل المكان من حولي بعد انتهاء المعركة وقد أدركني التعب الشديد، فكان الوهن الذي يغزوني قد أخمد نشوة الانتصار تماماً وتركني أصارع لالتقاط أنفاسي المتلاحقة. كنت قد استنفذت كل طاقتي... خارت قواي، وخذلني جسدي المتهالك فترنحت مستسلمة للإعياء وانحنيت بجذعي للأمام، ولم يمنعني من السقوط في الفراغ الذي لا نهاية له سوى قبضتان قويتان أمسكتا بكتفي من الخلف وجذبتاني نحو صاحبها ليجمعني بين ذراعيه ويحملني برفق. وجدت نفسي في موقف سبق وعشته في لقائنا الأول. سمعت صوته العميق الذي ألفته يهمس لي: "أمسكت بك، لا عليك يا أثينا."
    لا بد وأن تخير قواها في النهاية، فالجهد الذي بذلته في هذه المعركة كان كبيراً، وفقدان وعيها أمر طبيعي. أتخيل جونكر يطير نحويها ويمسكها في الفراغ، كذلك وهو يهمس لها ويطمئنها بأنها بخير، مشهد مؤثر فأحنتي في الوصف.


    لقد نجى جونكر.

    "إذا... فقد نجح ذلك البشري.. لا بأس بك يا فتى. " قلت في نفسي قبل أن أفقد الشعور بما حولي وتبتلعني موجة من الظلام الدامس.

    sign2
    "أمسكت بك... لا عليك يا أثينا..."
    لطف منها أنها مدحت كنتارو قبل أن تفقد الوعي كلياً.
    Lotus1982، والله إنها صورة رائعة. أهنئك على الفصل الأول المعدل.
    اخر تعديل كان بواسطة » Sari Husam Ahel في يوم » 07-08-2019 عند الساعة » 20:38

  15. #14
    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة Sari Husam Ahel مشاهدة المشاركة

    أتخيل هذا المنظر الجميل، البطل الجبار والمحاربة العظيمة، معا على سطح القمر، ينظران إلى الأرض ويتأملان جمالها. على الأقل جونكر يفعل أما أثينا، فأين تسرح في أفكارها ؟
    ستعرف ذلك مع تقدم الأحداث smile

    رغم أن جونكر يعرف أن أثينا لن تعطيه حق أو باطل في جلوسه قربها، إلا أن في اعتقادي أنه يفعل لذلك من أجل نفسه، لا من أجلها. صحيح أن جونكر ليس وحيدا في هذه الدنيا طالما أن لديه كنتارو والأستاذ هوشي و راي في حياته، لكن أن يكون برفقة شخص مثله، هذه بحد ذاتها نعمة. لو أن أثينا فكرت بذلك، لربما تفاعلت معه وتشاركت معه أطراف أحاديث.
    أثينا مرت بتجربة عصيبة جعلتها باردة نوعاً ما، وفقدانها لشخص عزيز عليها جعلها غير قادرة على تقبل وجود جونكر كبديل عنه، لكن لا تقلق الأمور ستتحسن شيئاً فشيئاً.


    قلقها على جونكر عندما يطول غياب، يعني أن مشاعرها تجاه بدأت تلين وصارت تألفه. لا بد وأن الأمر صعب عليها، فهي لم تعرف في حياتها الموحشة كي تعبر عن مشاعر المراعاة والإهتمام.
    smile


    له الحق أن يستغرب، فأن تسأله أثينا عن صحته وعن معركته الصعبة له مفاجئة كبيرة. قلقها عليه دليل على أرتياحها له. من طبيعي أن تحور سؤالها حتى لا تظهر مشاعر المراعاة، لكن في رأي، إنها البداية لمعاملة أفضل.

    كلام سليم 100%


    ِشهور ولم تنزل للأرض؟؟؟ ألهذه الدرجة كانت أثينا تحب العزلة؟ أو ربما لم ترغب في لقاء كنتارو أصلاً؟ أعتقد أن كره أثينا للأسياد انعكس سلباً كنتارو، بحكم أن الأسياد لهم شبه قريب للبشر. في رأي أن كنتارو قد ترك انطباعاً على أثينا في أول و آخر لقاء بينهما ربما لأنه قريب جدا من جونكر وأنه يعامله بالمساواة.
    هل تلومها على موقفها هذا؟ أعتقد أنه موقف منطقي جداً.


    تصحيح، إنها خائفة عليه لحد الموت.
    em_1f606em_1f606em_1f606


    هذه الفقرة هي المفاجئة الكبرى لي. لقد قمت أدخلتي حلقة "اختطاف راي" في خضم قصتك!!!!! أنا أحييك على هذه الفكرة الرائعة.
    أشكرك جزيلاً!


    رغم أن مشاعر القلق والمراعاة بدأت تظهر عليها، إلا أنها لم تفهم بعد أن جزنكر مستعد أن يذهب إلى أقراص الأرض من أجل حياة صغيرة.
    لا شك ستنتقل لها العدوى من بطلنا الجبار ذات يوم


    كلامها كان صدمة حقيقة لكنتارو ولكن ماذا كان يمكن أن يتوقع من محاربة باردة الأحاسيس والمشاعر؟ لكن حتى مع اجابتها أنها لا تبالي لما يمكن أن يحدث لجونكر فقد كان كذباً
    هي بارعة في اخفاء مشاعرها، ولكن ألا تلاحظ أنها دوماً تقول عكس ما تشعر به حقيقة؟

  16. #15
    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة Sari Husam Ahel مشاهدة المشاركة
    أحاول أن أفهم شخصية أثنا هنا. قلقة على كنتارو لدرجة أنها تشتمه وتلعنه. وعندما وقفت أمامه ورأت بريق عينيه، شعرت بالخجل من تركها له، وكي تخفي خجلها، وتظهر بمنظر القوية الصلبة، قالت تلك العبارات الأخيرة. فأي الشعورين هما الحقيقي؟
    أظنك تعرف!

    الإنتقام، هو طبق يفضل أن يقدم بارداً.
    أحسنت القول!

    أتخيل هذا المشهد وأرى علامات الرضا على وجه أثينا وصوت ضحكتها يملئ الفضاء وهي تهاجم صحون المدميرين وتدمرها الواحدة تلو الأخرى. مشهد قوي


    لا محارب كامل خالي من نقاط الضعف. أحسنتي في الإشارة إلى ذلك.
    e00ee00ee00ee00e


    أقتبس مقولة الوزير زوريل في أول ظهور له في مسلسل مغامرات الفضاء "حتى النمل الصغير يستطيع القضاء على الأسد الكبير" وهذا ما فعله المدمرون.
    أنا أحب زوريل واحب تفكيره وشكله. يذكرني بديفل مان!


    تذهلني طريقة سردك لمشاعر الألم الذي تحسه أثينا وكل الأسلحة الإشعاعية مصوبة نحوها. وأنا الذي اعتقدت أنها قوية لدرجة أنها لا تشعر بالألم أو لا تتأثر به.
    شكراً على الاطراء. إذا كان بطلنا الجبار يتألم فمن هي اثينا حتى تكون خارقة بالنسبة له ؟ هههه

    يعجبني أنك منهتي أثينا ليس فقط القوة الجسدية ولكن أيضا الذكاء والحنكة وسرعة البديهة. تلك كانت فعلا حركة ذكية منها، وقد لقي المدمرون المصير الذي يستحقونه.
    encouragementencouragement


    لا بد وأن تخير قواها في النهاية، فالجهد الذي بذلته في هذه المعركة كان كبيراً، وفقدان وعيها أمر طبيعي. أتخيل جونكر يطير نحويها ويمسكها في الفراغ، كذلك وهو يهمس لها ويطمئنها بأنها بخير، مشهد مؤثر فأحنتي في الوصف.


    لطف منها أنها مدحت كنتارو قبل أن تفقد الوعي كلياً.
    Lotus1982، والله إنها صورة رائعة. أهنئك على الفصل الأول المعدل.
    شكراً جزيلاً أخ ساري. أرجو أن يلقى فصلي الجديد رضاك!

  17. #16

    السلام عليكم إخوتي وأخواتي الأعزاء. أقدم لكم اليوم الفصل الثاني من قصتي المعدلة ، فأرجو أن ينال رضاكم!

    ولكن قبل ذلك، أقدم لكم رسومات جديدة طلبتها من أحد الفنانين المحترفين لعلها تجعل القصة أقرب لقلوبكم أرجو أن تعجبكم أيضاً!


    1
    صورة لرأس أثينا بعدة انفعالات وزوايا. أيها تفضلون؟

    2
    صورة للبطلين بالأبيض والأسود. أعشق هذه الرسمة! e106

    3
    وأخيراً و ليس آخراً الصورة لهما ولكن بالألوان وبخلفية من تصميمي. لقد احببت رسم جونكر بالأبيض والأسود أكثر، لكنه يبدو رااااائعاً بلا شك هنا أيضاً!!

    ما رأيكم؟ هل أعجبتكم الصور اعزائي؟

    والآن، تفضلوا بقراءة الفصل الثاني الذي طال انتظاره. أتمنى لكم وقتاً ممتعاً وأنا بانتظار آرائكم وتعليقاتكم الغالية!

    وكالعادة، أهدي الفصل لأعزائي إخوتي الجونكريين في كل مكان وبالتحديد مامادو و مايا و ساري الذي ألهمنتني قصته الرائعة (في الحرب حليفي.. في السلام صديقي.. في الوطن شقيقي..) في كتابة مشهد وداع مايا و جونكر.
    اخر تعديل كان بواسطة » lotus2018 في يوم » 26-08-2019 عند الساعة » 12:21

  18. #17
    الفصل الــــثـــــانـــــي
    جــــــونكــــــر


    "هل هي بخير؟" سأل كنتارو بقلق.

    "أرجو ذلك..." رددت عليه وأنا أحمل أثينا الغائبة عن الوعي بين ذراعي. طالعت تقاسيم وجهها الذي كان شاحباً وقد ارتسمت عليه علائم الاعياء الشديد. أضفت محاولاً أن أطمئن نفسي بقدر ما أردت طمأنته: "لقد أغمي عليها فقط، وستصبح بحال أفضل بعد أن تسترجع قوتها."

    أطلق كنتارو تنهيدة نمت عن ارتياحه. "الحمد لله... أرجو أن تكون راي أيضاً بخير. ترى هل وصلت الأرض؟"

    "لنسرع ونتأكد."

    "وماذا عن أثينا ؟"

    "سنأخذها معنا. ليس من الآمن تركها وحيدة وهي على هذه الحال."

    هز كنتارو رأسه موافقاً. "هيا بنا إذاً!" قال بصوت متحمس ثم التحم معي في طرفة عين.

    انطلقنا نحو الأرض بلا تأخير. كنت مثل كنتارو مشغول البال على راي الصغيرة، فالمسكينة واجهت وقتاً عصيباً هذا اليوم. لقد كان واجبي أن أحميها من بطش المدمرين، لقد حاولت حقاً... ولكنني مع الأسف وقفت عاجزاً أمام تهديدات مليون نجمة بقتلها فلم يكن أمامي سوى أن أضع نفسي تحت رحمته، ولولا مجيء كنتارو في الوقت المناسب لما انتهى الأمر على خير. كادت راي تفقد حياتها بسبب عجزي هذا، ولو أصابها أي مكروه ما كنت لأسامح نفسي على خذلاني لها. يا لحقارة المدمرين! لقد وصلت بهم الوضاعة إلى حد اختطاف طفلة بريئة لا حول لها ولا قوة واستغلالها في حربهم ضدي. الجبناء... لن أغفر لهم!

    حالما أصبحت الأرض في مرمى بصري، غمرني شعور بالسعادة والطمأنينة. الأرض بخير... وستبقى كذلك ما دام فيّ رمق. لن يظفر أولئك المجرمون بتدنيسها، وسأبقى حجر عثرة في طريق محاولتهم الاستيلاء عليها. الخطأ الذي وقعت فيه اليوم لن يتكرر. سأحرص على ألا أدع لهم أي فرصة للإيقاع بي ثانية مهما كلفني الأمر.

    اسمي هو جونكر.

    أنا مخلوق من معدن حي. قبل عشر سنوات قامت امرأة تدعى مايا بإحضاري إلى الأرض وأنا لا أزال قطعة معدن خام. كانت مايا عالمة هربت من كوكب يدعى كنتاروس، والذي كان أحدث ضحايا غزو المخلوقات العدائية التي تسمى بالمدمرين. تلك المخلوقات كانت طفيلية وشرسة بطبعها، ليس لها موطن محدد، بل تتنقل عبر المجرات باحثة عن مصادر الطاقة والأوكسجين، فكانت إذا وجدت ضالتها في كوكب مأهول أغارت على سكانه وشرعت بإبادتهم فرداً فرداً بلا رحمة أو شفقة، ثم ما تلبث أن تعلن سيطرتها التامة عليه.

    كانت مايا الناجية الوحيدة من هذه الحرب الضروس، وبمعجزة ما تمكنت من اللجوء لكوكب الأرض حيث التقت بزوجها المستقبلي البروفيسور هوشي. قامت مايا بصنعي بمساعدة منه، ولكن مع الأسف وفي اليوم الذي كتب لي أن أبصر النور فيه فارقت مايا الحياة، ولكن ليس قبل أن تمنحني اسمي.


    أتذكر اليوم الذي دبت فيه الحياة في جسدي وكأنه بالأمس. خرجت من البركان الذي احتضنني لسنوات في أعماق المحيط واتجهت نحو الأعلى بلا تردد. تنشقت هواء السطح العليل كطفل وليد يلتقط أنفاسه الأولى بعد ولادته، ورأيت السماء الواسعة فوقي تتلألأ ببريق النجوم الأخاذ. انتابني شعور بأن شيئاً كان يناديني، فرميت بصري نحو جزيرة صغيرة كانت غير بعيدة عني. نفس الشعورأخبرني بأن علي التوجه نحوها، وهذا ما فعلت. على شاطئ تلك الجزيرة لمحت مخلوقين بشريين - أحدهما كان رجلاً والآخر طفلاً - كانا ينظران نحوي مشدوهين، وبطريقة ما عرفت في اعماقي أن لهما علاقة بي. هبطت على الأرض، وللحظة أخذ كلاهما يتأملانني بصمت وقد غشت ملامح الذهول الممزوج بالإعجاب على وجهيهما.


    ملأت صرخات الحماسة التي أطلقها الطفل المكان بينما اكتفى والده بالتحديق بي برهبة خالطتها مسحة من الوجوم، وحين فتح فمه وكأنه ينوي مخاطبتي، فوجئ بوهج ساطع ينبعث من المنزل الذي كانا يقفان أمام عتبته فاستدار نحوه مذعوراً. التفت الطفل بدوره ليرى هالة من الضوء الساطع تنطلق مسرعة من داخل المنزل، فلاحقها بعينيه وقد ثغر فمه بدهشة بالغة وراقبها وهي تستقر على صدري ويتضاعف حجمها عدة مرات. نظرت إليها لأجدها قلادة دائرية عملاقة ارتسم داخلها شعار ما. حالما التصقت القلادة بصدري سرت في جسدي رعشة خفيفة... كان شعوراً دافئاً ومريحاً نوعاً ما... وكأن قطعة مفقودة من جسدي كانت منفصلة عنه وحين التحمت معي عادت هذه القطعة الناقصة إلى حيث تنتمي. لقد كانت هي مصدر الصوت الذي سمعته يناديني إذاً !

    غمرتني القلادة بضوء مبهر غريب تبعه ما هو أغرب... كان صوت رقيق ينبعث من داخل القلادة.. كان مختلفاً عن صوت القلادة الخفي، فهذا كان صوتاً واضحاً لإنسان ما. خاطبني الصوت قائلاً داخل رأسي: "جونكر... مرحباً بك في هذا العالم..."

    تجسدت صورة الشخص صاحب الصوت داخل رأسي. كانت امرأة بشرية ارتسمت على وجهها الجميل ابتسامة عذبة. "اسمي هو مايا، وأنا من صنعتك. ما تراه وتسمعه الآن رسالة طيفية تركتها لك داخل قلادتك لأنني على الأغلب لن أكون موجودة حين تخرج لهذه الحياة..."

    لم أستوعب لحظتها ما قصدته بكلماتها. عصفت بي التساؤلات... ماذا جرى لمايا ؟ وأين هي؟ لماذا لم تأت صانعتي لمقابلتي؟ ألم تكن متلهفة لرؤيتي بعد انتظار دام لسنوات؟

    تابعت مايا الكلام بنبرة جادة: "هذه الرسالة لمرة واحدة فقط... لذا أرجو أن تنصت إلي."

    أصغيت للرسالة باهتمام وكلي أمل أن تخرجني من تلك الحيرة التي ألمت بي.

    "جونكر... هذا هو اسمك. أنت مخلوق من معدن حي، ولقد أتيت بك من موطننا الأصلي... كوكب كنتاروس. مع الأسف .. لقد تم تدمير كوكبنا من قبل مخلوقات شريرة تسمى بالمدمرين، وكنت محظوظة بالنجاة من هجومهم والوصول إلى هنا بأمان.. إلى كوكب الأرض. كنتاروس لم يكن أول كوكب يغزوه المدمرون.. ولن يكون الأخير. واجبك يا جونكر أن تحرص على ألا يتعرض هذا الكوكب الجميل لنفس مصير كنتاروس. أثق أنك ستكون خير مدافع عنه... وابني كنتارو سيكون شريكك في هذه المهمة، وزوجي سيكون عوناً لكما أيضاً في غيابي."

    ابتسمت مايا ابتسامة حزينة وهي تختم كلامها بنبرة متحسرة: "جونكر... يؤسفني أنني لن ألتقيك. أنت بالنسبة لي كالابن تماماً.. أنت شقيق لولدي كنتارو... فلترعكما عناية الله... وسأرعاكما بمحبتي حتى بعد رحيلي..."

    انتهت الرسالة.. وتلاشت صورة مايا، ولكن ليس قبل أن تودعني بابتسامة أخيرة ستظل محفورة في وجداني ما حييت.

    نظرت من جديد نحو ابن مايا وزوجها فلم أجد سوى كنتارو واقفاً بمفرده يحدق بي، وما هي إلا ثوانٍ حتى رأيت أباه يخرج من المنزل بخطوات واجمة حاملاً بين ذراعيه جسد زوجته مايا المرتخي وهو يطالعها بقلب مفطور. امتقع لون كنتارو حين وقعت عيناه على هذا المشهد، وبدا كمن استيقظ للتو من حلم جميل ليجد نفسه أمام واقع مرير لا فرار منه.

    "ماما..." تمتم كنتارو بألم مزق قلبه الصغير.

    "انظري يا مايا..." خاطب والد كنتارو زوجته وهو ينظر نحونا. كان صوته ثابتاً لكنني لمست في ثناياه كمية من الألم واللوعة كافيتين لمليء العالم بأسره. "انظري... ها قد ولد جونكر أخيراً.. لقد نجحنا يا مايا... لقد تحقق الحلم الذي طال انتظاره يا عزيزتي..."

    لقد ماتت مايا.

    توفيت مايا قبل أن تراني في الواقع أو تحدثني بصوتها الرقيق. كم كنت متلهفاً للقاء صانعتي التي خاطرت بحياتها لجلبي إلى هذا الكوكب ومنحي الحياة. تركتني وتركت زوجها وكذلك ابنهما الوحيد، كنتارو.

    عهدت إلي وإلى كنتارو بمهمة حماية الأرض من غزو المدمرين الذي كان متوقعاً عاجلاً أم آجلاً، وهذا ما كان.
    اخر تعديل كان بواسطة » lotus2018 في يوم » 26-08-2019 عند الساعة » 14:21

  19. #18
    خلال الفترة التي قضيتها في محاربة المدمرين، كان جل همي هو التصدي لهجماتهم المتوالية والحرص على انقاذ أكبر عدد ممكن من الأرواح. قد أبدو لمن يراني مجرد رجل آلي من الخارج، لكنني لست بآلة صماء صممت فقط للحرب. أنا كيان قائم بحد ذاتي. أنا لي مشاعري وأفكاري الخاصة. لم يكن كنتارو يراني كسلاح لمواجهة المدمرين فحسب، بل كنت في نظره صديقاً وجزءاً مهماً من حياته. وأنا بدوري كنت أراه صديقاً غالياً وأقرب ما يكون للعائلة لي أيضاً، وكان الرابط القوي الذي ينشأ عن التحامنا يجعلنا كروحين في جسد واحد، نتشارك معاً آلامنا وأفراحنا وحتى أحزاننا. كنت بالنسبة له هدية الأم لولدها، وكان هو بالنسبة لي الذكرى المتبقية ممن صنعتني ولم يكتب لي اللقاء بها وجهاً لوجه.


    بقدر ما كنت أرجو أن يدوم السلام ولو مؤقتاً ما بين هجمات المدمرين، بقدر ما كنت أتلهف لنداء كنتارو لي كي ألتقيه. لقد كان المخلوق الوحيد في هذا العالم الذي بوسعي التواصل معه... إلى أن أتى يوم تغير فيه هذا الحال.

    كان ذلك اليوم الذي أتت فيه أثينا إلى كوكبنا من حيث لا أدري.

    في ذلك اليوم كانت صحون المدمرين تهاجم المدينة وتنشر الدمار والقتل في أرجائها. ما إن وصلت إليهم لأضع حداً لشرورهم حتى فوجئت بهم يوقفون هجماتهم على الفور ويولون الأدبار. كان من الواضح أنهم يريدون مني اللحاق بهم، وأنهم ينوون اقتيادي لفخ ما. لكنني لحقت بهم على الرغم من معرفتي لما يخططون له. طرت خلفهم بحذر تاركاً مسافة كبيرة بيننا، وبعض مطاردة قصيرة وجدت نفسي قد وصلت إلى منطقة جبلية نائية.

    تفرقت الصحون واختفت عن الأنظار، ولم يكن هناك في ذلك الموقع سواها هي: أثينا. كانت تقف بثبات منتظرة وصولي فحططت على بعد مسافة منها وأخذت أتأملها بحذر. اعترتني الدهشة لسببين، أولاهما كان أنها من معدن حي مثلي بلا ريب. كان المصدر الوحيد للمعدن الحي في مجرتنا هو ما سلم من هجوم المدمرين على كوكب كنتاروس، وبما أن المدمرين استخدموا آخر قطعة معدن متبقية لصنع شبيه لي في إحدى المعارك، فمن أين لهم المزيد؟

    أما السبب الثاني فهو... أنها كانت أنثى. تساءلت لم قد يصنع المدمرون أنثى هذه المرة؟ أنى لمخلوقات بشعة وكريهة مثل المدمرين أن يصنعوا شيئاً بهياً وجميلاً كأنثى المعدن الحي التي كانت ماثلة أمامي؟ كانت قامتها تقاربني في الطول. معدنها البراق كان يتألق بلون فضي وقد تخلله اللون الذهبي في بعض الأماكن، وزينته بضعة أحجار زرقاء لامعة متناثرة هنا وهناك. وجهها بدا بشرياً بالكامل، وعلى أكتافها تهدلت خصلات طويلة من شعر تموج بألوان غروب الشمس. كان تصميمها أشبه ما يكون بدرع فارسة من العصور القديمة.

    لم يكن قد سبق لي وأن التقيت مخلوق معدن حي مثلي من قبل، ذكراً كان أم أنثى، طبعاً باستثناء لقائي بشبيهي المزيف الذي صنعه المدمرون، والذي كان قشرة خاوية بلا عقل أو روح فلم آسف على تدميره.

    خرج كنتارو من صدري وحط على كتفي الأيمن. هتف وشعوره بالذهول لا يقل عن شعوري قائلاً: "جونكر... لقد أرسل المدمرون لنا أنثى معدن حي هذه المرة!"

    "أرى ذلك يا كنتارو. أتساءل إن كانت من معدن كوكب كنتاروس أيضاً."

    "لكنني ظننت أنه لم يتبق أي معدن حي على كنتاروس!"

    "هذا ما ظننته أيضاً."

    "الويل للمدمرين!" صرخ كنتارو بحنق شاداً على قبضتيه. "ألن يتركوا كوكب كنتاروس والمعدن الحي في سلام أبداً؟!"

    نظر كنتارو نحوي بعينين ملؤهما التصميم. "جونكر! هيا نلقنهم درساً!" وسرعان ما التحم معي. صرخت صرختي المعهودة وانطلقت نحوها مبادراً بخطوة الهجوم الأولى لتبدأ المعركة المصيرية بيننا.

    في البداية ظننت أن أثينا هي الأخرى مجرد سلاح للشر صنعها العدو في محاولة أخرى يائسة للقضاء علي، لكن حالما اشتبكنا في القتال تبين لي أنها ليست دمية عديمة الحيلة مثل سابقها، بل كانت تفكر وتخطط لحركتها التالية. بهتني أسلوبها الشرس في القتال... كانت حركاتها وهجماتها سريعة ومباغتة، وضرباتها كانت موجعة وعنيفة حقاً. كانت أيضاً تغدر بي بهجمات من الخلف... يا لها من ثعلبة ماكرة!

    شعرت حقاً وكأنني أتواجه مع نفسي. بل إن جزءاً مني استمتع بهذا القتال الذي كان ضرباً من التحدي، إذ أنها كانت أسرع مني وأكثر قدرة على المراوغة وتجنب الضربات. بدا لي واضحاً أنها تفكر مثلي وتعتبر أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم، فكانت تلجأ للهجوم المباشر والاشتباك عن قرب كلما سنحت لها الفرصة دون أن تترك لي المجال لأرد على هجماتها، وما إن أحاول إيجاد ثغرة لأهجم بدوري كانت تنسحب وتحاول ترك مسافة بيننا وتراوغ يمنة ويسرة أو تقفز مبتعدة قبل أن تعاود الكرة دون أن تهدأ للحظة واحدة. يا إلهي... هذه المخلوقة بلا أدنى شك وجدت لتقاتل بلا هوادة.

    أعترف أن المدمرين نجحوا ولأول مرة في صنع خصم جدير بي.

    كانت تجيد شتى فنون القتال تماماً مثلي، والغريب في الأمر أنها بدت خبيرة ومتمرسة فيها على الرغم من أنها حديثة العهد في هذا الحياة ... أو هكذا خيل إلي وقتها قبل أن أدرك الحقيقة لاحقاً. نحن مخلوقات المعدن الحي كسائر المخلوقات الحية، نتعلم ونكتسب المهارات بالممارسة، وبمرور الزمن يتطور تفكيرنا وإدراكنا وحتى مشاعرنا وشخصياتنا.

    اغتنمت فرصة محاولتها إصابتي بإحدى ركلاتها الجانبية بأن أسرعت وأطبقت بيدي حول قدمها التي هاجمتني بها وثبتها بحيث أصبحت عاجزة عن الحراك قيد انملة.

    "لا بأس بك أيتها القطة الشرسة... لكن انتهى وقت اللعب. سترين الآن قوة جونكر الحقيقية!"

    أخذت ألتف حول نفسي بأسرع ما أستطيع ممسكاً بقدمها تلك، فكان جسد غريمتي يدور معي وهي غير قادرة على الإفلات من دوراني الذي كان يكاد يضاهي الاعصار. بعد أن اكتسبت قوة عزم كافية جراء هذا الدوران ألقيت بها بكل بأسي نحو جبل قريب، فطارت نحوه كلعبة قماشية لا حول ولها ولا قوة. جلجل صوت التصادم الرهيب الناشئ عن ارتطامها بالجبل كما لو كان دوي انفجار قنبلة عملاقة. كانت ضربتي القاضية هذه كفيلة بأن تجهز على أعتى الخصوم، لكنني كنت في قرارة نفسي غير واثق ما إذا كانت كافية للبطش بمخلوق قوي مثل أنثى المعدن الحي هذه.

    كان شكي في محله، إذ ما أن تبددت سحابة الغبار الهائلة حتى رأيت خصمي تنهض من تحت الركام. لم أستطع أن أمنع نفسي من الاعجاب بقوة صمودها. أخذت تترنح قليلاً في وقفتها، ولكنها سرعان ما انطلقت نحوي كالسهم وقد بدت عازمة على الانتقام مني. وجهت نحوي سلسلة من الركلات الدائرية والجانبية التي قمت بصدها جميعها.

    "أهذا أفضل ما لديك؟ بدأت أشعر بالملل!" قلت لها مستفزاً.

    انقضت علي مجدداً ولكنها حاولت لكمي بقوة هذه المرة، وفي اللحظة التي كادت فيها قبضتها تلمس وجهي ابتعدت عن طريقها ولويت برأسي جانباً، ثم وبحركة خاطفة أمسكت بمعصمها بيدي ولوحت بجسدها بأكمله عالياً بكل ما أملك من قوة قبل ان أطرحها أرضاً بعنف. كانت الصدمة شديدة هذه المرة أيضاً، ولأنها لم تكن قد تعافت بالكامل من الضربة السابقة وجدت صعوبة في النهوض هذه المرة، حتى أنها بقيت ممددة على الأرض بلا حراك وهي تئن من شدة الوجع. اعتراني شعور بالشفقة عليها للحظة، وتمنيت لو كانت هناك طريقة أخرى لإنهاء هذا الصراع دون أن يسقط أحدنا قتيلاً على يد الآخر. فقط لو أن معجزة ما تمنع المأساة المحتومة التي لا بد أن تؤول لها هذه المواجهة.

    ثم حصلت المعجزة.

  20. #19
    كنت واقفاً عند رأسها أتأمل وجهها الذي يتلوى من الألم وأنا حائر ما بين توجيه ضربة أخرى لها وهي مطروحة أرضاً أم الانتظار حتى تسترجع قوتها وتنهض كي نواصل القتال. فجأة... لمحت ما أثار استغرابي على رقبتها. كان شيء ما أشبه ما يكون بالطوق يحيط برقبتها وقد لمع فيه ضوء غريب وكأنها إشارة من نوع ما... لم أكن قد لاحظت هذا الشيء سابقاً بسبب انشغالي بالمعركة وبسبب حركتها المستمرة، لكن الآن وقد سكن جسدها تماماً فقد بات من الصعب تجاهل وجوده. أيمكن أن يكون... ؟؟

    "جونكر!" سمعت صوت البروفيسور هوشي الذي كان يتابع المعركة من مختبره كالعادة يتواصل معي عبر جهاز الاتصال عن بعد. هتف بشيء من التوتر مؤكداً شكوكي بقوله: "هذا جهاز للتحكم بالعقل عن بعد! إنها واقعة تحت سيطرة المدمرين!"

    إذاً... هذه المخلوقة لم تكن من صنع المدمرين بهدف القضاء علي، ولم تكن حديثة العهد بهذه الحياة كما ظننت سابقاً. لقد قدمت هذه الأنثى من مكان ما في هذا الكون... وهي في الحقيقة لا تمت بأي صلة لأولئك الأوغاد... والدليل على ذلك هو هذا الطوق حول رقبتها والذي يستقبل موجات دماغية تتحكم بها وتجعلها لعبة بيد المدمرين. لا أدري كيف ولا أين عثروا عليها، ولكن بات من الواضح أنها كانت خاضعة لسيطرتهم، وأنها كانت مكرهة على مواجهتي منذ البداية.

    غمرني إحساس رهيب... أدركت للتو لحظتها أنني كنت على وشك أن أقتل مخلوقاً بريئاً...والأدهى من ذلك أنها واحدة من بني جنسي أنا... ألم يكتف المدمرون بتدمير موطني كنتاروس والقضاء على كل مصادر المعدن الحي فيه والتي كان من الممكن أن تتحول كل قطعة منها لمن كانوا ليصبحوا أشقاء وأصدقاء لي... والآن كادوا يجبرونني على منازلة حتى الموت ضد هذه المخلوقة التي ربما تكون الوحيدة التي تشبهني في هذا العالم؟ اللعنة على أولئك المجرمين... لن أغفر لهم!

    خاطبني البروفيسور هوشي مجدداً مصدراً توجيهاته: "جونكر.. حاول أن تنتزع ذلك الطوق في الحال قبل أن تعاود الهجوم عليك!"

    كان لا بد من تحريرها من سيطرتهم على الفور.

    جثوت قربها ومددت يدي نحو الطوق اللعين وفي نيتي أن أحطمه بلا تأخير. كنت قد لمسته للتو حين فتحت عينيها فجأة وانتفضت إحدى ساقيها بركلة قوية وجهتها إلى جانب رأسي فأسقطتني أرضاً. بالكاد نهضت بجسدي حتى كانت قد وثبت واقفة على قدميها وأسرعت لتعاجلني بركلة دورانية وجهتها بكل عزمها نحو صدري الذي شعرت للحظة أنه كان على وشك أن يتفتت من هول الضربة. كانت ركلتها قوية بما يكفي لتقذف بي بعيداً لأصطدم بعنف بمجموعة من الصخور العملاقة، وما إن رفعت رأسي حتى رأيتها تعدو مسرعة نحوي كلبؤة توشك أن تنقض على فريستها.

    مددت إحدى يدي نحو الأمام مستوقفاً إياها وأنا أصرخ: "توقفي! أنا لست عدوك!"

    لم تجد كلماتي آذاناً صاغية عندها. وثبت على قدمي واتخذت وضعية الدفاع. وجهت إلي سلسلة طويلة من اللكمات والركلات المتلاحقة. حاولت صد هجماتها مستخدماً مرفقيّ وقبضتيّ تارة ومراوغاً إياها تارة أخرى، وانتهزت فرصة محاولتها تسديد لكمة خطافية نحو وجهي فأمسكت بمعصمها بقوة، فما كان منها إلا سارعت بتنفيذ لكمة صاعدة بيدها الأخرى فأمسكت بها هي الأخرى، وبحركة سريعة لويت ذراعيها الاثنتين خلف ظهرها بإحدى يدي وأطبقت بالأخرى حول رقبتها محاولاً ارضاخها. قاومتني بعناد رغم تعمدي أن تكون حركة الخنق التي قمت بها عنيفة بما يكفي لتشل حركتها تماماً. صرخت بها بحنق: "ألم تكتفي بعد؟! أعطيني فرصة كي أخلصك أيتها الشكسة!"

    لم أكد أنطق بهذه العبارة حتى حررت إحدى ذراعيها وقامت بحركة ما داهمني على إثرها ألم شديد أشبه بطعنة حادة في خاصرتي. ما كان هذا؟ كان الألم المباغت قد أفقدني تركيزي فأرخيت مسكتي. لم تضيع الوقت... أسرعت لتنساب من بين يدي وتفلت من قبضتي المحكمة وتقفز مبتعدة عني. نظرت نحو مصدر الألم الغريب في خاصرتي... وثغرت فمي في ذهول تام حين رأيت أثر طعنة عميقة اخترقت معدني في تلك المنطقة وأوجعتني بشدة. رميت بصري نحوها فوجدتها تثب نحوي، وهذه المرة لمع في ذراعها سلاح ما... لقد كان نصلاً متوسط الطول متصلاً برسغها من الأعلى. هاجمتني به بشراسة مسببة جرحاً آخر على صدري مزق معدني بسهولة كما تمزق السكين الزبدة. أطلقت صرخة ألم ووضعت يدي على موضع الجرح وأنا أترنح للخلف قبل أن أتعثر بصخرة ما وأسقط على ظهري بقوة. قبل أن أفكر مجرد تفكير في النهوض من سقطتي هذه كانت غريمتي قد انقضت علي بلمح البصر وحرصت على تثبيتي على الأرض بينما تحاول مهاجمتي بسلاحها الفتاك الذي ظهر من العدم. وأنا الذي ظننت معركتنا متكافئة!

    حاولت جهدي وأنا لا أزال ممداً على الأرض مقاومتها والإمساك بذراعها لمنعها من غرس نصلها اللعين في رأسي، ولكن... يا للعجب! بدا لي أن خصمي لا تخلو من المفاجآت... إذ سرعان ما امتد من معصمها الآخر نصل مشابه حاولت اقحامه بإصرار متوحش في عيني مباشرة لولا أن تمكنت من الإمساك بيدها أيضاً لأحبط محاولتها الشنيعة تلك!

    لعلها كانت تتفوق علي بالسلاح، لكنها لن تتفوق علي بالقوة.

    استجمعت قواي وقذفتها بها بعيداً عني، لكن الارهاق الشديد الذي ألم بي جراء هذه المعركة الشرسة كان قد سيطر علي فربضت في مكاني أحاول التقاط أنفاسي. كانت هي الأخرى جاثمة على ركبتيها تلهث بشدة وقد أنهكها التعب بدورها. بات من الواضح أن هذه المعركة قد طالت.. وأنها إن لم تنته قريباً بهزيمة أحدنا فستكون نتيجتها هلاك كلينا إعياءً بلا مبالغة!

    لم تستغرق خصمي وقتاً طويلاً لتسترجع جزءاً من قوتها وتستأنف المعركة. ها قد عدنا مجدداً. عزمت هذه المرة على حسم النتيجة بصورة قاطعة. الاستمرار في الدفاع فقط دون الهجوم لن يجدي نفعا مع هذه المقاتلة العنيدة. لن أسمح للمدمرين بالاستمرار في لعبتهم الدنيئة... ولن تكون هذه الأنثى شيطانة يتلاعب بها اولئك السفلة ويسخرونها لأعمالهم القذرة بعد الآن. سأحررها من قبضتهم مهما كلف الأمر.. الويل لهم مني!

    انقضت علي بلا هوادة محاولة توجيه ضربة منخفضة نحو فخذي بسلاحها الحاد. هذه كانت فرصتي! اعتذرت لها في نفسي على الألم الذي كنت مقدماً على تسبيبه لها في سبيل افقادها وعيها لعلي أتمكن أخيراً من الوصول لطوق التحكم. جمعت قبضتي الاثنتين وسددت بكل عزم ضربة المطرقة على مؤخرة رقبتها فهوت على وجهها من فورها مرتطمة بالأرض بعنف شديد بحيث أحدثت صدمتها تلك حفرة تحتها.

    للحظة سيطر علي شعور بتأنيب الضمير.. ولكن لم يكن أمامي خيار آخر.

    انحنيت نحوها على عجل وأوشكت أن ألمس الطوق من الخلف... وإذ بها من جديد تحبط محاولتي هذه حين باغتتني بلكمة بظهر قبضتها استقرت في وجهي مباشرة فترنحت بضع خطوات للخلف. وأنا الذي شعرت بالذنب تجاهها!

    "اللعنة!" زمجرت بحنق وقد اكتفيت من هذه الشرسة. "سحقاً لهذا...ألا تفهمين؟ إني أحاول مساعدتك!!"

    كان جوابها هو توجيه ركلات عنيفة متتابعة نحو خاصرتي وصدري المصابين. اجتاحتني موجة من الألم المبرح عصفت بكل جسدي. أدركت أنها كانت تحاول جعلي أنهار حتى أعجز عن صد هجماتها الخطرة بنصليها الفتاكين ... وكادت استراتيجيتها هذه تنجح بالفعل. لم يكن أمامي سوى حل واحد.

    جثوت على ركبتي متظاهراً بالعجز عن مواصلة القتال، وفي طرفة عين كانت تقف فوق رأسي مشهرة إحدى نصليها عالياً... وبلا أي تردد هوت به على رقبتي. كان لدي أقل من جزء من الثانية لآتي بحركتي قبل أن تطيح برأسي.. وبالفعل انتفضت مبتعداً عن طريق هجمتها التي كادت تكون القاضية وانقضضت على طوقها وسحقته بأصابع يدي.

    تجمدت خصمي في مكانها للحظة ثم أخذت ترتجف وكأن صاعقة ضربتها. أغمضت عينيها وترنحت قليلاً كورقة في مهب الريح وكادت تسقط أرضاً لولا أن أسرعت لألتقفها بين ذراعي. كان وزنها خفيفاً نوعاً ما بالنسبة للمعدن الحي و لا شك أن هذا سر سرعتها الكبيرة، وعلى الرغم من خفته إلا أن الإنهاك الشديد نال مني مجدداً فاضطررت للنزول على ركبتي وأنا لا أزال أحمل جسدها المرتخي. فتحت عينيها اللتين اصطبغتا بلون البنفسج للحظة بتثاقل ونظرت في عيني مباشرة. رأيت شيئاً من الخوف في هاتين العينين الجميلتين. ربما ظنت أنني سأستغل فرصة انهيارها للقضاء عليها. لا شك أنها كانت لا تزال مشوشة من تأثير الطوق وعاجزة عن تمييز عدوها من صديقها. قلت لها مطمئناً إياها: "لا عليك.. أمسكت بك. أنت بأمان الآن."

  21. #20
    لم أدر إن كانت قد سمعت كلماتي قبل أن تغمض عينيها مستسلمة للإعياء. مددتها برفق على الأرض وجلست مسنداً ظهري إلى جدار صخري بالقرب مني. أخذت نفساً عميقا بينما خرج كنتارو من صدري وحط على كتفي.

    "هل أنت بخير يا جونكر؟" تساءل وهو ينظر نحوي بقلق.

    أجبته وأنا أتحسس الجرح الذي على صدري "لا تقلق علي. سأكون على ما يرام."

    "يا لها من معركة! لقد تسببت لك بأذى شديد يا جونكر... ظننت للحظة أن أمرنا سينتهي حقاً!"

    لم يكن سراً أنني واجهت وقتاً عصيبة في تلك المعركة الدموية، لكنني لم أكن قد فكرت للحظة واحدة في الهزيمة. الخسارة لم تكن خياراً وارداً بالنسبة لي مهما بلغت قوة الخصم. ألست البطل الجبار الذي عهدت له مايا بحماية هذه الأرض؟ ما كنت لأخيب ظنها في يوم من الأيام.

    ضحكت ضحكة متعبة وأنا أجيبه: "ألا تعلم أن جونكر لا يهزم أبداً؟ "

    نظر كنتارو نحو أنثى المعدن الحي الغائبة عن الوعي. "أتظنها حقاً لم تعد مصدراً للخطر بعد الآن؟"

    "لو كانت كذلك لما اضطر المدمرون للسيطرة عليها منذ البدء، أليس كذلك؟"

    "هممم.." أجاب كنتارو بشيء من الشرود مقطباً حاجبيه. كان من الواضح أنه لا تزال لديه شكوك تجاه حقيقة عدم كون هذه المخلوقة مصدراً للخطر حتى بعد أن تحررت من سيطرة عدونا. أضاف متمتماً: "علينا أن نلزم الحذر بكل الأحوال."

    هززت برأسي موافقاً. كان جزء مني مقتنع بأنه لم يعد هناك ما يستوجب القلق تجاهها، وجزء آخر كان مستعداً للأسوأ. إن التزام الحذر في وضع فهذا حتى لو كان بلا مبرر فهو لن يضر بكل تأكيد.

    مرت الدقائق التالية ببطء شديد وكأنها دهر. كنت حائراً وسط دوامة من التساؤلات... ما هي حقيقة هذه الغريبة؟ من أين أتت؟ ولماذا أتت؟ وكيف انتهى بها الأمر دمية بين براثن المدمرين؟ هل هناك آخرون مثلها ؟

    انقطع حبل أفكاري حالما أخذت تئن بصوت خفيض، ثم أخذت تهمس بكلمات ما. انحنيت قرب وجهها الذي تغضن وكأنها تعاني كابوساً ما تعجز عن الاستيقاظ منه. بالكاد استطعت أن أفهم ما كانت تهذي به... كانت تقول بألم: "لا تتركني..."

    فتحت عينيها ببطء، فحبست أنفاسي مترقباً ردة فعلها حالما تقع عيناها علينا. كان كنتارو لا يزال واقفاً على كتفي ينظر إليها بفضول منتظراً معرفة حقيقة أمرها، ورغم أنني كنت أفضل ألا يظهر نفسه لها إلا أن كنتارو لم يشاطرني هذا الرأي فلم أعترض.

    لم تبد في البداية أية رد فعل تذكر. رمشت بعينيها عدة مرات وكأنها تحاول استيعاب ما يجري حولها بصعوبة، ولعلها لم تكن قادرة على الرؤية بشكل واضح. حين بدا أنها استعادت قدرتها على التركيز والابصار بجلاء تشنجت ملامح وجهها بشيء من الذهول حين قلبت بصرها بيني وبين كنتارو دون أن تنطق ببنت شفة، ثم نهضت على مهلها مرتكزة على مرفقيها لتغدو في وضعية الجلوس قبالتي تماماً. هدوءها التام كان إشارة لي بأنها لم تكن تضمر لنا أي شر، ولم يبدر منها ما يوحي بأنها قد تعاود مهاجمتنا بلا رحمة.

    "جيد... أرى أنك تحررت من سيطرة المدمرين الأوغاد بشكل كامل." بادرتها بالقول وقد غمرني شعور بالارتياح. انتظرت منها أن تقول شيئاً، لكنها لم تحرك ساكناً. سألتها برفق: "كيف تشعرين؟ هل أنتِ بخير؟"

    أخذت تنظر إلي من الأعلى للأسفل وكأنها تتفحصني وركزت نظرها على إصابة صدري، ثم عادت لتنظر إلى وجهي بما بدا أقرب للاستخفاف ولسان حالها يقول: "ألست أنت من يجب أن يقلق على نفسه وأنت بهذه الهيئة المزرية؟؟"

    ضاق كنتارو ذرعاً بصمتها المتواصل. على عجل أخذ يمطرها بوابل من الأسئلة التي كانت لا تختلف عما حار به ذهني منذ قليل. "من تكونين يا هذه؟ من أي كوكب جئتِ؟ ما هو اسمك؟ ما الذي..."

    "رويدك كنتارو." قاطعت صديقي الصغير بهدوء. "ألا ترى كم هي متعبة؟ الوقت ليس مناسباً لكل هذه الأسئلة."

    "لكن يا جونكر... نحن لا نعلم أي شيء عنها!" اعترض كنتارو بحدة.

    "كنتارو..."

    تجاهلني كنتارو وتابع مهاجمتها بالأسئلة مجدداً. "قولي الحقيقة...هل أنت حليفة للمدمرين؟ ما هي قصتك؟ لماذا تصرين على التزام الصمت؟!"

    بدا من الواضح أنها لم تكن مسرورة باتهامات كنتارو واستجوابه المتواصل لها فرمت نظرة حقد نحوه وهي تزم شفتيها. ابتلع كنتارو ريقه والتصق بي مهتاباً من نظراتها المغتاظة التي لو كانت قادرة على القتل لأردته صريعاً، وللحظة انتابني شعور أنها قد تقدم على إيذائه. رفعت يدي لا شعورياً أمام كنتارو بقصد حمايته من أية خطوة عنيفة قد تقدم عليها هذه المخلوقة، وحالما رأت ذلك لانت ملامح وجهها وكأنها غيرت رأيها بالفعل. وأخيراً خرجت عن صمتها - بعد أن بدأت أشك أنها قادرة على الكلام - حين خاطبتني بنبرة تهكم: "اطمئن أنا لست حليفة لأولئك القذرين.. ولو كنت كذلك لكان أمرك قد انتهى منذ بداية المعركة."

    رفعت إحدى حاجبي... لم يرقني ما قالته. وكأنما أعجبها استفزازي فأضافت بعجرفة شامخة بأنفها: "أنت محظوظ، إذ كنت سأجهز عليك لولا حركتك الأخيرة. عليك أن تكون ممتناً لكونك لا تزال على قيد الحياة!"

    لم يعد هناك أي لبس... هذه المخلوقة كتلة متحركة من الغطرسة البغيضة.

    رددت عليها بكل برود: "أهذا ما تظنينه حقاً؟ يبدو أن حالتك أسوأ مما تبدو عليه."
    صرّت ما بين عينيها وجزت على أسنانها بامتعاض واضح. أخذت ترفع جسدها بتثاقل، وحين لاحظت معاناتها للوقوف على قدميها خائرتي القوى امتدت يداي نحوها بلا تفكير لأساعدها على النهوض. لم تكن مبادرتي هذه موضع ترحيب لديها، إذ سرعان ما دفعتني بعيداً عنها بنقمة لم أجد لها مبرراً وصاحت بي بحنق: "لا تلمسني! لست بحاجة لمساعدة من مثير للشفقة مثلك!"

    "هييه أنتِ! من تظنين نفسك ؟!" صاح بها كنتارو مغتاظاً. "لقد أنقذنا أنا وجونكر حياتك للتو أيتها الجاحدة!"

    كنت بدوري عازماً على أن أسمعها كلاماً يليق بتصرفاتها المقيتة. تلك الجاحدة! أهذا جزائي على مخاطرتي بحياتي في سبيل تحريرها من سيطرة المدمرين؟ وأنا الذي كنت متلهفاً للقاء من يشبهني أخيراً!!

    تحدثت بنفس أسلوبها الساخر قائلاً لكنتارو: "لا عليك يا كنتارو! يبدو أن ضرباتي القوية قد أثرت على رأس هذه المسكينة."

    شهقت وقد أهانتها كلماتي في الصميم ثم كشرت عن أنيابها. التهب وجهها غضباً كما لو كانت بركاناً ثائراً على وشك أن ينفجر. جمعت يديها في قبضتين أخذتا ترتعشان عصبية، ثم سددت إحداهما نحوي وهي تصيح بحنق مضاعف: "اخرس أيها الــــ ...!!"

    وقبل أن تتمكن من اكمال جملتها أو حتى إيصال قبضتها إلى وجهي... إذ بها تفقد توازنها وقد خانتها قدماها وكادت تهوي أرضاً. سارعت لالتقاطها بين ذراعي بلا تردد، وهذه المرة لم أجد منها أية مقاومة أو اعتراض على مساعدتي بل على العكس... شعرت بذراعيها تتشبثان بي مستنجدتين. ساعدتها على الجلوس بروية على الأرض، وتوقعت أن تدفعني مجدداً أو أن تفلتني ذراعاها على الفور لكنها لم تفعل... ظلت متشبثة بي باستكانة وهي تنظر نحو الأرض ووجهها يتلوى بألم خافت. لم أفلتها بدوري، بل أبقيت ذراعي محيطتين بجسدها الواهن. سادت لحظة صمت غريب.

    في تلك اللحظة... لم تكن هذه المخلوقة التي بين بين يدي هي نفسها تلك المحاربة الشرسة التي واجهتها للتو... ولا الأنثى الجاحدة التي تتصرف بتعجرف مقيت...

    لقد كانت مجرد مخلوق مستسلم وضعيف ... كانت كطفلة عاجزة بلا حول أو قوة تبحث عن الأمان في عالم موحش بلا رحمة.

    وأنا كنت مصدر ذلك الأمان.

    غمرني إحساس رهيب بالشفقة على حالها... تملكتني رغبة عارمة بأن أحميها من كل الشرور في هذا الكون.

    شعرت بأنها بدأت تحاول التملص مني رغم ضعفها. كنت مدركاً أنها لا زالت غير واثقة بي.

    "اهدئي قليلاً، أنا وأنت لسنا عدوين... " بادرتها بالقول بعطف. سكنت مجدداً ثم رفعت إلي عينين منكسرتين كما لو كانتا زهرتين قد ذوتا. ابتسمت لها محاولاً طمأنتها أكثر. "المدمرون هم العدو الحقيقي، ارتاحي واستجمعي قواك. أنت بأمان هنا على الأرض... لن نسمح للمدمرين بلمسك مرة أخرى."

    رأيت طيف بريق يلوح في عينيها حين صافحت كلماتي هذه مسامعها. فتحت فمها لتقول شيئاً لكنها سرعان ما تراجعت. بقيت متمسكة بي كما لو كنت طوق النجاة الذي يحميها من الغرق، وطفقنا ننظر لبعضنا على هذا الحال وكأنما قد توقف الزمن تماماً.

    فجأة شق هذا الوجوم صوت انفجار آتي من مكان غير بعيد. رميت ببصري مستنفراً نحو مصدر الصوت.
    "جونكر!" صاح كنتارو باضطراب. "لقد عاد المدمرون للهجوم!"

    قلت له بتصميم: "لا تقلق... سألقنهم درساُ!"

    "علي الذهاب..." خاطبتها بحزم وأنا أفلت ذراعي اللتين كانتا لا تزالان تطوقانها وحررتني بدورها، ثم نهضت من فوري. "لا تتحركي... سأعود إليكِ!"

    التحم بي كنتارو مما منحني جرعة من القوة، وأطلقت صرختي بأعلى صوتي وهي تراقب ما يجري بدهشة واضحة. انطلقت نحو عدوي الذي كان يعيث في مدينة قريبة فساداً وينكل بالأبرياء. من الواضح أن المدمرين كانوا قد أعدوا خطة بديلة في حال فشلت خطتهم الشريرة تلك، وها هم قد أرسلوا وحشاً آلياً كي يستدرجني مجدداً وينهي مهمة القضاء علي. كنت ما بين قلقي من أن تقع الأنثى في قبضتهم مجدداً وهي عاجزة عن القتال وبين حرصي على اتمام واجبي بحماية البشر. لم أكن قد تعافيت بالكامل من آثار معركتي معها لكن لم يكن باليد حيلة.

    نجحت في ابعاد الوحش عن تلك المدينة لتجنب المزيد من الخسائر. كان علي انهاء المعركة بأسرع وقت ممكن.

    لم تجر الأمور كما أردت. أرهقني خصمي الجديد الذي كان مدججاً بصواريخ وأسلحة اشعاعية سببت لي الكثير من الضرر، وطالت المعركة أكثر مما كنت أتوقع، وحتى كنتارو الذي كان ملتحماً بي ناله نصيب من الاجهاد البالغ. انتصرنا كالعادة في نهاية المطاف، لكنني كنت أشعر بأن قواي قد استنزفت بالكامل.

    خرج كنتارو من صدري وحط على يدي، وبالكاد تبادلنا بضع كلمات قبل أن يغيب عن الوعي تحت وطأة التعب الشديد. وضعته على الأرض، وفقدت توازني أنا الآخر بعد أن عجزت عن التحامل على نفسي أكثر من ذلك، ولم أع شيئاً بعدها.

    حين استعدت حواسي مجدداً وفتحت عيني، كانت هي تجلس بقربي. توحدت ألوان خيوط المغيب مع ألوان شعرها المتناثر ببهاء، بينما كانت عيناها ترقبانني ببرود. شعرت بالراحة لأنها كانت بخير.
    اخر تعديل كان بواسطة » lotus2018 في يوم » 25-08-2019 عند الساعة » 21:18

الصفحة رقم 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter