" لم يواسني أحدٌ كما كان مضجعي،
أتنهد كل مساء ألماً على هذا الفراق
الذي لم أشأه يوماً عزيزتي حتى
أُحيل تنهّدي ودموع حزن قلبي
إلى دموع حزن جفني لفراق والدتي
حبّي الأول والأخير،
هاقد فارقتها بشكل مروّع اليوم يا سمارّاء
كان يوم دفن والدتي رغبت لو أدفن معها
فتخبو اللوعتين بين أحضانها
رغبت لو أنها تعود وتربّت على كتفي
وتطمئنني أنه كلّه خير وتضع يدها على نبضي
عليك أنت وتقرأ بعض الآيات بخشوع تحصّنك
دون أن تعلم حتى أغفو في الأحضان،
وددّت لو أنام جنباً لها أسفل برودة الليل
بين الرمل والحصى وبعض الأخشبة الباردة،
لو تعلمين يا عزيزتي كم هو قذر الفراق
يوم وفاة العزيزة فقدت القدرة على
الإحساس بما هو أنا فقدت الرّغبة في الحياة
واستطعام جمالها صرختي لم يفرج عنها
من بين قضبان فمي بل كانت أعظم من بين أضلعي،
يومها ذهبت والحنون وأخي لحديقة اللوكسيمبرغ
أكلنا بهدوء مع العصافير وزقزقتها كانت السعادة
ولأول مرّة بعد فراقك أستشفها من نفسي،
بعد أن مضى الوقت بين ضحك وحديث وجدّ،
أخذت أمي تتأمل ساعتها حتى همّت واقفة
وهي تقول:"وقت الصلام يا رجال"،
فهبّ أخي معها أما أنا آثرت على الّهو بهاتفي
وهي ترمقني علّني أقف معهم ولكن تنهّدت بخيبة
وقالت:"هداك الله يا بنيّ، لا راحة بغير صلتك بالربّ"،
فبدأت الصلاة مع أخي يؤمّها وبعد السلام تذكر الله بخشوع
وتدعو بكل ما أوتيتها من كلمات كم كانت ملائكيّة
وهي في هذه الحال،
قلت متجاهلاً النظر نحوها:"تقبّل الله صالح الأعمال"،
وقفت عن جِلستها ورتّبت مِفرش صلاتها
وهي تنفضه بقوة مدّعية الغضب،
حتى أخذت أمازحها في القول ثقيلاً:"أول صلاة سأصليها
في جنازة أحدكما"،
فأخذت تضحك مخفية حزنها على تقصيري
وأخي أخذ يضربني ويصرخ فيّ
وأنا أضحك على حال غضبه وفي لحظةٍ
وقفت أمي تسير مع الهواء العليل ونحن في حال نزاعنا الطفوليّ
حتى سمعنا صوت ارتطامٍ مختلط بصرخة وبوق سيّارة،
التفتّ وأخي سريعاً نحو الصوت فما كانت سوى
الحب الأول وقفت دهشاً مما حدث تربّطت أحاديثي
صرخاتي أقوالي وكلّ شيء واختزنت العين دمعها
سرتُ ببطءٍ أرقبها متمنٍ راجٍ ألّا تكون هي ذاتها،
جثوت على ركبتيّ أخذت أقبل جبينها أحتضن رأسها
أذرف دمعاً لم أعلم مصدره أبكي أصرخ أناجي
وأحدّثها أرجوها العودة أعدها الصلاة ولكن هيهات
فكلّه قد بات بلا محيا بعد اللحظة.
لو تعلمين يا سامرّاء كيف هي حالي وقول أمي الأخير
وقولي لها ودعواتها الصامتة،
أراها الآن دعوة الأم لا حاجب بينها وبين أبواب السماء،
أكتب وقلبي في حالٍ من الألم أو الاضطّراب
فما دعت من بعد فراقها طفلاً ولم أعد أؤمن بالقلب قطّ،
فكما قال هتلر حتى صدق
"أن الطفل يبقى طفلاً حتى رحيل أمه يشيخ فجأة"،
فكم هو معذّب فراق الأم، كلّ الحب صفوان ".
المفضلات