بدءًا من الختام.1.
جالساً على المقعد أمام مكتبي، أنصّ الرواية وأقلّب الصفحات وقد ازداد الفكر بي حدّةً منذ عدة أيام،
كأي كاتب عاديّ أمضي يومي بين الكتابة والقراءة مع كوب قهوتي أنيس وحدتي ورفيقي،
لا حبيبة ولا عائلة أشغل البال بها، لا أقول هذا انتقاصاً بالعائلات
بل إنما هذا واقع ما أظن به أحياناً أن العائلة ما هي إلا مجرد قيد لطموحات بعيدة
و أحياناً أخرى دافعاً لك ولمستقبلك.
بعدما أن نصصت الحرف الأخير من روايتي -في ما يقارب الشهرين وأنا أنصّها ليل نهار بلا توقف أو تعب- ،
وقفت متجهاً إلى الحمام حتى سمعت الجرس يرن وصوت شاب في مقبل العمر
ينادي بأعلى صوته:" البريد أيها الكاتب ".
أطللت برأسي خارج النافذة وأخبرته طالباً بأن يضع الرسائل في الصندوق، فلبّى لي الطلب ورحل،
حينها وقفت أمام مرآتي وأخذت أتأمل هالات السواد حول عيني وجسدي النحيل وبعض التجاعيد الباهتة بين حاجبيّ
- لكثرة ما قطبتهما عصفاً لذهني وإخراجاً للكلمات غصباً- فصرت أتلاعب ببعض خصل شعري
وأنا أخاطب نفسي أمام المرآة:" أينكِ أيها العجوز لتري ما حل بطفلك؟ " فتبسّمت ساخراً وتحركت صوب الحمام؛
لأغتسل وأنفض غبار الكلمات عن كاهلي وأتخلص من دنائة الجرائم التي كنت أرتكبها في نصوصي،
بعد ساعة من الاستعداد للتوجه إلى حيث عملي أخذت نفساً عميقاً أبني به جسور ثقتي وسعادتي،
فوضعت الأوراق في حقيبتي وخرجت نحو صندوق البريد لأدسّ الرسائل في الحقيبة
وأكمل سيري لدار النشر حيث عملي.
حينما وصلت ألقيت السلام على الجميع من موظفة الاستقبال ورجل الأمن
والعم حسام(سيد القهوة السريعة) والخالة سوسن(سيدة النظافة في المكان)
وعلى جميع الموظفين والموظفات حتى وصلت إلى ذاك المكتب المقابلة له تلك السيدة
-كما اعتدتها بديعة الجمال لطيفة باسمة الثغر سمراء طويلة ممشوقة القوام
مع عينيها السوداوين كأنك سابح في الفضاء ترى جمال الكون في الظلام-،
وقفت أمامها وقلت مازحاً:" يا حبة اللوز بالعسل، كيف الصباح معك؟ ألم تشتاقي بعد؟ "،
نظرت إلي من أسفل نظارتها الطبيّة فابتسمت
حتى قالت وهي منشغلة بأوراقها:" ألم تجد أنثى غيري تتغزل بها في الأرجاء؟ ".
وقفت منتصباً وقلت:" أنثى! كلا يا حواء قلبي لن أجد أجمل منك ولا أحلى".
ــ إذاً ابحث، بتّ في الثلاثين ولا تزال تلهو كالصغار.
ــ كيف لكاتب طيلة عمره ووقته بين الورق أن ترضى به أي فتاة وهو بمثل هذه الحال؟.
ــ المدير ينتظرك مع قهوتك منذ... (فنظرت إلى ساعتها) نصف ساعة أيها المحترم.
ــ سأعود لك بالمزيد لا ترحلي يا حبة اللوز بالعسل.
ــ لا تجبرني على أن أدعو عليك.
ضحكت ثم دخلت مكتب المدير وألقيت السلام والبسمة على محياي فجلست أمامه
وأخذت أرتشف قهوتي الباردة نسبياً كما أحبها، وأنا أرقب المدير يجيء ويذهب توتراً منه،
ثم جلس مقابلي وقال:" لقد تأخرت كثيراً ألن تكفّ عن ذلك؟ ".
ــ كلا حتى أجد حواء قلبي ومسكن روحي.
ــ أنت هنا لتعمل لا لتلقي الأشعار على الجميع لقد تأخرت نصف ساعة.
ــ أعلم لقد قالت لي ذلك هناء، ثم النصف ساعة هذه أفضل من يوم كامل.
ــ أولاً اسمها السكرتيرة هناء، ثانياً اعتبر الرواية في مهب الريح خسرت اليوم.
ــ أرجوك انتظر يا عزيزي إنها جيدة بفكرة مبهرة سوف تعجبك صدقني فقط اقرأها.
تمعّن بي النظر ومدّ لي يده فقمت بتسليمه ملف الرواية وتبسّم راضياً،
فقال:" للمرة الأخيرة إيّاك أن تتأخر "،
وقفت أقبّـل جبينه فرحاً لقبوله وأخبرته بكمية سعادتي ومحبتي له لأنه رضي بها،
ابتسم لي كأب راضٍ عن ولده وقال مؤنباً:" إن أعدت هذه القبلات مرة أخرى فصدقني لن أتنازل عن طردك "،
خرجت من المكتب وسعادتي لا تسع قلبي وأخذت أتنفس هواء السعادة ممن حولي لأبثّه إلى قلبي،
نظرت إليّ السكرتيرة هناء باستغراب ثم ضحكت وهي تقول:" يبدو أنه قبِل الرواية "،
نظرت لها وأومأت إيجاباً ثم تقدمت قليلاً نحوها،
حتى باغتتني القول مسرعة:" إياك والغزل فصدقني سوف أدعو عليك وأذبحك "،
فضحكت بهدوء وقلت لها ساخراً:" إن كان زوجك فاشلاً في الغزل فمن أفضل من أخيك "،
حينها صدف أن كان المدير خلفي قاطباً حاجبيه مكتّفاً ذراعيه وسعل متصنعاً ليلفت الانتباه،
حينها انتفض قلبي ونظرت له وأنا أتبسم،
فقال متصنعاً الغضب:" أيها الصغير تذكر أنها أختك في الرضاعة لا أكثر، ثم يكفي أنها راضية بما تملك "،
ثم أخذت الابتسامات تتداول فيما بينهما وأنا أقلب بناظري صوبهما
فقلت -وأنا أسير أجرّ قدماي خلف أحرفي-:" حسناً لن أتدخل "،
فأخذت أسرع من سيري نحو سيارتي وأنا أفكر برواية جديدة إلى حين وصولي للمنزل.
بعد أن قضيت نصف النهار وأنا أسير في طريق مزدحمة وأبتكر طرقاً مختصرة لأجد نفسي شبه تائه،
في النهاية وصلت المنزل بعد عناء ألقيت حقيبتي على الأرض جنباً للباب وخلعت حذائي
وصعدت إلى غرفتي أغلقت النوافذ والستائر والأضواء لأنعم بنومٍ هانئ
ألقيت بنفسي على السرير وأغمضت عيناي ونمت كما لم أنم من قبل قط، كأنني لم أنم منذ أشهر طوال
حتى مضى النهار وانقضى وتلاه الليل عجولاً ليغزل البدر نوره الخافت في الأرجاء والنجوم حوله متراقصات.
فتحت عناي بتكاسلٍ شديد على صوت قرع جرس المنزل فقد كان الظلام يغطي أرجاؤه،
وقفت متثاقلاً ومعدتي تزقزق جوعاً وحرارتي بدت كما لو أنها في حالة علوٍ على غير عادتها
هبطت على الدرج متجهاً للباب فتحته فما كان إلا ساعيَ البريد ابتسمت له فبادلني الأمر بعد إلقائه للتحية،
وسلمني صندوقاً صغيراً بعض الشيء مستطيل الشكل أخذت منه ورقة لأوقع عليها موافقاً استلامي للبريد
وأثناء توقيعي بادرته الحديث قائلا:" أيها الشاب ألم ينته دوامك اليوم بعد؟ "، أجابني قائلاً :" آخر طلبية "،
ابتسمت له وشكرته فرحل وأغلقت الباب وأنا لا أبرح ناظري عن الصندوق
كان قديم الطراز منقوشاً عليه اسم لطالما أحببته "صفوان"،
عدت إلى غرفتي وفتحت النوافذ والأضواء لتعود إلى حيويتها المعتادة وضعت الصندوق على السرير
وأخذت حماماً عاجلاً وأعددت كوباً من القهوة لأباشر بالاطلاع على الصندوق فقد اعتراني الفضول اتجاهه،
ولكن للحظة قبل فتحي للصندوق تذكرت أمر الرسائل التي أهملتها في حقيبتي.
فذهبت إلى حيث الحقيبة وأخرجت منها بريد الصباح،
فهممت أقلّب الرسائل واحدة تلو الأخرى
فمنها ما قد كان من دور النشر ومنها من الشركات وأخريات من الأصدقاء الكتّاب،
إلّا تلك الرسالة كان طابعها غريب ولونها قريب للاصفرار فحاولت قراءة العنوان ولكن لم أفلح
فقد ذبل الحبر عنها فتحتها بشغف كانت قصيرة بعض الشيء خطُّها مهمل
كأنها كتبت على عجل بيد طفل في الثامنة من عمره فأخذت أقرؤها باهتمام،
حينما قرأت ما في الرسالة اهتز قلبي وانتفض كما لو أن حفلاً قد أقيم به وما عاد عقلي يعمل أو يفكر،
إنه التاريخ ذاته وها هو المساء وذاك الصندوق.
أصدقكم القول أن رغم فضولي العالي الذي ألّم بي
إلا أن خوفي من الأمر الذي لا أعلم من أي صوب أتى وتوتري كانا في ازدياد تام،
بدأت أسئلة كثيرة تغزو عقلي فقد اعتراني الفضول بكل ما لا يستطيع الحرف وصفه
وضعت الرسالة على المنضدة وأزحت الورق عن ذاك الصندوق الغريب،
وصرت أتحسس ملمسه حتى اقشعّر بدني للأمر كما لو أن موجات وصرخات وبكاءات ترسل منه إلى جسدي
وبدأ العرق يتصبب من جبيني ونبضات قلبي لا تسعفني وغثيانٌ عظيم
شعرت كما لو أنني قمت بجريمة قتل لأحد الرجال المهمين في البلاد أو هارباً من عدالة،
شعرت بأنني دُسست في الأمر جبراً كما يدس السم في الأفعى خِلقةً،
تمالكت أنفاسي وأبعدت الأوهام عني ثم حملت الصندوق والرسالة البالية وخبأتهما في خزانتي
وخرجت متنزهاً حتى وصلت المطعم وطلبت وجبة طعام صغيرة أسدّ بها جوعي،
حتى أوقفني عن طعامي رنين هاتفي أجبت بمرح:" صديقتي وأختي كيف الحال؟ "،
أجابتني بصوت حازم:" الحمد لله بكل خير، اسمع وصلنا خطاب مذ قليل من وزارة الثقافة
أنه إذا قمت بكتابة رواية أخرى خلال هذا العام فسيتم ترشيح منصب مخصص لك بينهم ".
صمتّ لوهلة والدّهشة علَت ملامحي فقلت:" كيف ذلك وليس لدي سوى ثلاث روايات لا أكثر؟ "،
فأجابت:" رأي القراء في رواياتك ونسبة مبيعاتها في حال تزايد مما شدّ الأمر انتباههم.
لذلك فكّر ملياً، أمامك حتى نهاية العام ".
أغلقت الهاتف وجلست أفكر في الأمر ملياً حتى باتت الفكرة تُمحى عن رأسي
فقد استنفدتّ كل طاقاتي الروائية في أخر كتاب سلّمته اليوم،
سرت عائداً للمنزل ألقيت بنفسي على السرير وعدت لأنام من جديد متناسياً أمر الصندوق وتلك الرسالة.
*****
المفضلات