عَلا الألمُ القاسِي في لَحظاتِ عاصِفةٍ ثلجِيّة ، كُلّما تَصرُخُ مستنجِدة تَشتَدُّ اهتِزازاتُ النّوافِذ و يَضرُبَ الحَجرُ الأبيض جُدرانَ القصر في مُحاولَةٍ لإختِراقِه ! ، فُتِحَ بابُ غُرفَتها فجأة لِتظهَر خادِمتُها مَذعورة ! ، تَقدّمت إليها و نَظراتُ الجزع تتراقَصُ على وجهها الذي ابتَلّ بالعَرق من انفِعالاتِها
" سَـ..سَيّدتي كريستي !!!
"
" إفعلي شَيئاً !!! وِلادَتي الليلَة يا مارسيلّا !!!!
"
شَحبَ وجهُ الخادِمةِ خوفاً ! ، لا بُدّ أن نفسُها تتحمّلُ الكثير فَصُراخُها الذي خرجَ من الرّعبِ قد زَلزَل القَصر أكثر من العاصِفة !!! ، هِي مرعُوبةٌ حقّاً من الإحتمالاتِ الوارِدة في أثناءِ الوِلادة ! .. تَموتُ المرأة !! ، بل هِي غيرُ مُهتَمّةٍ بموتِ كريستي فَلطالَما تَمنّت الموتَ امامها وَهي تُراقِبها كيفَ تجزَعُ من السّيد ماكسويل !! ، يَموتُ المولود ! .. هَذا ماهِي مَفزوعَةٌ مِنه ! ، ماذا لو ماتَ الجَنين ؟!!
" مارسِيلا أسرِعي !!
"
زَجرت كريستي بِحدّة وهِي تُراقِبُ مارسيلّا كيفَ تُولوِلُ وتَكادُ تنطَحُ رأسَها من ذُعرِها حَتّى !
خَرجت الخادِمة و كريستي بَقيت تتأوّهُ بقوّةٍ غيرِ قادِرةٍ على تحريكِ عضلة واحِدة فقط ، تشعُر أن جسدها سَقط بِقّوة من على حافّةِ جُرفٍ كبير .. بل الألم الذي يَحتلّهُ سبب الجَنين هذا يَكادُ يُخرجُ روحَها إلى بارِئِها ! ، تتنَفّسُ بسرعة .. يَخالُها أيّ مَخلوقٍ قد يَراها أنها خارِجة من سِباقٍ كبير .. بَل صَرخاتُها المُتألمة تترَقّبُ الخلاصَ من هذا الموقِف ! ، العَواصِفُ قي الخارجِ تتحدّثُ عن وصوِل أمرٍ مُستَعجل ، القَمرُ اختبأ و السّماء تشبّعت باللونِ الأسود و الأبيض !
تَجري بينَ الممرّاتِ صارِخة كعادَتها ، و ما إن وصَلت إلى الغُرفةِ المنشودَة حتّى استوقَفها حُرّاسُ السّيّد زاجِرين ألا تُزعجه أو تقتَحم مَهجَعهُ بهمجيّة ! ، فُتِحَ البابُ بعدَ طرقِهِ بدقَائِق ليظهر ( رولاند ) مُستنكِراً موجَةَ الصّرع تلك التي اعتَرَتها ! ، لَكن هيهات ! ، سيّدَتُها على مَشارِفِ الولادة و لا تَستَطيعُ أن تقفَ بهدوء و تقول ( أرجوك إسمح لي أن اقول لك أن السيّدة كريستي ستَلد لذا تَفضّل بالمَجيء !
) ..
" السّيدة كريستي تَحتاجُ طبيباً للوِلادة !!
"
أَوّلُ جملةٍ تفوّهت بها امامَه ، صَرفها مَع الحُرّاسِ لتجلِبَ الطّبيب لزوجَته ، أما هو فلم يُحرّك ساكِناً ، إلا بِضعَ خُطواتٍ مَشاها ليُراقِبَ النّافِذة .. ثم يَتّصِل بوالِدته ضاغِطاً للأرقامِ بهدوء
" مَرحَباً ؟ .. عُذراً لإيقاظِكِ في هَذا الوَقتِ المُتأخّر
"
" أوه رولاند عَزيزي !! ، ماذا حَدث ؟ ، هَل أنتَ بِخير ؟
"
" أجل ، إنّها كريستي ستَلِدُ الليلة ، أتستَطيعينَ المَجيء ؟
"
" أنتَ تمزَحُ صَحيح ؟ ، أُريدُ رؤيَتَه في أفضَلِ أحوالِه ولَيسَ أسوأَها ! ، على كُلٍّ .. تَأكّد من صِحّته عزيزي ، ولا تَدَعه بين يَدي تِلك المُعدَمة !!
"
تَنفّسَ الصّعداء ليهمِس فجأة
" ستأتينَ غداً أوليس كَذلِك ؟
"
رَدّت عليهِ بِسُرعة مُتحمّسة ، بينَما شَعرُها الأشقَرُ النّاري يَتماوجُ مع حركَتِها المُتمايلة على سَريرِها الواسِع
" أَوّلاً أخبرني .. ما إسمُه ؟
"
" ليونَارد ماكسِويل
"
بِسعادَةٍ غامِرة تَحدّثت و عُيونُها الخَضراءُ تَجوبُ الغُرفَة ثُمّ إلى شَريكِها النائِمِ بِقُربِها
" إسمٌ جميل !! ، لابُدّ أنّه من اختِيارِك عزيزي ! .. كَما هُو متوقّعٌ من ذوقِك !
"
" لا ! ، لَقد اقتَرحتهُ كريستي .. على كُلّ لستُ مهتمّاً بالإسم !
"
" هَذا مُقرف !!!! ، قُم بتَغييره ! ، و إن لَم تكن مُهتمّاً إذن لم سَمحتَ لها بتسمِيتِه !!
"
" أمي ! ، هل تُريدينَ عَمل مُصيبَة لإسمٍ سخيف ؟!
"
" أيّها الشّابُ العاق !! ، تحمّل حَديثك أما أنا فلن أزورَك إلا بعد شَهر !!!
"
أغلَت الخَطّ في وَجهه بِقوّة بينما هُو يُطالِعُ جدارَه الرُامي الفاخِر ، لامَست أصابِعُهُ الدّافِئة زُجاجَ نافِذته الملساء بشرود ، بينما لَوحةُ العاصِفة في الخارج تخَيّلها وَحشٌ يُحاوِل إلتِهامَهُ بشَراسَة ! ، أن يكونَ أباً في لَيلَةٍ شتويّة كَهذِه ، لَيلَةٍ بارِدة ؟! ، وَليسَ هُناك أحدٌ في طُرُقاتِ مرسيّة ؟
لكِنّهُ و لِسببٍ ما أحبّ امتِلاكَ هذا المولود .. كَما أن لا مُشكلة لديهِ في الطّقسِ حتّى ! ، لطالما أحبّ الشتاء و الثّلج ! .. البُرودة و المِدفأة ! ، ففي الخَارج لم يَكن لِيَسودَ إلا الصّمت .. بينَما اللونُ الذي ارتَداهُ من قَبل .. الأبيض ! ، هُو ما يَراه !
ضَحِكَ مع نَفسِهِ بصوتٍ مَبوح ، ابتَعد مِن النّافِذة مع همسٍ تَردد في الرّواقِ السّاكن
" لا شَيءَ أجمَلُ من هذهِ اللّيلَة !
"
وَصلَ طبيبُ العائِلة مع إتصالاتٍ استَغرقت لإيقاظِهِ خمسَ دقائِق ! ، وعلى عَجلَته وَلجَ إلى غُرفة كريستي مُقتَحِماً إياها بقوّة ! ، أمر الشّابة بصوته الخَشنِ قائِلاً وهو يَبحَثُ بين أدواتِه
" سيّدة ماكسويل ! .. خذي نفساً عميقاً !
"
لَقد حاوَلت أن تُهدّأ أعصابَها من قبل ، ولكن الألم الفظيع الذي يَغرُس بأنصالِه جَسدها يكادُ يُفقِدُها صوابَها !! ، كما أنّ الخادِمة تلك لا تنفَكُّ إلا أن تَجزَعَ مُسببة الإرتِباكَ و الخوفَ أكثر ! ، فَرُغمَ صُراخِ عقلِها و كَونِ جسدَها في حالة الطّوارئ التّامة ، مارسِيلا لا تُساعِدُها أبداً !!
" صَمتاً !!!! ، كامِيليا أخرجي هَذهِ الخادِمة البَلهاء ! ، الصّراخُ يُزعِجُني و يُرهِقُ المرأة !
"
بَدأت تَسمَعُ أَوامِرَ الطّبيبِ التي تأتي بِصرامة ، لقد هدأ المَكانُ منذُ أن تَمّ قذفُ خادِمتها الخاصّة خارجَ الغرفة تنتَظِر بهدوء بَدل شّدّ الشعر كالعَجائِز و الفاقِدات ! ، أرادَت أن تفتَحَ عينيها لِترى الدُّنيا قَبلَ مَغيبِها إلى الأبد ولكّنها لَم تستَطِع !
كُلّ شيءٍ مُختلطٌ ببعضه البَعض ! ، ارتَفعت دَرجةُ حرارَتها و تجعّدَ الشّعرُ من الذُّعر ! ، لا تَدري كَم ساعةً هي تصرخ .. كَم ساعةً هي تتألم .. ولَكِنها تَشعر أنها بقيت دهراً تُعاني ! ، شَتمت نَفسها بقهر ، لِمَ على روحُها أن تتحمّلَ كُلّ هذا ! ، فاليَخرُج ما بِداخِلِها و ليُخلّصُها من هذهِ المُعاناةِ الفاسِدة !!
" سيّدي الطّبيب !!! ، لَديها حَرارَةٌ عالية ، كما أن ضَغطَها قد ارتَفعَ بشكلٍ حاد !!!
"
تَعرّق الرّجُل بشِدّة و خرجَ صوتُهُ حادّاً هُو الآخر
" إن لَم نُسرع بِمُعالَجة كِلا المُشكلَتين فسنضطَرُّ لإجراءِ عمليّة قيصَريّة !!
"
تُرى هل سَتكونُ النهايَةُ عندَ هذا الطريق ؟ ، وَمضَةٌ من تَساؤُلاتِها هذهِ خرجت فجأة وهي تتنَفّسُ بصعوبة ! ، لَقد شعرت بالسّعادة مع وُجودِ هكذا أملٍ في أيامها المُقبِلة ! ، ولَكن أولن تَكونُ الرّاحة الأبديّة أفضَلَ من كُلّ شيء ؟ ، سَتبتَعِدُ أخيراً عن هذا المَكان ولَن تُكمِلَ مُجدداً بل ستَذهب لوالِداها !!
" كريستي ماكسويل ! ، قاوِمي قليلاً ! ، لديكِ مولودٌ بداخِلك ! إنّهُ طِفلُك !!
"
حَثّها الطّبيبُ فجأة ، و كأنّهُ يعلَمُ ما في داخِلها .. أرادَ ان يُعطيَها دَفعة قويّة تجعَلُها تقف .. تجعلُها تمضي .. هذا العَالمُ القاسي الصّلب ! ، لديهِ جانِبٌ طيّبٌ و رَحيم !!
( ابني ليونَارد ..
) ، صَرخَ كِيانُها مُذَكّراً إياها بهذهِ العبارة التي كانت تتلَفّظُ بها في التّسعةِ الشُهور السّابقة ، لَقد سُعِدت بِهذا المَلاكِ الصّغير ، الذي سَيكونُ بينَ يديها بِدِعةٍ بَعدَ قليل .. ( فَقط .. فَقط سَيكونُ الألمُ هنا ، في هذهِ المَحطّة .. و سَينتهي ! ، أنا واثِقة !
) ، لَقد شَجّعت نفسَها بحسرة ، و ذلك الجُرحُ العميقُ في قَلبِها يَنبِضُ بإستهجان ، هِي واثِقة أن الأمرَ سيَنتهي عِندَ هذا الحَد .. و سَتعيشُ باقي شَبابِها مُبتَسِمة !!
لَهثَت اوصالُها و سالَ دمعُها الفِضّيّ ، أثارت على نَفسِها بالجِهاد ، عليها أن تُقاتِلَ حتّى اللحظة الأخيرة !! ، لقد أوصاها والِدُها أن تَكون قويّة !! ، ( هَيّا يا وَلدي .. أنا آسفة ، لن أُفكر بتَركِكَ مُجدّداً !!
) .. مِن هُنا .. و حتّى هذهِ الثّانية ، جَمعت كُلّ قوّتها ، شَهقت الهَواء .. استجمَعت شَجاعَتها ، سَعادَتها .. ذِكرياتُها ، والِدُها إدوارد ووالِدتاها !! ، لَقت كانت تِلك اللحظاتُ السّعيدة ، الضّحكاتُ البريئة تدورُ حول رأسِها ، أمسَكت زِمامَ أمورِها و صرخَت بقوّة !!! ، وفي تِلك اللحظة .. لَم تَنسى أبداً .. صَوتَ ذلك الطّفلَ الذي بَكى لأوّلِ مرة ، منذُ قدومِه إلى هذهِ الحياة !
هَدأت العاصِفة بَعد ثَلاثِ ساعاتٍ من قُدومِ ليونارد ، وكأنّها كانت هائِجة فقط لِقلَقِها على تِلك الفَتاةِ المِسكينة ! ، التي انتَقلت من أُنثى صَبورة لمآسيها ، إلى أمٍّ حَنون ! ، بَقيت الطّيورُ في مخابِئها كَما بَقيَ الطّفلُ بين دِفئ الغُرفَة نائِماً بهدوء .. وحَتّى الصّباحِ الجَليدي المُترقّب ! ، كانَ ( هُو ) .. يتأمّلُ قسماتِ وَلده ، ثُمّ يُرجِعُ ببصرِهِ إلى زوجَته التي كانت نائِمة بإرهاق .. غَير مُدرِكٍ إلى أن الإبتِسامة الماكِرة ، قَد ظَهرت رُغماً عنه و على شَفتيه ، كَما يَبدو أن تِلك النّيرانَ الخَبيثة .. لَن تُخمد !
{ يَومٌ مِن أيامِ الشّتاء }
المفضلات