أخذت نظرتها الحادّة تتبعثر بين كِلا الشخصين الواقفين أمامها بثبات, يمتحنان ملامح وجهها الشاحب والذي تطلّ عليه إمارات الإنزعاج الكبير,أخذت نفساً عميقاً لتطلقه بصراخٍ زعزعَ السكون الذي التحفت بهِ أجواء المكان : لقـــد طفــحَ الكـــيل!! ، لــن أبــقى ثانيــةً إضافــية في هذا المــكان كريهِ الرائحة..
ابعدت الغطاء الأبيض الذي غطّى قدميها العاريتين, لتقف منتصبة أمام الرجلان أمامها, بدتْ كالسجينِ الذي لم يعُد يحتملّ فراق الحريّة التي إعتاد عليها, سارت نحوَ الباب حيث وقفَ كِلا الرجلين – الغامضيّ الملامح للنظارات السوداء التي يرتدونها – لتصرخ بحنقٍ كبير : إبتعدوا عن طريقي في الحال, قلت ابتعدوا هيّا!!
لم يتزحزح الرجلان من مكانهما, بل وقفا بثباتٍ كتمثاليّ حجرٍ راسخ لا مفرّ من مواجهته, أو حتى لا أمل من زعزعةِ ثباته.
حاولت ضربَ أحدهم ليوقفها الشخص الآخر , ويقول بلهجةٍ حادّة : أرجوكِ سيّدة لانا, لا تُصعبّي مهمتنا أكثر من هذا, الأوامر كانت واضحة وقد سمِعتها بنفسكِ, لا خروج قبل يومِ الغدْ, حتى تستعيدي عافيتكِ بالكامل.
كان يقول تلكَ الكلمات وهي ترفس بين يديه كطفلٍ صغير يودُّ الفُكاكَ من مربيّته الشرسة.. نفخت غِرتها لتقول بدلالٍ طفوليّ : ولكنني لا أريد البقاء هُنا.. ( أدارت نظرها نحوَ مُمسكها لتردف بملامحَ بريئة تفطّر القلب ) أرجوكَ يا سيّدي, دعني أرحلْ, حتماً أمي قلقةٌ عليّ الآن.
رُقّت ملامح الرجل ليحاول الانصياع إليها..
- إيّاكَ يا ماكس, لا تنسَ كلام الزعيم, قال بأن لديها طرقاً ملتوية للنفاذِ مِنّا ..
إحتدت ملامح لانا لتدير نظرها نحوَ الحارِسِ الآخر, فتصرخ بغضبٍ كبير : أنت!! نهايتكَ على يدي يا هذا, صدقّني ..
إبتلع -المعنيّ- رمقه بينما هي مقيّدة من كلتا يديها من الخلف بيديّ الحارس المسمى بـِ " ماكس " ليجرّها عائداً بها إلى فراشها, ويرغمها على الاستلقاء عليه, نظر إليها ببرود لينطق بصوتٍ أجشّ: لا تحاولي أن تلعبي دورَ الطفلة معنا يا عملية لانا, نحنُ نعلم كيف تتصرّف الإناث بمنظمتنا.
كتّفت يديها لتدير نظرها عن الإثنين وتأمرهم بحنق : أودّ مكالمة ديــــو , وحالاً.
نظرَ الرجلان لبعضهما بنيّة تلبية أمرها..
- لا حاجة لمحادثتي هاتفيّاً, فأنا هُنا منذُ الصّباح.
أدارت نظرها إلى حيث باب الغرفة لترى مُحدّثها ينظر إليها بودٍ وشوق, حيث اكتست زرقة عينيه طيفاً لامعاً من القلق الغريب, قطّبت حاجبيها تساؤلاً عن حالِ أخيها بهذهِ اللحظة, لتنطق بتوتّرٍ واضح : لَمَ هذا الخوف بين عينيكَ يا ديـو ؟! مالذي حصل؟ ( توسّعت عينيها لتردف ) هل حصلَ شيءٌ سيّء لأحد... هــ
- لا إطلاقا.. ( قالها وهوَ يدلف للداخل بخطواتٍ منتظمة, ليوزّع نظراته نحوَ الرجلين ويقول بابتسامةٍ لطيفة ) شُكراً لحرصكم عليها, أنا حقّاً مُمتنٌ لكم.
إبتسم الإثنان ليومئ لهم ديو بالخروج, وهذا ما فعلوه, ليعيد نظراته إلى حيث استلقت أخته على فراشها الوثير, وعينيها تبعثُ الملايين من الأسئلةِ الامتناهية, إبتسم مستدركاً لما قد يخطر على بالها, ويأخذ كرسيّاً بجانبه ليضعه قبالةَ الفِراش, فيهمس : أنتِ بخير؟
رمشت بعينيها محللّةً كلمة " بخير ", فحسبَ ماتشعر بهِ بهذهِ اللحظة هوَ حماسٌ مشتعل, ونشاطٌ كبير لا يكبحه سوى الرقود في المشفى هكذا.
- ولِمَ قد لا أكون بخير ؟!
توسّعت ابتسامته ليردف مازحاً : هذا جيّد, بِما أنكِ بخير, حين نعود تنظفين غرفتي بالكامل.
إحتّدت ملامحها لتصرخ بوجهه : أيها الأحمق الكبير, هل أبقيتني كل هذهِ المدة هُنا من أجلِ أن تجعلني انظف غرفتكَ مُقابل خروجي! أنتَ حقّا .. حقاً .. آآآه منكَ يا ديووووو ...
انتفضت من الفراش لتنقضّ عليه بنية ضربه, وهذا ما أوشكت على فعله إذ جرّته من ضفيرته وجعلته يمسح أرضية غرفتها بثيابه المتراوحه ألوانها مابينَ الكُحلي والأبيض, حسناً باتت ثيابه الآن بنفس اللون تقريباً وهوَ " الترابيّ " ..
دخل ساحةِ المعركة ذو الملامحِ الهادئة مسيطرةً على مُحياه إمارات التوقِ الغريب, ونرى خيطاً من الانزعاج يشوب بريق عينيه, توقّف بمكانه - عند باب الغرفة – وهو يرى الشخص " الذي يُفترض أن يكونَ مُصاباً " ينهلّ على عديمِ الحيلة " ذو الضفيرة " بشتّى انواعِ الشتائمِ والضرباتِ الموجعه ..
رمش بعينيه عِدّة مرات, علّه يستوعب هذا المشهد, لينطق بصوتٍ عالٍ كي يستحوذ إنتباه الأخوين : مـالذي يجـري هُنا ؟!
توقفت لانا عن توجيه ضربةٍ نحوَ رأسِ ديو, لترفع نظرها عن الذي حوّط وجهه بيديه مُدافعاً عن نفسه, لترى كواتر ينظر إليها وإمارات الاستفهام تكتنف وجهه, إعتدلت بوقوفها سريعاً لتبعثر نظراتها من حولها وتقول بتوتّر : مَن هُنا, كواتر؟ آه أعتذر عن استقبالك بهذهِ الطريقة .. ولكنّ الأحمق ( قالتها وهي ترفس بهِ من قدمهِ بقوّة ) قد تلاعب بأعصابي المشتعله قليلاً ..
ضحك كواتر بخفّة لينظر نحوَ ضحيّة المكان وقد بان على وجههِ آثار الكدمات, ليهمس من بين ضحكتهِ الخفيفة : دعني أحزر, كلّفتها بتنظيف مزبلتك .. أأ .. أقصد غرفتك ؟!
انتصب المعنيّ واقفاً بصعوبة ليمسّد على ظهره من الخلف ويقول بنبرةٍ مُتألِّمة : كنتُ أقصدُ فقط تلطيف الأجواء, وهي لم تسمح لي بتبرير موقفـي ..
توقّف عن قول تبريراته ليرى المعنيّة - بهذا الجَمْع تغلق- باب الغرفة بغضب, تاركةً الشابيّن لوحدهما. إستغرب كواتر هذا الأمر ليلتفت نحوَ ديو ويهمس مُتسائلاً : مالأخبار ؟
تحوّلت ملامح المعنيّ لبعضٍ من الأسى, ليطرق رأسه ويجيب : لا تسرّ. يجب أن تُغادر ميدان العمل, جهازها العصبيّ لا يزال بوضعٍ حرج, ولا قدرة لي على إخبارها بهذا الأمر يا كواتر, أنـا فقط لا أقدِر.
تنهدّ ليسند جسده على الحائط بقربه, اقترب منه كواتر بملامح مبتسمة ليقول مطمئناً رفيقه : سيكون كلّ شيءٍ على ما يُرام, لانا قويّة ولا شيء قد يؤثّر عليها, رأيت كيف أطاحت بكَ قبل قليل, عقلها وجسدها بحالةٍ جيدة.
رفع ديو رأسه ليهتف وجهه بكلامٍ كثير, فهمه كواتر دون أن يسمح له أن يتكلّم, ليغمض عينيه ويغادر الغرفة بابتسامةٍ غريبة.
المفضلات