الصفحة رقم 1 من 11 123 ... الأخيرةالأخيرة
مشاهدة النتائج 1 الى 20 من 206
  1. #1

    تركته لأجلــــــــــــــــك...!!

    تركته لأجلك!!
    شهقت الآنسة ناديا - المسؤولة عن تقييم اللوحات في معهد الفنون الراقي- عندما وقعت عيناها على لوحة سوسن:
    - أنت مدهشة فعلا يا سوسن، لا تزالين في المقدمة كعادتك!
    فابتسمت سوسن بتواضع:
    - هذا جزء لا يذكر أمام ابداعك يا آنسة ناديا..
    وأسرعت الفتيات بالتحلق حول اللوحة التي تناسقت ألوانها لتنسجم مع خلفيتها بذوق رفيع، مصورة شابا وسيما ممتطيا حصانا أبيض في أجواء حالمة، علقت عليها سوسن موضحة:
    - سأهديها لخطيبي في عيد ميلاده
    ولم تستطع معظم الفتيات إخفاء غبطتهن الشديدة أو ربما حسدهن لسوسن، تلك الفتاة الثرية الأنيقة و الجميلة والتي تحصل على كل شيء تريده، ولم تملك اثنتين منهن أن تتهامسا بهذا الشأن:
    - إنها تخطف الأضواء دائما
    - فتاة محظوظة بلا شك، حتى عطرها الفريد الذي تستعمله، أظنه صنع خصيصا لأجلها فقط!
    ورغم جميع تلك النعم المحيطة بسوسن إلا أنها كانت لا تساوي شيئا عندها إذا ما فكرت بخطيبها أيهم، ذلك الشاب الذي يجاريها مكانة وثراء، بل إنه الشخص الوحيد الذي كانت على ثقة تامة بأنه لم يتقدم لخطبتها من أجل مالها أو مكانة والدها فهو لا ينقصه شيء من هذا ولا ذاك وقد سطع نجمه وغدا الأشهر في هذه المدينة، غير أن القلق بدأ يساور قلبها في الآونة الأخيرة خاصة بعد انتقال أيهم إلى مبنى المعهد نفسه ..
    كان المعهد يتكون من طابقين بنيا على أحدث طراز يندر أن يرتاده أحد من الطبقة المتدنية ولا حتى المتوسطة، خصص الطابق الثاني فيه للفنون الجميلة، في حين انتقلت فرقة أيهم الموسيقية للطابق الأول.. أيهم، ذلك العازف المحترف الموهوب ساحر الفتيات والذي ما أن ذاع نبأ خطبته حتى أغمي على الكثيرات اللاتي بنين أحلامهن الوردية معه، لا سيما وقد تصدرت صور سوسن أغلفة الصحف والمجلات بصفتها خطيبة هذا النجم اللامع، فقطعن الأمل تماما بلفت أنظاره إليهن إذ لم يكن يجارين خطيبته جمالا ولا مكانة ولا جاذبية..
    لم تكد سوسن تنهي حديثها عن تلك اللوحة حتى دخل أيهم ليلقي التحية على الجميع بشكل عام قبل أن يحيي خطيبته بشكل خاص، وسط النظرات الحاسدة:
    - كيف كان نهارك يا ملاكي؟ لقد أنهيت الاشراف على الفرقة هذا اليوم، هل أصطحبك إلى المنزل؟
    وقبل أن تتمكن سوسن من مداراة لوحتها عنه خشية أن تفسد المفاجأة، انتبه لها أيهم فأطلق صافرة إعجاب شديدة:
    - إنها صورتي!! ما هذا الفن الراقي الذي تتميز به أناملك الرقيقة يا فاتنتي!!
    فاحمرت وجنتا سوسن قائلة:
    - إنها المفاجأة التي وعدتك بها..
    فحضنها أيهم هاتفا:
    - آه يا حبيبتي، كيف أشكرك!! إنها أغلى هدية رأيتها!
    وعلى خلاف ظن معظم الفتيات اللاتي كن يتابعن المشهد دون تحفظ، لم تكن سوسن من النوع الذي يحب افصاح المشاعر بهذا الشكل السافر أمام الآخرين، بل كان يضايقها ذلك لأسباب كثيرة، ورغم أنها حدثت أيهم بهذا من قبل إلا أن كلامها بدا لا يعبر أذنه الأولى حتى يطير من الأذن الثانية..
    كم كانت تؤلمها تلك النظرات المسددة نحوهما كالسهام الحارقة، لماذا لا يراعي مشاعرهن على الأقل!! هذا عوضا عن الفتيات اللاتي بدأن يحكن الخطط للفت أنظار أيهم اليهن وكأنهن في معركة تحدي سافرة، يراهن فيها على كونهن يستطعن كسب وده رغم انفها، خاصة تلك الفتاة المتعجرفة سورا التي ما أحبت سوسن قط وقد احترقت غيظا بمجرد أن علمت بخطبة أيهم لها، لا سيما وقد كانت تمني نفسها منذ وقت طويل بأن تكون العروس المرتقبة له ولم تستسلم بعد!
    كانت سوسن تحلم بحياة سعيدة هادئة مع زوج محب على غرار قصص الأبطال الخيالية "وتزوجا وعاشا بأمان ونبات وأنجبا البنين والبنات"، غير أن تصرفات أيهم لا تبشر بذلك الاستقرار الذي ترنو إليه نفسها، وقد تكون هذه هي مشكلة النجوم والمشاهير بشكل عام غير أنها تركت أثرها العميق في نفس سوسن و هي ترى العداوات تظهر أمامها سفاحا يوما بعد يوم، حتى تجرأت احداهن أن تتهامس مع زميلاتها متعمدة اسماعها ما تقوله عنها:
    - هل تعلمن أن والد سوسن هو من دفع بابنته لأيهم؟؟
    غير أن احداهن تصدت لها بقولها:
    - ولم يفعل ذلك!! أنت تعرفين أنه ما من شاب في المدينة إلا وتمنى سوسن زوجة له، يكفي أنها على مالها وجماله ذات خلق نبيل؟؟
    فترد عليها الأخرى:
    - أكل هذا الدفاع عن سوسن من أجل ما قدمته لك ذلك اليوم! انها تشتري الناس بأموالها...
    فقاطعتها بحدة:
    - بل بأخلاقها ونبلها وطيبتها ثم إنني لست بحاجة لمن يشتريني بفضلات ماله إن كنت تفهمين!!!
    كل ذلك وسوسن تتظاهر بأنها لا تسمع شيئا وهي غارقة في رسم لوحتها والألم يعتصر قلبها حتى كاد يمزقه!
    حتى جاء ذلك اليوم الذي غير مجرى حياتها للأبد، فاتحا لها أبواب جديدة على مصراعيها ونوافذ مغلقة لم تكن تدرك أنها موجودة حاجبة عنها النور..

    ( يتبع الجزء الثاني إن شاء الله)


  2. ...

  3. #2
    رووووووووووووووووووعة
    هذة البداية الجميلة ...تظهر في طياتها ملامح رواية رائعة
    اني اتحرق شوقا للجزء الثاني
    اعتبريني اول المتابعات
    دمتي بود

  4. #3
    أحببت القصة
    حزنت على سوسن كثيرا ,
    تحمل الرواية الحقيقة في مشاعر البشر بين الحسد ,الحب,الغيرة,التفاخر,الولاء
    أكملي فالرواية غنية بما فيها ..
    حياكم لكتابة رأيكم في رواياتي عبر القود ريدوز
    روايات اشواق
    https://www.goodreads.com/book/show/...om_search=true
    14 يوما في كابوس مثير
    https://www.goodreads.com/book/show/22840248-14

  5. #4
    السلام عليكم

    انطباعي الأول هو أن القصة جيدة .. إلا أن الأحداث غير واضحة بعد بما يكفي لأحكم عليها فربما تكون كلمة "جيدة" لا تكفي بحقها
    بدا لي وكأنك كنتِ تكتبين بسرعة .. إذا كان كذلك صحيحاً فأرجو أن تأخذي راحتكِ في الكتابة فقد أعجبني تنوُّع الشخصيات رغم أننا مازلنا في البداية
    سوسن .. بدت وكأنها إحدى الشخصيات المثالية .. مال وجمال وأخلاق! لكني أتوقع شيئاً أفضل منكِ ذلك gooood
    أيهم .. بدا لي مستهتراً .. ربما لأن هذا هو تصوري للأشخاص لنجم شاب .. بالذات إذا كان عازفا لفرقة موسيقى صاخبة كما تخيلته tonguelaugh

    على أية حال .. بانتظارك
    اللهم صلِّ على محمدٍ وآل محمد

    sigpic348259_3

    أسباب في غاية القصر والبساطة للكتابة للمؤلف أحمد مشرف:
    https://drive.google.com/file/d/0B-LfJc_YRsHobjVQcTh1UHl3dkE/view

  6. #5
    شكرا لك أمواج السراب لهذه الحماسة المشجعة(:
    يسعدني أن تكوني أول المتابعات وأتمنى أن أكون عند حسن ظنك(؛

    ***

    كما ذكرتِ عزيزتي "جوانا" هذه محاولة لتسليط الضوء على مشاعر البشر، وسيتضح ذلك بشكل اكبر فيما بعد ان شاء الله، اتمنى أن تجدي فيها ما يستحق الاهتمام والمتابعة
    وشكرا لمرورك(:

    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة أمواج المحيط مشاهدة المشاركة
    السلام عليكم

    انطباعي الأول هو أن القصة جيدة .. إلا أن الأحداث غير واضحة بعد بما يكفي لأحكم عليها فربما تكون كلمة "جيدة" لا تكفي بحقها
    بدا لي وكأنك كنتِ تكتبين بسرعة .. إذا كان كذلك صحيحاً فأرجو أن تأخذي راحتكِ في الكتابة فقد أعجبني تنوُّع الشخصيات رغم أننا مازلنا في البداية
    سوسن .. بدت وكأنها إحدى الشخصيات المثالية .. مال وجمال وأخلاق! لكني أتوقع شيئاً أفضل منكِ ذلك gooood
    أيهم .. بدا لي مستهتراً .. ربما لأن هذا هو تصوري للأشخاص لنجم شاب .. بالذات إذا كان عازفا لفرقة موسيقى صاخبة كما تخيلته tonguelaugh

    على أية حال .. بانتظارك
    أعجبني تحليلك وقوة ملاحظتك، فعلا هذه القصة مكتوبة على عجالة لكن لم أتوقع أن يتم ملاحظة ذلك بهذه السرعة(؛
    كانت في الحقيقة مسودة قديمة وجدتها في أوراقي اثناء محاولتي نفض الغبار عليها، ثم خطر لي أن أقوم بطباعتها ما دامت مكتوبة على اية حال، فمن يدري..قد تكون ذات فائدة!!
    فما رأيك.. هل اتابع طباعتها أم لا داعي لذلك إذ لا وقت لدي للتأني فيها أكثر هذه الأيام؟؟؟
    امممم حسنا بما أنني كنت أنوي اضافة الجزء الثاني، فسأضيفه ان شاء الله ومن ثم نسمع رأيك(؛
    شكرا لوقفتك الناقدة
    في امان الله(:

  7. #6

    الجزء الثاني..

    لم تكن سوسن تدرك حجم ذلك التغيير الذي سيحدث في حياتها، عندما التحقت نور بالمعهد أول مرة لافتة أنظار الجميع لحجابها الساتر، إذ لم يعتد أحدهم رؤية فتاة بذلك الشكل تلج هذا المكان بالذات، خاصة وهي تدخل بثقة وشموخ لتتجه مباشرة نحو المسؤولة مسلمة عليها قائلة:
    - أود الالتحاق بهذا المعهد لمدة شهر ان شاء الله من أجل صقل موهبتي في الرسم..
    ثم أضافت بعد أن أدارت وجهها في المكان وقد بدا عليها التوجس من بعض اللوحات:
    - أريد رسم لوحات الطبيعة وحسب!
    فرمفتها المسؤولة باستياء معلقة:
    - اسمعيني يا هذه، لا مجال للتعقيد هنا، فإذا كنت ترغبين بمناقشة الحلال والحرام فهذا ليس مكانه!!
    فتداركت نور قائلة بأدب:
    - عفوا، نا لم أقل شيئا من هذا القبيل، كل ما قصدته هو أنني أرغب برسم لوحات الطبيعة وحسب، فلدي الموهبة بفضل الله ولكنني أريد صقلها، وقد علمت أن هذا هو المعهد الوحيد الذي أجد فيه مشرفات من النساء
    لم يرق كلام نور للمسؤولة كثيرا، وهمت بأن توضح لها بأن هذا المكان لم يتعمد احضار المشرفات من أجل وجهة نظرها تلك وكأنها تدفع تهمة عنه، غير أنها اكتفت بقولها:
    - التكلفة باهظة هنا!
    فأخرجت نور محفظتها ووضعت النقود على الطاولة مردفة:
    - تفضلي، لقد اطلعت على أسعاركم وهي معقولة نسبيا..
    وما أن وضعت نور النقود على المنضدة حتى تغيرت ملامح وجه المسؤولة، في حين أخرجت نور مبلغا اضافيا قائلة:
    - إن كان يتوجب علي دفع مبلغ اضافي مقابل تحديد الفرع الذي أنوي رسمه فلا مانع لدي..
    لم يتطلب الأمر أكثر من بضع لحظات أخرى حتى استلمت نور أدواتها متجهة نحو الزاوية التي حددتها لها الآنسة ناديا لتبدأ أولى أعمالها في المعهد، ورغم أن نور ألقت التحية على الفتيات بابتسامة محببة إلا أن النظرات المحدقة بها لم تخلو من استهجان لمظهرها مع بضع همسات من هنا و هناك، غير أن نور لم تبد اكتراثا بذلك كله بل أخذت مكانها بينهم بثقة. وحدها سوسن نهضت من مكانها وبادرت بالترحيب بها وهي تمد يدها مصافحة:
    - أهلا بك بيننا، اسمي سوسن..
    فشدت نور على يدها بحرارة:
    - تشرفت بمعرفتك، وانا اسمي نور..
    و سرعان ما انسجمت الفتاتان مع بعضهما و كأنهما على معرفة سابقة رغم تناقض مظهرهما الخارجي الشديد، حتى أن سوسن استأذنت الآنسة ناديا بنقل حاجياتها إلى جوار نور، فأذنت لها بنبرة محذرة:
    - ولكنك ستكملين اللوحة التي بدأتها يا سوسن قبل أن تفكري برسم لوحة طبيعية!
    فابتسمت سوسن مطمئنة:
    - بالتأكيد.. فلم يخطر هذا ببالي يا آنسة!
    ولأول مرة من مدة طويلة شعرت سوسن براحة تغمر خلايا قلبها القلقة فاستعادت حيوتها التي فارقتها من أسابيع، وغدا لرسمها إلى جوار نور طعم آخر لم تتذوقه من قبل، بل انها شعرت بانجذاب غريب نحو نور لم تعرف كنهه وكأنها الملاك الذي كانت تنتظره ليخلصها من همومها ويجد لها حلا لجميع مشكلاتها، وما أن استقرت هذه الخاطرة في رأسها حتى تملكتها رغبة عارمة لمعرفة تفاصيل حياة هذه المنقذة، ولم تتردد نور لحظة واحدة بالاجابة عن اسألتها التي اقتصدت فيها سوسن وهي تحاول من خلالها أن تستشف أخبار نور دون أن تبدو فضولية..
    قالت نور:
    - لطالما حلمت بتجسيد ما أراه من مناظر طبيعية خلابة أمامي على لوحات تتجلى فيها عظمة الخالق وبديع صنعه.. إنني أهوى الطبيعة والتأمل فيها.. بل انني اعشقها.. إنها تعني لي الكثير..
    و تابعت باسمة:
    - وبما أنني أنوى اخراج لوحات على مستوى عال، فقد اقترح علي زوجي بعد انتقالنا لهذه المدينة الالتحاق بهذا المعهد لا سيما وأن لدي وقت فراغ كبير أثناء انشغاله بعمله..
    علت الدهشة وجه سوسن بداية لكنها سرعان ما ابتسمت قائلة:
    - لا شك أنك عروس جديدة اذن!
    فبادلتها نور ابتسامتها:
    - أجل فلم يمض على زواجنا أكثر من شهرين..
    وقبل أن تضيف أي منهما كلمة أخرى رن هاتف نور، فاعتذرت وهي تنهض قائلة:
    - لم أنتبه لمرور الوقت لقد جاء زوجي..
    و بعد أن صافحت سوسن بمودة، اتجهت نحو الآنسة ناديا:
    - سأكمل اللوحة في الغد إن شاء الله فلن أستطيع التأخر أكثر هذا اليوم..
    و لم تكد نور تغادر القاعة حتى أسرعت الفتيات - اللاتي كن يتستمعن الى حديثها باهتمام شديد- إلى النافذة وهن يتابعن خطاها المتجهة نحو سيارة فارهة ، حتى قالت إحداهن وأكثرهن فضولا:
    - كما توقعت.. معقد مثلها!!
    ولأول مرة وجدت سوسن في نفسها رغبة لمشاركتهن الحديث وهي تعلق باسمة:
    - لا أدري كيف استطعتن رؤية ملامحه من هذه المسافة!
    وتمتمت أخرى بصوت مسموع وهي تستمع الى الوصف الدقيق الذي وصفت به زميلتها ذلك الشاب الملتحي:
    - غريبة! ارستقراطيون ومعقدون!!!
    فقالت سوسن:
    - وما الغريب في ذلك!! اليست هذه حرية شخصيـ...
    و بترت عبارتها اثر شعورها بيدين تطوقان خاصرتها من الخلف، فالتفتت بسرعة لتجد ايهم ينظر اليها بحب مكملا جملتها، قبل أن يتيح لها فرصة الاعتراض على تصرفه المفاجئ:
    - حرية شخصية يا عزيزتي، اليس كذلك!!
    لم تستطع سوسن الرد بكلمة واحدة وهي تحاول التواري عن الانظار المحيطة بها وفي عينيها ابلغ كلام:
    - لماذا يا أيهم! إلى متى تحرجني بهذه التصرفات!!
    غير أن أيهم سرعان ما قدم لها هديته قائلا:
    - لقد انتقيت هذا الثوب خصيصا لك يا فاتنتي الجميلة، سأمر عليك هذه الليلة لأصطحبك إلى حفل خاص، فلن يروق لي أي مكان في هذا العالم دونك..
    فتساءلت سوسن باستغراب:
    - ألم تخبرني بأن الحفل سيقام الشهر القادم؟
    فابتسم أيهم بعذوبة:
    - أجل ذلك حفل النجوم، ولكن حفلة الليلة خاصة جدا، إنها على شرف كبار المسؤولين وقد دعيت اليها كواحد منهم..
    * * *
    ظلام...ظــــــــلام....ظـــــــــــــــــلام...
    أخذت سوسن تجري وقد تقطعت انفاسها وخارت قواها هربا من تلك الايادي التي تحاول الامساك بها، كانت تجري وتجري وسط الظلام التام ولكن الى اين!! فكل ما حولها هو الظلام وحسب، حاولت أن تصرخ.. أن تستغيث.. دون جدوى فقد ضاع صوتها في حلقها قبل أن يخرج.. ظلام في كل مكان هذا كل ما تراه.. أو أنها لم تكن ترى شيئا أصلا...أرادت أن تهتف باسم فارسها ايهم لعله يأخذ بيدها ويطير بها على صهوة جواده الأبيض، لكنها لم تفلح.. لقد ضاع كل شيء ولم تعد تشعر بأي شيء...
    وبصعوبة شديدة استطاعت فتح عينيها أمام نور بسق فجأة أمامها ، فغطت وجهها بيديها لتتمكن من الابصار، فإذا بشمس الصباح المتسللة من بين طيات الستارة تداعب وجهها دون استئذان وهي تنشر الدفء في المكان، حتى أدركت سوسن أخيرا أنها لا تزال فوق سريرها بعد أن ارتمت عليه بتهالك اثر عودتها من الحفلة، فالتقطت انفاسها اللاهثة:
    - لقد كان كابوسا مزعجا!
    ثم نهضت من فراشها بسرعة وهي تحدث نفسها:
    - أرجو أن لا أكون قد تأخرت على المعهد، فعلي انجاز لوحتين على الأقل قبل نهاية الاسبوع!
    وبسرعة نادت الخادمة متسائلة:
    - هل أعد مرزوق السيارة؟
    فأجابتها الخادمة بتلعثم وهي تحاول ايجاد مبرر لتصرفها:
    - لقد ظننتك تنوين البقاء في المنزل هذا اليوم يا سيدتي، فقد عدت في ساعة متأخرة.. و كنت مرهقة جدا ليلة الامس.. لذلك قلت لمرزوق عندما سألني....
    لم تستطع سوسن الانتظار كعادتها لسماع كلام الخادمة كله فاستعجلتها بقولها:
    - حسنا حسنا لا بأس، سآخذ سيارة أجرة
    فاستوقفتها الخادمة بقلق:
    - لا تستطيعين ذلك يا سيدتي سيغضب سيدي إن خرجت بمفردك!
    فتنهدت سوسن وهي تستذكر تعليمات الحماية الصارمة الموجة لها خصيصا، كونها الابنة الوحيدة لرجل الأعمال الكبير كارم، فالأعداء كما يقول والدها يتربصون بأصحاب النجاح دائما ولا بد من أخذ الحيطة والحذر، رغم أنها شخصيا لا تؤمن بذلك أبدا ولا يمكنها تخيل عدو أخطر من سورا ومن شابهها عليها، لكنها استسلمت لرغبة والدها وهي توجه حديثها للخادمة:
    - اذن اطلبي منه أن يعد السيارة في أسرع وقت ممكن، فسأذهب إلى المعهد..
    لم تكن سوسن ممن يعير اهتماما كبيرا للأحلام، لذا لم تكن الكوابيس لتترك أثرا يُذكر في حياتها، غير أن هذا الكابوس بالذات جعلها عازمة على مكاشفة أيهم بموضوع كان يؤرقها من فترة طويلة وقد آن أوان التخفف من عبئه.. حتى أنها همت بارسال رسالة نصية له تخبره عن رغبتها في الحديث معه بأمر مهم لكنها سرعان ما عدلت عن ذلك، فما زال النهار في أوله وستقابله في المعهد على أية حال..
    ......

  8. #7
    السلام عليكم


    سألتني عن رأيي.. رغم اني كنتُ أريد أن أكتفي بقول بأن هذه قصتكِ وعليكِ ألا تهتمي برأي أحد
    لكن حين قرأت الجزء الثاني أستطيع أن أقول لكِ بثقة: أكملي من فضلك!

    توقعت بأن مصيبة ما ستنزل على رأس البطلة لتغير حياتها ، فهذا ما يحدث عادة laugh
    لكنكِ خالفتِ توقعاتي حقاً! ما شاء الله
    خاصة بأني كنتُ سأسألكِ عن سبب تسميتكِ للأبطال بأسماء عربية ، فشخصية أيهم كانت تعبث برأسي فكأن أي اسما أجنبيا كان سيبدو أكثر ملاءمة له
    كما أن شخصية الفتاة سورا بعثت في قلبي الشك أكثر ، ربما لأني أقرأ قصة أخرى فيها فتاة يابانية بنفس الاسم

    مر زمن طويل لم اقرأ فيه قصة هكذا .. قصة تتحدث عن الاسلام ، اشتقتُ حقاً لهذا النوع من القصص!
    كما أن الجزء الثاني ليس بسرعة الجزء الأول الذي يبدو الآن مجرد مقدمة وحسب
    إذا كانت بقية الأجزاء بمستوى هذا الجزء فأرى بأن القصة كأحداث وهدف لم تتأثر بشكل سلبي كما كنتُ أظن أنه قد يحدث
    فرغم أنك كتبتها على عجالة -كما قلتِ- لكن لها رونقاً جميلا يجذبني إليها


    بانتظار الجزء القادم
    في حفظ الله

  9. #8
    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة أمواج المحيط مشاهدة المشاركة
    السلام عليكم


    سألتني عن رأيي.. رغم اني كنتُ أريد أن أكتفي بقول بأن هذه قصتكِ وعليكِ ألا تهتمي برأي أحد
    لكن حين قرأت الجزء الثاني أستطيع أن أقول لكِ بثقة: أكملي من فضلك!

    توقعت بأن مصيبة ما ستنزل على رأس البطلة لتغير حياتها ، فهذا ما يحدث عادة laugh
    لكنكِ خالفتِ توقعاتي حقاً! ما شاء الله
    خاصة بأني كنتُ سأسألكِ عن سبب تسميتكِ للأبطال بأسماء عربية ، فشخصية أيهم كانت تعبث برأسي فكأن أي اسما أجنبيا كان سيبدو أكثر ملاءمة له
    كما أن شخصية الفتاة سورا بعثت في قلبي الشك أكثر ، ربما لأني أقرأ قصة أخرى فيها فتاة يابانية بنفس الاسم

    مر زمن طويل لم اقرأ فيه قصة هكذا .. قصة تتحدث عن الاسلام ، اشتقتُ حقاً لهذا النوع من القصص!
    كما أن الجزء الثاني ليس بسرعة الجزء الأول الذي يبدو الآن مجرد مقدمة وحسب
    إذا كانت بقية الأجزاء بمستوى هذا الجزء فأرى بأن القصة كأحداث وهدف لم تتأثر بشكل سلبي كما كنتُ أظن أنه قد يحدث
    فرغم أنك كتبتها على عجالة -كما قلتِ- لكن لها رونقاً جميلا يجذبني إليها


    بانتظار الجزء القادم
    في حفظ الله
    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    الحمد لله أن الجزء حاز على اعجابك، واتمنى أن لا تخيب الاجزاء القادمة ظنك(؛
    على كل حال جزاك الله خيرا لهذا الاطراء، علما بأنك حمستني لطباعة جزء طويل نسبيا للجزء الثالث ان شاء الله(:
    بانتظار آراءك المستنيرة دائما، وشكرا لحسن ذوقك ولطفك

    قريبا سأحاول انزال الجزء الثالث بإذن الله، فكوني مستعدة للنقد(؛
    في امان الله

  10. #9

    الجزء الثالث..

    اسندت سوسن الجانب الأيمن من رأسها إلى نافذة السيارة، سارحة بنظرها للشوارع التي تقطعها سيارتها باتجاه المعهد، ومئات الأفكار والخواطر تجول في ذهنها وتصول.. موضوع مشاركتها في معرض الفنون الذي سيقام لأول مرة في المدينة بعد اسبوعين، انها فرصتها الذهبية لسطوع نجمها في عالم المحترفين كما أخبرتها الآنسة ناديا، لكنها لن تتمكن من المشاركة فيه إن لم تنجز عشر لوحات على الأقل، فهذا معرض عالمي، وسيشارك فيه عشرات الفنانين المشهورين، ولن تقبل فيه مشاركات المبتدئين إلا إن اعتمدت من اللجنة العليا للتقيم.. وتنهدت بعمق:
    - هل تراني أنجح في هذه التجربة!!
    لكن كلمات الآنسة ناديا المشجعة طمأنتها بعض الشيء، فانتقل فكرها لموضوع آخر.. حفلة الأمس التي قضتها برفقة أيهم.. وما أن طرق اسمه مخيلتها حتى ارتبكت واحمرت وجنتيها و خفق قلبها بشدة، ألهذه الدرجة تحبه!! حتى أن ذكر اسمه يترك اثره العميق في نفسها .. وتأوهت بألم وهي تحاول مدافعة بعض الهواجس التي تعكر مزاجها بين الفينة والأخرى، كم تتمنى أن تشعر بالراحة والاطمئنان، أليس الحب هو مفتاح السعادة!! فما بالها لا تشعر إلا بالقلق والعذاب كلما تذكرت ذلك الحب!! أهذه حقا هي آثار الحب وأشجانه التي طالما سمعت عن آهاتها بين المحبين!! ألا يوجد حب أكثر راحة وطمأنينة!!!
    وعندما وصلت إلى هذه النقطة بالذات لفت انتباهها مشاهد بعض الأزواج أو ربما الأصدقاء، وهم يتمشون في أحد المنتزهات في طريقها، وشعرت برغبة عارمة لتسألهم إن ما كانوا يشعرون بما تشعر به، أم أن هذه هي مشاعرها وحدها!! حاولت سوسن أن تجد تفسيرا لما يحدث معها، لماذا كل ذلك القلق، لقد بات يرهقها التفكير في هذا الأمر كثيرا، وكلما هدأت نفسها تجاهه، جاء ما يجدد لها أرقها ويشتت فكرها، ولكن ما الذي جدد ألمها هذه المرة! حفلة الأمس.. أتراها السبب الذي أرق فكرها من جديد!! لقد كان أيهم فخورا بها كثيرا، وأسمعها أندى كلمات الهيام والغزل فلماذا تراودها الهواجس بعد هذا كله!! أليست مطمئنة لحبه لها وهيامه بها، وتنهدت بعمق أكبر هذه المرة:
    - اتراه يحبني حقا بقدر ما أحبه!! تصرفاته تشير إلى ذلك، ومن الواضح أنه لا يهتم لأمر أحد غيري- حتى هذه اللحظة على الأقل- ولكن....
    غير أن صوت مرزوق، حال بينها وبين الاسترسال في خواطرها، وهو يلتفت إليها متسائلا بتعجب:
    - هل تأمرينني بشيء يا آنسة سوسن ؟؟ لقد وصلنا منذ فترة، افلا تودين النزول إلى المعهد ؟؟
    انتبهت سوسن لنفسها فاعتذرت بقولها:
    - شكرا لك، يبدو أنني شردت قليلا..
    ولم تكد تنزل من السيارة حتى اصطدمت بشخص وقف أمامها، لتفاجأ بأيهم يستقبلها بابتسامته المحببة:
    - تبدين شاردة الذهن يا فاتنتي، فأين سرح فكرك يا ترى؟؟
    ربما لو كانت في حالة أخرى لأخذت الأمور ببساطة أكثر مكتفية برد خجول، لكن هول المفاجأة هذه المرة لا سيما بعد تلك الخواطر التي أنستها طول الطريق، أشعرها بدوار أفقدها توازنها حتى كاد أن يغمى عليها، فلم تتوقع أن تجد أيهم أمامها بهذه السرعة، غير أنه سرعان ما أسندها إلى صدره هاتفا:
    - سوسن.. هل أنت بخير!!
    وبعد أن استعادت سيطرتها على نفسها، نظرت إليه متظاهرة بالعتب:
    - لقد أفزعتني!
    فابتسم أيهم وهو يطبع قبلة على جبينها غير آبه بكونهما يقفان على رصيف شارع عام:
    - رغم انني متأكد من انني لست السبب.. ولكنني أعتذر!
    فهمست سوسن كمن تحادث نفسها:
    - بل أنت السبب دائما..
    و تنهدت بعمق غاص إلى أعماق نفسها وهي تحادثها:
    - آه لو يدري أيهم بم كنت تفكرين طوال الوقت يا سوسن!!
    فثبت أيهم عينيه في عينيها القلقتين، محاولا الولوج إلى تلك الأعماق وهو يسألها برقة:
    - هل أنت غاضبة مني يا حبيبتي!
    وأمام صمتها تابع قائلا بتودد:
    - لقد كنت ملكة الحفل ليلة أمس يا سوسن بلا منازع، إنك أروع فاتنة في هذه الدنيا بأسرها..
    و بدلا من أن تُدخل تلك الكلمات البهجة إلى قلبها؛ شعرت بغصة في حلقها حالت بينها وبين البوح بما كانت تود اخباره به!! فآثرت الصمت من جديد مما أزعج أيهم الذي يأس من معرفة ما يدور بخلدها، فزفر قائلا:
    - أرجوك يا سوسن، إنك تعذبينني بصمتك هكذا! بالله عليك أخبريني، هل أزعجتك بشيء!!
    فابتسمت سوسن أخيرا:
    - لا عليك يا أيهم، يبدو أنني مرهقة بعض الشيء، فلم آخذ كفايتي من النوم البارحة!
    فانفرجت أسارير أيهم وه يحاول اقناع نفسه بصدقها:
    - إن كان الأمر هكذا فلا بأس، سآتي للإطمئنان عليك نهاية الدوام، وساصطحبك بنفسي للمنزل، فإنني أرغب بتناول الغداء معك لتحدثيني بكل ما يشغلك.. اتفقنا!
    فأجابته سوسن بابتسامة مشرقة:
    - اذن سأهاتف بهجة لتعد لك طبقك المفضل..
    ولم يقاوم أيهم نفسه من طبع قبلة جديدة على وجنتي سوسن قائلا:
    - لن اطيق الابتعاد عنك حتى ذلك الوقت، ولكن ما باليد حيلة فلدي بعض الأعمال علي انجازها مع أحد المسؤولين في وسط المدينة..
    ومن حسن حظ سوسن أن الشارع كان لا يزال خاليا في مثل هذا الوقت، إذ يبدو ان ملاحظاتها المتتالية لأيهم حول مراعاة المكان العام لم يثبت عدم جدواه وحسب؛ بل و فشله التام أيضا! فاستسلمت له وهو يحيطها بذراعيه قبل أن يودعها قائلا:
    - سأنتظرك بشوق يا حبيبتي فاعتني بنفسك جيدا..
    وبعد أن غاب أيهم عن ناظريها وهو ينطلق بسيارته مخترقا الشارع العام، دلفت سوسن عبر بوابة المعهد لتجد نفسها قد وصلت باكرا كعادتها على خلاف ما توقعت، إذ لم تأت الفتيات بعد! حتى الانسة ديانا لم تصل أيضا، وحدها المسؤولة عن التسجيل والاعمال الادارية كانت هناك، فألقت عليها التحية واتجهت نحو مكانها محدثة نفسها:
    - يبدو أنني لم أكن انتبه على تأخر الجميع من قبل، فقد كنت أصل في وقت أبكر من ذلك بكثير..على كل حال هذا أفضل، فمن حسن الحظ أنهن لم يكن هنا هذا الصباح..
    وابتسمت وهي تستذكر كلمات الآنسة ناديا " أنت تنسين نفسك تماما وأنت ترسمين يا سوسن":
    - لقد كانت محقة فعلا!
    ولم تكد تصل إلى مكانها المعتاد وقد افتقدت أدواتها، حتى تذكرت أمر نور التي انضمت إليهم البارحة فضربت جبهتها بيدها:
    - كيف نسيت انني نقلت أدواتي إلى جانبها، يبدو أن سهري ليلة أمس و الارهاق الشديد الذي أشعر به قد أثر علي أكثر مما ينبغي..
    قالت ذلك لنفسها بصوت عال متجاهلة ذكر أثر أيهم عليها حتى لا يتشتت تفكيرها من جديد، وما أن التفتت نحو ذلك المكان حتى انتبهت لوجود نور أيضا، وقد بدت غارقة تماما في لوحتها حتى النخاع، فاتجهت نحوها باسمة:
    - صباح الخير
    وكمن يستيقظ من نوم عميق فجأة، ردت عليها نور ابتسامتها:
    - اعذريني لم انتبه لدخولك إلا الآن!
    فضحكت سوسن:
    - لا بأس فيبدو أننا متشابهتان في هذه النقطة بالذات، هل أنهيت لوحتك التجريبية؟
    فأجابتها نور وهي تحاول اخفاء اللوحة عنها بمرح:
    - انتظري قليلا فلم يبق سوى الرتوش الأخيرة وستكون جاهزة إن شاء الله..
    فأخذت سوسن مكانها إلى جانب نور قائلة بحماسة:
    - حسنا سأعد أدواتي وأرى ما لديك فلا يمكنني الانتظار أكثر لرؤية اولى أعمالك هنا!
    وأخيرا قالت نور:
    - يمكنك رؤيتها الآن..
    وما أن وقعت عينا سوسن عليها حتى اقشعر جسدها ودارت بها الدنيا وكأنها تدخل عوالم غريبة تراها للمرة الأولى، فبحثت عن شيء تستند اليه خشية السقوط حتى ارتكزت على نور الواقفة إلى جوارها مرددة:
    - مستحيل.. أهذه مجرد لوحة طبيعية عادية!! هذا سحر بلا شك!!!
    واغرورقت عيناها بالدموع دون أن تعرف السبب الحقيقي لذلك:
    - بالله عليك ما هذا يا نور!!
    فربتت نور على كتفها:
    - و ما الذي ترينه أنت يا سوسن؟
    فاعتدلت سوسن في وقفتها وهي تحاول الحفاظ على توازنها قائلة:
    - أشجار عارية متحطبة ومحطمة تلفها أمواج وبحور أو ربما.. ضباب وغيوم ومطر بل إنني أكاد أسمع صوت الرعود.. وهناك نور تنقشع من حوله ركام الغيوم و بقعة مضيئة تزهو بأشجار باسقة مورقة وألوان زاهية.....
    وصمتت سوسن متنهدة تحاول التأكد من أن هذا هو ما تراه حقا، أم أنه ما استطاعت النطق به فقط! فعلقت نور:
    - كأنك شاعرة!! إن لك روحا شفافة ونفسا مرهفة الاحساس جدا يا سوسن ما شاء الله..
    فابتسمت سوسن:
    - ليس إلى هذه الدرجة ولكن يبدو أن لوحتك تفجر القرائح!
    فضحكت نور:
    - تعادلنا إذن..
    ثم سألتها بجدية أكبر:
    - ما هو الشعور الذي راودك وأنت تنظرين إلى اللوحة؟
    فصمتت سوسن قليلا قبل أن تقول:
    - لا أعرف.. لا استطيع تحديد ما أشعر به تماما.. فقد لا يكون كذلك.. انه الفرق بين الظلمات والنور.. الموت والحياة.. اليأس والأمل..
    وبدا أن سوسن اندمجت تماما في جو اللوحة وهي تقول بتأثر شديد:
    - يا إلهي انني أشعر برغبة شديدة بالبكاء...
    يـــــــــارب..
    فهتفت نور برضا:
    - الحمد لله لقد وصلت الرسالة اذن..
    فالتفتت اليها سوسن بعيون متسائلة:
    - ما الذي تقصدينه يا نور انني لا أفهم شيئا!!
    فأشارت إليها نور أن تجلس ، وهي تسترخي على مقعدها قائلة:
    - سأخبرك يا سوسن ولكن استريحي أولا فإنني أخشى على قدميك من التورم إن بقيت واقفة هكذا..
    وبعد أن جلست الاثنتان قالت نور:
    - إنها رسالتي يا سوسن وهدفي في هذه الحياة..
    ثم ابتسمت نور وهي تتابع نظرات سوسن قائلة:
    - لن أطيل عليك الحديث فأمامك عمل عليك انجازه..
    فقاطعتها سوسن بلهفة:
    - لا بأس يمكنني فعل ذلك لاحقا لا تقلقي، المهم أكملي بعد اذنك، أود أن أعرف كل شيء عن هذه اللوحة، فقد لمست أوتارا حساسة في نفسي..
    فابتسمت نور:
    - حسنا.. هل سمعت عن قوة النية التي بدأ الناس يتحدثون بها مؤخرا؟
    فأومأت سوسن برأسها:
    - أظن أنني سمعت شيئا عن هذا القبيل وإن كنت لا أدري ما هو تحديدا، فليست هذه المواضيع من اهتماماتي..
    فتابعت نور:
    - المهم انك سمعت عن ذلك، وهذا هو بيت القصيد، لقد بدأ العلماء في كل مكان يتحدثون عن النية كعلم بحد ذاته كما كثر الحديث في الاونة الأخيرة عن مواضيع تنمية الذات كطريق للنجاح و ما إلى ذلك، ورغم انني مثلك لم اتابع كل ما يقولونه بهذا الصدد ولكنني ازددت يقينا بأهمية تمسكنا بديننا لنضمن النجاح والسعادة في الدنيا قبل الآخرة، و لكفانا هذا مؤنة متابعة ما يكتشفه العلماء في الخارج لنأخذ التطبيق عنهم، فمثلا في موضوع النية؛ بين لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم أن الأعمال بالنيات وأن لكل امرء ما نوى، وهذا ينعكس فعلا في أعمالنا، افلا تلاحظين الفرق مثلا بين معلم يوبخ تلاميذه وهو يتمنى لهم الخير من أعماق قلبه وبين معلم يوبخهم ليثبت ذاته أمامهم!! النية هي الأساس دوما ولها أثرها على ثمرات الأعمال وان بدت متشابهة في الظاهر..
    ولسبب ما شعرت سوسن بمثال آخر يتراقص امام ذهنها " الفرق بين رجل يعامل خطيبته بلطف وهويحبها بصدق وآخر..."، لكنها أوقفت تفكيرها عند هذا الحد بسرعة، في حين التقطت نور نفسا عميقا قبل أن تتابع:
    - لطالما كنت أتمنى تقديم شيء أخدم به أمتي بل والانسانية جمعاء، ثم وجدت نفسي اتأثر كثيرا لحال من أضاع الدرب وغرق في الظلمات فعاش حياته في بؤس وشقاء، ولطالما تمنيت أن يستعملني الله و أكون سببا لنشر النور في هذا العالم و إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولأنني كنت أهوى الرسم ولي موهبة خاصة فيها فقد علمت أن هذه هي ثغرتي التي اختارني الله لها، فقرأت كثيرا عن اثر الفن في الناس حتى استطعت تكوين نظرياتي الخاصة بهذا الصدد.. انني احب الطبيعة وأشعر انها تناديني لتزيدني قربا من خالقي، فلا تمر علي آية في كتاب الله ورد فيها دعوة للتفكر والتدبر او تشبيها مقتبسا من ايات الله في كونه إلا وهتف قلبي " ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك.." وأنا اراها لوحة مجسدة أمامي، ثم خطر لي أن أنقل مشاعري هذه لجميع الخلق لعلها تترك أثرا حسنا في قلب أحدهم فأساهم في إنارة دربه بإذن الله، وترسم البسمة والأمل على شفاهه من جديد..
    وصمتت نور في حين أخذت سوسن تعيد النظر بتأمل أعمق في اللوحة الغريبة، قبل أن تسألها:
    - ولكن كيف تفعلين ذلك! ما زلت لا أفهم!!
    فأجابتها نور:
    - انها "قوة النية"، كلما كانت نياتنا أصدق كلما أعطت تأثيرا أقوى بعون الله، ما عليك إلا أن تجعلي الفكرة في رأسك ومن ثم أخرجيها على الواقع مستعينة بالله..
    وأشارك إلى لوحتها متابعة:
    - ما هذه اللوحة مثلا الا انعكاسا لما شعرت به تجاه الاية (أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها)! فبعد أن تركت تأثيرا قويا في نفسي، وددت لو أتمكن من نقل هذا التأثير عبر لوحة معبرة، وأرجو أنني نجحت في ذلك..
    بدت سوسن مأخوذة تماما بما تسمعه للمرة الأولى، فمرت لحظات صمت حاولت فيها أن تستوعب ما قيل قبل أن تطلب من نور إعادة تلاوة الاية على مسامعها، متفكرة فيها كما لم تتفكر في آية من قبل!!
    (أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها)
    وأخذت مشاهد ذلك الكابوس تتجسد أمامها مجددا.. ظلام في ظــــلام في ظـــــــــــلام..
    فرددت نفسها التي شعرت بقسوة الظلام الذي يلفها كما لم تشعر به من قبل:
    - يارب أخرجني من الظلمات إلى النور..
    امتلأ المعهد بالفتيات اللاتي أبدين انطباعات مختلفة أمام لوحة نور، ما بين متأملات منبهرات، إلى مسترقات للنظر إليها خشية أن تظن بأنهن مهتمات بها!! ولم تستطع الآنسة ناديا إخفاء إعجابها الشديد بما تراه، غير أنها علقت بقولها:
    - لا تستطيعين تصنيف هذه اللوحة ضمن المناظر الطبيعية، انها أقرب للفن السريالي!
    فأومأت نور برأسها موافقة:
    - ربما، فأنا لم أدرس الفن من قبل ولا أعرف كثيرا بالمسميات.. كل ما امتلكه هو الموهبة وحب التأمل في الطبيعة ثم تصويرها كما أراها والحمد لله، لذا اتيت هنا لأصقل موهبتي بالرسم..
    فابتسمت ناديا لأول مرة:
    - يسرنا أن نكون عونا لك في هذا الأمر، فسيكون لك شأن في مجال الفن مستقبلا بلا شك..
    فبادلتها نور ابتسامتها مرددة:
    - إن شاء الله..
    ثم استدركت ناديا فجأة:
    - أهذه هي اللوحة التي بدأتها بالأمس فقط!!
    فهزت نور رأسها بالايجاب موضحة:
    - أجل ولكن تصوري عنها كان منطبعا في ذهني سابقا..
    فتمتمت ناديا:
    - أنت موهوبة بالفعل!!!
    وبصورة مفاجئة أخرى ودون سابق انذار قالت:
    - أتستطيعين انجاز تسع لوحات أخرى خلال هذا الأسبوع يا نور؟
    فنظرت اليها نور بدهشة:
    - تسع لوحات!! هذا كثيرا!!
    لكن ناديا شجعتها بقولها:
    - لو أخذنا بعين الاعتبار معدل انجازك لهذه اللوحة الرائعة، لما كان ذلك مستحيلا بحق تسع لوحات أخرى خلال أسبوع..
    وبتردد سألتها نور:
    - ولكن لماذا خلال أسبوع فقط!!
    فأجابتها ناديا باسمة:
    - لتشاركي في المعرض العالمي بالطبع!!
    كانت هذه فرصة ذهبية أمام نور، تستطيع من خلالها تحقيق أهدافها التي تسعى إليها، فرواد ذلك المعرض سيفوق عددهم الآلاف، وهي فرصة نادرة بلا شك، لعل الله أن يكتب لها أجر كل من شاهد لوحاتها لتترك أثرا ايجابيا في نفسه..
    فقالت أخيرا:
    - سأحاول فعل ذلك وسأبذل جهدي إن شاء الله..
    فشجعتها سوسن بقولها:
    - ستنجحين بلا شك يا نور..
    وغمزتها باسمة:
    - انها فرصتك لتحقيق هدفك..
    و أكدت ناديا كلامها بحماسة:
    - انني واثقة من هذا النجاح يا نور كما تقول سوسن، فابذلي جهدك يا عزيزتي وسأكون إلى جانبك حتما..
    ولم يخف على أحد من الحاضرين معرفة سر حماسة ناديا لمشاركة نور، فكلما زادت مشاركات المعهد ارتفعت مكانته وذاع صيته بشكل أكبر، وبالتأكيد لن تفوت ناديا فرصة كهذه بكل ما اوتيت من قوة، فحسها الفني أخبرها بأن للوحات نور مستقبل ناحج ولا بد أن يكون للمعهد نصيبا منه!
    ورغم بعض النظرات الحاسدة التي سُددت نحو نور بحدة، اثر ذلك الاطراء الذي انهمر عليها بعد اقل من يومين من التحاقها بالمعهد، إلا أن الكثيرات بدأن ينظرن إليها باكبار شديد، حتى أن بعضهن أخذن يحاولن التقرب منها، بعد أن كسرن ذلك الحاجز الذي بنينه بأوهامهن بينهن وبينها، وقد تأكدن من أن مظهر نور الخارجي، ليس بذلك السوء الذي تصورنه في البداية، أما سورا التي لم يعرف أحد سر تجهم وجهها الشديد هذا اليوم بالذات، فقد آثرت الصمت متجنبة خوض أي حديث مع كائنا من كان، وهي غارقة تماما مع نفسها بعد أن نسجت شرنقة محكمة حولها ليتسنى لها دراسة أفضل الوسائل والطرق الممكنة لحياكة خطتها الجديدة التي عزمت على تنفيذها، بعد أن كادت تموت حنقا وكمدا وهي تشاهد أيهم يحتضن سوسن أمام المعهد ويحادثها بحب أعماه عن رؤية من سواها، لقد تحملت الكثير من تجاهله لها ولا بد أن تتدارك الأمر قبل فوات الأوان..
    ............

  11. #10
    صديقيني احس بزلزلة عميقة في كياني ..ولا اعلم لماذا ...اهو الابداع الذي تنسجينه على سطور هذه الصفحة ام الرواية واحداثها ...لم اقرا مثيلا لروايتك قبلا ...صدقا ...انك تعالجين نوعا جديدا من القصص ..احببته ... صراحة لا اعرف كيف اعبر
    من شدة اعجابي ...سوى ان اقول استمري فنحن نشجعك ...
    دمتي بود

  12. #11
    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة امواج السراب مشاهدة المشاركة
    صديقيني احس بزلزلة عميقة في كياني ..ولا اعلم لماذا ...اهو الابداع الذي تنسجينه على سطور هذه الصفحة ام الرواية واحداثها ...لم اقرا مثيلا لروايتك قبلا ...صدقا ...انك تعالجين نوعا جديدا من القصص ..احببته ... صراحة لا اعرف كيف اعبر
    من شدة اعجابي ...سوى ان اقول استمري فنحن نشجعك ...
    دمتي بود
    عزيزتي.. أسعدني تفاعلك ورقة مشاعرك، وجزاك الله خيرا لإطرائك وتشجيعك، أتمنى فعلا أن تضيف هذه القصة شيئا جديدا... وعميقا جدا

    يشرفني أن أرى مرورك دائما و يهمني أن اسمع رأيك.. فشكرا لك

    وسأحاول بإذن الله أن لا أتأخر بالأجزاء حتى لا تفقد القصة ترابطها أو يفقد المتابعون حماستهم(؛
    وقد أنزل الجزء الرابع بعد قليل إن شاء الله فلا تتأخري علينا بالرد(:

    وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

  13. #12

    الجزء الرابع..

    لم تستطع ناديا السيطرة على انفعالها أمام لوحة نور الثانية والتي كانت على وشك الانتهاء منها مع نهاية دوام ذلك اليوم، وبدا أن اهتمام ناديا قد تحول فجأة لينصب على نور وحدها وكأنها لم تعد ترى غيرها في ذلك المعهد:
    - رائع .. مدهش، لقد امسكت زمام الفن السريالي باحتراف يا نور، لا شك أن لديك خيال خصب جدا!! ثم أنه لا يوجد سوى قلة ممن يستطيعون اظهار تفاصيل دقيقة كهذه في الظلام!
    أما سوسن فقد جفلت و شعرت بدوامة تكاد تفقدها الوعي للمرة الثالثة في هذا اليوم، وقد هزها مشهد اليد التي رسمتها نور وهي تنازع للخروج من بين ظلمة الأمواج المتلاطمة وسط ليل حالك تلفه الغيوم..
    - ما هذا يا إلهي!! أتراها قد اطلعت على كابوس نومي فأتت لتجسده أمامي في كل لحظة!!
    ظلام في ظــــلام في ظـــــــــــــلام
    ولم يخف على نور ذلك الاثر الذي انطبع على وجه سوسن الجالسة قربها وقد بدأت تدرك جانبا مما يدور بخلدها، فربتت على كتفها هامسة:
    - لم انتهي من لوحتي بعد يا عزيزتي، اطمئني فستكون أكثر تفاؤلا بعد قليل إن شاء الله
    فنظرت اليها سوسن متسائلة:
    - أهذه تجسيد لآية أخرى يا نور؟؟
    فأومأت نور برأسها ايجابا:
    - " ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها!"
    و كأروع لمسة ريشة من يد أعظم فنان، بزغ نور باهر من وسط تلك الظلمات، ليحيل جو اللوحة إلى معنى آخر وضحته نور بقولها:
    - " ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور!"
    ولأول مرة تلاحظ سوسن وجود أيهم قبل أن يفاجئها كعادته وقد تسمرت عيناه على لوحة نور باهتمام خاص، غير أنه سرعان ما تجاهل ذلك كمن يقاوم الاستسلام لأجواء تلك اللوحة خشية أن تفسد عليه أجواءه الخاصة، فطبع قبلة على رأس سوسن هاتفا بمرح:
    - هيا يا ملاكي لقد مللت الانتظار..
    فما كان من نور إلا أن انسحبت من قربهما بهدوء وأدب خاصة وأن وقت الدوام قد انتهى، ولم يبق في المعهد سواها هي وفتاتين على الأكثر إضافة لسوسن وخطيبها، غير أن ايهم انتبه لها فرمقها بنظرات غريبة وهو يخاطب سوسن بصوت خفيض:
    - من هذه الفتاة الغريبة؟؟ لم أتوقع أن معهدكم يستقبل أمثال هذه الأشكال!!
    لم يرق لسوسن تلك اللهجة التي تحدث بها أيهم عن نور، فبدا ذلك جليا على وجهها وهي ترد عليه بقولها:
    - إنها من أفضل الموجودين هنا بل وقد أصبحت أعز صديقاتي أيضا..
    فحملق فيها أيهم بدهشة:
    - سوسن ماذا أصابك!! هل حقا ما تقولينه!! هل هذه .. صديقتك!!
    فأجابته سوسن بحدة:
    - ولم لا!!
    فابتسم أيهم محاولا تدارك خطأه الذي أحرجه مع خطيبته، قائلا:
    - حسنا يا حبيبتي لا داعي لكل ذلك الانفعال، كنت أمزح فقط فلا تفسدي لحظات لقاءنا هذه..
    وأخرج من جيبه بطاقتي دعوة قائلا:
    - لقد دعينا لحضور افتتاح المتحف الوطني عصر هذا اليوم..
    فنظرت اليه سوسن متسائلة؛ وقد بدأ التعب يلوح أمامها مذكرا فيما إن فكرت ببذل مجهود اضافي هذا اليوم:
    - هل يتوجب علينا الحضور؟
    فأجابها أيهم:
    - انها فرصة لا تفوت يا عزيزتي فسيحضر كبار الشخصيات وحتى الوجهاء و الوزراء، وكما تعلمين فإدارة المتحف يهمها استقطاب كافة المشاهير والنجوم في حدث كهذا، فهذا مما يشجع الجميع على ارتياده، لا سيما وأنهم تكلفوا مبالغ باهظة من أجل انجازه..
    فتنهدت سوسن موافقة:
    - حسنا، ولكن ألن نذهب لتناول الغداء أولا؟؟ لقد أعدت لك بهجة طبقك المفضل.. كما أن والداي بانتظارك ..
    وبحركة مفاجأة، ثبت أيهم يديه حول خاصرتيها و حملها وهو يدور بها بمرح:
    - طبعا يا ملاكي..
    في حين أخذت تتوسل إليه:
    - كفى يا أيهم انزلني أرجوك
    ولم تستطع سوسن رفع عينيها عن الأرض من شدة الحرج في حين تأبط أيهم ذراعها باسما:
    - هيا بنا يا حبيبتي للمنزل، فما زال أمامنا متسع من الوقت حتى موعد الافتاح..
    كانت اللحظات التي تقضيها سوسن مع خطيبها عندما يزورها في منزلها من أجمل لحظات حياتها، فلا أحد هناك ينغص عليهما جلستهما بنظرات حادة أو متلصصة، وكان أيهم يدرك ذلك جيدا غير أن طبيعة نجوميته وشهرته جعلته يعتاد البقاء تحت الأضواء دائما، مما جعله يستوحش البعد عنها..
    وعلى أريكة مريحة استرخى أيهم مغمضا عينيه نصف إغماضة بعد وجبة شهية تناولها مع عائلة سوسن، فيما جلست هي قبالته تتأمل قسمات وجهه بمحبة، حتى إذا ما فتح عينيه فجأة صرفت بصرها للجانب الآخر، مما جعله يبتسم قائلا:
    - أنت تحبينني يا سوسن، أليس كذلك؟؟
    فاحمرت وجنتيها قبل أن تقول بلا مبالاة مصطنعة:
    - وما الغريب في ذلك فأنت خطيبي!
    وهمت بأن تقول شيئا بدت مترددة فيه ثم آثرت الصمت إذ لم يبد لها الجو مناسبا لذلك، فشجعها أيهم على البوح بما لديها وهو يتناول يديها ويخبؤهما بين كفيه قائلا:
    - أخبريني يا سوسن، ما الذي كنت تريدين قوله.. اظنه الشيء الذي كان يزعجك في الصباح، أليس كذلك يا حبيبتي؟
    تسارعت نبضات قلب سوسن بشدة، وزاد احمرار وجنتيها، فلأيهم سحر لم تستطع الفكاك من أسره حتى هذه اللحظات، لذا كلما ظنت بأنها تمتلك من القوة ما يمكنها من مواجته بما يزعجها منه، خابت ظنونها أمام سحره الآسر فتخونها الكلمات بل ولا تعد تشعر بأن لها معنى.. إنها تحبه.. بل وتعشقه بجنون.. وتتمنى لو.. لو أنها فقط.. لا تدري كيف تقولها أو تواجهه بها.. فهي لا تريد أن تفكر باقل احتمال قد يجني عليها خسارتها له..
    وكم كان يسعد أيهم ذلك منها، فيقينه من حبها له وهيامها وتعلقها الشديد به كان يشعره بنشوة لا حدود لها، كيف لا وقد امتلك قلبا يتمنى الجميع أن يحظى بعطف منه!
    مرت لحظات صمت قبل أن يقول أيهم وهو يحاول فك رموز الصراع المرتسم على صفحة وجهها:
    - أكل ذلك يا سوسن من أجل ما أعبر به عن حبي لك أمام الآخرين؟؟ أمن أجل تلك الفتاة التي أصبحت صديقتك مؤخرا تجهمت اليوم وأنا أحملك يا حبيبتي؟
    فهزت سوسن رأسها نفيا:
    - لا علاقة لصديقتي تلك بالأمر، فقد قلت لك مرارا قبلها أنه لا داعي لذلك الاستعراض أمام الجميع!!
    فرمقها أيهم معاتبا:
    - ذلك ليس استعراضا!! أنه حبي الكبير لك وأريد من العالم كله أن يعرف ذلك..
    فاستدركت سوسن معتذرة عن كلمتها قائلة:
    - لم اقصد ذلك يا أيهم.. ثم إن ذلك لم يعد يهمني الآن.. انني..
    وصمتت قبل أن تقول بتنهيدة بثتها آهاتها كمن يحاول ازاحة جبل ثقيل عجز عن مجرد زحزحته:
    - أنت تدرك تماما مقدار حبي لك..انني يا ايهم .. انني أتعذب بحبك.. وأريد التأكد فقط..
    و لم تستطع اكمال جملتها وقد أخذت تجهش بالبكاء، فنهض أيهم من مكانه وجلس إلى جانبها وهو يحيطها بذراعه:
    - سوسن أخبريني.. مم تريدين التأكد يا حبيبتي، اقسم لك أنني أحبك ولن أحب أحدا سواك وسأظل أحبك حتى آخر رمق في حياتي.. فهل صدر مني ما يجعلك تشكين في ذلك؟؟
    ورويد رويدا بدأت سوسن تهدأ وهي تحاول التقاط انفاسها المتلاحقة، وصورة ذلك الحفل تلوح في مخيلتها، كيف لها أن تخبره!! لقد كانت نظرات الرجال تلتهم كل جزء من جسدها دون حياء.. بل وأمام ناظري خطيبها دون أن يبدي امتعاضه من ذلك.. بل انها.. قد هيئ لها أنه مسرور بذلك أيضا فما باله لم يعترض عندما طلب أحدهم مراقصتها، لولا أنها رفضت ذلك يشدة!! كانت تريد التأكد فقط من أنها كانت واهمة وأنه ما كان ليرضى بأن يشاركه أحد في حبيبته.. ألا يغار عليها من تلك العيون النهمة!! ألا يسوؤه نظراتهم الجشعة اليها!! أليس هذا هو الحب الذي تعرفه!! لقد كانت تود التأكد فقط.. لو أنه يحبها حقا لذاتها هي، وليس لكونها مجرد دمية جميلة يتباهى بامتلاكها أمام الآخرين.. لكن.. كيف تصارحه بهذا الكلام!! وكيف تعبر له عن ما تشعر به من أسى جراء ذلك دون أن يسئ فهمها!!
    وأمام الحاحه الشديد عليها نطقت أخيرا وهي تنتقي كلماتها انتقاء لتعد جملة حاولت جاهدة اخراجها بشكل طبيعي:
    - لقد ساءتني نظرات الرجال كثيرا في تلك الحفلة..
    وصمتت فنظر اليها ايهم متسائلا بتعجب:
    - أهذا كل ما في الأمر!! إن هذا أمر طبيعي فقد كنت الأجمل والأروع بل و ملكة الحفلة كلها دون منازع!!
    فقالت سوسن وهي تحاول وصف مشاعرها:
    - لكنها لم تكن نظرات عادية.. شعرت بأنهم يلتهمونني التهاما رغم أن منهم من كان في عمر والدي.. وهذا لا يحتمل!!
    فرد عليها ببرود:
    - إن الموضوع لا يستحق كل هذا الانزعاج منك، تجاهليهم فقط و لا تلقي لهم بالا..
    ورغم خيبة رجاء سوسن بذلك الرد الباهت، إلا أنها قالت بتردد:
    - ألا يزعجك هذا يا أيهم!! ألا.. ألا تغار علي!!!
    بوغت أيهم بذلك الكلام، فرمقها بنظرة حادة قائلا:
    - لا شك أن لتلك الفتاة المعقدة يد فيما أصابك، لقد أثرت على تفكيرك بشكل لا يصدق، وإن يقيت على علاقة معها فلا أدري إلى ما ستؤول إليه الأمور بيننا!!
    ونهض من مكانه تعبيرا عن احتجاجه، فأسرعت سوسن تتشبث به بتوسل:
    - أيهم أرجوك لا تسئ فهمي، فلا دخل لنور بما حدثتك عنه، إنها مشاعري أنا ولا دخل لأحد بها، فلا تجعل هذا الكلام يؤثر على علاقتنا، ألست أنت من أصر على معرفة ما يضايقني؟؟
    فالتفت إليها أيهم ونظر اليها بنظرة عميقة نفذت إلى مجامع قلبها لتترك أثرها المعهود فيه، ثم ضمها إلى صدره قائلا:
    - دعك من هذه السخافات يا حبيبتي.. فأنا أحبك وكفى..
    لم تدري سوسن كيف مرت اللحظات بعدها غير أنها ازدادت اقتناعا بصعوبة فتح موضوع كهذا مع أيهم، وآثرت التحاشي عن كل ما قد يزعجه منها، خاصة و أن هناك ألف فتاة غيرها مستعدة للتضحية بنفسها من أجله!

  14. #13
    لن ازيد حرفا عما كتبته سابقا عن ابداعك ..لانه لن يستوفي ما اريد التعبير عنه فانا حقا منبهرة
    انا ايضا مشاعري تجاه ايهم نفس تلك المشاعر التي تخالج قلب بطلتنا سوسن ..تحبه ولكنها تخاف من مشاعرها تجاهه هناك ما تحس به من ارتياب نحوه ولكنها لا تعلمه ...وتلك الكوابيس التي تجتاح نومها وتفزعها لها علاقة بذلك ايضا هي تحتاج من ينقذها من ذلك الخوف والشك
    ونور وتلك الفتاة المحجبه والتي يقولن عنها معقدة ...(هذه اللفتة الجميلة منك والتي دائما من نراها في مجمعاتنا العربية الاسلامية ...فمن يجدونه ملتزما ومتشددا في دينه يطلقون عليه لقب المعقد) .... ملاك اتت لتمتلك قلب سوسن وتمد لها يدا تخرجها من ظلماتها .... رسوماتها الروحانيه ..فجرت احاسيس غريبة في كيان سوسن ...
    هل سيكون لها دور في حياة سوسن مع انني اعتقد هذا
    ..بالرغم من هذه الرواية قد ابتدت وسردت فيها الكثير الا انني ما زلت محتارة من عنوانها ...يا ترى شو هالشي الي راح تتركو سوسن ولاجل مين ....علامات استفهام كتيرة دور بعقلي ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟..

    يسلمووووووووووو كتير عالبارت
    ننتظرك مع البارت القادم

  15. #14
    السلام عليكم
    فعلاً رواية ولا أروع
    ما شاء الله عليكِ
    لم أقرأ قط في حياتي رواية ذات شخوص عربية بهذه الروعة
    أهنئك على هذا التأليف الرائع الذي أبهرنا بحق


    سأبدأ بتعليقاتي على الشخوص الرئيسيين :
    سوسن : هذه الفتاة الرقيقة الجميلة لقد أحببتها بحق
    انها رائعة وحساسة جداً
    كما أن اسمها كاسم صديقتي المقربة star
    يبدو أنها بدأت تتأثر كثيراً بنور ويبدو أنه يوجد بداخلها بذرة من الايمان ولكن تحتاج لأحد أن ينمّيها وتلك النور ستعمل على ذلك !!

    أيهم : يبدو شاب جيد لكنه غامض قليلاً ولا أعلم ان كان صادقاً بمشاعره تجاه سوسن أم لا !!
    لا يزال يلفه الغموض ولا أزال أجهل ما بعقل هذا الفتى

    نور : لقد أحببت تلك الفتاة حقاً إنها رائعة بعزّتها وافتخارها بدينها
    لقد جسدتها بصورة رائعة أهنئكِ على ذلك !!
    يبدو أنها من ستجعل سوسن تتغير مع الأيام

    على كلٍ يعطيكِ العافية عزيزتي
    لقد كنت أريد التعليق منذ زمن على هذه الرواية الرائعة لكنني لم أكن أملك الوقت الكافي فالاختبارات لا ترحم أبداً
    بانتظار البارت القادم
    بالتوفيق
    attachment

  16. #15
    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة امواج السراب مشاهدة المشاركة
    لن ازيد حرفا عما كتبته سابقا عن ابداعك ..لانه لن يستوفي ما اريد التعبير عنه فانا حقا منبهرة
    انا ايضا مشاعري تجاه ايهم نفس تلك المشاعر التي تخالج قلب بطلتنا سوسن ..تحبه ولكنها تخاف من مشاعرها تجاهه هناك ما تحس به من ارتياب نحوه ولكنها لا تعلمه ...وتلك الكوابيس التي تجتاح نومها وتفزعها لها علاقة بذلك ايضا هي تحتاج من ينقذها من ذلك الخوف والشك
    ونور وتلك الفتاة المحجبه والتي يقولن عنها معقدة ...(هذه اللفتة الجميلة منك والتي دائما من نراها في مجمعاتنا العربية الاسلامية ...فمن يجدونه ملتزما ومتشددا في دينه يطلقون عليه لقب المعقد) .... ملاك اتت لتمتلك قلب سوسن وتمد لها يدا تخرجها من ظلماتها .... رسوماتها الروحانيه ..فجرت احاسيس غريبة في كيان سوسن ...
    هل سيكون لها دور في حياة سوسن مع انني اعتقد هذا
    ..بالرغم من هذه الرواية قد ابتدت وسردت فيها الكثير الا انني ما زلت محتارة من عنوانها ...يا ترى شو هالشي الي راح تتركو سوسن ولاجل مين ....علامات استفهام كتيرة دور بعقلي ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟..

    يسلمووووووووووو كتير عالبارت
    ننتظرك مع البارت القادم
    و تسلمي كتيييييييييييييير عالمرور والتفاعل(:
    سأحاول أن اقتضب بالتعليق هنا خشية أن تفلت مني كلمة تستبق أحداث القصة! لكن أسألتك لفتت نظري، فتبدين جازمة أن العبارة وردت على لسان سوسن!! ربما .. وربما...
    حسنا لن أقول أكثر، وأرجو أن لا تطول عليك الأحداث بالاجابة على هذه التساؤلات، رغم أنها عندها لن تكون سوى البداية.....(؛

  17. #16
    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة Hiebara San مشاهدة المشاركة
    السلام عليكم
    فعلاً رواية ولا أروع
    ما شاء الله عليكِ
    لم أقرأ قط في حياتي رواية ذات شخوص عربية بهذه الروعة
    أهنئك على هذا التأليف الرائع الذي أبهرنا بحق


    سأبدأ بتعليقاتي على الشخوص الرئيسيين :
    سوسن : هذه الفتاة الرقيقة الجميلة لقد أحببتها بحق
    انها رائعة وحساسة جداً
    كما أن اسمها كاسم صديقتي المقربة star
    يبدو أنها بدأت تتأثر كثيراً بنور ويبدو أنه يوجد بداخلها بذرة من الايمان ولكن تحتاج لأحد أن ينمّيها وتلك النور ستعمل على ذلك !!

    أيهم : يبدو شاب جيد لكنه غامض قليلاً ولا أعلم ان كان صادقاً بمشاعره تجاه سوسن أم لا !!
    لا يزال يلفه الغموض ولا أزال أجهل ما بعقل هذا الفتى

    نور : لقد أحببت تلك الفتاة حقاً إنها رائعة بعزّتها وافتخارها بدينها
    لقد جسدتها بصورة رائعة أهنئكِ على ذلك !!
    يبدو أنها من ستجعل سوسن تتغير مع الأيام

    على كلٍ يعطيكِ العافية عزيزتي
    لقد كنت أريد التعليق منذ زمن على هذه الرواية الرائعة لكنني لم أكن أملك الوقت الكافي فالاختبارات لا ترحم أبداً
    بانتظار البارت القادم
    بالتوفيق
    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    أهلا وسهلا بك عزيزتي، وجزاك الله خيرا لكلماتك المشجعة فعلا، وإنما العبرة بالخواتيم وأتمنى أن تكون كذلك..
    تحليلك للشخصيات أعجبني جدا ما شاء الله، شكرا لهذه القراءة المتمعنة، وبانتظارك دائما إن شاء الله(:
    في أمان الله

  18. #17

    الجزء الخامس..

    كانت ساحة المتحف الوطني تعج بالحاضرين، عندما دوى صوت طلقات نارية إيذانا ببدء الافتتاح، فتقدم نائب الحاكم العام على المدينة لقص الشريط، بعد أن تناول المقص الذهبي من فوق الوسادة المخملية التي يحملها مدير المتحف و الذي بدى في أبهى حلله كعجوز قرر الاحتفال بالذكرى الخامسة والخمسين ليوم زفافه..
    وعلى مسافة غير بعيدة من نائب الحاكم، وقفت سوسن إلى جوار خطيبها متأبطة ذراعه بصفتهما ضمن ضيوف الشرف المدعوين لحضور هذا الحدث المهم، مما أتاح لها رؤية النائب عن قرب رغم فريق الحراسة الشخصية المحيطة به، ولدهشتها الشديدة بدى وجهه مألوفا جدا، ليس لأنها شاهدته في التلفاز مثلا أو أنها رأت صورته في مكان ما، بل لسبب آخر تماما، وما أن تعرّفته حتى همست لخطيبها قائلة:
    - أليس هذا صديق والدي السيد وائل ؟
    فأومأ أيهم برأسه ايجابا:
    - بالتأكيد إنه هو، فقد حضر حفل خطوبتنا قبل أن يتقلد منصب نائب الحاكم العام على هذه المدينة!
    فأطلقت سوسن صرخة مكتومة:
    - حقا!! ومتى حدث هذا!!
    فابتسم أيهم معلقا:
    - لقد مر على ذلك أكثر من ثلاثة أشهر يا فتاتي، أنت تنسين نفسك تماما في عالم الفن.. ولا أدري في ماذا مؤخرا..
    فوكزته سوسن ثم قلبت بصرها بين الحاضرين قبل أن تتساءل:
    - غريب !! ألم يصل والداي بعد! كان يفترض أن يكونا في صفوف أوائل المدعوين..
    فطمأنها أيهم بقوله:
    - لا تقلقي فربما عرضت لوالدك إحدى المشاغل المعتادة، دعينا نستمتع بوقتنا الان..
    سارت سوسن إلى جانب أيهم وهي تدلف عبر بوابة المتحف المهيبة مع الفوج الأول للمدعوين..
    بدت القاعات في غاية التنظيم والفخامة حيث تنوعت أقسامها، وتعددت محاورها لتشمل جوانب كثيرة قل أن تجتمع في مكان واحد، وكان من أبرز ما لفت نظر سوسن فيه هي قاعة المجوهرات الأثرية، وما أن وقعت عيناها على مجموعة غريبة الأشكال من خواتم بدت في غاية القدم، حتى علقت بقولها:
    - يا لهذه الأذواق الغريبة!!
    قالتها سوسن وهي تتحسس خاتم الألماس في أصبع يدها اليمنى، والذي أهداه لها أيهم يوم خطوبتهما، فأمسك أيهم يدها بحب وهو يشير إلى إحدى تلك الخواتم معلقا:
    - لو رأت ملكات ذلك الزمان رقة أصابعك يا جميلتي، لخجلن من عرض حُليّهن أمامك..
    فاحمرت وجنتا سوسن:
    - أنت تبالغ كثيرا يا أيهم..
    فتناول أيهم يدها وطبع قبلة عليها بعذوبة:
    - بل هذه هي الحقيقة يا فاتنتي!
    و قبل أن تجد سوسن شيئا تداري به خجلها، فزعت كغيرها لصوت جلبة وصراخ انطلق فجأة من جوارها:
    - هل من طبيب هنا؟؟
    وهرعت سوسن مع خطيبها نحو الفتاة الممددة على الأرض، في حين أحاط بها بعض الحرس، ليمنعوا اقتراب الناس منها حيث احتشدت أعداد غفيرة على باب القاعة اثر تلك الجلبة، وقد بدأت الشائعات بالانتشار لوصف ما حدث، مع زيادة ونقصان قد لا تمت للواقع بصلة كالعادة بحيث لا يستطيع أحد معرفة الحقيقة أبدا:
    - لقد أغمي على ابنة وزير العمل..
    - أيعقل أن تكون قد سقطت فجأة هكذا!!
    - قد تكون حادثة اغتيال..
    - انظر اليها اليست جميلة، وملابسها لا اظنها تخفي أكثر مما تبدي، ما رأيك؟
    - سمعت أن هناك شاب يحبها لكنها رفضته فربما حاول الانتقام
    - قد تكون مدمنة!! سمعت أن المدمنين يصابون بنوبات مفاجأة!
    - يا للعار ابنة وزير ومدمنة!!
    - ....................................
    -.....................................
    ولم تكن الأحاديث للتوقف في أي حال من الأحوال، في حين أسرع من بين الجميع شاب ملتحي، أخذ يعدو بسرعة تجاه الحدث وهو يحث الناس على افساح الطريق أمامه:
    - بعد اذنكم.. دعوني أمر فأنا طبيب..
    حتى وصل نحو الشابة الممدة على الأرض، وللاحتياطات الأمنية المعتادة أبرز الشاب بسرعة بطاقته الطبية و رخصة مزاولة المهنة للحرس المحيطين بها، قبل أن ينحني على الأرض قرب الفتاة هاتفا:
    - هل أنت بخير؟
    ولما لم تستجب لندائه فتح فمها بهدوء ليتأكد من سلامة وضعية لسانها، ثم وضع أذنه على فمها في حين اتجه بصره ناحية صدرها، غير أنه لم يجد أثرا لتنفسها فبدأ يجري لها تنفسا اصطناعيا، واضعا فمه على فمها لينفخ فيه نفختين من الهواء، ثم أرجع رأسها برفق للخلف واضعا يده اليمنى على جبهتها في حين ضغط باصبعين من اصابع يده اليسرى على رقبتها ليتأكد من سلامة النبض، ومن ثم بدأ يضغط على صدرها ما يقارب الثلاثين ضغطة قبل أن يضع فمه على فمها من جديد لينفخ فيه الهواء مكررا تلك العملية عدة مرات..
    أخذت سوسن التي وقفت على مقربة منه تتابعه بفضول وهي تحاول أن تتذكر أين رأته من قبل، ولم يطل تساؤلها كثيرا إذ سرعان ما طرق سمعها صوتٌ مألوفٌ:
    - بعد اذنكم.. لقد أحضرتُ شنطة الطبيب بناء على طلبه..
    وما هي إلا لحظات حتى برزت نور أمامها وهي تتجه نحو الطبيب، قائلة:
    - هاهي الحقيبة يا عامر، هل أُعدّ الحقنة!
    عندها أدركت سوسن أن ذلك الطبيب الشاب لم يكن سوى زوج نور الذي رأته معها ذات يوم..
    وقبل وصول سيارة الاسعاف تحركت الشابة أخيرا وفتحت عينيها، إثر حقن عامر لها بالدواء، فهلل الحاضرون فرحا، وبادر الوزير عامرا بالشكر الحار لانقاذه ابنته، فما كان من عامر إلا أن رد بتواضع:
    - هذا واجب الطبيب وأمانة في عنقه..
    ثم استدرك قائلا:
    - لقد قمت بعمل الاسعافات الأولية اللازمة في حالتها لا أكثر، فقلبها مجهد و من الأفضل نقلها بسرعة لأقرب مشفى..
    وتابع كلامه وهو يناول الوزير ورقة انتزعها من مفكرة في جيبه بعد أن خط عليها بضعة جمل:
    - لقد دونت هنا تشخيصي الأولي عن حالتها والعلاج الذي أعطيته لها، أرجو أن تعطيها للطبيب الذي سيشرف على حالتها في المشفى وستكون بخير إن شاء الله..
    ثم ناوله بطاقة وهو يقول متابعا:
    - و هذا هو رقمي إن كنتم بحاجة لأي استفسار آخر..
    شد الوزير على يد عامر بقوة:
    - لا أعرف كيف سأشكرك، إنك شهم حقا أيها الطبيب ولن انسى لك معروفك هذا أبدا..
    وبينما كانت نظرات الاعجاب تثني على الطبيب الشهم الواقف إلى جوار زوجته وهو يحادثها، استأذنت سوسن خطيبها الذي بدا شاردا فيما رآه:
    - انها نور.. سأذهب للسلام عليها..
    غير أن أيهم جذبها من يدها ليستوقفها متسائلا:
    - أذلك الطبيب.. كان زوجها؟؟
    فأومأت سوسن برأسها إيجابا راجية أن تكون هذه اشارة لاستلطافه لهم، فلشد ما آلمها موقف أيهم السلبي تجاه نور من قبل:
    - أجل، أرأيت كم كان بارعا!
    لم يرد أيهم ببنت شفة، بل استدار قائلا:
    - إذا رغبت بالذهاب للسلام على صديقتك فسأنتظرك هنا..
    لم تستطع سوسن أن تحدد تماما على ماذا يدل ذلك، وترددت بالذهاب، حتى كفاها ابتعاد نور مع زوجها عناء التفكير فعادت إلى جانب أيهم متسائلة:
    - هل هناك ما يزعجك؟
    وقبل أن يجيبها بشيء انتبهت لمجيء والديها اللذان هرعا باتجاهها بلهفة، فيما أسرعت أمها لتحضنها قائلة:
    - لقد قلقنا عليك يا ابنتي، خفت عليك كثيرا وخشيت أن تكوني أنت الفتاة المصابة!
    فابتسمت نور مطمئنة:
    - اطمئني يا أمي فأنا بخير
    فقالت أمها وهي تخاطبهم جميعا:
    - دعونا نبتعد من هذا المكان المشؤوم، لقد كرهت البقاء فيه، فجوه غير مريح أبدا!
    فعلق زوجها:
    - كفي عن ذلك يا عزيزتي.. سيدة راقية مثلك وتؤمن بالشؤم!
    فردت عليه بحدة:
    - لا علاقة للرقي بهذا الأمر.. المكان لم يعد يعجبني وحسب! ثم إنك أنت من طلب مني أولا أن لا نتأخر في العودة للمنزل، أنسيت ذلك!
    والتفتت باتجاه سوسن لتمسك يدها قائلة:
    - هيا يا ابنتي..
    فنظرت سوسن نحو أيهم متسائلة:
    - ألن تذهب ؟
    فأجابها بابتسامة مقتضبة:
    - لا بأس عودي مع والديك، فسأتجول قليلا هنا لأرى بقية الأقسام قبل أن أعود، فقد لا تتاح لي فرصة أخرى لفعل ذلك..
    فهمت الأم ما يدور بخلد ابنتها من رغبتها بالبقاء إلى جوار خطيبها، غير أن قلقها عليها في تلك الاثناء بدا هاجسا يسيطر عليها، فحاولت اقناعها للتراجع عن ذلك بقولها:
    - لقد تأخر الوقت يا حبيبتي وأنت لم تنامي جيدا ليلة الأمس والارهاق باد عليك، وما زالت الأيام أمامكم أنت وأيهم وبإمكانك الذهاب معه فيما بعد، فهيا بنا الآن..
    وهمت سوسن بالامتثال لطلب والدتها غير أنها لمحت سورا فجأة، وخيل إليها أنها كانت تراقبهم من بعيد لتقتنص الفرصة المناسبة للاختلاء بأيهم، وشعرت بمكيدة تحاك في الخفاء ومن الغباء أن لا تأخذ موقفا تجاه ذلك، فجذبت يدها من يد والدتها قائلة:
    - أرجوك يا أمي إنني ناضجة بما يكفي لأقرر ما أريد فعله، فلا تقلقي علي، سأتجول مع أيهم ولن نتأخر ثم سيوصلني هو للمنزل..
    وأكد والدها كلامها معاتبا زوجته:
    - كفاك تدخلا في حياة الفتاة، دعيها تعيش حياتها فخطيبها معها..
    ورغم نظرة القلق التي لمعت في عيني الأم إلا أنها لم تجد ما تفعله أمام إصرار ابنتها وتأييد والدها لها، فاستسلمت للأمر الواقع وقلبها غير مطمئن، موجهة حديثها لأيهم:
    - اعتني بسوسن جيدا، وحاولا أن لا تتأخرا كثيرا، فيكفيكما سهر ليلة الأمس
    لم تكن سوسن راضية تماما عما فعلته بحق أمها، لكن لم يكن بيدها حيلة أخرى، وتنهدت بألم.. إلى متى ستستمر في حماية حبها بهذه الاستماتة!! ألا يمكنها الاطمئنان والركون إلى الراحة قليلا!! إنها تأخذ دور الحارس الشخصي، بل المرابط على الثغور الذي كتب عليه أن يقضي حياته منتبها خشية تسلل الأعداء إلى مملكته فيخسر المعركة!
    وتأوهت في أعماق نفسها تأويها؛ ما لو أنه لو ترجم لأصواتٍ لصم الآذان من شدته..
    آه يا أيهم.. كم يعذبني حبك!!

  19. #18
    اه يا سوسن اني اتالم لاجلك حقا ....لابد ان ياتي يوم ترتاحين فيه ولا تخافين على فقد من تحبيه
    ايهم ما باله ولماذا ذلك الشرود العميق عندما راى ما فعله عامر زوج نور للفتاة ولماذا ردت فعله كانت كذلك ...لقد بدات الاحداث بالاثارة فعلا ...وبدات جوانب اخرى من شخصية ايهم بالظهور ...او انني اتوهم ذلك وابالغ في اعتقادي ..
    راح نكتشف في البارتات الجاية
    مصادفة عجيبة ان تتواجد نور وزوجها هناك ....اكيد راح يكون ليهم دور كبير في القصة وعلى حياة سوسن وايهم

    سورا ما ذي تحكيه في الخفاء تلك الفتاة الشيطانة ...لست مرتاحة لامرها ...
    يسلمووووووووووووووووو على البارت
    اخر تعديل كان بواسطة » امواج السراب في يوم » 10-06-2013 عند الساعة » 15:41

  20. #19
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


    أردتُ أن أعلق على الجزء الثالث قبل أن تضعي جزءاً جديداً.. لكني لم استطع لبعض الظروف
    أرى بأن أحداث القصة تزيد من تأكدي للمعنى الذي فهمته من العنوان
    (تركته لأجلك).. لكني أفضل الانتظار فربما الأحداث القادمة ستحمل مفاجأة تغير رأيي

    ازدادت شخصية سوسن وضوحاً.. فتاة هادئة لكنها ذات شخصية قوية
    وأيهم نقطة من نقاط ضعفها بالإضافة إلى إحساسها بالضياع وعدم الاستقرار في نفسها


    أيهم أصبح أكثر وضوحاً أيضاً.. إن تصرفاته الباردة فاجأتني فعلاً.. إذن فكل هذا الحب لجمالها فحسب؟! سيكون هذا مؤلماً

    نور.. من الواضح انها هادئة وقوية.. الشخصية المثالية لإبراز أفكارها
    ما شاء الله.. أذهلتني بأفكاركِ عن اللوحات وربطها بآيات القرآن! هذا مذهل!
    المناقشات العلمية شيء أحبه كثيراً حين أرى شخصية كنور.. أشعر بالأسف والضيق حين أرى شخصاً يقتصر علمه على أمور سطحية بحجة الدين!

    زوج نور طبيب إذن.. رائع
    مثال آخر بأن الدين لا يمنع العلم بل يشجع عليه

    لديكِ تنوع في شخصيات القصة وهذا جميل.. في قصصي أعاني من تكرار الشخصيات للأسف hopelessness
    كنتُ سأسألكِ عن الحفل الذي ذهبت إليه سوسن مع خطيبها.. لكنكِ أخذتِ تذكرين لمحات منه في ذكريات سوسن وهذه حركة ذكية وتكسر الروتين الزمني للقصة
    السرعة في الأحداث.. عادت حين اعتبرت سوسن نور أعز صديقاتها.. فشخصيتان مثلهما وإن ارتاحتا لبعضهما لكن هناك حواجز يجب أن تُكسر لتعتبر كل منهما الأخرى صديقة عزيزة
    وكذلك أيهم حين صار يُفسِّر تصرفات سوسن على أنها متأثرة بنور
    عموماً لديكِ ميزة في كتاباتكِ.. فحين اقرأ تصبح لدي العديد من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات.. لكن سرعان ما يجد القارئ الأجوبة في الأجزاء التالية
    أقصد أنكِ لا تكشفين كل أسرار القصة في وقت واحد.. ما شاء الله


    القصة تزداد جمالاً
    أرجو أن تكمليها


    في حفظ الله

  21. #20
    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة امواج السراب مشاهدة المشاركة
    اه يا سوسن اني اتالم لاجلك حقا ....لابد ان ياتي يوم ترتاحين فيه ولا تخافين على فقد من تحبيه
    ايهم ما باله ولماذا ذلك الشرود العميق عندما راى ما فعله عامر زوج نور للفتاة ولماذا ردت فعله كانت كذلك ...لقد بدات الاحداث بالاثارة فعلا ...وبدات جوانب اخرى من شخصية ايهم بالظهور ...او انني اتوهم ذلك وابالغ في اعتقادي ..
    راح نكتشف في البارتات الجاية
    مصادفة عجيبة ان تتواجد نور وزوجها هناك ....اكيد راح يكون ليهم دور كبير في القصة وعلى حياة سوسن وايهم

    سورا ما ذي تحكيه في الخفاء تلك الفتاة الشيطانة ...لست مرتاحة لامرها ...
    يسلمووووووووووووووووو على البارت
    وتسلمي كتير على الرد(:

    من الجيد ان سوسن وجدت من يشعر معها ويتألم لأجلها، لا شك أنها فرحة بذلك الآن وتشكرك من أعماق قلبها(؛
    حسنا لن أطيل عليك وسأحاول قدر الاستطاعة الاستعجال بوضع الأجزاء بسرعة إن شاء الله(:
    الجزء السادس بعد قليل إن شاء الله، قد يجيب على بعض اسألتك، فكوني معنا(:
    في أمان الله

الصفحة رقم 1 من 11 123 ... الأخيرةالأخيرة

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter