http://www.rasoulallah.net
http://www.50d.org
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
هل فاتني الكثير
أحسن الله عزاءك وغفر لميتك وأدخله الجنة .. اللهم آمين
أختي خذي راحتك في وضع القصة .. فليس فقدان الأحبة بالأمر الهين على الإطلاق
سننتظرك حتى ذلك الحين
احم .. لا طاقة لي اليوم بإنزاله رغم انتهائي منه ولكن بإذن الواحد الأحد سيكون بين أيديكم غداً، أنبه منذ الأن لا تحقدوا على رجاءاً
" وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى "
الجزء الثالث والعشرون
~ باردة كالجليد ~
أنزل قدميها بحرص حتى تمالكت اتزانها وأستطاعت الإستقلال بوقوفها فوق سطح الأرضية الزجاجي العاكس كحال الجدران والسقف، انها قاعة مميزة أخرى تكتشفها داخل مساحته الغامضة حيث فيها يشعر المرء من أن له مئات من الإنعكاسات التي تمتد الى مالا نهاية وبصورة مخيفة بعض الشيء..
لم يكن من الصعب عليها القفز الى استنتاج من أن هنالك سراً خلف هذه القاعة المريبة فهي أبعد ما تكون عن غرفة طبيعية بعد رؤيتها لتصميمها الهندسي المعقد ولكن ليس هذا بالأمر الذي يجب أن يشغل تفكيرها المنهك سلفاً ..
ضمت إليها يديها سريعاً حين شعرت بإحدى يديه تلمسانها مجدداً واستدارت نحوه بعينين تطلقان شرراً ساخطاً من جرأته.. تحدث ببرود وهو يعاود مد يده نحوها: إما أن تمسكِ بها أو أن تضيعي في هذه المتاهة الى الأبد
أشاحت بوجهها بعيداً عنه لتخفى هجوم الألم الذي أعتصر صدرها غيضاً وهي تريح كفها على راحة يده رغم أنفها، عندها أسرعت بإطلاق شهقة فزع و قامت برفع يدها الأخرى كردة فعل تلقائية لتعمل على حماية وجهها وهي على وشك أن تصرخ حين تحطم كل ذلك الزجاج من حولها دفعة واحدة وشعرت بالشظايا تتطاير قاصدةً إياها كما رأت سابقاً في حلم لها إلا أن الشظايا أختفت في الفراغ قبل أن تصل إليها بلحظات..
أنزلت يدها برهبة حين كانت تقف في ممر حالك الظلمة يقود الى بصيص ضوء خافت لاح لهما من بعيد.. كان لا يزال يمسك بيدها مما أشعرها ببعض من الأمان رغماً عن قلبها الذي ظل يلعنه بإستمرار، أدارت رقبتها نحوه وهي لا تكاد ترى شيئاً وهمست تتصنع اللامبالاة: أين نحن الأن ؟؟
شد قبضته على يدها وقاد الطريق أمامه على مهل حتى يكون في مقدورها مجاراته ثم أجاب ببرود مريب: في مكان ما من ذاكرتي
-" انه مرعب "
هذا ما راود عقلها وعينيها تأخذان جولة يائسة في عتمة الظلمة التي تحيط بهما: قلت أنك ستأخذني الى فاريوس فلماذا أحضرتني الى هنا إذاً؟
اكفهرت ملامح وجهها حين باغتها ضوء ناصع البياض قد كانت تتوقعه على بعد ليس باليسير في ظلمة ذلك الممر، و سرعان ما أطبقت بإحدى يديها على فاهها حتى تكتم صرختها حين أعادت فتح عينيها لتبصر فاريوس مكبلاً بأصفاد لم ترى لغلاظتها مثيل من قبل وهي تثبت رقبته ويديه وقدميه بإحكام وكأنه حيوان ضار بينما كان جريح الجسد أشعث المظهر.. هنا دفعت هيدس بكل ما أوتيت من قوة لتتحرر من قبضته وأسرعت تقصد شقيقه وهي في حالة أشبه بالهذيان من شدة الهلع إلا أن قرعة مطرقة مدوية شلتها عن متابعة تقدمها نحوهـ و جعلت عقلها يترنح لبضع ثوان قبل أن تستعيد السيطرة عليه من قوة تأثير الصوت..
زيوس: إذاً أنت تقر على صحة محاولاتك في إستحداث القوة المحرمة لتستخدمها في خدمة مصالحك الشخصية أيها المُتهم فولكان؟؟!
رفع رأسه وأجابه بلهجة شديدة السخرية: لو أن أعوانكم تأخروا يوماً إضافياً عن اعتقالي لكنت الأن في صفحات التاريخ يا والدي العزيز أنت وبقية أعضاء المجلس الواهي هذا فلن أتواني دقيقة واحدة عن سحقكم جميعاً وتخليص العالم من سلطتكم الزائفة..
لم يتزعزع شيء من ثباته وجديته وهو يحكم على لحمه ودمه بالإعدام بكل برود: هل من كلمة أخيرة تقولها قبل تنفيذ الحكم؟ ..
توقفت أنفاسها وهي تناظر الجموع الغفيرة عن يمين وشمال القاعة البيضاء وهم يعتلون مدرجات مرتفعة عن الساحة التى تتشاركها مع فاريوس المكبل ورأت بوضوح عدداً من المتحكمين السبع تعتليهم نظرة انكسار بالغة وهم يتابعون المشهد بصمت تام.. تلفتت مجدداً حتى آلمت رقبتها لتبصرالكثير والكثير من الملوك والحكام وهم يتابعون شناعة ما يجرى بتبلد يجعلهم أقرب الى الأصنام من البشر..
-" حباً في الرب مالذي يحدث هنا؟؟!"
تمتم بها عقلها المبهوت قبل أن تسقط على ركبتيها إثر الصعقة التى تلقتها حين أستدار فاريوس بهالته الملكية البالغة رغم وضعيته تلك ورفع رأسه الى حيث يقف خيال شديد السطوع بين كلٍ من اللورد دايفييل واللورد نوثانيل وهما يساعدانه على الوقوف: لست نادماً على تهوري من أجلك صديقي وثق جيداً من أنني كنت سأعيد الكرة ألف مرة حتى أسحق سقمك بيدي هاتين، عش حياةً طويلة من أجلي وإياك واللاحاق بي سريعاً، لن أتردد في إبراحك ضرباً عندها ..
صارت تجتر الهواء اجتراراً حتى تحافظ على وعيها وضغط دمها يهبط بصورة حادة:" إنها ذاكرته من يوم تنفيذ حكم الإعدام" ..
كيف أمكنه أن يكون بهذه القساوة ليحضرها الى هنا.. كلا سوف لن تقوى على رؤية ذلك يجب عليها الهرب سريعاً ..
شهقت مجدداً بهلع بالغ حين دوت المطرقة مجدداً لتشلها عن الهروب أو الحراك من شدة صخبها وأخذ حارسين عظيمين يرتديان دروعاً غليظة بالإقتراب من فاريوس الشامخ بأنفة وغطرسة فصارت تصرخ وترجوهم أن يتوقفوا حتى أمتقع لونها وعينيها تذرفان الدموع بلا انقطاع، أصبحوا قربه بل وأمامه مباشرة فستدارت بأقصى ما أوتيت من قوة رغم تشنج رقبتها وتخشبها نحو هيدس لينجده في محنته هذه لتُصعق من وقوفه ببرود قرب هيدس القديم و المكبل هو الأخر في حالة لم يسبق لها رؤيتها من قبل، فهو يصرخ بلا صوت وعروق رقبته و وجهه تكادان أن تتفجر من شدة بزوغها..
ارجعت رقبتها المتصلبة الى حيث كانت بسرعة البرق حين سمعت صوته الحبيب يهمس بصوت خفيض وهو يغمض عينيه استسلاماً وابتسامة غرور ترتسم على ملامحه الحزينة: آسف إليون.. آسف هيدس، أرجوا أن تتمكنا من مسامحتي في يوم ما من الدهر
هنا أعتمت الدنيا في عينيها مجدداً وشعرت بقوة تدفع جسدها الى الخلف حتى لامست سنداً قوياً احتواها ككل، كان ذلك هيدس حين انحنى من خلفها و أراح أنامله الكبيرة فوق عينيها ليمنعها من رؤية لحظات النهاية الأكثر إيلاماً..
ظل على هذه الوضعية زمن من الوقت بكت فيه ليديا ملء أجفانها وصوتها يعلو بلا خجل حتى أرغمتها ذاتها على السكون فلم يعد بها طاقة للنحيب ولكي تتمكن من سماع حديثه البارد رغم دفء أنامله التى لا تزال تطوق عينيها بلطف..
- لقد شعر المجلس الكوني بحقيقة عودة فولكان ونجاته من تلك الحادثة وعليه فإنها مسألة وقت قبل أن يصبح مطلوب للعدالة بعد أن يتيقن المجلس من ذلك ليديا، عندها سيكون مطارداً عالمياً حتى يعاد تنفيذ الحكم عليه وهذا مالن أسمح بحدوثه ما دمت على قيد الحياة، قبل عدة أشهر من الأن لم تكن مساعدته ممكنة دون شن حرب ضد قرار المجلس لذلك أقدمت على إرساله بعيداً الى بُعد أخر من إختلاقي وقد تمكنت بعدها من رسم خطة لإعادته بأقل الأضرار الممكنة، لكنك التضحية التي ستدفع ثمن إعادته سالماً فهل تقبلين؟
أبعدت يده عن عينيها لتجد وأنهما قد رجعا الى غرفة المرايا وباب القاعة يكون خلفهما، سمحت له بإعانتها على الوقوف بطاعة تامة ومن ثم رافقته الى مكتبه المجاور لتلك القاعة، هنالك ترك يدها وقصد الشرفة الرئيسية ليسمح بتيار من الهواء داخل المكان..
.........
يتبع
اخر تعديل كان بواسطة » moon child في يوم » 25-12-2012 عند الساعة » 09:31
أبعدت يده عن عينيها لتجد وأنهما قد رجعا الى غرفة المرايا وباب القاعة يكون خلفهما، سمحت له بإعانتها على الوقوف بطاعة تامة ومن ثم رافقته الى مكتبه المجاور لتلك القاعة، هنالك ترك يدها وقصد الشرفة الرئيسية ليسمح بتيار من الهواء داخل المكان..
أفاقت جزئياً من الطامة التى أرسلها فوق مسمعها قبل لحظات وكل شيء حولها يفقد قيمته وأهميته بسرعة إنفراط عقد من اللؤلؤ، تعاريف السعادة والشقاء و تصانيف المشاعر التى تعلمتها خلال سنوات عمرها المنصرمة كلها تلاشت في عقلها ليعود كصفحة فارغة، إلا أنها كانت سوداء قاتمة أنعكست بوضوح في قزحية عينيها الذابلتين، فمؤخراً باغتها العالم بمدى بشاعته وهي التى عشقته و أُلعت بحضاراته المتعددة وسحره الخاص منذ نعومة أظافرها ..
لا يوجد الأن متسمع في عقلها لأي من عتابات الضمير التي كانت ذات حضور بالغ الضعف أمام موجة السواد التى استمرت في غزوها و أستبسلت في محاولات إغراقها معها، كيف تجرأ فاريوس على خداعها بإخفاء هذه الحقيقة عنها بل وتظاهر بأن كل شيء على ما يرام فقط ليجعل عالمها وردياً خالياً من الهموم والأحزان، هذا يفسر كل شيء بشأنه، نظراته الحزينة و حادثة الشلال ثم اختفائه المفاجئ ..لكن لحظة، أكانت رغبته في أن يختفى من عقلها أيضاً ؟ ..
-لماذا عبثت في ذاكرتي الخاصة به هيدس؟!
أن تقولها بالصوت الذي تحدثت به تواً كفيلٌ بنقل حجم الدمار الذي اُحدث بداخلها لكن أحزانه التى جثمت فوق قلبه أزمنة مديدة لا يمكن أن تقارن بما جرى لقلبها مؤخراً: ليس هنالك وقت لمنح مزيد من الإيضاحات ليديا فحياة فولكان في خطر محدق بينما نحن نتحدث هنا
- ماهو المطلوب لإنقاذه
استدار إليها مبتسماً ومتجاهلاً برودها الثليجي وتحولها الى كائن أخر يبعد كل البعد عن طبيعتها الدافئة الساحرة: رائع هذا ما كنت أريد سماعه منك عزيزتي، فبعد كلٍ، أنت الوحيدة القادرة على إعادة ما سُلب منه له وتحريره من قيود الماضي
أغمضت عينيها لبرهة وشدة على قبضة يدها لوغز مفاجئ هاجم قلبها بينما أكملت في ذات الوقت بأكبر قدر من السكينة التى تحصلت عليها: كيف بربك سأفعلها و تعلم جيداً أنني بلا طاقات روحية تذكر
أقترب منها وأراح يديه على كتفيها: هذا غير صحيح ليديا، لديك قوة جبارة لا يستهان بها ستخولك من مساعدتي في إنقاذ فولكان دون أدنى شك
تراجعت مبتعدةً عنه بغلظة وقسماتها تحتد في مواجهته: لا تكذب علي هيدس فقد أعياني توالي كذباتك علي مؤخراً، لقد تعنيت الكثير خلال السنوات المنصرمة دون أدنى طاقة روحية مالذي سيدفعني الى تصديق ادعائك الأن
أطلق تنهيدة قلة عميقة وهو يسير بتجاه مكتبه لتنشغل احدى يديه في تنظيم محتوياته وإعادة تشكيل التحف فوقه: أذكر من أنها كانت شهرين.. تلك المدة التى أقدمتِ فيها على تمريضي شخصياً عزيزتي، أتوافقينني ما قلت؟
عقدت حاجبيها استنكاراً من توجه كفة الحديث ووجدت نفسها مجبرة على إقرار الموافقة: هذا صحيح
-خلال الشهر الأول هل حدث و أن صادفتني بعيداً عن فراشي ولو لمرة واحدة ولأي سبب كان خلال فترة تواجدك؟؟
تباطأت إجابتها حتى تسترجع ماحدث وتفاجأت هذه المرة من عدم تنبهها لهذهـ النقطة المريبة على الإطلاق: كلا، لم تتحرك سوى عندما أمسكت إناء الزهر من الوقع على صدري، لست أفهم مالذي تريد الإشارة إليه هنا ؟
أعاد وضع حامِلة الأقلام الثعبانية من يده ليجيب تساؤلها بأريحية بالغة: هو أنني خلال ذلك الوقت تمكنت من إيجاد السبيل الأمثل لإنقاذ فولكان ليديا.. فقد كنت مصاب بشلل نصفي مما منعني من ترك السرير مطلقاً وأتاح لي التعرف على قدراتك الفريدة..
تثاقلت أنفاسها وهي تسمع لحديثه بينما أخذ الوشم بالضغط على قلبها لحظة ما أنتهى فأسرعت بعصر مقدمة ثوبها علها تفلح في السيطرة على ضربات الألم: مشلول!!
أجاب بإبتسامة ساخرة: هذا صحيح، لقد سبق وأن توقعت أن أقع طريح الفراش لزمن طويل بعد استهلاكِـ لتلك الطاقة الجسمانية العظيمة وأنا أرسل فولكان بعيداً وأسحب ذاكرة الحاشية الخاصة به ولكن أن أصاب بالشلل هو احتمال تعدى نطاق توقعاتي المغرورة آنها، شعرت بخيبة أمل كبيرة لمتلاكِ عقلاً بهذا الضعف ولكن هذا لم يكن ليثنيني عن بذل حياتي من أجل ذلك الشقي
الضربات تزداد على قلبها وهاهي تتعرق بجنون لتموت خلاياها من شدة الجفاف الذي أُلحق بها جراء هذا التعرق: إذاً كيف تمكنت من السير مجدداً؟؟!!
قالتها من بين أنفاسها الثقيلة وجسدها يخوض حرباً شعواء ضد احتلال الوشم له وفرض سيطرته عليه في حين لم يتنبه لما أصابها فلم يزل مشغولاً بتنظيم الحاجيات فوق مكتبه: لمساتك السحرية ليديا وقوتك الدفينة المبهرة، لقد شعرت بالحياة تنبض في قدماي لحظة لامست يداك يدي في المرة الأولى، و أصبحت متأكداً من مقدرتك هذه حين تزايدت لمساتك لي مع اهتمامك بي حتي شُفيتُ تماماً مع مرور الوقت، كان من الصعب تقبل حقيقة أن لك مثل هذه الطاقة الشفائية النادرة جداً ولكن مع مرور الوقت ومع ما شعرت به من صحة وقوة جعلاني على يقين من أنك خارقة
انحنت على ركبتيها بتمهل وهي تجاهد لتعيره سمعها وبذات الوقت تعيد شريط الماضي وحوادث إصاباتها البليغة من قِبل فاريوس وقوة الألم الذي شعرت به في تلك الأوقات: هذا هراء فأنا هشـ آآ..آآهـ
استدار نحوها من فوره وعقد حاجبيه للحظات وهو يتأمل وضعيتها ولونه المسود قبل أن يشق طريقه إليها في لمح البصر ومن ثم أنحنى ليصل الى مستوى جسدها المنكمش و أراح كفه فوق ظهرها بلطف .. رفع رأسه وأغمض عينيه ليكون في أقصى تركيز له وهو يتمتم بما يرغب في القيام به بسرعة وبدون إضاعة دقيقة في التفكير
توالت صرخاتها وآهاتها وعينيها تكادان أن تنفذان من محجرهما حين شعرت بالوشم يتحرك من مكانه وهو لا يزال محفوراً على جلدها في ألم لا يطاق، ارتخى جسدها المشدود لحظة استقر أخيراً فوق ظهرها عند البقعة التى لمستها يد الأمبراطور ..
حملها بعد ذلك بحرص وهو يهمس لها ليريحها فوق الأريكة التي جمعتهما في ذكريات من الذهب فيما مضى: الموت هو مصير من يحاول العبث بقلبك ليديا فهو لي، مع الأسف، ليس بوسعي فعل الكثير وهذا الوشم جزء منك الأن .. أثق من أن قفصك الصدري سيتكفل بإبعاده عن قلبك من أجلي وهذه صفقة مرضية الى حد ما
همست بكآبة وعينيها تراقبان السقف المرفوع بإجهاد من كثرة وشدة البكاء بينما يرتاح رأسها على فخذه ليسهل العملية على يده التى أخذت تمسح على جبهتها وشعرها برفق: لماذا تفعل هذا بي و توهمني من أن بوسعي انقاذه حين تعلم جيداً من أنني عاجزة عن مساعدة نفسي حتى بجسدي هذا
تغيرت ملامح وجهه واحتدت بإنزعاج حاول أن لا تشعر به في حديثه معها فلم تكن السبب خلفه بل ماهو آت أمام عينيها قريباً: كنت على علم بعنادك ليديا لذلك حضرت لك دليل أخر لدمغ الشك باليقين
رفعت رأسها بصعوبة وأدارت رقبتها بتجاهه لتتحدث بصوت شديد البحه: ولماذا تكترث الأن بقناعتي بعد كل ما فعلته بي؟! لم أرى أحد أشد تناقض و ذو شخصية مرضية أكثر منك
تحاشى النظر في عينيها التى تلفحانه بشرر حقد وهو يجاهد بطريقته : ثقي من أنني كنت على أتم الإستعداد لإرغامك على تحقيق ما أريد حين تحور مسار الخطة و تمكنتِ من كسر الختم الذي حبست فيه ذكرياتك الخاصة بفولكان قبل أن يحين الأوان لذلك ولم أكن لأكترث بقناعتكِ لولا حادثة الأمس .. ستفهمين مقصدي بصورة أفضل بعد أن ترى صنيعك بأم عينيك ... أبولو بوسعك إدخاله الأن
جحضت عينيها وسارعت نحوه لتتعلق بقميصه في أجزاء من الثانية طلباً للأمان بعد أن فُتح الباب وولج أبولو ببرود وهو يجر قطعة قماش ضخمة خلفه سرعان ما ألقى بها أمامهما لتكشف عن وحش شديد البشاعة في جسد رجل لم تتمكن ليديا من النظر إليه أكثر فأخفت وجهها في صدر الإمبراطور والقشعريرة تسرى في بدنها..
رأى هيدس الهلع في عينيها فأراح إحدى يديه خلف ظهرها وهو يراقب هيئة اللورد آريز المميزة بإشمئزاز شديد وقد كان جواب علة إستيائه سابقاً: ألن ترحبي بصنيعك الخلاب عزيزتي.. أرجوا أن تؤمنِ الأن بمقدراتك العظيمة فلا شيء يؤرقني أكثر من معرفة أنه لا يزال يتنفس الهواء بعد فعلته الشنعاء..
أبتعدت عنه وهي تشهق وتزفر بإضطراب بالغ وكان جهاداً أن تتحدث من شدة الروع الذي تملكها: تـ..توقف عـ..عن الكذب هيدس.. أ..أنا لم أرى هذا الشيء في حياتي مـ..من قبل
ناظرها بتعجب بالغ البراءة وهو يضمر الخبث بين ثناياه : أحقاً عزيزتي، فقد كان يُعرف باللورد آريز قبل أن تسحقيه حين حاول ……….
صرخت به لتمنعه عن متابعة الحديث: كفــــــــى لا تقلها حتى، يستحال أن يكون هو أقسم من أنه لم يكن من فعلــ…..
......................
يتبع
صرخت به لتمنعه عن متابعة الحديث: كفــــــــى لا تقلها حتى، يستحال أن يكون هو أقسم من أنه لم يكن من فعلــ…..
أصابتها نوبة صراخ تبعتها رجفة شديدة حين تشبث اللورد آريز بقدمها وقد زحف متقرباً منها مستغلاً إنشغالها في مشاداتها مع الأمبراطور و أخذ يقبل قدمها بوجهه الممسوخ قبل أن تركله قدم هيدس بغلظة بعيداً عنهما أسرع بعدها خادمه أبولو بإبعاده عن مسرح الأحداث حتى لا يجهز عليه سيدهـ الذي استشاط غضباً من فعله وهو يعلم جيداً أنه لا يجب أن تكون نهايته بهذه البساطة و دوره لم ينتهى بعد ..
كانت تهذي وتطلب أن يبعده عنها ويبدو وأنها قد فقدت السيطرة على أعصابها وحركات رقبتها ويدها العشوائية حتى تمكن من تهدأتها حين حاصرها بين يديه وأخذ يتمتم لها من أنها بأمان الأن، لم يعد هنالك ما يُلزم وجودهما على هذا البعد الضئيل وخاصة بعد أن سُحق التناغم الذي طال وجوده بينهما بجدارة تامة بحيث لم يعد له وجود إلا أن يديه ترفضان تحريرها وكأن هنالك قوة مغناطيسية عظيمة تثبته بها، انه متعب ومجهد هو الأخر من قلة النوم خلال الأيام الفائته فقد اختفى أثر طاقتها الشفائيه عليه وهو يقف الأن أمام معضلة حقيقة يمكن أن تقوده مجدداً الى خيار شن الحرب ضد المجلس بدعمٍ من مماليك التحالف التى تقره في بغضه للمجلس، فلم يعد من الممكن حبس شقيقه في ذلك البُعد المتداعى أكثر مما سبق وفعل..
طاقتها الروحية المميزة كانت السلاح الذي أراد أستخدامه وقبل ذلك ترويضه في طوعه حتى يتمكن من تنفيذ خطته المحكمة وحادثة اللورد آريز فتحت عينيه على ما غفل عنه ومالم يكن في الحسبان لكن آون التراجع قد فات منذ زمن بعيد بالنسبة إليه ..
لم تكن قد استعادت كامل قواها العقلية بعد لكنه انحنى على ركبتيه أمامها ثم أراح رأسه على بطنها المسطحة وهمس بجهد بالغ: أعترف .. لقد كنت أحمقاً الى الدرجة التى منعتني من ملاحظة أن طاقتك لا تُمنح إلا بموافقة قلبك المطلقة وقد خسرته بكل سذاجة لكنني آسف ليديا، لا يمكنني التوقف الأن وأنا على هذا القرب من إنقاذه وإن كان هذا يعني من أنني سأتحول الى مسخ ملعون والى الأبد
كانت لا تزال جاحظة منذ اللحظة التي جثى فيها أمامها في تطور باغتها حتى النخاع وحتى أخر حرف تفوه به، فلم تتصور أن يظهر هذا النوع من الميل أو الضعف وقد كشف لها مؤخراً القناع عن حقيقته وقلبه المصنوع من الفولاذ: بربك مالذي يعنيه حديثك هيدس؟؟
أجتر جسده بعيداً عنها بعد سماع نبرة البغض في سؤالها و رفضها الدامغ لأي من المشاعر التي أطلقها قبل لحظات في حين لم يتمكن من اخفاء حقيقة أنه يكافح للقيام بذلك : هذا يعني من أن زفافنا سيعقد في موعده ليديا فجسدي لن يقدر على مساعدة فولكان دون أن يستمد من طاقتك جرعات مضاعفة، فقط لا تجعلي قلبك يرفضني أكثر من رفضه لأريز حتى لا أنتهى أكثر بشاعة منه حين أرغم نفسي عليك عزيزتي، لما لا نعيدك الى مخدعك الأن، أراهن من أن يومك قد كان ثقيلاً بما فيه الكفاية ويجب أن تولي مظهرك اهتماماً أكبر قبل حفلة الزفاف..
.....................
يتبع
مجلس السلام الكوني ~
إنه اليوم الخامس عشر على التوال و اللورد دايفييل يقبع في قاعة السجلات التي تحوي جميع المستندات الخاصة بالأحكام الصادرة من قبل مجلس السلام منذ بداية تأسيسه وحتى يومه هذا ولم يتزحزح خارج المكان شبراً واحداً منذ أن دخله فقد عقد العزم على حل الألغاز المحيطة بقضية أطفاله الأحباء عاجلاً غير أجل وإن كان أخر شيء سيُكتب في قائمة أعماله التى قام بها وهو على قيد الحياة، فهو يراها بهذه الخطورة والضرورة ليجعلها شغله الشاغل ليل نهار..
كان لا يزال يبحث بنهم شديد بين الأرفف التى ارتفعت قدر ستين ذراعاً نحو الأفق عله يعثر على ضالته ولكن دون نتيجة تذكر حتى شعر بتحرك مريب وهالة عظيمة تلج الى القاعة فعاد أدراجه الى الأرض و سرعان ما انحنى بإحترام أمام هيبة اللورد زيوس و هيئته التى تبعث بالوقار
زيوس بأسلوبه المعتاد: لقد بلغني أنك هنا لما يقارب نصف الشهر لورد دايفييل فهل لي أن أطلع على أسباب ذلك ؟؟
أجابه بثقة ووقار: بكل تأكيد لورد زيوس و أعتذر عن عدم إطلاعك عنه حتى الأن فقد كنت منشغلاً به عن أي شيء أخر .. تفضل أرجوك
وأشار له الى مكتب يحوى مقعدين في مقدمته
- لا داعي لذلك بنى، أدرك من أنك سوف لن تطلعني عن الحقيقة كاملة على أية حال .. أردت فقط إعلامك من أننا ذوات حمقاء ضعيفة، حيث لا نملك إلا أن ندفن سوءتنا تحت سطح الأرض حتى لا نتعثر بها في يوم من الأيام و نلحقها بحسراتنا،، عدني من أنك إذا وصلت لمبتغاتك فأنك ستضع هدف السلام نصب عينك و أنك لن تنجرف تحت فتنها المدمرة وتأكد من أنك إن فعلت ذلك هلكت وأهلكتنا معك ..
عقد اللورد دايفييل حاجبيه ولم تكن لديه فرصة لقول حرف واحد حتى فقد أستدار اللورد زيوس من فوره وغادره ليسمع صوت انغلاق الباب بكل وضوح .. "لكن لحظة.. ماهذا الصوت الأخر؟؟"
قالها عقله وهو يلحق به على عجل ليتوقف أمام الباب ويجفل لما استنتجه عقله بهذه اللحظة.. وسرعان ما أخذت رقبته تتلفت حول الباب لتفحص الجدار المحيط به .. سلك الجانب الأيسر وهو يضرب الأرض بقدمه ضربة خفيفة حتى عثر على مصدر الصوت المستنكر وأنفرجت أساريره حين لم يكن سوى صوت مقبض باب السرداب الحديدي الذي اهتز سابقاً لحظة خروج اللورد زيوس من الباب الرئيسي وأحدث صوت يشبه القرع لا يتنبه لكونه شاذاً عن صوت الباب الرئيسي سوى من هو في أعلى درجات التيقظ..
فتحه علي مهل و سعل لما تحرر من أغبرة كانت عالقة تحت سطح الباب مما شحذ فضوله أكثر فمن الواضح أنه كان مهجوراً لقدر من الزمن .. أوقدت قواه شغلة مضيئة أخذت تتحرك أمامه لتضئ عتمة المكان حين دخله هابطاً سلالمه القليلة وظل مستمراً في سيره هذا حتى وصل الى باب حجري غليظ منعه من اكمال التقدم، أوقد عدت شعلات أخرى أنتشرت متفرقة حول سطح الباب لتخوله رؤيةٌ كاملة وتمكن بعد تفحصه جيداً من تمييز حجرتين بارزتين قرب المنتصف، أراح يديه عليها بتلقائية فنجذبت الحجارة إليه بسرعة البرق وتوسعت كالطين لتغلف يديه و تحولانها الى ثقلين مؤلمين جعلاه يترنح من شدة الألم إلا أن الباب أنفرج بعد ذلك فستجمع أنفاسه وتركيزه وتابع تقدمه على الرغم مما أصاب كفيه ..
ما صادفه خلف ذلك الباب كان مناقضاً للسبيل المأدية إليه، فقد كان ممراً مشيداً من رخامٍ فاخرٍ عاجي اللون ومشاعل الضوء الدافئة معلقة عن يمين وشمال الممر الذي انتهى الى غرفة سجلات أخرى بضخامة قاعة السجلات الخارجية وربما أكبر منها بقليل وهي على درجة عالية من النظافة والترتيب
أبصر مكتب صغير في قلب المكان حين تابع توغله في القاعة المريبة وقد وضع فوقه كوب مشروب صغير يتصاعد منه أبخرة الدخان مما جره الى استنتاج أن هنالك حياة بالمكان، تلفت برقبته يمنة ويسره ثم تحدث بصوت جهوري: من هناك؟؟!
ظهر رجل عجوز أحدب الظهر من بين الرفوف وهو يستعين بعصا خشبية تعينه على الحركة وتحدث بصوت هرِم: لم يكن هنالك حاجة الى كل هذا الصخب بنى .. لقد أذيت سمعي
حاول اللورد دايفييل تفحص ملامح الرجل العجوز الا أن شعره ولحيته الكثيفة لم تجعل الى ذلك سبيلا وسرعان ما أعتلته الدهشة حين تابع ذلك العجوز قائلاً: لقد أنتظرتك طويلاً وتمنيت أن تُقدم على زيارتي قبل أن يفعلها ذلك الهيدس
أخيراً تحدث بعد أن تخطاه الرجل العجوز ليصل الى مقعده الصغير خلف مكتبه: وهل تمكن هيدس من الوصول الى هنا؟؟
- أووه ذلك الشاب، إنه خطير جداً لكنه مشوش كثيراً بسببها ويكاد يضعف هو الأخر لكنني أخترت الوثوق به وأجبته على تساؤولاته الحساسة، إلا أنني قلق من أنه يفتقر الى التعاطي مع الأمور بحكمة و روية بعد أن عُميت عليه بصيرته لزمن ليس باليسير.. إِنَ جُل مايحسنه ذلك الشاب الأن هو القساوة مع الأسف الشديد
اللورد دايفييل وهو يعقد حاجبيه : أهنالك أي احتمال من أنك تشير الى ليديا في قولك "بسببها" ومن ثم هل حقاً تؤمن من أن هنالك سبيل غير القساوة في حل هذه المعضلة ؟
ابتسم العجوز: لطالما كنت حاذقاً لورد دايفييل لهذا اتعجب من تأخرك الى هذا الوقت في زيارتي، هل لك أن تذكرني كم أصبح لديها من العمر الأن ..
- ستبلغ العشرين ربيعاً بعد غد
اعاد كوب المشروب وهو يتمتم: صحيح صحيح أنا واثق من أنها ستكون عروساً عشرينية فاتنة
اللورد دايفييل وشيء من الريبة يخاجله: هل لي بسؤالك عمن تكون وماهو شأنك بكل ما يجرى في هذه الأيام؟
انحني الرجل العجوز ودس يده تحت مكتبه وبدا كمن يجاهد لحمل ذلك الملف الذي أحدث صوت ارتطام حين انفلت من بين يديه المرتعشتين قبل أن يتمكن من وضعه فوق الطاولة بهدوء: لم يحن الوقت بعد لتحصل على إجابة هذا السؤال بني، هذا ما قدمت لأجله اليوم فخذه وأسرع خارج المكان قبل أن تتحول الى حجر لا ينفع ولا يضر وسارع في إصلاح الأوضاع خارجاً، لقد غطى كامل يديك مسبقاً ولا وقت لديك لتضيعه ..
تفقد اللورد دايفييل يديه بتفاجئ وصعق لرؤيته صحة حديث العجوز، حاول استخدام قوته لحمل الملف أمامه إلا أن ذلك لم يكن ممكناً أيضاً فناظر العجوز بحاجبين معقودين ليجيبه وكأنه داخل عقله: لا يمكنك استخدام ايٍ من طاقاتك الروحية هنا لورد دايفييل سيتوجب عليك حمله بحذر بالغ وأحرص على أن لا تكثر الضغط على يديك حتى لا تتحطم وما تحطم منك فهو ملك لهذه البقعة
دايفييل وهو يجاهد لحمل الملف سريعاً فالتصخر يتابع زحفه في جسده : لكن لماذا؟؟
أجابه العجوز بشفقة: كانت الطريقة الوحيدة للحفاظ على الثروة المدمرة بهذا المكان من الوقوع في الأيدي الخاطئة، لا تطل وقوفك بني فالوقت ينفذ
أستدار اللورد دايفييل وشق طريقه سريعاً دون وداع العجوز وعلى الرغم من وجود العديد من الأسئلة التى أراد طرحها عليه إلا أن الألم لم يعد يطاق ولا يجب أن يموت بهذه الطريقة على الإطلاق.. لاح له الباب أخيراً وهو على وشك أن يطبق ويحبسه في بطنه الى الأبد ولكن نفذ ببدنه في اللحظات الأخيرة وسرعان ما جثى أرضاً ليستجمع أنفاسه ويتفقد جسده الذي عاد طبيعياً كما كان.. حمل الملف بحرص شديد و أوقد شعلة ليتمكن من قراءة ما خط على سطحها القديم
" تفاصيل رفع القوى المحرمة"
و من ثم عاد أدرجه الى قاعة السجلات الهادئة ليقرأ بتمعن و يُجيب عن أحد أكبر الإستفسارات التى ظلت تتربع عرش تفكيره طِوال حياته، وهو" كيف تم انهاء عهد الدمار ورفع القوى المحرمة من الأرض؟!" ..
……………………………..
يتبع
مملكة الشياطين
ليلتين قبل الزفاف ~
توسطت وصيفاتها ببرود تام لتعكس تعبيراً شاذاً عن مشاعر عروس ترى ثوب زفافها المبهر في حلته النهائية في حال ذابت قلوب الفتيات من حولها وهن يتأملنه بألسنة تعجز عن التعبير، رفضت ارتدائه بحجة أنه مثالي ولا يحتاج الى تجربة أخيرة و فضلت أن تقضى الوقت في تأمل سماء المغيب من شرفتها الواسعة وسط دهشة الوصيفات من التغيرات التى طرأت عليها وقلبتها مئة وثمانون درجة في ليلة وضحاها..
أنشغلت الفتيات في تجهيز ثيابها ومجوهراتها مبكراً بعد أن اكتفت بالصمت كإجابة لأي من تساؤلاتهن بشأن المهام التى ترغب في إعزائها لهن وهنالك أنتهزت أورا الفرصة للإطمئنان عليها دون تدخل طرف ثالث ..
أبعدت الستار بذراعها البيضاء حتى تخرج الى حيث تقبع سيدتها فوق مقعد قرب طرف الشرفة الضخمة وأنضمت إليها لتحتل الكرسي المجاور، أنتظرت قليلاً قبل أن تبادر بتهذيب ولطف شديدين:
-كيف حال مولاتي الأن؟ هل تشعرين بالتحسن
قاطعتهما وصيفة أخرى من خلفهما وهي تحمل قميصين ناعمين من أجود أنواع الحرائر الطبيعية بحيوية وسرور: مالذي ترغب مولاتي في ارتدائه ليلة الزفاف، الأبيض أم العاجي؟
هنا احتدت نظرات أورا لقلة تهذيب أسلوبها فتراجعت الأخرى على وجل وهي تكثر من الإعتذار، أعادت أورا صب اهتمامها على سيدتها وأسرعت بوضع يديها تحت الكوب الذي أوشكت ليديا على سكب محتواه فوق فخذها بفعل يديها المرتعشتين
تفاجأت ليديا وأفاقت من شرودها على مشهد تألم أورا الصامت بعد أن احترقت كلتا يديها بالمشروب الحار هنالك أسرعت بإطباق يديها فوق مكان الإصابة والقلق بادٍ على عينيه: هل أنتِ بخير عزيزتي
عقدت الوصيفة حاجبيها وهي تستعيد يديها أخيراً لتجدها وقد عادة أفضل مما كانت عليه دون أثر يرى للحروق، تفحصتها بضعة مرات على مرأى من ليديا المجفلة ثم أجابت مسرورة بإندهاش : أظن أنني كذلك مولاتي، لكن كيف فعلتها؟
أغمضت عينيها لتتمالك حسرتها فيما شغل تفكيرها منذ اللحظة التي تركته بها على حالته المجهدة تلك، لا يمكن أن يكون ما قاله صحيحاً بل وتفضل الموت على تقبل حديثه، فكل ما يتعلق بشأنه كان مجرد خديعة كبيرة ثمنها هو جراح لا يمكن شفائه مهما طال بها الزمن ولكن مالن تتقبله هو شناعة أن يحملها ثقل مسؤولية إنقاذ فاريوس بتلك الطريقة المدمرة لكيانها فوق كل ما قام به من عبث بعقلها وقلبها دون أدنى حق ..
- أورا عزيزتي أرجوا أن تذهبي في طلب أبولو على وجه السرعة، أنا بحاجة للحديث معه
أجابتها الوصيفة بتلقائية عفوية: لكنه مشغول بالإشراف على تجهيزات الزفاف مولاتي
ناظرتها بحدة : وهل تحسبينني أبالى، نفذي ما أطلبه منك رجاءاً أورا وعلى وجه السرعة أيضاً
أستقامت واقفة وانحنت لها بإحترام قبل أن تشق طريقها خلف الستار وتتركها وحيدة مرة أخرى ..
……………………….
يتبع
مملكة الملائكة
أنجلا في غرفة المعيشة الفسيحة: تُفتح المعابر في تمام العاشرة مساءاً الليلة ثم سنقضى ليلتنا في مملكة الشياطين و ستبدأ المراسم غداً صباحاً، لا يجب على أي منا التخلف من أجلها
كاميليا بشيء من القلق: سيكمل دايفييل الشهر الأن و نحن لم نره هل سيكون هنالك يا ترى؟؟
يوريال: بكل تأكيد .. فالذي جرى بينه وبين الأمبراطور هيدس في مجلس السلام يوجب عليه أن يكون متواجداً ليثبت لبقية المماليك أنه تخطى تلك الحادثة ولا أظن من أنه سيفوت زفاف ليديا اللطيفة مهما حدث
فابيان بإبتسامة وقورة: لا أزال أجد صعوبة في التصديق من أن من سيتزوج بالغد هي ذاتها تلك الصغيرة التى كانت تجوب أروقة القصر خلف نوثانيل لتلحقه كظله و تبعث بالسرور في قلوب الجميع .. بل وستصبح امبراطورة مملكة الشياطين يالهذا القدر
أنجلا وهي تشعر بغصة في حلقها بحنين عارم لذكريات الماضي: إنها خسارة مؤسفة لمملكة الملائكة وفوز عظيم لشعب الشياطين، سأذهب لأتأكد من أن هديتنا في حلة تليق بجلالتها
ستداريوس بعفوية: هل يجب علي اخبار نوث عن مخطط المغادرة لقد أغرق نفسه في المهام منذ علم بالنبأ ولم ينضم إلينا كثيراً بعدها
أنجلا سريعاً قبل أن تغادرهم: لا عليك، واثقة من أنه على علم بذلك فهو أحرصنا على الذهاب لرؤيتها، لنمنحه خصوصيته الليلة أيضاً مع ذكرياتهما القديمة
~~~
بعيداً في ذات القصر
-سأترك الأمور في وداعتك إيروس ولن أتأخر عن العودة الى أرض الوطن، أحرص على أن لا تغادر من عملك قبل أن تقوم بالإمضاء على جميع ما يردك من أوراق ومستندات، لا يجب أن تتعطل مصالح المنشأت والأفراد لدينا مهما كان الثمن
حمل إيروس بعضاً من الملفات بين يديه وانكسار عينيه يتحدث بألف كلمة عما يخالج صدره الجريح بعد سماعه لأخبارها المفاجئة: أمرك سيدي
أقترب اللورد نوثانيل من مساعده المخلص وأراح يده على كتفه بعد أن أسترجع الملفات من بين يديه وأعاد وضعها فوق المكتب : لا عليك، سأتكفل بها قبل ذهابي الليلة، أعلم أن قلبك يُعاني بمافيه الكفاية فذهب وأحرص على أن تطوى صفحتها الليلة فالحزن لن يعيد لنا أحبائنا مهما أشتد وطال، وتذكر من أننا لم نقدم على ختمها من ذاكرتك احتراماً لرغبتك ومكانتك كمساعدي فلا تجعلني أندم قراري ذاك وأظهر تماسك الرجال
تنهد بعمق وهمس بتهذيب ليروض جِماح مشاعره الثائرة في صدره: أيمكنك أن توصل لها مباركاتي سيدي؟
زم شفاهه بشفقة على حال الشاب المسكين أمامه وهو يرى لهيب الكمد واضحاً في حدقتيه مما زاده تقديراً له لما يظهره من تماسك و رزانة إلا أنه لن يفعل مالا يراه صحيحاً: أعتذر لا يمكنني فعل ذلك من أجلك، لكنني أعدك من أنني سأمنحك فرصة الذهاب لرؤيتها و إيصال مشاعرك بصورة مباشرة في المستقبل القريب
ابتسم الشاب الكسير و أجب بثقة أكبر وقد أشرق قلبه لمجرد سماع أن رؤيتها ليست مستحيلة تماماً كما سبق وتصور حين اختفت وتركت له تلك الرسالة المليئة بالمشاعر الصادقة: أشكرك لورد نوثانيل وأتمنى لك رحلة سالمة، رجاءاً أترك الأمور على عاتقي دون قلق
ربت على كتفه عدت مرات قبل أن يعود أدراجه الى مقعده الوفير خلف المكتب: هذا ما سأفعله إيروس، بوسعك الذهاب الأن
أراح بعد ذلك ظهره على مقعده وأغلق عينيه بإستسلام أمام ثورته الداخلية، ما باله يعظ بشأن التماسك وهو بهشاشة الشعير بل وأهون من ذلك بكثير حين يأتى الأمر بمحاذاتها، تسللت دمعات حارة من عينيه أراد أن يحررها الأن حتى لا تضيع هيبته أمام المماليك إذا ما انهار أمامها بالغد و جرفته عاطفته لفعل أرعن كأن يحول بينها وبين اكمال ذاك الزفاف الذي سيحرمه من استعادتها الى جانبه لما تبقى من عمره، قلبه كالطفل الصغير الذي يكاد يطير من فرط السرور ترقباً لرؤيتها لكنه ليس واثق جداً عن ما إذا كان سعيداً بشأن قرارها في الزواج وهو شعور يؤرقه كثيراً و يجعل قلبه في حالةٍ من القلق والهواجس المستمرة..
أنهى بعد ذلك ما تبقى من أعمال يومه و ذكرياتهما سوية لا تفارقان قلبه المحزون..
…………………………...…
يتبع
مملكة الشياطين ~ ليلة واحدة قبل الزفاف
ولجت أورا الى مخدع العروس الباردة وهي تحمل قنينة تحوى أجود و أقوى أنواع العطور النفيسة لتنحنى أمام سيدتها القابعة فوق أحد الأرائك بسكونها العجيب وتتابع طريقها قاصدةً الحمام الذي جهزته بقية الوصيفات بأفضل الوسائل والتجهيزات حتى تحظى سيدتهن بأفضل راحة واستجمام ممكن قبل ليلة زفافها..
سكبت الوصيفة بضع قطرات من ذلك العطر المهدء في حوض الإستحمام الممتلأ بالمياه الدافئة ففاح أريجه مستجلباً تأوهات الحالمات في المكان بعد أن سرحت عقولهن من روعة التجهيزات الأسطورية في الأدوار السفلية من القصر التى أضحت تأخذ حُللها النهائية لتترك كل من يراها عاجزاً عن الحديث حتى ..
أحد الفتيات بالحمام: أورا عزيزتي هل ستسمح مولاتي بمساعدتنا لها في هذا الحمام على الأقل، نعدك من أننا لن نتسبب بأي خطأ يمكن أن يزعجها
ناظرتها أورا بإبتسامة رقيقة: شكراً لمشاعرك الطيبة غانيس لكنني سأتولى المهمة من هنا، أود أن تهتموا ببقية أرجاء المخدع حتى أنتهى فقد أنتهت كسوته الجديدة وقام فتية القصر الأقوياء بتحميلها ووضعها أمام بوابة المخدع
انحنين لها بإحترام وذهبن للمباشرة في أعمالهن بينما تبعتهن أورا خارج الحمام لإصطحاب سيدتها الهادئة إليه
.................
يتبع
~~~
بداخل الحوض ..
جلست ليديا بذات الشرود الذي كانت عليه في الليالي الفائته وخاصة بعد زيارة أبولو لها وحديثه المطول معها بينما أخذت أورا تمسح على جسدها الهزيل بليفة ناعمة عطرة وهي حزينة لما أصاب سيدتها ..
-مولاتي إذا كان لي سؤالك؟
تنبهت من شرودها قليلاً واحنت رقبتها بتجاه أورا دون أن تبادلها النظر: ماذا هنالك عزيزتي؟
ترددت داخلياً ولكنها تابعت على أية حال: هل يحدث شيء خطير بينك وبين الأمبراطور؟!، أنتِ لم تعودي من شرودك المقلق هذا منذ أن تحدثت مع اللورد أبولو بالأمس وكل ما بشأنك أصبح غامض مؤخراً
ابتسمت ابتسامة صفراء وهي تغرق في تفاصيل الأمس: تلك المحـــادثة..
…
انحنى أبولو أمامها بعد أن أوصلت أورا رغبة سيدتها إليه سريعاً وهو يردف بإحترام بالغ: مولاتي؟
ناظرته بمشاعر مبهمة فهو أيضاً شريك خطير للرجل الذي قلب حياتها رأساً على عقب ويجب أن تكون حذرة لأقصى درجة قربه ولكن لم الحذر وهي تتمنى أن تنهى حياتها في أقرب فرصة لتتخلص من وطأة الحصار الخانق والذكريات المرعبة التى أنضمت الى قائمة معرفتها، تحدثت أخيراً وهي تمد يدها بتجاهه: هل لك أن تصحبني في السير بالحديقة
وكان فعلها أمراً أكثر منه طلباً فطبع قبلة على كف يدها الممتدة قبل أن يعينها على الوقوف ويجعل يده سنداً لمعصمها.. انقضى بعض الوقت وهي تراقب الأزهار الفواحة عن شمالها قبل أن تتحدث بصوت خفيض: قلي أبولو، أكنت على علم بكل ما حدث حتى الأن؟
أجاب بنبرته الرسمية المحترفة: أجل مولاتي..
ابتسمت وتابعت بشفقة على حالها: إذاً فأنت كلبه المطيع وسوف لن تطلعني على أي مما يجرى حولي أيضاً
لم يتبدل أسلوبه ولو بالقدر القليل رغم الإهانة الباردة التى تلقاها: فالحقيقة لربما أكون مفيداً بعض الشيء لسيادتكِ فإن كنت كلباً مطيعاً إلا أنني دقيقٌ أيضاً، ولا أذكر أنني تلقيت أوامر بعدم الإفصاح عن مخططات جلالته لك بشأن هذا الصدد
توقفت عن السير قليلاً واستدارت بتجاهه لتبادره سائلة بإندفاع: إذا مالذي يجرى هنا بحق الرب؟
احنى رقبته مجدداً وتابع: رجاءاً كوني أكثر تحديداً مولاتي حتى أتمكن من مساعدتك
تمالكت أعصابها بعض الشيء وتابعت السير : قبل قليل، أظن أنِ قمت بشفاء يدي أورا المحترقة بمجرد لمسي لها، لا أذكر من أنني قلت شيء مميزاً ولكنه حدث..
- أتصور من أن قلقك المجرد عليها جعل ذلك ممكناً وبما أنها كانت حروق سطحية فلم يتطلب الأمر سوى لمسة واحدة منك مولاتي
لم تشفها إجابته بعد فأردفت : ومن أين لي بهذه القدرة في المقام الأول؟؟ أكاد أجزم من أنه لم يكن لها وجودٌ سابقاً
أعاد يديه الى الوراء ثم أجاب: هذا أيضاً تحليلي الخاص للأمر فأنا أظن أن مقدرتك هذه كانت مختومة بطريقة ما لحمايتك منها في المقام الأول، ولا علم لي بسببية عودتها لك الأن .. ما أستطيع تأكيده لك من أنها ستتنامى مع مرور الوقت بصورة عظيمة وسيكون واجباً عليك التمرن على ترويضها حتى لا تجذب الأعين الأثمه
تحليله لامس ذكرى مؤلمة في عقلها حين حلمت باللورد دايفييل وهو يطلب منها التحمل والثبات وأنه آسف لما ستشعر به، أيعقل أنه كان المسؤول عن ختمها سابقاً؟: وكيف يستطيع أحد الشعور بها طالما أنني لم أقدم على لمسه ؟
ابتسم رغماً عنه وفاجئها فعله ذاك: أخبرتك سيدتي بأنها ستتنامى مع مرور الوقت خاصة بعد أن تيقن عقلك من حقيقة وجودها، على سبيل المثال خلال سيرنا الأن على هذا البعد الضئيل أشعر وأنني أصبح منيعاً من شدة الطاقة التى أتلقاها منك
أجفلت من حديثه وشعرت بالخوف من حجم هذه الطاقة التى يتحدثون عنها: إذاً أخبرني أبولو بكل صراحة، هل حقاً سأتمكن من مساعدة فاريوس على الخلاص من ذلك القدر الموحل؟
-مما لا شك فيه مولاتي
جاءت اجابته سريعة وواثقة لدرجة أصابتها بالقشعريرة والهلع، تمالكت موجة الخوف العظيم الذي اكتسحها وسألت بقلق فقد كانت على علم بشيء من بوادر تلك الإجابة من جملة ما أفصحه عنه هيدس خلال لحظات الجنون تلك: وكيف سيكون ذلك؟
احنى رأسه بتهذيب وهو يتابع: عن طريق إعارتك هذه الطاقة لجسد جلالته
شعرت بهبوط حاد في الضغط فأسرع أبولو بإعانتها على الوقوف حتى استعادة إتزانها ثم أخذ بيدها وأجلسها على أحد المقاعد المتوسطة قلب الحديقة الغناء، حاولت جاهدة إخفاء ارتعاشة جسدها وهي تقول بكآبة: هكذا إذاً .. مالذي سيحدث إذا لم أشاء ذلك؟
- ستكون النتائج سلبية تماماً وحادثة اللورد آريز خير دليل على ذلك
حموضة حارقة أعتصرت معدتها ورغبة ملحة في التقيء بعد تلقيها إجابته الصريحة تلك إلا أنها لم تحصل على جميع الإجابات بعد فتابعت الحديث وتجاهلت ردود أفعال جسدها المرضية: إذا نجح الأمر ومنحته القدر الذي يكفى.. مالذي سيفعله لإعادته عندها؟
- عندها سيعيد كرة سرقته من ذكريات الجميع حتى التاريخ الذي يسبق تورط الأمير في قضايا القوى المحرمة..
اندفعت بإجابتها وقلبها يدوى من شدة الروع: لكن هذا جنوون.. لا أحد يستطيع العبث في عقول جميع الأنفس على سطح الأرض دفعة واحدة مهما بلغت قوته، كما أنه شُل جراء سرقته ذكريات عودة فاريوس لذلك الوقت القصير من الزمن و لثُلة ممن علم بنأ عودته فقط
أجابها بذات النبرة التى لم تتبدل ولو لدقيقة واحدة: لأكون صادقاً مع جلالتك، لست واثقاً من نجاحه في هذه الخطوة ولكنني أخشى من أنها الطريقة الوحيدة المتاحة لإعادة النقاء الى سجل مولاي فولكان دون قلق من مخاطر مستقبلية، جل ما تستطيعين فعله الأن هو الوثوق بحكمة الأمبراطور و تمنى النجاح له..
....................
يتبع
…
-مولاتي.. هل أنتِ على ما يرام؟؟
هزت رأسها المُثقل لترغم عقلها على العودة من شروده بعد سماع صوت أورا من خلفها وهما لا تزالان في الحمام : عذراً في ماذا كنا نتحدث مجدداً
ابتسمت أورا بقليل من الراحة بعد أن أخافها شرود سيدتها الطويل وعدم تفاعلها مع أيّن من ندائتها المتلاحقة: لا عليكِ مولاتي، سأغسل شعرك الأن وكذا نكون قد انتهينا
أرغمت ليديا شفاهها على التبسم وأجابت بتصنع: هذا منعش حقاً إلا أنني أشعر بالنعاس الشديد منذ الأن
أورا بلطف: سعيدة من أنه قد أعجبك ومن الضروري أن تنالي قسطاً كافياً من الراحة الليلة، ينتظرك يوم طويل بالغد ويجب أن تكون سيدتي في كامل زينتها وصحتها
اجابت بصوت خفيض وهي تغمض عينيها بإنسجام مع حركة أصابع أورا الرشيقة على فروة رأسها: لا تقلقي عزيزتي، سأحرص على أن تسير الأمور كما يجب لها أن تكون فلا مجال هنالك للخطأ..
…………………..……
كان فجر اليوم التالى جميلاً مُسالماً في امبراطورية تزينت منازلها وطرقاتها بالزهر الملون و أورقتها بالياسمين العطر احتفالاً بالمناسبة الفريدة، الكل أستيقظ فيه مسروراً ومتشوقاً لكونه عاش ليكون حاضراً وشاهداً على هذا الحدث التاريخي السعيد، فالأمهات خبزن الكعك اللذيذ في منازلهن والأطفال تباهوا بثيابهم الجديدة أمام أقرانهم بينما أخذا الرجال بتهنئة بعضهم البعض وكأن الفرح يشمل كل واحدٍ منهم والجميع يتشاركون في تحرقهم شوقاً الى الساعة الثانية عشر حيث تبدأ المراسم وتتفجر الأمبراطورية في احتفالاتها الباذخة..
وفي قصر الحكم الأعظم، تجمهرت حشود لا حصر لها من مختلف بقاع العالم عن يمين وشمال السجاد الأحمر المشرب بأنفس العطور ليكونوا شهوداً على قداسية هذا الزفاف وقلوبهم تخفق رهبة من هيبة الصالة وجمالها الذي يخطف الأبصار، أقترب الموعد وزادت الرهبة في قلوب الجميع مع ولوج الأمبراطور بحلته الفريدة و تاجه البراق ليأخذ مكانه فوق عرشه وينتظر قدوم عروسه ليتوجها على مرأى من العالم كأمبراطورة مملكته ويكمل مراسم عقد قرانهما..
الدقائق تمضى بسرعة البرق وهاهي العربة الملكية تنطلق من قصر الأمبراطور الخاص و تسير متباهية في شوارع المدينة التى ضجت بالهتافات والمباركات حتى أستقرت أخيراً أمام بوابة قصر الحكم في قلب المملكة بعد أن قُرعت أجراس الثانية عشر ظهراً ..
هنالك أقترب صبيٌ بوجه كالقمر ليحظى بشرف فتح باب عربة امبراطورته المستقبيلة في يومها الكبير وقلبه يخفق بحماس بالغ لرؤية من طال الحديث عنها و كثرت أوصافها ليزداد شوقاً وهو يراقب وصيفاتها الحسناوات تنزل احداهن خلف الأخرى بثياب أسطورية في الجمال .. وأخيراً، أقتربت حسناء الشعر الثليجي وأخر النزلات من بوابة العربة لتمد ذراعها الرشيقة و تعين العروس الفاتنة ذات الثوب الخلاب في الترجل ..
هنا اهتزت المملكة من قوة هتفات المتجمهرين حول القصر تأثراً من مظهرها المتلحف بالبياض في أنقى حُلله من رأسها وحتى أخمص قدميها .. تحررت الطيور البيضاء و تناثرت الورود مع كل خطوة تخطوها نحو تلك البوابة العملاقة المغلقة ومن خلفها سارت الوصيفات في خطين متماثلين وهن يحملن ذيل الثوب النفيس بكل حرص واهتمام..
توقفت ليديا أمام تلك البوابة الشاهقة ثم أغمضت عينيها لبرهة وهي تسحب الهواء الى رئتها من تحت ذلك الغطاء الأبيض الرقيق ويديها تشد على ثوبها بأقصى ما أوتيت من قوة .. علت المعزوفة الملكية الشهيرة لتكون كلمة سر انفراج ذلك الباب المهيب ودخلت ليديا فصلاً جديداً من حياتها دون أن تتلفت يمنة أو يسره، فهالتها الجديدة تُجِب أن تواصل النظر الى الأمام و تُحرِم التفكير في ما دون ذلك مطلقاً..
كانت تسير بثقة و جمال سحر أعين الحاضرين وقطع عنهم أنفاسهم حتى وصلت الى ذلك العرش المرتفع وصعدت درجاته واحدة تلوى الأخري، لتصل الى وجهتها الأخيرة و تتوقف عن متابعة السير ..
أقترب منها ووقف في محاذاتها ليبدأ غلام أخر بتلاوة العهود والنذور الواردة في الكتاب المفتوح أمامهما بصوت جهوري أسمع القريب والبعيد وما أن إنتهى وتراجع حتى خطى الأمبراطور هيدس خطوتين نحو الكتاب و دس بإبهامه فوق ابرة حادة قبل أن يبصم بدمه على التزامه بتلك النذور
جاء دورها فتقدمت رغم تثاقل أنفاسها و شعورها من أن الروح تغادر جسدها بأعنف طريقة لتواجه الكتاب الأكثر إرعاباً لكيانها من أي شيء أخر في هذه الحياة، إلا أن يديها ترفض التحرك والقيام بما يتطلع إليه الملايين من حولها في تطور أوقف قلبها عن الحراك..
ألقت نظرة خاطفة من عينيها التى تعكس الرعب الذي سيطر عليها بإتجاه الرجل المجاور لها لتشرق روحها و تنفجر أساريرها حين أخذ وجهه يتمثل في هيئة معشوقها ذو الأعين الذهبية والأجنحة البراقة .. عندها فقط ارتفعت يدها من تلقاء نفسها وأدت الطقوس دون تردد لتنذر بحياتها له و تقر على أن تُلعن روحها إذا ما جنحت لغيره من الخلائق بعد الأن..
رُفع الكتاب من أمامهما دونما أن يُحمل بأي من الطرق التقليدية بتحد شديد اللهجة لقوانين الجاذبية الأرضية وليراه القاصي والدان ولا ينكره غير مجنون، وبعد أن أخذ حصته من الإهتمام أخذ هيدس بخمارها وأبعده بلطف عن وجه امبراطورته وزوجته الشرعية وسط هتفات السعادة و ذهول الحاضرين من طلتها الآسرة بينما كانت العروس الفاتنة لا تزال في نشوة خيال أن شريك حياتها هو ذلك الجذاب الذي سحق عظامها وسرق النوم من مقلتيها في وقت ما مضى..
اختفت المسافة بينهما حين مال إليها ووقفت بدورها على أطراف أصابع قدمها بلا مخاوف من اختلال توازنها فيده تطوقان خصرها الممشوق بكل قوة لتتجاوب مع القبلة التى طالب بها المتحدثون بأسماء مماليك العالم على اختلاف ألسنتهم وطبائعهم وسط أجواء من البهجة العارمة ثم تجملت بإبتسامة خجولة بعد ذلك وآحنت ركبتيها قليلاً وهو يقلد رأسها تاجاً من اللؤلؤ و المرجان بكت الإناث تأثراً من روعته، ولم تنتهي سعادتها عند ذلك الحد بل و جاورته العربة المكشوفة بكل دلال و أخذت تلوح لشعبها الذي بادلها أصدق مشاعر الفرح والسرور بإمتنان عظيم طِوال طريق العودة الى قاعة الإحتفال الحقيقية بقصرهما الخاص..
.........................
يتبع
~~~
أنزلها بحرص من فوق العربة التى جرتها خيول بيضاء شامخة ثم أخذ بيدها فوق درب مفروشة بالسجاد الأحمر الى حيث عرش من الورود البيضاء الأريجية شيد خصيصاً من أجل أن تجلس في وسطه وتحي ضيوفها منه وكأنها مخلوقة ساحرة قدِمت من كوكب أخر..
كانت تسير متباطئة شاخصة العينين من روعة الجنة التى تحيط بها حيث الأبيض يطغى على كل شيء حولها و يمنحه ذلك الشعور المحبب بالطهر الفريد والسكينة المبهجة، أعتلت المنصة بعد أن شقت طريقها برفقته بين المدعوين وتطلب الأمر قدراً عالياً من التحكم والإنضباط حين تقدم المتحكمون السبع في مشهد من العظمة المبكية كأول ضيوف مهنئين لها من بين الحضور .. لم تتمكن من البقاء في مقعدها وهي التى لم تجلس فوقه لأكثر من دقيقتين وقد رأت فيهم روحها ترتد إليها مع كل خطوة يقتربون فيها ..
اللورد دايفييل وقد كان يتقدم بقيتهم في حُلة بالغة الأناقة زادته جمالاً: أرجوا أن تتقبلي تهانينا القلبية امبراطورة ليديا بالنيابة عن شعب مملكة الملائكة الطيبين
ابتسمت بحب وعينيها تفضحان الحنين وتوشكان على ذرف الدموع: أشكر لكم تلبيتكم للدعوة وإن تواجدكم لهو شرف عظيم لمملكتنا
تقدمت الشقراء أنجلا وضعفت من تماسك ليديا بعينيها الزرقاء الدامعة لتتحدث برقة أعادت لها أوجاعها من وطأة الذكريات: بلغنا أن هنالك منصباً شاغراً بين وصيفات جلالتك الستة وعليه نرجوا أن تقبل الأمبراطورة مبادرة مملكة الملائكة الأولى من نوعها بمنح ذلك المنصب أحد خيرة فتيات مملكتنا لتنال شرف خدمتك
وما إن أنهت حديثها حتى تقدمت شابة حسناء تعرفها ليديا جيداً حتى أصبحت محاذية للمنصة وانحنت أمامها: تشرفت برؤيتك مولاتي، ريفيان في خدمتك
عضت ليديا على شفاهها وصدرها يهبط وينقبض وتيقنت لحظتها من أن لو كان لقلبها صوتاً لسمعته ينوح من فرط سعادته وحزنه على الأوقات التى عاشها بعيداً عمن يحب، هنا كان جميع من في الصالة يناظر المشهد بتركيز واهتمام شديدين فهي المرة الأولى في التاريخ حيث تتقدم مملكة الملائكة بعرض مماثل من شأنه فرض مزيد من التقارب الودي بين المملكتين، فأن تكون أحد فتيات تلك المملكة ضمن جملة خاصة الأمبراطورة لهو شأن عظيم يترقب الكل ليرى كيف سينتهى..
تقدمت ليديا وهبطت درجات المنصة القليلة لتأخذ بيد صديقتها التى لا تزال في انحنائها المدروس أمامها وترغمها على الإنتصاب واقفة من جديد وهنا قرأت مشاعر مشابهة لما شعرت به بداخلها في عيني ريفيان الفاضحة للشوق واللهفة .. تحدثت بلطف وحب بالغين: سأكون أكثر من سعيدة بأن تخدمني شابة بحسنك عزيزتي لكنك ستكونين بعيدة جداً عن عائلتك وعن الوطن فهل ستكونين بخير رغم ذلك ؟!
أومأت لها وهي تحنى رأسها لتخفى تسلل دموعها التى جاهدت في حبسها: تمام الثقة مولاتي، كنت أصلى لكي تقبلي بي من أعماق قلبي
ابتسمت لها بحنان كبير: إذاً.. أهلاً بك فرداً من عائلتي وصديقاتي
عادت بعد ذلك أدراجها قرب الأمبراطور الذي لم يبعد عينيه عن تأملها ولو لحظة واحدة وقد نجحت في تفادى رؤية أكثر المتحكمين تأثيراً بها وقرباً من قلبها حتى لا تهدم كل شيء لحظة تهرع إليه وتتشبث برقبته أمام كل تلك الحشود، ومن ثم أشغلت عقلها عنه في الترحيب بضيوفها الكرام إلى أن أنتهى ذلك الفصل المجهد من فقرات الإحتفال وما باتت تطيق صبراً حتى تجتمع به و ترتمى في أحضانه إلا مالا نهاية وهي تعلم أنه على هذا البعد الضئيل منها …
والأن توسطت قلب الصالة لفتتاح حلبة الرقص ذات الأرضية الخشبية الفاخرة، كانت الوصيفات قد أزحن الذيل الثقيل المتصل بالثوب بتصميم مبتكر قبل هذا الحدث لتكون حركتها أكثر سلاسة ويسراً، أغمضت عينيها حين أراح قبضته على خصرها وحين تشابكت يديهما ثم عاودت فتحها بنظرة مختلفة تماماً و عمق شعر به في أقاصى قلبه، بدأت المعزوفة المطربة وتراقصا بتناغم أرسل النبيلات الى عالم وردي لا يمت الى الواقع بصلة بينما تقربت منه أكثر مع تغير إيقاع وسرعة العزف الخلاب.. دنى من أذنها وهمس خلال قيادته للرقصة: على الإعتراف من أنني مبهور من تمثيلك المتقن، كدت أخدع لأصدق من أنك سعيدة حقاً بهذا الزفاف
تفاجئ من سرعة تبدل قسماتها الجميلة الى أخرى باردة وخالية من أية عواطف وبصوت يحمل البغض وحده: صدقني عندما أقول لك هو أن السبب الوحيد الذي يجعلنى أحتفظ بتماسكِ أمام هذا الكم الهائل من المدعوين هو تصورك كفاريوس فلم لا نؤجل أحاديثنا لوقت لاحق حتى لا تفسد تماسكِ بسماع صوتك هيدس
الصرخات التى أعقبت أخر كلمة تفوهت بها جعلت قلبها يوشك على التوقف شدة التفاجئ، أما حقيقة أنها كانت بين يدي أبولو فوق المنصة وبعيداً عن حلبة الرقص خلال ظرف من الثانية هو شيء لم يتمكن عقلها من تحليل أبعاده حتى الأن..
أكتملت الصورة في عقلها بعد مرور بضع دقائق من الفوضى الكاملة التى تلت تلك الصرخات الذعرة حين خرج هيدس من بين الثريا المتهشمة فوق حلبة الرقص سليماً لم يصبه خدشٌ واحد، هنا تلفتت ليديا حولها وأخذت تناظر الأعين التى كانت تحدق بها وهي تكاد تغيب عن الوعي من شدة روعها في حين لم تعد قادرة على سماع أي شيء، أكانت هذه محاولة للتخلص منها؟!. ولماذا يقدم أحدهم على فعل شنيع كهذا؟!، لم تُضع وقتاً في التردد حين تشبثت بهيدس الذي حملها بين يديه بحرص وهمس لمساعده بجدية مخيفة: أهتم بهذا الفوضى سريعاً أبولو ولا تسمح لأحد بمغادرة المكان
ثم خرج بها بعيداً عن أجواء القاعة المجنونة وقد أخفت وجهها على كتفه حتى لا ترى مزيد من ذلك الكريستال المتهشم و تعانى من كوابيس اختلاط دمائها به في يوم زفافها الذي دخل التاريخ من أوسع أبوابه..
.......................
يتبع
~~~
لا حقاً في مخدعها الخاص ..
أفرغت ما احتوته معدتها الصغيرة في أحد مغاسل الحمام دفعة واحدة وأخذت تغسل وجهها بعد ذلك بالماء البارد لتتحكم قليلاً في بكائها الهستيري وتريح عضلات وجهها المكفهر لأقصى درجة ممكنة حين أطلعها هيدس من أن حادثة سقوط الثريا قبل قليل لم تكن سوى جزء من خطته المحكمة لتظهر من أنها كانت مستهدفة ويعطيه ذلك سبباً وجيهاً في إبقائها بعيدة عن أعين العامة حتى إشعار أخر، رفعت رأسها عن مستوى الحوض لتنظر الى الحال الذي وصل إليه وجهها وسرعان ما هرعت خارج الحمام حين سمعت صوتاً ثالث في المخدع يتحدث بنبرة مريبة ..
أبولو بصوت يتنافض من شدة الخوف كحال جسده المنحنى على ركبته أمام الإمبراطور: مولاي.. أخشى من أنني فقدت مقدرتي على الإحساس بالأمير منذ بعض الوقت ولا أعلم أبسبب أن حياته في خطر أو أنه قد تحرر من ذلك البعد
أطبقت ليديا على فاهها لتحجب شهقتها من النفاذ والتحرر وهي تراقب تساقط ريشه الذهبي الناعم فوق شرفتها الضخمة ليهبط عليها بعد ذلك بقليل، كان محاطاً بهالة سوداء عظيمة ووجهه مطأطأ الى الأرض من شدة الغضب الذي يتفجر من قبضتيه المشتعلتين في حين أظلم المخدع لحظة لامست قدماه الأرض.. تحدث بصوت ملتهب وهو لا يكاد يبصر طريقه: ما شهِدته قبل قليل .. حفلة الزفاف بالطابق الأرضي و تجمع قادة العالم هناك.. لم يكن أي من ذلك حقيقة أليس كذلك؟؟
تراجعت ليديا الى الخلف حتى تستند بظهرها على دعامة السرير وهي تطبق عينيها بأقصى ما تملك من قوة حتى تهرب من واقعها المدمر بأي طريقة كانت فهي لن تقوى على تأمل هيئته المماثلة لما كان عليه بتلك الليلة الحميمة بينهما قبل عدة شهور مضت أكثر مما فعلت وتفضل الموت على اجابة تساؤله بينما أشاح هيدس برأسه صوب أبولو الذي لم يزل قابعاً في مكانه بذهول من هالة فولكان المرعبة وتمتم له بحزم: اذهب الأن وغطى غيابي جيداً و أحرص على أن لا يشعر أحد بهالته مهما حدث
رفع فاريوس رأسه أخيراً ليسدد الطعنة الأكثر إيلاماً بمشهدٍ من دموعه الغزيرة وهي تقطر من ذقنه، وبصوت بالغ الحرقة وانفعال صارخ أنصب عليها خصيصاً ليزعزع توازن عقلها من شدته: لــمــــاذا أخي من بين الجميع أجيبيني ؟؟
…………………………………..
نهاية الجزء الثالث والعشرون
قراءة ممتعة للجميع
عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)
المفضلات