كانت تحدق برعب إلى العربة الكبيرة القوية أمامها وإلى الأحصنة والكتيبة من الحراس المسلحين جداً .. وكأنها تنظر إلى جنازتها .. فتحت فمها مرتين ولم تقدر على الكلام .. كانت تشعر بأرهاق غير طبيعي و تود لو تنام قليلا فقط .. لقد مرت بأمس ثقيل ... يوم ولكنه ثقيل كشهر مليئ بالمفاجئات الغير سارة أبداً...!
كان أمامها قائد ما يتحدث إليها بكل تهذيب ولباقة يشرح طريقة السير إلى قصر ما... سيستغرقون يوماً كاملاً .. لكن هذا فقط لأجل الحماية لها...
سمعته فقط عندما نطق كلمة ... "سيدريك" .
كان يشكره بأدب , فلتفتت إليهم بينما يحمل الخادم حقيبتها إلى العربة .. رأت من كان حارسها يقف بصمت على خطوات كثيرة منها , كان صامتاً شامخاً .. و بدرعه المعدني بلا خوذة على رأسه و وجهه .. ملامحه مشرقة مضيئة تحت اشعة الشمس الخفيفة في هذا الفجر ..
فكرت بحزن أنها تود لو يبقى ... أنها تود لو يبقى لأجلها وقت طويل , إلى الأبدية ربما...
كان يومئ بصمت واحترام للقائد و قد عاد لما كان عليه قبلاً من صمت مطبق , سمعت كلام القائد يطلب منه بلطف و رقة أن يرافق الحارسين حتى نهاية البلاد لأجل أوامر الملك .. فأومأ سيدريك بكل بساطة ..
تأوهت و زفرت بضيق و وصوت واضح و ألم مخفي .. لعل أحدهم يخفف عنها .. لكن لم ينتبه لها أحد ... فشدت قبضتيها بغضب و يأس على ثوبها .. ودت لو تركل شيئا !. لكن حتى الحجارة لم تكن قربها !!
قالت بضيق للقائد الذي تقدم إليها ليساعدها على الصعود في العربة : لكن مهلا , أريد شكر سيدريك !.
رفع كلا حاجبيه و وافق بكل سرور , فتحركت هي بتململ من جانبه حتى أضحت على بعد متر من حارسها السابق . كان ينظر أمامه بغموض وهدوء .. وكأنه لا يشعر بقربها أو خطواتها أو أنفاسها الحادة المضطربة ..
_ سيدريك ؟!
همست بضعف وأدركت بأن صوتها متوسل باكٍ , فتمالكت نفسها و تنحنحت قائلة مجدداً بلهجة أكثر تهذيباً :
_ أشكرك لكل ما فعلته لي وأنا... أنا آسفة لكل ضيق سببته لك أو للسيدة تالين, أرجو أن تسامحونني...
كانت السيدة تالين لا تتحمل الوداع , ساعدت مارسيلين على ارتداء ملابسها و دموعها تملء وجهها , عانقتها بكل حب و عاطفة ثم تركتها تخرج , بينما هي ظلت تراقبها من داخل الكوخ ...
ظل سيدريك صامتاً لثوان , ثم راقبت بدقة كيف زفر هواءه وهو ينطق بهدوء و لطف : لا بأس , مولاتي .
كان هذا كل شيء ...
تهدلت كتفاها بيأس وعبست رغما عنها , ثم حركت قدميها لتبتعد عنه بسرعة قبل أن تجثي على ركبتيها أمامه لتتوسل باكية أن يبقى حارسا لها ... فهي بدأت تفقد الأمان بسرعة منذ أن نطق والدها بالنفي له خارجاً...!!
_ وأنا أشكرك أيضاً... يا مولاتي الأميرة.
توقفت بسرعة و حدقت به و بعينيه ذات النظره الجميلة المخفضة , كان مهذباً لكنه لم يبتسم! رموشه السوداء و شعره تفضي ظلالاً على وجنتيه لتجعل ملامحه أكثر أسطورية .. آه يا ألهي , لقد فقدت النموذج الأمثل لأروع حارس...
كادت تبكي , فأسرعت إلى عربتها ليساعدها القائد على الصعود بسرعة , كادت تنزلق و تسقط لكنها تماسكت بصعوبة ..
عندما بدأ المسير , أغمضت عينيها بقوة و قررت بأن تنام لأنها مجهدة حقاً ولم تذق طعما للنوم منذ ... حديثها مع سيدريك ..!
أدركت الدموع الحارقة التي تسيل على خديها المحمرين , فغطت وجهها و بقيت تبكي بصمت حتى داهمها النعاس ~
ارتجت العربة فجأة و حاولت مارسيلين بتعب أن تفتح عينيها , أحدهم ناداها برقة .. و هزة لطيفة على كتفها , ففتحت عينيها و رأت وجه والدها قربها .. كانت لا تزال بالعربة الضخمة ..
_ آوه يا صغيرتي , تشعرين بالتعب صحيح , آسف لهذا .. هيا لأنزلك من هذه العربة المزعجة !.
نزل و مد كلا يديه لها فتقدمت ببطء للخارج , حيث لمحت الكثير من الحراس يحيطونهم وسط حديقة فاخرة أمام باب القصر و الشمس تغرب ببطء مرسلة أشعة حمراء اللون و شفق بنفسجي ...
بنفسجي هادئ .. كلون عيني ... سيدريك.
تأوهت رغما عنها عندما حطت قدماها على الأرض و يدي والدها على ذراعيها تثبتانها .. ضمها إليه برقة و سار و يده حول كتفها يشق طريقه بين الحراسة المكثفة ... حتى الباب ..
حيث استقبلتها ثورة فرح عارمة و هتافات ثم أضواء قوية جداً بهرت عينيها .. ضاق جبينها و شعرت بالخوف فجأة ..
رأت الملكة زوجة أبيها تقترب منها بسعادة لتضمها بحنان وسعادة وهي تهمس لها بفرح بأنهم اشتاقوا إليها...
كان هذا الحفل مقاماً لأجلها , دخلت غرفة فاخرة مجهزة لها , فحدقت مبهورة قليلا لقد افتقدت جو الفخامة و الملوكية بعض الوقت .. لكنها ليست مشتاقة جداً لهذا ... جاءت الوصيفات ليساعدنها على استبدال ثيابها و تسريح شعرها و وضع المجوهرات ...
جلست في مقعدها بالجانب الآخر لوالدها السعيد جداً بها , وبدؤا الاحتفال بمرح ..
مال الملك نحوها وسأل بخبث : ما رأيك بهذه المفاجئة ؟!.
رسمت مارسيلين ابتسامتها بصعوبة وهي تقول : كانت... آه مفاجئة !
فقهقه الملك ضاحكاً .. أمسك بيدها بحنان و مسح عليها و نظرته نحوها عطوفة جداً...
_ آسف يا حبيبتي , تبدين مرهقة ..سأصطحبك بنفسي بعد قليل لغرفتك التي هي بجانب غرفتنا وسنبقى بهذا القصر بضعة أيام لترتاحي ثم ننتقل إلى القصر الرئيسي حيث ولدتِ يا زهرتي .. سيكون كل شيء بخير.
ابتسمت بوهن وهي توافقه , خطر ببالها سيدريك , أنه لا شك خارج البلاد الآن برفقه حارسين وكأنه مجرم .. سيتركانه حتما عندما يصبح خارج الحدود .. على بعد الأميال منها... ولن ترى تلك العينان البنفسجيتان مجدداً...!
تأوهت بضيق وشعرت بغصة في حلقها .. أنها لا تزال تشعر بالذنب ..! مالذي يمكنها فعله ؟!.
نهاية الحفلة كانت توشك على السقوط أرضاً من التعب و البؤس , فرافقها والدها لغرفتها كما وعد. قبلها على جبينها ليتمنى لها ليلة سعيدة ... ولاحظت هي وجود حراس بكل الممرات .. فصمتت .. أنها لن تقدر على العيش طوال العمر و حولها عشرات الحراس منتبهين لكل حركة لها !.
كان سيدريك كافياً لكل شيء... و ها قد ادركت قيمته عندما فقدته حقاً...
القت بنفسها على السرير تكاد تبكي بعدما خرجت الوصيفة الأخيرة و أغلق الباب عليها ..
صباح اليوم التالي , زال الانهاك قليلا لكنها لا تزال تشعر بثقل فوق قلبها , لبست ثوباً جميلاً فاخراً جداً و استعدت , فجأة طرق الباب لتدخل رئيسة الوصيفات لتحييها بتهذيب و كان من خلفها فتاة ما...
قدمتها الرئيسة قائلة برسمية و أدب : يا مولاتي الأميرة حدث تبديل ما , وصيفتك الرئيسية أصيبت بالمرض لكن لا تقلقي , سيريا الآن هي وصيفتك الخاصة جداً و ستساعدك بكل شيء...
تقدمت فتاة شقراء بشكل غريب شعرها مضموم بشكل كعكة خلف رأسها , بدت ملامحها حادة وابتسامه غريبة على شفتيها .. انحنت الفتاة باحترام شديد و قالت بصوت رنان : طاب صباحك مولاتي , أنا سيريا بين يديك ..
خفق قلب مارسيلين بشكل عالٍ فجأة , ولم تشعر قط بالارتياح لهذه الفتاة ذات العيون الواسعة الحادة .. ضاق جبينها وأومأت ببرود .. فابتسمت الرئيسة و أمرت سيريا بهدوء :
_ ساعدي الأميرة بكل ما تريده و رافقيها لكل مكان. و الآن طاب يومك يا مولاتي.
انحنت الرئيسة و غادرت بهدوء , بينما بقيت مارسيلين تقابل الفتاة التي ربما تكبرها بسنة أو اثنتين .. تجاهلتها مارسيلين وأخذت تعبث بمشبك شعرها تحاول أزالته , فاقتربت الوصيفة الشقراء وهي تقول بأدب :
_ دعي هذا لي يا سيدتي.
ثم عدلت وضعه فوق شعرها . وابتسمت فشعرت الأميرة بالضيق أكثر , ابتسامتها ملتوية تنم عن خداع أو خبث .. آفف مالذي جعل وصيفتها القديمة تمرض !..
كانت هناك حفلة لطيفة في الصباح , ابتسمت لوالدها وهي تقبله بين عينيه و تجلس بجانبه بدت الحفلة رائعة و هادئة في هذا الصباح , الكثير من النبلاء و الأميرات حضروا ملبين دعوة والدها هي تفكر بهذا ولا شك ليس لأجلها تماماً... جلبوا لها بعض الهدايا مهنئين بعد عودتها من السفر , لا يدرون طبعاً أين كانت بالضبط !..
لم تكن تشعر بالسعادة حقاً و تلك الوصيفة خلف رأسها تراقبها مع اثنين من الحراس...!
وقفت لتمشي و تتحدث مع بعض الأميرات لعلها تشعر بالراحة لكن حسدت الأخريات اللاتي يتمتعن بحريتهن بينما هي محاطة بعيون عدة تراقبها بدقة ..
احست بالغضب يستعر ببطء بداخلها و ودت لو تلقي بهذا الكأس الكريستالي الفاخر على أقرب جدار بقوة ..!!
لكنها بقيت تحدق به ولم تفعل شيئا ..
_ أراهن بأن هذا الكأس مثير للاهتمام لكن ليس لهذه الدرجة !.
ضاق جبينها و رفعت رأسها لتجد نبيلاً ما شاباً يتكأ قربها على الطاولة وبين يديه كأس شراب . كان وسيما بملامح جميلة شعره ذهبي داكن وعينان بزرقة السماء... وابتسامه رائعة .
اعتدل بوقوفه واقترب منها خطوة مهذبة ثم انحنى وهو يمسك بيدها ليقبلها قال :
_ النبيل برونس في خدمتك مولاتي !.
فتحت فمها دهشة متفاجئة , حسنا لقد قابلت أمراء كثيرين , لكن لا أحد يبدو بأنه يود أن يحدثها بكل هذا الاهتمام , ففضيحتها طبعاً سمعتها كل أذن , والعاقل لن يقترب من هذه الفتاة المتهورة ..!
لكن يبدو بأن "برونس" هذا مستمتع بنظرته إليها , قالت بهدوء : تشرفت...
_ الشرف لي بلقائك شخصيا هكذا , اسمحي لي بقول أنك تبدين أجمل بكثير من ليلة الأمس, كنت متعبة صحيح .
ضاق جبينها وهي تلمح وصيفتها تقترب ببرود , قالت وهي تحاول التملص من الرقابة : أشكرك حقاً. ولكني لست متعبة الآن .
وابتسمت بلطف , فبادلها الابتسام و اقترح بأن يرقصا قليلا , وافقت مباشرة حتى تبعد تلك الفتاة عنها بعض الوقت... و بدا النبيل مسرورا لاهتمامها به ..
رقصت معه متظاهرة بالسعادة , ثم شربا العصير و تحدثا كثيراً... نظرت حولها قليلا ولم تجد وصيفتها لكن رأت الحراس يقفون بعيداً قليلا يراقبونها باهتمام ..
ضاق جبينها وهي تحاول التفكير , لكن برونس كان يثرثر عن شيء ما عن بطولة له في أحد المبارزات .. نظرت نحوه وابتسمت .. أنه لا يشبه سيدريك بشيء... فـ حارسها السابق أطول و أضخم بسبب عضلاته بالرغم من هذا فهو يمشي بلا صوت تقريباً , كما أن شعره أسود كالليل , و عيناه .. آوه عيناه لا يملك أحد أبداً نفس عينيه العميقتين...
وشعرت بضيق يقبض على قلبها... هل يوما ما... سترى سيدريك...؟!
هل ستراه ؟؟... و متى يكون هذا ... أو ربما لن تراه أطلاقا ..
_ أميرة مارسيلين ؟!. هل أنت بخير ؟!.
كان ينظر نحوها , فتمالكت نفسها بسرعة و كان الدموع متجمعة بعينيها الخضراوين , قالت بابتسامه : آسفة كنت أحلم قليلا.
أتى المساء و لم ترى وصيفتها , فشعرت بالغبطة . ربما خرجت و ضاعت .. هي لم ترتح أبداً للتغيير ... لا تريد تغيير الحراس و لا مكانها و لا خدمتها... شعرت فجأة بأنها تفتقد الكوخ و الطبيعة المحيطة به .. والهدوء... وتالين .. السيدة الطيبة جداً...
جلست بجانب الملكة التي تبسمت لها برقة , و تحدثتا كثيراً معاً .. كانت الملكة "لورايس" رقيقة جداً معها و حنونة كأم لها تسدي النصائح و تغدق عليها الهدايا الثمينة , منذ توفي زوجها الملك كان ليلياك صغيرا بعض الشيء على الحكم فتزوجت هي من بعد سنة من وفاة زوجها والد مارسيلين "هاريون دونسار" كي يهتم بالبلاد إلى أن يكبر ابنها , وعندما أصبح الآن ما هو عليه سلمه حكم نصف البلاد لأنه لا يزال بنصف الطريق نحو الحكمة والنصف الآخر تديره أمه الملكة مع زوجها , "هاريون" كان سعيداً بالمساعدة التي يقدمها للمملكة المجاورة له , وقد وقع بحب ملكته بعد الزواج الكبير ...
لكن في البداية كان "ليلياك" لا يزال أميراً مراهقاً غاضباً لم يرضى .. بعدما رأى سعادة أمه لزم الصمت , و أصبح يخرج كل غيضه على ابنة الملك الجديد المؤقت لبلادهم "مارسيلين" التي لا تزال طفلة في السادسة .. تسبب ببكائها عدة مرات .. لكنه أدرك خطأه بعدما وبخته أمه الملكة أياماً وأن هذه الطفلة أخته يجب أن يحبها , ولقد فقدت هي أيضا أمها كما فقد هو أباه ..
و بعدها أصبح يحبها حباً جماً و يسمح لها بمرافقته أينما ذهب في مغامرات .. كانت صبيانية في البداية بسبب تأثرها الشديد بأخيها غير الشقيق لكنها كبرت أكثر و أخبرتها الملكة بكل رقة و فخر بأنها الآن أميرة بمعنى حقيقي راقي ..
في يوم ميلادها السابع عشر احتفل أخيها "ليلياك" بزواجه من "كاميليا" حفلا ضخماً تمنت لو تكون لها حفلة في المستقبل مثلها أو أروع و أخذها حماسها بأن تقع بحب أول أمير يطلب مراقصتها في هذه الحفلة ... "ترافيس" !.
تنهدت ببرود , لكن ترافيس الآن لا يعني لها شيئا , أبداً... أصبح تفكيرها يميل بحده بعيداً جداً.... ويتوقف فقط حيث تظهر لها العينان البنفسجيتان الداكنتان .. و النبرة العميقة , الصرير الفولاذي لفارس من المجهول...
غاص قلبها وهي تطرف بعينيها بحزن .. وقع بصرها على والدها المبتسم وهو مائل قليلا باتجاه الوزير فالكوس الوفي يتحدثان بصوت خفيض ...
عندما انتهى الحفل أخيراً , مشت مارسيلين مسرعة خلف والدها و الوزير و حشدهما .. اخذت ممرا مختصرا ثم هرعت تهرول تقريباً حتى ظهرت بالممر الآخر أمامهما ..
قالت لاهثة : أبي !... أريد التحدث معك !
حدق بها الملك و جموعه بدهشة قليلا .. قال مندهشا قليلا : آه صغيرتي بالطبع لكن... هنا ؟!.
قالت بإصرار : أجل .. ولكن وحدك.
تلفت الملك حوله قليلا ثم غادروا الحراس والمساعدين , تحرك الوزير "فالكوس" لكنها قالت بخجل : آه لا أرجوك أبقى سيدي ..
فتوقف عن الحركة و أومأ باحترام .. فـ "فالكوس" حافظ السر , يعرف أين كانت ومن حارسها...!
نظرت نحو والدها و قالت بتلهف و باختصار ما في قلبها : أبي , أعد سيدريك للبلاد !
ثم انتبهت للهجتها المتأمرة قليلا فقالت بخجل :أرجوك ..
حدقا بها كلا الرجلين الحكيمين ثم بدا للحظة أن والدها لم يتذكر من يكون سيدريك , قال الوزير بهمس لطيف : تعني الحارس السابق... اللورد سيدريك لاندر.
ابتعلت لعابها بتوتر و أومأت برأسها , ضاق جبين الملك وهو يتأمل ابنته التي أحمرت خجلاً... قال بهدوء و عطف :
_ آه يا عزيزتي , أنه سيعود إلى موطنه... و سيظل هناك. هذا كل شيء.
خفق قلبها و رددت بتعب و يأس : موطنه ؟!.
قال الوزير بلطف يفهمها : أن اللورد سيدريك لاندر من خارج البلاد أتى ليخدم منذ سنوات في الجيوش وقد حاز على اعجابنا فور رؤيته كان شخصاً مميزاً جداً...
قاطعه الملك ببرود وهو يشيح بنظره بعيداً : لكنه لم يعد يخدم لدينا الآن , أننا لسنا بحاجة إليه !.
لسنا بحاجة إليه ! لقد شعرت مارسيلين منذ مغادرته بأن شيئا ما انتزع من أحشائها و جُر بعيداً... شحب وجهها و ألتمعت عيونها الخضراء لتقول بصوت متألم :
_لكن أبي... أنت تعلم بأنها لم تكن غلطته أن... أنني أنا...
قاطعها الملك بضيق وصوت حاد قليلا : يا عزيزتي , لا تزالين صغيرة وبعض أخطائك تتجاوز عنك أما هو فقد كانت له مهمة معينة ولم يقدمها كما طلبت منه .. كما أنني ظننت بأننا انتهينا من هذا النقاش !.
قالت بضعف : ولكن...
وضع الملك يده على كتفها الرقيقة و التفت حوله ليقول بنفاذ صبر : هذا يكفي , يجب أن تنامي .. فبعد يومين سنرحل من هذا القصر...
بؤسها انقطع عندما رأته يشير للوصيفة الشقراء في آخر الممر لتتقدم منهم .. شعرت مارسيلين بأنها هنا منذ وقت , هل كانت تتنصت ؟!.
انحنت الفتاة وهي صامتة و عيناها الحادتين ثابتتان على الأميرة لا تطرفان ..
قال الملك ببرود : تحتاج الأميرة للنوم والراحة.
انحنت الوصيفة مجددا , واضطرت مارسيلين تحت انظارهم أن ترافقها , بينما أكمل الملك والوزير سيرهما في الاتجاه الآخر...
في جناحها الفاخر , كانت أفكارها سوداء كلياً و شعرت بالغضب العارم و اليأس... فكرت بحزن أن والدها صلب عنيد يستحيل تغيير رأيه بسهولة .. وهنا وفي هذه الرفاهية و القصر و الخدمة ... شعرت بأن هذا هو عقابها الحقيقي ..!!
هزت رأسها و نظرت بحده نحو الوصيفة التي استدعت خادمات لتجهيز لها ملابسها و حمامها لأجل النوم.
قالت ببرود وهي تجلس على كرسي فاخر قرب السرير : أين كنتِ طوال الحفلة ؟!
التفتت الوصيفة و رسمت ابتسامتها الغريبة قالت بثقة : أحببت أن أتركك لمرحك سيدتي , فخرجت للتمشية بعض الوقت.
ضاقت عينا مارسيلين .. أتركك لمرحك ! , يالها من وقحة .. ما تظنها ؟!.
نهضت بقوة وقالت ببرود وهي تتبع الخادمات للحمام المرفق : سأنام الآن ..
_ سأجلب لك بعض ماء الشرب سيدتي.
وابتسمت الوصيفة مجدداً بشكل ملتوي وكأنه ساخر .. ثم غادرت .. وضعت مارسيلين رأسها على الوسادة وهي تشعر بالضيق لكل ما يحدث ...
تذكرت أخيها "ليلياك" مجدداً .. ففكرت بأن أول شيء تفعله غداً , ستكتب له رسالة بأي شيء , لعله يسدي لها نصيحة ما أو يواسيها أو ربما يأتي بنفسه ..
المفضلات