- 8 -
سماءٌ ليليّةٌ ... مضيئة !
- هل نامتا ؟
وضعتْ سمانثا كوبي الليمون بالنعناع أمام مقدام , ثمَّ هزّت رأسها بالإيجاب , لاحظ انزعاجاً شفيفاً و متوارياً خلف قسمات وجهها المحافظة على سحرها البريطاني العريق دون أن يكون لعمرها أدنى تأثير فقال و هو يناولها كوبها :
- ما الأمر عزيزتي ؟
- آه أشكركِ مقّدام , رشفتْ رشفة من العصير البارد ثم تابعتْ و هي ترمق انعكاس وجهها المتموج على سطحه الصّافي , إليغانت لا تردّ على مكالماتي منذ الغروب .
اعتدل في جلسته و قال ملتقطاً قسم الاقتصاد في الجريدة و الذي كان قد قرأه قبلاً ... أكثر من مرّة :
- هي و هذه العادة المقيتة التي لا تدعها , سيكون لي معها حديثٌ مطوّلٌ بهذا الشأن .
- لكن ...
تطلعت عيناه للنبرة غير المرتاحة أو المريحة في صوتها فأكملتْ :
- لا أدري لِم أشعر بالانقباض .
- سمانثا هل حصل شيء ؟
- oohh يا مقدام ... لم يحصل شيء
- و لم هذا الانقباض إذاً ؟
- لا أدري
- إذاً لا شيء .
سكتتْ قليلاً و همّت بأخذ رشفة من كوبها حين وضعته بقوة أفزعتْ مقدام و استقامت على ساقيها بسرعة
- ماذا هناك ؟
- سأذهب .
- ها تذهبين !!! إلى أين تذهبين في هذه الساعة المتأخرة ؟
- لشقة إليغانت , قلبي ليس مرتاحاً .
أحسّ بالخوف الحقيقي في عينيها فاستقام هو الآخر
- أين تريد ؟
- و هل في الأمر سؤال ؟ سأذهب معكِ بالطبع .
- لا , ابقَ أنتَ عند رحيق و رفال , لا يجب أن نتركهما وحدهما , سآخذ أنا السيّارة و لن أتأخر .
تململ قليلاً فأخذت كفه اليمنى بمَجْمَع كفيها و قبلتها راجية .
- أرجوكَ عزيزي , سأهاتفك حين أصلّ .
زفر بضيق ثم حرّك رأسه موافقاً
- أشكرك َ
- خذي حذركِ سمانثا .
- لا تقلق على امرأة بألف رجل .
ضمّت كفيه مشجعة ثم أسرعت بالخروج بعد أن التقطت مفاتيح السيّارة من الطاولة .
خمسة عشر دقيقة استلزمتها الطريق لشقة إليغانت , ترجلت سمانثا من السيّارة بعد أن ركنتها في الكراج الواسع المرصوف . و بأنفاسٍ متلاحقة أسرعت تجب السير لباب الشقة الفارهة , ضغطت زر الاستقبال أكثر من مرّة , و عندما لم يجبها أحد أخذت تطرق الباب بقوة .
- إليغانت ... إليغانت ... إلي حبيبتي هذه أنا ماما , إلي ... إلي ...
حرّكتْ مقبض الباب ليزيد من الضجة لكنها فوجأت به ينفتح بسلاسة , أنفتحتْ عيناها بذهول حينما أدركتْ أن الباب مفتوح .
- إلهي الرحيم ارأف بطلفتي , أرجوكِ لا ... لا تجعل شيئاً سيئاً يحصل لها .
أخذت تبحث في كلّ غرف الشقة الواسعة و هي تلهج باسم إليغانت , و بالدعاء الصامت القلبيّ بأن لا يكون شيء من الأشياء التي تراود ذهنها قد حصل .
سكتت حين أحسّت بصوتٍ مكتوم ينبعث من إحدى الغرف , و بقدمٍ باتت تطير لا تمشي , تحرّكت نحو الغرفة ليتّضح الصوت في أذنيها أكثر , أشعلت ضوء الغرفة لتجد ما كانت تحاذر ...
إليغانت منهارة على الأرض و تأن بعد أن أهلكها البكاء , انكبت عليها سمانثا هلعةً فقالت بأضعف النبرات :
- أمي ... أمي
- هذه أنا يا حبيبة ماما , هذه أنا ...
- أمي ...
رفعت سمانثا رأسها عن الأرض و جعلته يتوسد حِجْرَها . و كأنها تحرّك قطعة بالية , ارتمتْ إليغانت في حضن والدتها دون إي استجابة ذاتية منها . حينما قرأت عينا سمانثا وجهها الذَبِل عرفتْ كم من الدموع ذرفتْ , فتلك الخطوط المحفورة على وجهها النضر لم تأتي من بكاءٍ عاديّ .
كانت سمانثا تريد أن تبكي , بل أن تنتحب بكاءً و عويلاً , لكن إليغانت الآن أبعد ما تكون عن الحاجة لمثل هذه الضغوط الإضافيّة , فآثرت عنهما سمانثا الجّلّد و الصبر رغم قسوتهما عليها و على تحمّلها .
و بصمتٍ غريب أخذت ترتب شعر إليغانت المبعثر , أخذت ترتب الخصلات الكستنائيّة التي تعبق عبيراً و لمعاناً , ثم انحدرت أصابعها برفق لتمسح ما تيسّر من فوضى الدموع على وجهها المصقول كمرآة ملكيّة , و الشاحب كوجه ميّت خرج للتو من قبره .
- أمي ...
- نعم حبيبتي ...
رفعت إليغانت يدها المرتجفة ببطءٍ لتشير لشيء بالقرب منها , و دون تفكير توجهت أنظار سمانثا باحثة عمّا عنته إليغانت .
- الها ... تف ...
جاءها الصوت المعتلّ فالتقطت سمانثا الهاتف المظلم الشاشة , و الذي كان متوارياً في طيّات ثوب إليغانت , قرّبته من إليغانت لتقول بهمس رقيق :
- أتودّين الحديث مع أحد ؟
- أنتِ ...
- إيه ...
- لقد كنتُ ... كنتُ أريد أن ... أهاتفكِ .
حثّت مدامع سمانثا السير مجدداً , لكنها أظهرت المرح و هي تتساءل مطبقةً على شفتها السفلى لتوقف ارتعاشها :
- أردتِ مهاتفتي ؟
هزَّت إليغانت رأسها ثم تابعت بذات العيون الزائعة الهائمة بعد حديثٍ طويلٍ من الصمت :
- كنتُ ... أريد ... سؤالكِ ...
- سؤالي ؟ عمّا حبيبتي ؟
تاهت عينا إليغانت هذه المرّة تماماً , و لم تدرك سمانثا في أي شيء كانتا تحدقان بالتحديد .
- أمّي ...
انفلتت شهقة من سمانثا فقبضتْ على فمها حتى لا يفتضح سرّ فزعها من ذوبان إليغانت الكامل أمامها مسحت عينيها بالكف الأخرى , و انحشرت الأصوات و الأنفاس في قعر حنجرتها .
- أمي ... أردتُ محادثتكِ لكنّ ... لكنّ الهاتف كان مغلقاً و أنا ... أنا لم أعرف ماذا أفعل ...
" لم تعرف ماذا تفعل ؟ إلهي الرحيم طفلتي ... إليغانت حبيبتي ماذا يحدث لها ؟ كيف أصبحت الأمور بهذا الشكل المريع ؟ "
- أميّ ...
- أجل ... عزيزتي .
أشارت بعيداً بذات اليد المرتعشة نحو أكوام الملابس الأنيقة الملقاة على جزءٍ كبير من مساحة الغرفة الوّاسعة :
- أمّي ... ماذا ارتدي غداً ؟
انفجرتْ سمانثا باكية عند هذا الحدّ و سقط قناع تمثيلها القوةَ و ادعائها التحمّلَ , احتضنتْ إليغانت بملء ذراعيها , وظلتْ تردد دون توقف " آسفة ... آسفة " .
قالت إليغانت و قد أشرقت سحابة من الدموع المكفهرَّة :
- أمي ... انقذيني ... انقذيني .
- إليغانت كوني قويّة حبيبتي ... كوني قويّة .
- أرجوكِ أمي ... أنقذيني ... أنقذيني ... " منّي " .
* * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *******
" داخل قلبي أمٌّ تصدقّني و تحبنيّ ... و إذا ما تعثّرت في هذه الحيّاة برفق تعيد إليّ توازني ...
يا أنتِ المخبَّأةُ في ذكرياتي , أتذكرين حين رجوتكِ ؟
أن كنتِ برعماً ... أرجوكِ أن لا تزهري , فحينما تزهر الوردة الجميلة ... سرعان ما تقطف !! "
******* * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *




اضافة رد مع اقتباس


>>> سأبقى على هذه النظرية حتى اعرف الحقيقة إن شاء الله 
.. سلمت اناملك اسماء على كتاباتك الرائعة .. اردت ان اقتبس بعض الجمل ولكني عندها قد اقتبس الحوار كله


لحظة واحدة ماذا لو تزوج فتاة غير الي ؟!!! 


أحسنتي 



و لكن سأقول ، لابد أن أقول أي شيء



!!






المفضلات