[ منزلٌ الرّقيب جاسر ]
تعافى خالد كليّاً من حساسيّة القطط ، بل و عادَ إزعاجه كما كانَ و أشدّ ، لكن من الناحيةِ الإيجابيّة
كما ترى السيّدة أمينة بأنّ ابنها صارَ يرتّب غرفته ولا يرمي الأوساخَ إلاّ في مكانها، و حريصٌ على النظافة و كم كانَ هذا نادر الحدوث في حياةِ خالد .
الرّقيب جاسر يحتسي كوباً من الشّاي الساخنِ وهوَ يتأمّلٌ أبناءه من حولِه و يحاولٌ التركيزَ مع مصيبةِ الأستاذ فريد .. تلكَ الشريحةٌ الخبيثة .
اتصلَ عليهِ الأستاذ بسّام وأخبره بأنّ فريد لا يزال يتلقّى التهديدات على الدوامِ ، فزادَ همّه الضعفينِ .
كانَ يحاولٌ إيجادَ حلّ لفريد – على الأقل – ليحفظَ حياته هوَ فقط ، أي كيفَ أجعل فريد يأمنٌ غدرَ أولئكَ اللصوص .
فهم بإمكانهم قتله في أيّ وقتٍ يشاؤونه ، لو كنتٌ مكانَ فريد ماذا سأفعل ؟
كيفَ سأعيشٌ حياتي و أنا أستيقظٌ يومياً و أعرف بأنّني سأموتٌ في أيّةِ لحظةِ .
كنتٌ سأعطيهم الشريحةَ على الفورِ ، لكن كيفَ أضمن أنّهم لن يغدروا بي بعدَ أن أعطيهم الشريحة .. ؟ و من هم أولئكَ العصابة ؟
استغربَ كثيراً فالشريحة لا يوجدٌ بها شيءٌ مهمّ ، لماذا حرصَ والد فريد على إعطاءِ الشريحةِ بسريّة تامة إلى بسّام . . ؟
كما أنّه كانَ يعلم بموتهِ قريباً ..
و من ثمّ فريد وبسّام .. كيفَ يعرفونَ بأنّ فريداً هوَ ابنٌ بدر ؟ لماذا لا يهدّدونَ بسّاماً ؟
ما علاقةٌ فريد بالأمر ؟
آآآآه رأسي سيصابٌ بالصداعِ كلّما فكّرت بهذه المصيبة .
من جانبٍ آخر كانت مها تراقبٌ تقاسيمَ وجهِ والدها التي تتغيّر بكلّ لحظة ، ما بهِ عابسٌ وكأنّ مصيبة قسمت له رأسه ؟
قاطعت أفكاره وهي تقول بصوتٍ مرتفع : أبي .
رفعَ رأسه كالملدوغِ وقال بجدية : ماذا يا مها ؟
ابتسمت بوسعِ شفتيها وقالت : لا شيء ، تبدو متعباً فقط ، لمَ لا تنام ؟
ابتسمَ ونهضَ وهوَ يمسحٌ على شعرها بلطف : شكراً لكِ ، سأذهب .
زمّت شفتيها وتمتمت بغضبٍ طفيف : أفسدتَ تصفيفةَ الشعرِ .
رماها خالد بوسادةٍ صغيرة قربه وهو يقلّدها باستهزاء : أفسدتَ تصفيفةَ الشعر .
ثمّ أردف وهو يشير على شعرها : هل تسمّينها تصفيفةَ شعرِ ؟
نظرت له بغيظ واكتفت بالصمت ، فهي تعرف خالداً بشكل جيد ، إذا أعجبه شيء انتقده ، كما أنّها اعتادت على مضايقاتهِ وتقليدهِ لها .
ردّت عليهِ وسادته وهي تقول بجديّة : أعرفٌ أنّكَ معجبٌ بشعري لأنّه طويل وشعركَ قصير .
ضحكَ خالد و قال باستهزاء : أنا .. خالد ابنٌ الرقيب جاسر أنظرٌ لتصفيفةِ شعركِ هذه و أعجبٌ بها .
زمّت شفتيها للأمام وهي تقول بامتعاض : لا يهمني رأيكَ .
بينما هوَ تجاهلها وهوَ يقول لفاتن : باللهِ عليكِ . . كيفَ هوَ تجاوبٌ متسرّعتنا الصغيرةِ معَ الدرس .
ضاقت الأرضٌ بما رحبتْ على مها ، فأقلٌّ ما تحتاجه الآن هو سخريةٌ فاتن منها .
قلّبت فاتن الأوراقَ بيدها وهي تقول بشرود : إنّها ممتازة .
ابتلعت مها ريقها و اسودّ وجه خالد الذي نهض لغرفته هرباً من سخريتها منه .
شكرت فاتن في قلبها بالطبع ، فهي لا تستطيع التنازل لها كما ترى ، واتفقت معَ نفسها أن تزورَ قطّتها غداً ،
لكن يجبٌ أن تخبرَ أمجد وتستأذن منه أوّلاً .
قالت في نفسها : " كم اشتقت لقطّتي "
> صار اسمها غراب xD
طرقت بابَ غرفةِ أمجد بضعَ طرقاتٍ منتظمة ثمّ أدخلت رأسها لتنظرْ لمَ لمْ يجبها أمجد، تلفّتت يمنة ويسرة لكنها لم تجده .
أيعقلٌ أنه لم يعد إلى الآن ؟
عادت لغرفتها بيأس ، الامتحانات على الأبواب لذا تريدٌ رؤيةَ القطة بشدّة .
.
.
[ منزل اعتماد ]
كانَ التوأم مأمون وكمال مريضينِ اليوم ، لذلك الهدوء مطبق والسكينة تعمّ المكان ،
حتى الهمسة تسمعها بوضوح .
والدة اعتماد المسكينة لم تنعم بالرّاحة منذ البارحة لأن ابنيها مريضان ، بينما اعتماد تهتم بأشغالِ المنزلِ كالعادة
و شقيقها يزن ما إن يعود من المدرسة حتى يرجع للعبِ الكرةِ معَ أبناءِ الحيّ
و أصدقائهِ ثمّ لا يأتي إلا لوقتِ النومِ ، ومن سوءِ حظّهِ كانَ وقتَ النومِ .
دخلَ وخلع زوجَ الأحذيةِ الرياضيّة بسرعة و وضعها عند صندوقِ الأحذية قربَ الباب ،
تلفّت في أنحاءِ المكان فلم يجد أحداً ، يبدو أنّ الجميع نائم .
همس : لقد تأخّرتٌ اليومَ كثيراً .
لم ينتبه لتلكَ التي دفعته من الخلفِ خلسةً فسقطَ على وجههِ وهوَ يتأوّه ألماً ،
رفعت يدها علامةً للنصر ثمّ همست بثقة : هل أخبر والدي بأنّكَ عدتَ للتوّ من المنزل؟
أومأ لها نفياً فقالت بجديّة وهي تعطيهِ المكنسةَ : خذ .
حاولَ التهرّب مما فهمه فقال ببراءة مصطنعة : ما هذا ؟
ابتسمت وقالت بهدوء وخبث : سأصرخ إن لم تقم بتنظيفِ المنزلِ ، هيّا نظّف .
رمت عليهِ المكنسةَ واتجهت لغرفتها بسعادة ، فاليوم عادت للفراشِ باكراً .
.
.
.
-تباً . . لقد تأخّرت كثيراً سيستقبلني السيّد نظام شرّ استقبال .
لكم أن تخمّنوا صاحبَ تلكَ الجملة ، بالتأكيد أي شيء يتعلّق بالسيّد نظام فالأستاذ أكرم هو طرفٌ فيه .
قبّل رأس والديهِ المسنّينِ وهوَ يقول بعتابٍ لطيف : ما كانَ عليكِ تركي نائماً يا أمّي .
ابتسمت وهي تناوله كوبَ الحليبِ الساخن :
-لقد بدوتَ لي متعباً ، لم أرد تأخيركَ يا بني .
ثمّ أردفت بجديّة: خذ كوبَ الحليبِ هذا لتصيرَ نشيطاً .
ضحكَ أكرم على كلامِ والدتهِ ، هي حتى بعدَ هذا العمر الذي وصلا إليهِ كليهما تعامله وكأنّه طفل .
أومأ لها وهوَ يأخذ الكوبَ منها :
رؤيتكِ يا أمّي هي من جعلتني نشيطاً .
ابتسمت والدته فأكرم لم يترك مداعباتهِ اللطيفةِ بكلامهِ كلّ صباحِ ، بينما قال والده كي يغيظَ زوجته:
أتساءل لمَ تحظى والدتكَ بالنصيبِ الأكبرِ من الاهتمام بينما أنا صفر على اليسار ؟
عرفت بأنّه عادَ لعادتهِ القديمة و هي تعكيرٌ مزاجها الصباحي الجميل ، تجاهلتهٌ لتدفعَ أكرماً نحوَ الباب فقد تأخّر أكثر .
غادرَ أكرم مسرعاً بعدَ توديعِ والديهِ و كانَ يتوقّعٌ أنّ السيّد نظام سيتركٌ الجميعَ يدخلٌ عداه هوَ .
ابتسمَ وكادَ أن يقهقه حينما تذكّر أنّه مذ قامَ بخطبةِ ابنتهِ " حنان " صارت معاملته حذرةً جداً وكان ينتظرٌ الزلل والخطأ الصغيرَ منه .
نظرَ لوجهه بمرآةِ السيّارة الأماميّة وهمسَ باستنكار :
أتساءل لماذا يرفضني السيّد نظام ؟
.
.
.
[ في فصلِ سامر ]
كانت حصّة الآنسة فاتن ، فقد كانَ نصيبها الحصص الأولى دائماً ، لمْ تشرحِ الدرسَ
لأنّها قررت استثمار الحصّة هذه في التدريب على المسرحية .
لذا انطلقَ الطلبة نحوَ قاعةِ المسرحِ حيث تركوا كلّ شيء كما كانَ ، و انزعجت فاتن كثيراً
فطلبتْ منهم البدء بالعمل على الفور .
جلست على كرسيّها و قدمها تهتزّ بتوتر وهي تفكّر :
" كيفَ سننجز هذا العمل الضخم في وقت قصير ؟! "
-هل علي أن أزيد من عدد الطلبة للمساعدة أم أساعدهم بنفسي ؟
تمتمت بخفوت : ربما علي أن أصرخ في وجوههم .
ثمّ أردفت بامتعاض : يا لي من سخيفة ، لا يمكن أن أصيرَ كالأستاذ فريد .
نهضت وهي تقول بجديّة : يجب أن أشمّر عن ساعدي و أبدأ معهم .
رائد المسكين لا يزال يحاول بجد إظهارَ شخصيّة الأمير بينما أصدقاؤه بسخريتهم منه أوصلوا
ثقته للحضيض .
صرخَ بهم بانزعاج : وكيفَ سأقول " أنا الأمير آنسة ساندريللا "
ضحكوا أكثرَ وهم يسمعونَ نبرة الغضب معَ تلكَ الجملة التي لم تكن بالنص .
قال حمزة بجدية وهو يحاول جاهداً إخفاءَ ضحكهِ :
للمرة الألف أخبرناكَ بأنّ الأمير في هذا المشهد لا يعرف أن الفتاة الجميلة في الحفل هيَ سندريللا.
و انفجَرَ الجميعٌ بعدها يضحكون
ابتسمت فاتن وهي ترى ردّة فعل رائد ، لازالوا يخبرونه بأنّه يجب أن لا يذكرَ اسمَ سندريللا
في هذا المشهد وهوَ مصرّ على ذكرها .
ابتسمَ رائد بإحراج وقال بخفوت وهوَ يحكّ رأسه :
لقد فهمت الآن .
هَتَفَ شجاع : وأخيراً أنهينا رسم َ المشهدِ الأوّل .
التفتَ لسامر ثمّ قال : نحتاجٌ بعضَ الأشياءِ المهمة كالأخشابِ والمساميرِ .
ثمّ أردف : ولا تنسى المطرقة .
نَظَرَ له سامر وضحكَ باستهزاء : وهل وافقتٌ حتى تقول " ولا تنسى المطرقة " ؟
ابتسمَ شجاع بوسعِ شفتيهِ و همسَ له : منظركَ يبدو كنجّارٍ محترف .
ثمّ أردف –مجدداً - وهوَ يضحك : لا تنسى المنشار .
تدخّل جواد قائلاً : يا جماعة أفكّر باستغلالِ منزل الأستاذ فريد من أجل المسرحيّة.
ضحكَ حسام القريبٌ منهم وقد كانَ منشغلاً بالتصويرِ :
لن تصدّق فكّرتٌ بذلك ، فبيته كبير جداً ولديهِ غرفٌ كثيرة و لا أحدَ يسكنٌ معه .
ابتسمَ جواد وهوَ يقول : ربّما سيساعدنا إن طلبنا منه ذلك ، فنحن لا زلنا صغاراً .
نهضَ سامرمقاطعاً وقال بحدّة : بل رجالاً ، لا نحتاجٌ لمساعدةِ أحد ، سأحضرٌ كلّ شيء بنفسي.
وانصرفَ نحوَ الأستاذة فاتن بينما البقيّة يهمسٌ باستغراب :
" ولماذا كل هذا الانفعال ؟! "
.
.
انزعجَ سامر كثيراً ،
صارت مواقفه معَ فريد كثيرة ، ماذا سيقول الأستاذ فريد بعدَ أن يراه مجدداً ؟
بالتأكيد إنّه يتشمّت بداخله ، لقد صارَ غريباً !! خصوصاً ذلكَ اللطف الذي لمسته وغير المعهود منه أيضاً .
تباً ، هل بدأ يشفقٌ عليّ بعدَ أن علمَ بأنني وحيد ويتيم ؟!
بلى ، لا أجدٌ جواباً غيرَ ذلك .
واتجه مغادراً لدورةِ المياهِ .
.
.
المفضلات