بسم الله الرحمن الرحيم
هتفنا باسمه يوم الخميس ؛ حبا له وتقديرا لمكانته فكأنما انتظر لحظة كهذه لتُقبض روحه قرير العين راضيا بعد صراع طويل مع المرض وعمر مديد عاشه لأجل بلده ودينه وثوابته ..
سعد الدين الشاذلي
مهندس الحرب , وصاحب صيحة الله أكبر .. صاحب أحد أروع الانسحابات في التاريخ -جنبا بجانب انسحاب روميل , وخالد بن الوليد في مؤتة- ..
ولد في العشرينات في أسرة عسكرية .. فنشأ محبا للجهاد والرمال , كارها للترف والرخاء ..
ذاع صيته بعد مجهوده في الحرب العالمية الثانية .. واحتل مناصبا عديدة بعد ذلك , وترك ما يشتهيه الجميع من راحة -في الديوان الملكي- مفضلا عليها الغبار والحدود ..
في نكسة 1967 كانت له فرقة خاصة اسمها "فرقة الشاذلي" , وبينما ينسحب الجميع من سيناء إلى الغرب اقتحم هو بفرقته الشرق إلى فلسطين وتمركز هناك ..
وعندما استتب الامر للعدو الصهيوني انسحب إلى الغرب في عملية انسحاب عبقرية تحت تهديد الطائرات الإسرائيلية في الجو والثكنات العسكرية للاحتلال في البر , ووصل سالما بفرقته , فازدادت شهرته وذاع صيته أكثر من ذي قبل..
تولى رئاسة الأركان عام 71 , فشبت الخلافات بينه وبين صادق وزير الحربية حول الأسلوب الأمثل والخطة الموضوعية لتحرير سيناء .. وكانت خطته الشهيرة "المآذن العالية" تعني هجوم محدود بالقوات إلى مسافة 10 إلى 12 كيلومتر داخل سيناء وصد الهجوم العسكري لإسرائيل مباشرة -حيث الأجناب محصنة- وتكبيد العدو الصهيوني خسائر هائلة بهذه الاستراتيجية .. وكان صادق يرغب في الانتظار لعملية شاملة لتحرير سيناء وهو المستحيل لضعف مستوى القوات المصرية عن الوصول إلى هذا الهدف ..
واقتنع السادات برأي الشاذلي وأقال صادق وعين احمد إسماعيل وزيرا للحربية بدلا منه وكانت الحرب بهندسة الشاذلي وخطته "وكانت فلسفة هذه الخطة تقوم على أن لإسرائيل مقتلين: المقتل الأول هو عدم قدرتها على تحمل الخسائر البشرية نظرًا لقلة عدد أفرادها. والمقتل الثاني هو إطالة مدة الحرب، فهي في كل الحروب السابقة كانت تعتمد على الحروب الخاطفة التي تنتهي خلال أربعة أسابيع أو ستة أسابيع على الأكثر؛ لأنها خلال هذه الفترة تقوم بتعبئة 18% من الشعب الإسرائيلي وهذه نسبة عالية جدًّا.
ثم إن الحالة الاقتصادية تتوقف تمامًا في إسرائيل والتعليم يتوقف والزراعة تتوقف والصناعة كذلك ؛ لأن معظم الذين يعملون في هذه المؤسسات في النهاية ضباط وعساكر في القوات المسلحة؛ ولذلك كانت خطة الشاذلي تقوم على استغلال هاتين النقطتين.
الخطة كان لها بعدان آخران على صعيد حرمان إسرائيل من أهم مزاياها القتالية يقول عنهما الشاذلي: "عندما أعبر القناة وأحتل مسافة بعمق 10: 12 كم شرق القناة بطول الجبهة (حوالي 170 كم) سأحرم العدو من أهم ميزتين له؛ فالميزة الأولى تكمن في حرمانه من الهجوم من الأجناب؛ لأن أجناب الجيش المصري ستكون مرتكزة على البحر المتوسط في الشمال، وعلى خليج السويس في الجنوب، ولن يستطيع الهجوم من المؤخرة التي ستكون قناة السويس، فسيضطر إلى الهجوم بالمواجهة وعندها سيدفع الثمن فادحًا".
وعن الميزة الثانية قال الشاذلي: "يتمتع العدو بميزة مهمة في المعارك التصادمية، وهي الدعم الجوي السريع للعناصر المدرعة التابعة له، حيث تتيح العقيدة القتالية الغربية التي تعمل إسرائيل بمقتضاها للمستويات الصغرى من القادة بالاستعانة بالدعم الجوي، وهو ما سيفقده لأني سأكون في حماية الدفاع الجوي المصري، ومن هنا تتم عملية تحييد الطيران الإسرائيلي من المعركة." ويكيبيديا
وقد نجحت خطته نجاحا باهرا واستمرت الامور كما خُطط له ورُسم , حتى جاءت اللحظة الفارقة .. لحظة تطوير الهجوم الذي سبب انتكاسة خطيرة وانقلابا تاما لمسار حرب أكتوبر ..
سوريا تطلب المساعدة لتخفيف الضغط عليها .. فيقرر السادات تطوير الهوم والضغط من جانبه على العدو , وفي هذا من الخطورة بمكان حيث ستخرج قواته من مجال الدفاع الجوي المصري إلى مجال القوات الجوية الإسرائيلية التي ستصطاد الدبابات بسهولة ..
واعترض الشاذلي بشدة ورُفض اعتراضه وطُور الهجوم وكانت الكارثة التي تنبأ بهذا الشاذلي واصطياد القوات المصرية .. ثم ازداد الطين بلة حين نجحت القوات الإسرايلية بقيادة شارون-مع مساعدة أمريكية استطلاعية- من اقتحام ثغرة بين الجيشين الثاني والثالث سموهها "ثغرة الدفرسوار" .. واقتحمت قوات العدو الثغرة إلى الجانب الغربي من القناة وكانت الخطأ القاتل الآخر من القوات الجوية بقيادة حسني مبارك حيث لم تقصف قوات شارون ولم تمنعه من العبور الناجح والتمركز في الغرب ..
ولكن قوات شارون لم تنجح في شئ سوى إثارة البلابل وكان الهجوم عليها عنيفا والدفاع الشعبي رائعا من أهل الإسماعيلية والسويس بقيادة الشيخ حافظ سلامة -الذي قاد المعركة أيضا في الأسابيع السابقة ضد نظام مبارك وشرطته واستبداده , فما أشبه اليوم بالبارحة!- ..
ثم اشتد الخلاف بين السادات والشاذلي حول الطريقة المناسبة لتصفية الثغرة .. الشاذلي طلب عودة 4 ألوية من شرق القناة إلى غربها حتى تقضي تماما على قوات شارون المتمركزة في الغرب .. وفي نفس الوقت لن يحدث أي تأثير على قوات الجيش المتمركزة في الشرق من هذا النقص , ولكن السادات وإسماعيل عاندا هذا الأمر بحجة ان الجنود لديهم عقدة نفسية من العودة من شرق القناة إلى غربها !!
وقرر السادات -رجل الأضواء والمنابر الأول- التفاوض .. وكانت بداية النهاية لملحمة من أروع الملاحم في تاريخ مصر ولكن لم تُكتب لها النهاية الجميلة القوية بسبب غباء قائد وتصلبه على آرائه .
*
سُرح الشاذلي من الجيش وشغل منصب سفير لعدة دول , وكانت له صدامات عديدة مع اللوبي الصهيوني في إنجلترا.. ثم عقد السادات معاهدة كامب ديفيد المشئومة وعارضها الشاذلي علانية وبغضب ثم ترك منصبه وذهب للجزائر كلاجئ هناك ..
وكتب كتابه الشهير "مذكرات حرب اكتوبر" يهاجم فيه السادات ويتهمه بتضييع النصر والاستغلال السئ للسلطة والكذب على الشعب بشأن الوضع الحقيقي للثغرة ويطالب النائب العام بالنظر إلى هذه الأتهامات..
ولما نحن في عصر لا يُحاسب فيه الرئيس المصري عما يفعل -او كنا كذلك قبل ثورة مصر المباركة- ولا يجوز مناقشته أو الاعتراض على آرائه فضلا عن اتهامه بمثل هذه التهم , فقد حُوكم الشاذلي بالسجن لإفشاء أسرار عسكرية وغير ذلك من السخافات ..
عاد الشاذلي إلى مصر عام 1992 بعد سنين طويلة في المنفى .. عاد في زمن غير مبارك فألقي القبض عليه وسُجن رغم مخالفة هذا الأمر للقانون -فيما لا مجال لذكره الآن-.. وصدرت احكام من القضاء تدافع عنه ولكن .. لا احكام تُطبق في زمن مبارك ولا قضاء بل هو التصلب والاستبداد والديكتاتورية ..
وخرج الشاذلي من الشجن منكسرا بعيدا عن الأضواء ... شارك في برنامج "شاهد على العصر" في عشر حلقات رائعة استمتعنا فيها برؤية وجهه وسماع صوته ..
لم يُكرم الشاذلي .. كُرم جميع من شارك في حرب اكتوبر ما عدا هو ! هو مهندس الحرب .. هو البطل الحقيقي للحرب ..
*
علمنا بخبر وفاته -نحن أهل الميدان- صباح الجمعة من الجرائد واعتصر الألم والحزن قلوبنا .. وكنا قد قضينا ليلة مشئومة بعد ان خرج علينا مبارك بخلقته القبيحة ليلة الخميس ليعلن عدم تنحيه .. فازداد همنا بموت الشاذلي وتضاعف الغم والضيق ..
وكانما أراد الله أن تنتهي المحنة وينكشف الكرب .. كنت ساعتئذ نائما بعد عناء يوم في الوقوف والهتاف فسمعت رجة عظيمة تهز الميدان وما حول الميدان ! .. لقد تنحى مبارك !!
وكانت الاحتفالات والكرنفالات بالنصر المبين .. بعد أكثر من أسبوعين من الصمود ينتصر الشعب على ألعن نظام بوليسي في الشرق الأوسط وربما في العالم (مليون ونصف شرطي بينما الجيش أقل من نصف مليون) ..
وفي يوم الجمعة قبل خبر التنحي أقيمت جنازة عسكرية للشاذلي ..
أشعر ان الفرحة بالنصر والاستقلال أنست البعض الشاذلي رحمه الله .. الشاذلي يحتل مكانا عزيزا في قلب كل مصري ,, بل كل عربي ومسلم .
توفي الشاذلي يوم الخميس 10 فبراير بعد ان عمل طويلا لاجل تراب هذه البلد .. وفي يوم 12 فبراير منذ نحو ستين عاما اُستشهد الإمام حسن البنا رضي الله عنه بعد ان جاهد لأجل دينه وبلده .. وقد أكمل المصريون المشوار .. مصر حرة! مصر رائعة الآن .. مصر تشهد عصرا جديدا .. المصريون انتفضوا فيا لهول الانتفاضة ! ويا لقوتها ويا لروعتها ويا لعبقريتها ! وأذهل المصري العالم وأثار حسده وغيرته وإعجابه ..
يوم 11 فبراير هو يوم الاستقلال .. يوم رحم الله فيه الشعب المصري من حمل ثقيل ..
الله أكبر من كل مبارك .. الحمد لله الذي ما في السماوات وما في الأرض .. الحمد لله رب العالمين.. تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير.
رحم الله الشاذلي رحمة واسعة وتقبله في الصالحين وأسكنه فسيح جناته.





اضافة رد مع اقتباس



Pearl Dream
) H I N A T A












.. هو مجنون ولكن ليس كمجانين التاريخ الدكتاتوريين الساديين . 

اتقبل رأي الناقد والحاسد ..؛؛.. الاول يصحح مساري ..؛؛.. والثاني يزيد من إصراري ...
المفضلات