السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحبتي وأخوتي في قلعة القصص ، طبعا كما هو واضح لكل من يقرأ هذه القصة هي مشاركة في مسابقة همس القلم ~
لذا ببساطة استمتعوا في القراءة ..
تحذير : يمنع الدخول الى مدينتي الأفلاطونية ، لا بأس بالمشاهدة فقط
حلمــ زجاجي ~
الساعة الثانية عشر ظهراً ، في قاعات الجامعة المملة ، أجلس في أحد المقاعد مستمعاً إلى محاضرة الأستاذ الفاضل ، لكنني لست بمنصت ٍ، هو يشرح درساً ما حول العين ومجال الرؤية والإبصار وشيءٌ يسمى " قزحية العين " ، لكنني منشغلُ كما يبدو بصوت جهاز التبريد الذي يجاهد حرارة الجو في هذا الصيف الحار ، لسبب ما شعرت بالأسى نحوه فهو يحارب المناخ الساخن حتى بدا صوته أعلى حتى من صوت الأستاذ ، شعور الملل يطاردني كأي طالبٍ آخر ، فأخذت أرسم خطوطاً ودوائر على الأوراق البيضاء أمامي ، لكن تباً لذلك الملل فهو يأبى الرحيل ، أحاول الإنصات إلى كلمات الأستاذ ، لسبب ما ليس لدي الرغبة في فعل ذلك ، إنها المرة الرابعة التي انظر بها إلى الساعة متمنياً أن تتحرك عقاربها بسرعة أكبر حتى أخرج من هذا السجن الذي خاطه الملل لي بطريقة ذكية ، لكن لابد أن الوقت والملل اللعين قد اتفقا على القضاء على آخر ذرةٍ من الصبر التي احتويتها بصعوبة ، أسندت رأسي على الطاولة محاولاً سماع أنفاسي الهادئة ، أحسست بثقل جفوني ، فأغمضت عيني لأريحها قليلاً ، شيئاً فشيئاً اختفى صوت أستاذي وظهر صوتُ آخر ، صوتُ مختلف ، لم يكن صوت بشري أو أي كائنٍ آخر ، كان الصوت ساحراً جداً وأنيقاً ، كأنه يحاول الترحيب بي باهتزازاته المتكررة ، تدَخل صوتُ آخر كأنما هو يحادث ذلك الصوت الأنيق ، لم استطع تحديد هويته في البداية ، لكنه فيما بعد بدا كأنه صوت طيرٍ من نوع ما ، رائحة الرطوبة الفريدة دخلت أنفاسي وأبت تركها ، دفعني الفضول لفتح عيني بهدوء متمنياً أن لا يختفي عالم الأصوات ذاك ، ففعلت ذلك حذراً ، رمال ذهبية دافئة احتوت جسدي ، تلمستها بين أناملي مستغرباً لنعومتها الشديدة ، لمحت لمعانها الغريب بين كفي ، فرفعت رأسي للسماء لأرى ذلك الشعاع الأشقر الجميل المنبعث من الشمس ، وأسفله تماماً يقع ذلك الملك المتباهي بضخامته وزرقة لونه ، بدا ساحراً بشكله كما كان بصوته ، بينما تلاعبت طيور النورس بغنج حول البحر وكأنها تحاول إثارة غرائزه دون جدوى، لحظات معدودة مرت حتى أخرجت نفسي بالقوة من حبال أسره ، والتفت حولي لأحدد المكان الذي أنا فيه ، لكنه لم يكن سوى فراغ ذهبي وأزرق ، لا شيء أمامي كما لا شيء خلفي ، كلوحة فنان محدودة الإطار بمظهرها ، لكن في عالمها الداخلي لا نهاية لها ، أعدت النظر إلى الأمام عندما أحسست بأن كل شيء في عقلي قد تبخر واستبدل براحة لا مثيل لها ، لا أريد أن اسأل كيف وصلت إلى هنا ، وماهية هذا المكان ، أريد البقاء فيه فقط ، لكنني لاحظت عنصراً غريباً يتحرك هنا وهناك داخل البحر ، رفعت جسدي من على الأرض لا إرادياً متجهاً إلى ذلك الشيء ، الذي لم يكن سوى فتاة صغيرة ذات شعر أسود فحمي تدخل يدها في مياه البحر وتخرجها بتذمر ثم تكرر هذه العملية عدة مرات وكأنها تبحث عن شيء ما ، اقتربت أكثر منها بفضول لربما تجد ما تبحث عنه وبذلك أشبع فضولي في معرفته ، لكنها انتبهت لوجودي فالتفتت نحوي وهي ترفع خصلات شعرها الطويلة عن وجهها قائلة : هل استيقظت ؟ تباً لم أجده بعد ..
- تجدين ؟! ما الذي تبحثين عنه ؟
- أبحث عن المفتاح ..
- أي مفتاح ؟!
- مفتاح عالمك طبعا ً
" مفتاح عالمي " ؟ ، عن ماذا تتحدث تلك الفتاة ، وكيف تملك مفتاحاً لعالمي ، وما هو عالمي أصلاً ، سمعت صوتها الحاد يقول بعد برهة بسعادة : ها هو وجدته .. لقد وقع منك عندما دخلت إلى هنا !
اقتنصت الفرصة لألمح ذلك المفتاح ،كان شكله كأي مفتاح آخر في الحجم ، لكن في الهيئة كان مختلفاً تماماً ، ذا لون ذهبي ، بإطار غريب مزخرف بفصوص من اللؤلؤ والألماس ، كتب عليه باللون الأحمر " 1000001" استطردت الفتاة قائلة بابتسامة أبت الرحيل عن وجهها الطفولي : أنت الضيف العاشر لهذا اليوم في هذا الوقت المبكر .. ما بالكم اليوم يا بني البشر ؟
رددت مستغرباً : الضيف العاشر ؟
أجابت بتذمر : نعم ، أكثرهم طلاب مدارس وجامعات ، ورجال أعمال في المطار ينتظرون رحلاتهم ! ، عموماً عالمك هنا ، تفضل معي !
لسبب ما تبعتها دون أن أنطق بكلمة اعتراض وكأنني مسير بإرادتي ، أو ربما رغبتي الملحة في معرفة " عالمي " دفعتني لذلك ، توقَفت أمام فراغٍ غريب ، وقالت ببساطة : وصلنا
التفت أبحث عن باب ليتناسب مع المفتاح ذاك ، لكن مهما بحثت لم يكن هنالك أي شيء يذكر ، وضَعت المفتاح في الفراغ وحركته كما لو كانت تفتح قفلاً وهمياً ، ثم دفعته ليصدر صوت صرير بابٍ ما ، لكني لا أراه ، ظهرت مجموعة من الغيوم المتفرقة التي لسبب ما تشكل سلماً غريباً يقودني إلى الأعلى وطبعا إلى وجهة مجهولة ، توقفت الفتاة تنظر إلى سلم السحاب الأبيض قائلة : وسيلة وصولك جميلةٌ جداً ، لابد أنك تحمل خيالاً خصباً ..
أنهت جملتها تلك وبدأت الصعود على سلم الغيوم دون ترددٍ أو خوف ، كما فعلت أنا ، لكنني كنت أنظر حولي كلما ارتفعت قليلاً عن الأرض ، لاحظت منظر البحر وهو يبتعد تدريجياً عني لكنني لم أشعر بالخوف أبداً بل ازداد شعور راحة البال الذي عانقني عندما وصلت إلى هذا العالم .
قالت الفتاة ببرود : لابد أنك تحب الأماكن المرتفعة كثيراً
كيف لها أن تعرف ما أحب ، ولما أنا مسير معها كالمسحور ، أجبت بشك : كيف عرفتي ذلك ؟!
قطَعت كلامي عندما وصلنا إلى آخر غيمة قائلة " وصلنا "
رفعت بصري إلى الأمام ، فاستقبلني ذلك القصر الزجاجي الضخم ، توسط العدم بكل ثقة ليطرد ما حوله بشموخ ، وقفت الفتاة لحظات تنظر إلى القصر ثم لي ، قالت أخيراً : عالمك لن يحتمل ثقلاً آخر غير ثقلك ، لذا اعتذر منك ، علي الرحيل فانتهت مهمتي هنا !
ابتعدت وهي تخطو خطواتها إلى الأسفل ، وقد بدت آسفة لأنها لم تدخل العالم الزجاجي الذي يكمن أمامي ، ودعتها في نفسي ، ثم أكملت طريقي نحو بوابة القصر التي صُنعت هي الأخرى من الزجاج الخالص ، عندما وصلت إليها تلمست سطحها الناعم ومعالمها الفريدة ، دفعتها برقة إلى الخلف خوفاً من أن أحطمها بقبضتي دون قصد ، لتفتح لي ذراعها وتضمني داخلها بكل حب ، كل شيٍء بدا في قمة جماله ورونقه ، الثريات التي غطت عالم القصر الزجاجي والقطع التراثية التي رُتبت بطريقة متقنة في كل جزء من أركانه ، الستائر التي بدت ذات مظهرٍ مضحك عندما تغطي نافذة ما ويبقى القصر كله زجاجياً شفافاً ، وتلك اللوحات الفنية التي علقت على الجدران بطريقةٍ عشوائية لكن بنفس الوقت لم تُنقِص من جمالها شيئاً ، قادتني قدماي إلى الأمام دون أن أشعر وأنا مشدوه بتلك المناظر ، يمكنني أن أرى العالم خارج القصر حيث في أحد الجانبين يطل قصري على البحر الواسع ورماله الساحرة ، أما الجانب الآخر فغطته الخضرة والحقول الملونة بمزيج ألوان الربيع والخريف ، تقدمت إلى الأمام أكثر وأنا أنظر حولي بلهفة مترقباً مفاجأة يحضرها لي هذا القصر السحري ، ولم يخيب ظني أبداً ، فقد وجدت نمراً ضخماً يجلس على كنبة عنابية كبيرة الحجم أمامها طاولة صغيرة ، كان النمر يلهو بذيله ويلعق يديه بملل ، لم أخف منه ، بل وددت بكل طاقتي الاقتراب أكثر بل وربما لمس فروته الناعمة ، لكنه سبقني إلى ذلك واقترب هو مني عندما انتبه لوجودي ، مشيته أقلُ ما يقال عنها مشية الملك في عرشه ، فخور بقوته ، وسعيد لجماله الأخاذ ، نظر لي مباشرة بعينيه العسلية الحادة ذات العدسة الغريبة الشكل ، لوح بذيله إلى اليمين حيث رفوف الكتب المرتبة بتنسيق ، ذهبت لها ثم التقطت أحدها باستغراب وفتحته بهدوء .
" قصة ! ، انها قصة ! "
لم استطع منع نفسي من الابتسام وكأنني بدأت أفهم كيف يسير هذا العالم ، توجهت إلى الكنبة العنابية بينما سايرني النمر في فعل ذلك ، رميت ثقل جسدي على الكنبة وأنا التقط قطع الفراولة الحمراء الصافية من على الطاولة الصغيرة كما لو أنها ظهرت من العدم ، بينما أحرك صفحات القصة التي هي بمتناول يدي ، و أخذ قصري السحري يعزف لي لحناً متقناً على آلات الكمان الخفية وأنا لم أبدي أي نوعٍ من الاستغراب اثر ذلك ، ذلك الوقت الخائن وكأن لا وجود له ، كل شيء هادئ ، جميل ، ومريح ، عالم لا أريد الخروج منه ، عالمي الزجاجي الخاص ، حتى قطع وقت استجمامي صوتُ يتعالى بالقصر وينادي باسمي بل يصرخ به " مشاري !!! "
توقفت آلات الكمان الخفية عن العزف ، وهرب نمري المبجل في أحد زوايا القصر عندما أحس به يهتز بعنف ، نظرت فوقي وأنا مستلقي على الكنبة ، وكأن السقف الزجاجي يتهاوى نحوي ، أغمضت عيني بخوف ، وفتحتها مرة أخرى لأجد أستاذي أمامي بوجه غاضب وهو يقول بتذمر : أتظن أن هذا هو الوقت المناسب للنوم ؟؟!
رددت بهدوء وأنا أمسح النوم من جفوني : عالمي يحتمل ثقل جسدي أنا فقط ، لقد حطمته بصوتك المزعج
النهاية ..






اضافة رد مع اقتباس
محد راح يمنعني .. 


ine 



..













كل ما فيه نقي كالزجاج ..لكنه يضع حدودا للمتسللين المختلسين ...فلا يدركون نفسهم غير مرتطمين بسطح عاكس ثقيل !

المفضلات