مابين فراش مهند وفراش الموت، كانت عمتي!
الفتى محمد
قبل أسبوعين ذهبت أنا وأبي لزيارة عمتي التي كانت ترقد على فراش المرض الخبيث، المرض الذي هد جسدها هدا، وعاث فيه فسادا بلا رحمة، فأحال ذلك الوجه الجميل إلى بقايا وجه شاحب، واستبدل ضحكاتها الربيعية بآهات ألم ووجع. كانت عمتي ترقد على فراش الموت تتألم أشد الألم وتعاني أقسى المعاناة. كنا نشعر بذلك من آهاتها التي تقطع القلب تقطيعا وتخبرنا بكل صراحة بأن الدنيا حقيرة بكل مافيها. كنا أنا وأبي وابنها الأكبر مهند ذو الخمس والعشرين عاما من حولها ليس لنا إلا نظرات الشفقة والرحمة وتمتمات الدعاء بأن يفرحنا الله بشفائها وعافيتها. أثناء جلوسنا حولها طلبت عمتي من ابنها أن يقعدها، فقام بكل حنان وبر وأمسك بيدها ورفعها حتى أقعدها على السرير. بعد أن قعدت ظلت صامتة لفترة ثم قالت بصوت متهدج بالكاد يخرج:"مهند.. بطني يوجعني". أجابها مهند: " يمه.. بعد شوي موعد حبة العلاج وان شاء الله يطيب". سكتت عمتي مرة أخرى ثم قالت مرة أخرى وكأنها طفل لاحول له ولاقوة: "مهند.. بطني يوجعني". نظر إليها مهند والدمعة في عينه وأجابها بكل حنان: " يمه باقي شوي على موعد الحبة.. وإن شاء الله إذا أكلتيها راح يخف بطنك". انتظر مهند حتى حان موعد الدواء ثم ذهب وناوله عمتي التي أغمضت عينيها لتنام بعد أن مددها مهند بكل رفق على السرير. كنت أنظر إلى ذلك المشهد وأنا أتخيل نفس الحوار يدور بين عمتي وابنها ولكن قبل عشرين سنة، عندما كان مهند طفلا صغيرا وكانت عمتي في ريعان شبابها. كنت أتخيل مهند الطفل يصيبه المرض أحيانا كأي طفل ويبكي من الألم فيتمزق قلب عمتي حزنا وألما عليه. كنت أتخيل عمتي وهي تحضر لمهند الدواء، كما يفعل مهند الآن، وتسقيه إياه ثم تحمله إلى فراشه وتمسح بكل حنان على شعره وخديه حتى ينام. كنت أتخيل عمتي وهي بكامل صحتها وعافيتها تحمل مهندا فرحا بشفائه وأتمنى من أعماق قلبي أن يتكرر المشهد مرة أخرى فيفرح مهند بشفاء أمه. كنت أتخيل كل ذلك بألم وبدموع لم أستطع أن أقاومها تملأ عيني.
هذه الزيارة لعمتي تذكرتها أمس وأنا أرى مهندا في المقبرة جالسا أمام قبر أمه بعد أن دفناها يبكي كطفل ويمسح على قبرها بكل حنان..






اضافة رد مع اقتباس












المفضلات