السلام عليكم ورحمة الله و بركاته
الحمد لله الذي جعل في قلوب الصادقين للإيمان طعمًا وحلاوة، أحمده ربي وأشكره كما يليق به سبحانه وتعالى ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل للذين أحسنوا الحسنى وزيادة، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أولي الفضل والريادة, ونسأل الله تعالى أن يرزقنا و إياكم العلم النافع و العمل الصالح و يجعلنا و إياكم من الصالحين المصلحين المخلصين أمين يارب
إلى كل نفسٍ طيبة آمنت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً أخاطب فيها نفسها التي شهدت وتشاهد وتعاصر زمن المتغيرات والشهوات والشبهات وزمن الانفتاح العالمي والمعرفي والثقافي والفتن التي تعصف بقلوبنا وأرواحنا يمنة ويسره, ليلاً نهاراً , تلك الأجواء المشحونة بحاجة إلى تفعيل أعمال القلوب وإنزالها الميدان , أي نعم نحن نصلي ونصوم ونذكر الله ونتصدق ونفعل ونفعل من أعمال الجوارح والأبدان ما تفاخرت به أنفسنا لكن انشغلنا بها ونسينا أعمال القلوب !
إن أعمال القلوب خاصةً كما يقول العلماء هي مفاتيح القلوب و هي مفاتيح القرب من الله عز وجل و الرضا به سبحانه , وما أحوجنا إلى الرضا بالله والرضا عن الله والرضا بإختيار الله لنا والرضا بقضاء الله واقدراه , فالرضا بالله كما قلنا سابقاً مفتاح السكينة ومفتاح البعد عن الأحزان والآهات والآلام و والقلق و الهموم و الحسرات التي يتقلب فيها كثير من الناس اليوم والسبب الجزع والسخط وعدم الرضا بحاله وأحواله !
إن الدنيا لا يسلم منها أحد ولن يسلم ولننظر من حولنا بعين البصيرة لا بعين البصر
هل يخلو احد من مصيبة أزعجته ؟
أو هماً اذهب النوم عن عيناه ؟
أو مشكلة أقلقته ؟
أو حبيباً فقده ؟
أو مرض أقعده؟
أو ديناً ربطه ؟
أو أو أو كثير وكثير من الآهات والأحزان والمصائب وكيف لا والدنيا طُبعت على كدر و أنت تريدها صفوا خالية من الأقذاء و الاكدار, فان علمنا حقيقة الدنيا( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان فِي كَبَد)
فعلام زيادة هذا الكبد بالسخط والجزع والنكد !
فلان أصيب بشلل رباعي فجزع و غضب ثم ارتد عن دينه و تنصر فلما نصح و عتب قال ماذا نفعني ربي ! أين هو عني !
عائلة ماتت إلام فلا تسمع سوى الصراخ و العويل و النحيب بل لا تكاد تهدأ النفوس إلا بالإبر و المهدئات الطبية
فتاة ابتليت بالسحر فلم تزل تعلن الجزع و السخط و تردد : لماذا يفعل الله بي هذا ؟ ماذا فعلت ؟ أين رحمة الله التي نسمع ؟
أمر علي بن أبي طالب الأشعث بن قيس بالصبر على فقد ابنه: إن تحزن فقد استحقت منك الرحم، و ان تصبر ففي الله خلف من ابنك. انك إن صبرت جرى عليك القدر و أنت مأجور، و ان جزعت جرى عليك و أنت مأثوم
الرضا الذي هو جنة الدنيا
كيف السبيل إليه ؟
وكيف نكسب رضا ربنا ؟
وكيف نكون راضين مستسلمين لله عزوجل ؟!
الأصل في ذلك : طعم الإيمان
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في مدارج السالكين ( 1- معرفة الله. 2- معرفة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. 3- معرفة دين الإسلام. كلها تندرج تحت الرضا، ولذلك يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الصحيح: {ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه سلم رسولاً})
وكيف نذوق طعم الإيمان لنحصل على الرضا ؟!
وكيف نشعر بحلاوة الإيمان ؟!
فالرضا والإيمان متلازمان قال يحيى بن معاذ لما سئل : متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا ؟ قال )إذا أقام نفسه على أربعةِ أصولٍ يُعامِل بها ربه ..يقول : إن أعطيتني قبلتُ ، و إن منعتني رضيتُ ، و إن تركتني عبدتُ ، و إن دعوتني أجبتُ (
إن طعم وحلاوة الإيمان نعمة وفضل من الله يجعلها الله في قلوب الصالحين ( اللهم اجعلنا منهم )
قال الإمام النووي في شرحه لمسلم: قال العلماء: معنى حلاوة الإيمان استلذاذه الطاعات، وتحمله المشاق في رضى الله ورسوله، وإيثار ذلك على عرض الدنيا.
حلاوةُ الإيمان استِلذاذ الطاعات وتحمُّل المشقَّات في رضَا الله عزّ وجلّ
وفي الحديث الشريف (: ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار. رواه البخاري ومسلم. )
والذي يريد أن يذوق طعم الإيمان يحافظ على الفرائض بقلب محب لها ثم يكثر من النوافل والطاعات، كما في الحديث: ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به) فإذا اتصف العبد بهذه الصفات، وتقرب إلى الله تعالى بالطاعات فلا شك أنه سيجد حلاوة الإيمان، كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.
عَن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((النظرةُ سهمٌ من سِهام إبليس مسمومَة، فمَن تركها مِن خوف الله أثابه جَلّ وعزَّ إيمانًا يجِد حلاوتَه في قلبه)). مَن ترك المعصيَة أيَّ معصيةٍ مهما كانت مخافةَ الله واستحياءً منه سبحانه فإنَّ الله يكافِئه بأن يبدِلَه عن هذه المعاصي إيمانًا يذوق طعمَه ويجِد له حلاوةً في القَلب.
من حلاوة الإيمان أن يكونَ الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما. قال العلماء: ( أن يكونَ الله في قرآنِه والرّسول في سنَّته أحبَّ إلى المؤمن مما سواهما، وحينما تتعارَض مصلحتُك مع الشّرع تقدِّم الشرعَ ورضا الله، وتختار طاعةَ الله ورسولِه على هوى النّفس وغيرها، فيكون الله تعالى عنده هو المحبوب بالكلِّيّة، وعند ذلك تصير النفس متعلِّقةً بالله سبحانه في كلّ وقت وحين, ومحبّةُ رسول الله تعني أن لا يتلقَّى المسلم شيئًا من المأمورات والمنهياتِ إلاّ من مشكاته، ولا يسلكَ إلا طريقتَه حتى لا يجدَ في نفسه حرجًا ممّا قضاه، ويتخلَّق بأخلاقِه في الجودِ والإيثارِ والحِلم والتواضع وغيرها.)
وقال العلماء "ثمنُ حلاوة الإيمان أن يكرَهَ أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذَفَ في النار. هناك من يعبُدُ الله على حرفٍ؛ إن أَصابَه خَيرٌ اطمَأَنَّ به وإن أَصابَته فتنَةٌ انقَلبَ عَلى وَجهه خَسرَ الدّنيَا وَالآخرَةَ، إذا أقبلتِ الدنيا آمن، وإذا أدبرتِ الدنيا تبرَّأ من الإيمانِ وعاد إلى ما كان عليه، والمؤمن الحقُّ لا يتأثَّر بإقبالِ الدنيا ولا بإدبارها، ثابِتُ الجنان، صاحب عطاءٍ، في المنشَط والمكره، في الفقر والغِنى، في الصحَّة والمرض،))
يقول أحدهم: "إنّه ليمرُّ بالقلب لحظاتٌ أقول: إن كان أهل الجنّة في مثل هذا إنّهم لفي نعيم"،
ويقول آخر: "إنَّ في الدنيَا جنّةً من لم يَدخلها لم يدخُل جنّةَ الآخرة"،
ويقول ثالث: "فإنَّ للإيمان فرحةً ولذّة في القلب، فمن لم يجِدها فهو فاقدُ الإيمان أو ناقِصُة، وهو من القِسم الذين قال الله عزّ وجلّ فيهم: قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:14]".
والتي ذاقَت حلاوةَ الإيمان بلَغَها أنَّ النبيَّ قد قتِل في أحُد، فانطلَقَت إلى ساحةِ المعركَة فإذا أبوها مقتولٌ وأخوها مقتول وابنها مقتولٌ وزوجها مقتول فقالت: ما فعَل رسول الله ؟ فلمّا وقَعت عينُها على شخصِ النبيّ اطمأنَّت وقالت: يا رسولَ الله، كلُّ مصيبةٍ بعدك جَلَل. أي: تهون.
الذي يذوقُ طعمَ الإيمان لو تقطِّعُه إربًا إربًا لا يتَزحزَح عن دينه، وضَعوا على صدرِ بِلال رضي الله عنه صخرةً ليكفُرَ فكان يقول: (أَحَد أَحَد فَردٌ صمَد). وهِرقلُ مَلِك الروم عاصر النبيَّ سألَ أبا سفيان: هل يرتدُّ أحدٌ منهم سَخطةً لدينه؟ فقال: لا، قال: كذَلِك الإيمان إذا خالَطَت حلاوتُه بشاشةَ القلوب.
من ذاق حلاوة الإيمان يحبّ أن يكون عظيمًا عندَ الله ولو كان عند الناسِ أقلَّ شأنًا
حلاوة الإيمان التحرر من نزعات النفس الأمارة بالسوء والهوى والشيطان وحب المال وحب الشهوات والركض خلف الدنيا إلا في رضى الله عزوجل قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97].
حلاوةُ الإيمان تضفِي على العبادات كلِّها لذّةً، قال أحدُ السّلف: "كلُّ مَلذوذ إنما له لذّة واحِدة إلاّ العبادة، فإنَّ لها ثلاثَ لذّات: إذا كنتَ فيها، وإذا تذكَّرتها، وإذا أُعطِيتَ أجرَها".
من ذاق حلاوة الايمان تلذذ بالعبادات ها هو أحدُ المؤمنين يقول: "والله، لولا قيام الليل ما أحبَبتُ البقاء في هذه الدّنيا. والله، إنَّ أهلَ الليل في ليلِهم مع الله ألذّ من أهل اللّهوِ في لهوِهم"، ويقول: "إن كان أهلُ الجنّة في مثل ما أنا فيه إنهم لفِي نعيمٍ عظيم"، ويقول آخر: "ما بَقِي من اللّذاتِ في الدنيا إلاّ ثلاث: قيام الليل، ولقاءُ الإخوان، والصلاة في الجماعة".
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والإنسانُ في الدّنيَا يَجِد في قلبِه بذكرِ الله وذكرِ مَحَامِده وآلائه وعبادَاتِه مِنَ اللّذّة ما لا يجِدُه في شيءٍ آخر".
ثم للذة القران لذة خاصة رفيعة قال عثمان بن عفان رضي الله عنه بقوله: (لو طهرت قلوبُكم ما شبِعَت مِن كلامِ ربِّكم).قال تعالى: وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء:19].
وللرضا ثمرات من بينها ارتفاع الجزع عن أي حكم كان واستقبال الأحكام بالفرح وسكون القلب إلى خالقه ورضاه بما اختار له وتمام التوكل والراضي بالله لا يستوحش من قلة الناصرين لان الله له نصير^_^
نسال الله أن نكون ممن ذاق حلاوة الإيمان فنحن قد الهتنا الدنيا وحرمتنا من هذه اللذة لكن نبذل جهدنا في الكتابة عنها والقراءة عنها ومحاولة الوصول اليها ونتمنى حقا أن نصل إليها قبل الممات
شكرا لكم ^_^
مخرج: وليس من شرط الرضى ألا يحس بالألم والمكاره بل ألا يعترض على الحكم ولا يتسخطه ولهذا أشكل على بعض الناس الرضى بالمكروه وطعنوا فيه وقالوا : هذا ممتنع على الطبيعة وإنما هو الصبر وإلا فكيف يجتمع الرضى والكراهية وهما ضدان
والصواب : أنه لا تناقض بينهما وأن وجود التألم وكراهة النفس له لا ينافي الرضى كرضى المريض بشرب الدواء الكريه ورضى الصائم في اليوم الشديد الحر بما يناله من ألم الجوع والظمإ ورضى المجاهد بما يحصل له في سبيل الله من ألم الجراح وغيرها
المصادر :
محاضرة للشيخ إبراهيم الدويش
خطبة للشيخ أمام الحرم المدني الثبيتي
مدارج السالكين




اضافة رد مع اقتباس






















المفضلات