السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هو الصديق الذي أجلس معه بالساعات دون أن يكل ولا يمل
أتبادل معه أطراف الحديث
أسأله ويسألني
أواسيه ويواسيني
أصبحنا كالأخوة المتحابين
لانفترق عن بعض
كلانا يرتاح للآخر
هو يرتاح لصوتي
وأنا أرتاح لأمواجه
تدور بيننا نقاشات في عديد من المواضيع
مرة نتناقش عني وما يحصل لي
ومرة نتناقش عنه وما يحصل له
في الفرح وفي الحزن
في الضيق وفي الراحة
آتيه فيرحب بي مهللا
ويفرش لي الأرض بترابه ويقول لي تفضل
فأرى تراقص أمواجه وكلها تتسابق للشاطئ
أسمح صوت أنفاسه وما أحلاه من صوت
أرى لونه الأزرق فيرتاح ناظري بما أرى
هذا هو صديقي .
في يوم من الأيام وكعادتي
ذهبت متلهفا متحمسا للقائه
وكنت أعد الخطوات وأحسب الثواني
حتى وصلت إليه
فدار بيننا النقاش الآتي
أنا : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
البحر : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يامرحبا ألوف بصديقي العزيز
أنا : كيف حالك أراك فرحا اليوم
البحر : الحمد لله كيف لا أفرح وجسمي موطن لعديد من خلق الله ودمي مصدر من مصادر الحياة
أنا : أيا سبحان الله أكل هذا فيك
البحر : ليس هذا فقط فأنا من أحمل الحبيب للقاء حبيبه , والإبن للقاء أمه , والصديق للقاء صديقه , أنا من يضحي من أجل راحة الغير . وأحمل الأثقال الثقيلة له , أجعله يستمتع بمائي ويلعب بترابي وأطرب سامعيه بغنائي ويستنشق أنفاسي وأعطيه مما في أحشائي إشباعا لأحشائه
أنا سبب في شهرة العديد من الناس بسبب حملي لهم , أنا سبب ثراء العديد من الناس بما أخرجته لهم , أنا مصدر إلهام لكثير من الشعراء والرسامين .
أنا : ما شاء الله تبارك الله ماذا بعد
البحر : أنا من خلصت موسى وقومه من ظلم فرعون , أنا من حملت يونس في بطني , أنا من حملت نوحا على ظهري .
أنا مداوي للقلوب , مشاف للجروح , مطبب للهموم
فكم من مرة شعرت بشوق الحبيب لحبيبه , وأطفأت غضب الصديق ولهيبه
فكم من مرة سامرني الحبيب , سامرني المهموم , سامرني الغاضب , سامرني السعيد وكنت لهم حاضنا مرحبا
وقد ذكرت كثيرا في كتاب الله الكريم وفي أكثر من موضع وآية
فقد قال عز وجل (( وجعلنا من الماء كل شيء حي ))
فالآية واضحة وصريحة أني السبب الأول بعد الله في الحياة
(( قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً ))
وهنا ضرب الله عز وجل بي المثل في الإتساع والكثرة
(( وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره ))
وهنا ذكر الله بأني أحملكم هنا وهناك لتسيير مصالحكم وقضاء منافعكم
(( وهو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ))
وهنا تلخيص بما أحمله لكم من فوائد عظيمة
أنا : يا سبحان الله لا أستطيع وصف ما قلته لي
البحر : لا تقل شيئا بل قل الحمد لله
أنا : الحمد لله , يا إلهي تأخر الوقت لقد مر الوقت سريعا بصحبتك
البحر : نعم فاللحظات الحلوة تمر سريعا
أنا : نلتقي غدا يا صديقي العزيز , مع السلامة
البحر : مع السلامة , انتبه لنفسك
وبعدما ودعته عدت إلى وسط المدينة إلى الضوضاء والإزعاج
إلى الهواء الملوث
والجو البائس الكئيب
ماهي إلا دقائق وكانت طويلة وعدت إلى البيت
إستلقيت على فراشي أفكر بما قاله لي البحر اليوم
فنمت وأنا أردد
(( فتبارك الله أحسن الخالقين ))
أتى اليوم الثاني وأنا متلهف للقائه
مرت الدقائق وكأنها سنين
حتى أتى وقت العصر قبل الغروب بنصف ساعة (( وهو الوقت المعتاد لذهابي إليه ))
تحركت مسرعا للقائه ولكني كنت أشعر بشيء غريب
اقتربت منه ومازال هذا الشعور يضايقني
حتى وصلت إليه وذهلت بما رأيت
كان شاحبا حزينا
لونه متغير
ليس مبتهجا كعادته
فقلت : السلام عليكم
البحر : وعليكم السلام
أنا : ماذا بك اليوم يا صديقي لست على ما يرام
البحر : نعم أنا حزين وحزين جدا
أنا : معاذ الله لماذا
البحر : انظر حولك ماذا ترى
أنا وقد بدأت أفهم سبب حزنه : أرى القمامة والأوساخ هنا وهناك
البحر : هذا ما يحزنني فأنا وبالرغم من كل ما أفعله من أجلكم هذا الذي جنيته
لماذا أنتم هكذا تشوهون مظهري , تلوثونني
أنا : ( الحقيقة سكت فلم أعرف بماذا أرد عليه )
البحر : ليس هذا فقط بل حتى حروبكم ومعارككم وصلت إلي وجعلتموني جزءا منها وأجبرتموني على حملكم لقتال إخوانكم وجعلتموني أخبئكم في أحشائي من أجل قتلهم متخفين .
وليت الأمر بقي على هذا فقط فأصبحتم تقتلون مافي داخلي ليس لأجل فائدتكم بل من أجل وسخ دنيا ونقود لا تجلب سعادتكم
أصبح مافي داخلي يتناقص ويتناقص وإذا استمريتم في فعل هذا فستنقرض بعض منها
أكل هذا من أجل ما تسمونه الثراء سحقا له أيجلب السعادة , أيجلب المحبة , أيجلب رضا الله
لماذا أنتم هكذا ولكن لا أقول إلا شيئين ( إعمل خيرا تلق شرا ) ( إذا أكرمت الكريم ملكته , وإذا أكرمت اللئيم تمردا )
وجهش بالبكاء
ومازلت أهديه وأواسيه وأذكره بأن بعض الناس هنا لا يزال فيهم الخير حتى هدأ قليلا وتركته ليستريح
عدت إلى البيت مرورا طبعا بالشوارع والزحام والإزعاج والسب والشتم
عدت إليه ضائقا حزينا كأن الدنيا أعطتني ظهرها
جلست أفكر وأفكر
لماذا لا نحمد الله على نعمته
لماذا نكران الجميل وجحده
أين الوفاء , أين النخوة
هل سوف نقدر قيمة النعمة فقط عندما نفقدها
ولكن سيكون الأوان قد فات ولن ينفع الندم
ومازالت هذه الأفكار تراودني حتى طلع الصباح ( ويا ليته لم يطلع )
ذهبت لأحضر بعض الطعام وفتحت جهازا التلفاز وذهلت بما رأيت
رأيت صديقي العزيز وعلى غير عادته غاضبا ثائرا
ما هذا لا أصدق هذا ليس صديقي ماذا جرى له أين ابتسامته المشرقة , اين صوته العذب
إني لا أرى هنا سوى وحشا يلتهم المباني والسيارات والناس
تركت مافي يدي وانطلقت إليه مسرعا
لم اشعر بالوقت إلا وأنا عنده
فرآني مستغربا فليس من عادتي أن أذهب إليه في هذا الوقت
فقال لي : أهلا وسهلا
فقلت : لا أهلا ولا سهلا ماذا فعلت أيها الأحمق ماهذا الجرم الذي ارتكبته
فرد علي : أي جرم
فقلت : لا تتظاهر بالغباء ماذا فعلت البارحة
فقال : آآآه لقد فهمت هذا أمر من الله أمرني أن أفعله
فقلت : ونعما بالله ولكن أيأمرك الله بهذا
قال : نعم فالإنسان أكثر من ذنوبه في هذه الدنيا ونسي قول الله تعالى (( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )) وأصبح غارقا في شهواته متناسيا السبب الرئيسي في خلقه
فهدأت قليلا وأكمل البحر قائلا : أصبحنا نرى العداوة والبغضاء من المسلم وأخيه
أليس المسلم من قال عنه الرسول (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ))
أصبحنا نرى الحسد , الأنانية , الغيرة , الحقد . الخيانة
أصبحنا نرى الظلم , الإستبداد
أصبحنا نرى القتل , السرقة , النهب
أصبحنا نرى الكذب , شهادة الزور , الخداع
كل يقول نفسي , نفسي
فالإنسان أصبح بعيدا عن ربه كل همه الدنيا , كل همه سعادة زائفة لن تدوم
أصبحنا نسمع بدل التسبيح لله : ذم في الغير
أصبحنا نسمع بدل التحميد : جزع وسخط بأقدار الله
أصبحنا نسمع بدل القرآن : أغاني ومجون
أصبحنا نسمح بدل السلام عليكم : لماذا تنظر إلي – ما ذا تريد
أصبحنا لا نسمع الأذان لانسمع القرآن لا نسمع الذكر
أصبح الناس هائمين هكذا كل من أجل مصالحه
أصبحنا لا نرى الوحدة والأخوة والتجمع في المساجد
أصبحنا لا نرى بر الوالدين
أصبحنا لا نرى صلة الأرحام
أصبحنا لا نرى الإحسان إلى الجار
أصبحنا لا نرى البشاشة والإبتسامة
هكذا أصبح حال البشر اليوم
فقلت وقد خنقتني العبرة : وما الحل برأيك
فرد علي : قال الله تعالى (( ألا بذكر الله تطمئن القلوب )) (( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ))
فالإنسان يجب أن يرجع إلى ربه بالصلاة والدعاء
يجب أن يكثر من التسبيح والتكبير
يجب أن يبر بوالديه , يصل رحمه , يحسن لأخيه المسلم
يجب أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر
فقد قال عز من قائل (( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ))
يجب عليه إفشاء السلام وإماطة الأذى
يجب عليه التبسم والبشاشة
فبهذه الأشياء سنرى أمة محمد في القمة مرة أخرى
أنا : جزيت خيرا على كلامك فنحن معشر البشر يجب علينا إتباع آيات الله وسنة نبيه كي نرتقي بين الأمم
كي تصبح لأمة محمد ثقلها في هذا العالم كي يرونا قدوة كما كانوا يفعلوا سابقا
البحر : صدقت فهذه هي الطريقة الوحيدة ولا أجد طرقا غيرها مما يزعمون
أنا : سوف أرحل الآن أتريد شيئا
البحر : جزاك الله خيرا ولا تنسى نصائحي
أنا : لا تخف علي إن شاء الله مع السلامة
البحر : مع السلامة
فذهبت وأنا كلي شوق للقاء صديقي مرة أخرى
هذه هي قصتي مع البحر فمع البحر عشت كل شيء
عشت السعادة والحزن , عشت الضحك والبكاء , عشت الفرح والتعاسة
هذا هو الصديق الحقيقي
فأرجو من الله أن تكون قصتي أعجبتكم واستفدتم منها
والسلام عليكم







اضافة رد مع اقتباس
)


احس انه مخيف 
احس انه حنين او انه شخص اعرفه منذ زمن طويل






المفضلات