يقول تميم برغوثي :
القدس .. كانت ولا زالت زهرة المدائن وريحانة قلوب المسلمين ، كانت ولا زالت تلك الأرض الطاهرة ، التي احتضنت منذ ألاف السنين مئات الحضارات ، و ما أعرف بلدا كالقدس له منزلة مقدسة عند سائر الناس كافة على اختلاف عقائدهم ، ولا أذكر مكانة لبلد بعد مكة والمدينة ترتفع إلى التقديس عند المسلمين كالقدس، ولسنا نقدس أحجارا ولا نعبدها ولا نمجد بنيانا يتغير ويتبدل على مر السنين ولكننا نقدس ما قدسه الله ، مدينة تزهو على كل المدائن وبلدا يباركه الله في الدنيا وجعل فيه من دواعي التبريك والتقديس، أنبياء بررة ، ورسلا هداة ، وصخرة مقدسة ، ومسجدا طهورا، وغاية إسراء لأكرم الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام ومنطلق معراج له إلى السماوات العلا ، ومصدر الشعاع الحضاري الإسلامي عبر القرون .
مَرَرْنا عَلــى دارِ الحبيب فرَدَّنا
عَنِ الدارِ قانونُ الأعادي وسورُها
فَقُلْتُ لنفســي رُبما هِيَ نِعْمَةٌ
فماذا تَرَى في القدسِ حينَ تَزُورُها
تَرَى كُلَّ ما لا تستطيعُ احتِمالَهُ
إذا ما بَدَتْ من جَانِبِ الدَّرْبِ دورُها
وما كلُّ نفسٍ حينَ تَلْقَى حَبِيبَها تُـسَرُّ
ولا كُلُّ الغـِيابِ يُضِيرُها
فإن سـرَّها قبلَ الفِراقِ لِقاؤُه
فليسَ بمأمـونٍ عليها سـرُورُها
متى تُبْصِرِ القدسَ العتيقةَ مَرَّةً
فسوفَ تراها العَيْنُ حَيْثُ تُدِيرُها
***
في القدسِ، بائعُ خضرةٍ من جورجيا برمٌ بزوجته
يفكرُ في قضاءِ إجازةٍ أو في في طلاءِ البيتْ
في القدس، توراةٌ وكهلٌ جاءَ من مَنْهاتِنَ العُليا يُفَقَّهُ فتيةَ البُولُونِ في أحكامها
في القدسِ شرطيٌ من الأحباشِ يُغْلِقُ شَارِعاً في السوقِ..
رشَّاشٌ على مستوطنٍ لم يبلغِ العشرينَ،
قُبَّعة تُحَيِّي حائطَ المبكَى
وسياحٌ من الإفرنجِ شُقْرٌ لا يَرَوْنَ القدسَ إطلاقاً
تَراهُم يأخذونَ لبعضهم صُوَرَاًمَعَ امْرَأَةٍ تبيعُ الفِجْلَ في الساحاتِ طُولَ اليَومْ
في القدسِ دَبَّ الجندُ مُنْتَعِلِينَ فوقَ الغَيمْ
في القدسِ صَلَّينا على الأَسْفَلْتْ
في القدسِ مَن في القدسِ إلا أنْتْ!
***
وَتَلَفَّتَ التاريخُ لي مُتَبَسِّماً
أَظَنَنْتَ حقاً أنَّ عينَك سوفَ تخطئهم،! وتبصرُ غيرَهم
ها هُم أمامَكَ، مَتْنُ نصٍّ أنتَ حاشيةٌ عليهِ وَهَامشٌ
أَحَسبتَ أنَّ زيارةً سَتُزيحُ عن وجهِ المدينةِ، يا بُنَيَّ، حجابَ واقِعِها السميكَ
لكي ترى فيها هَواكْ
في القدسِ كلًّ فتى سواكْ
وهي الغزالةُ في المدى، حَكَمَ الزمانُ بِبَيْنِها
ما زِلتَ تَرْكُضُ إثْرَهَا مُذْ وَدَّعَتْكَ بِعَيْنِها
رفقاً بِنَفسكَ ساعةً إني أراكَ وَهَنْتْ
في القدسِ من في القدسِ إلا أَنْتْ
***
يا كاتبَ التاريخِ مَهْلاً، فالمدينةُ دهرُها دهرانِ
دهر أجنبي مطمئنٌ لا يغيرُ خطوَه وكأنَّه يمشي خلالَ النومْ
وهناك دهرٌ، كامنٌ متلثمٌ يمشي بلا صوتٍ حِذار القومْ
والقدس تعرف نفسها..
إسأل هناك الخلق يدْلُلْكَ الجميعُ
فكلُّ شيء في المدينة
ذو لسانٍ، حين تَسأَلُهُ، يُبينْ
في القدس يزدادُ الهلالُ تقوساً مثلَ الجنينْ
حَدْباً على أشباهه فوقَ القبابِ
تَطَوَّرَتْ ما بَيْنَهم عَبْرَ السنينَ عِلاقةُ الأَبِ بالبَنينْ
في القدس أبنيةٌ حجارتُها اقتباساتٌ من الإنجيلِ والقرآنْ
في القدس تعريفُ الجمالِ مُثَمَّنُ الأضلاعِ أزرقُ،
فَوْقَهُ، يا دامَ عِزُّكَ، قُبَّةٌ ذَهَبِيَّةٌ،
تبدو برأيي، مثل مرآة محدبة ترى وجه السماء مُلَخَّصَاً فيها
تُدَلِّلُها وَتُدْنِيها
تُوَزِّعُها كَأَكْياسِ المعُونَةِ في الحِصَارِ لمستَحِقِّيها
إذا ما أُمَّةٌ من بعدِ خُطْبَةِ جُمْعَةٍ مَدَّتْ بِأَيْدِيها
***
وفي القدس السماءُ تَفَرَّقَتْ في الناسِ تحمينا ونحميها
ونحملُها على أكتافِنا حَمْلاً إذا جَارَت على أقمارِها الأزمانْ
في القدس أعمدةُ الرُّخامِ الداكناتُ
كأنَّ تعريقَ الرُّخامِ دخانْ
ونوافذٌ تعلو المساجدَ والكنائس،
أَمْسَكَتْ بيدِ الصُّباحِ تُرِيهِ كيفَ النقشُ بالألوانِ،
وَهْوَ يقول: “لا بل هكذا”،
فَتَقُولُ: “لا بل هكذا”،
حتى إذا طال الخلافُ تقاسما
فالصبحُ حُرٌّ خارجَ العَتَبَاتِ لَكِنْ
إن أرادَ دخولَها
فَعَلَيهِ أن يَرْضَى بحُكْمِ نوافذِ الرَّحمنْ
***
في القدس مدرسةٌ لمملوكٍ أتى مما وراءَ النهرِ،
باعوهُ بسوقِ نِخَاسَةٍ في أصفهانَلتاجرٍ من أهلِ بغدادٍ
أتى حلباً فخافَ أميرُها من زُرْقَةٍ في عَيْنِهِ اليُسْرَى،
فأعطاهُ لقافلةٍ أتت مصراً
فأصبحَ بعدَ بضعِ سنينَ غَلاَّبَ المغولِ وصاحبَ السلطانْ
في القدس رائحةٌ تُلَخِّصُ بابلاً والهندَ في دكانِ عطارٍ بخانِ الزيتْ
واللهِ رائحةٌ لها لغةٌ سَتَفْهَمُها إذا أصْغَيتْ
وتقولُ لي إذ يطلقونَ قنابل الغاز المسيِّلِ للدموعِ عَلَيَّ: “لا تحفل بهم”
وتفوحُ من بعدِ انحسارِ الغازِ، وَهْيَ تقولُ لي: “أرأيتْ!”
في القدس يرتاحُ التناقضُ، والعجائبُ ليسَ ينكرُها العِبادُ،
كأنها قِطَعُ القِمَاشِ يُقَلِّبُونَ قَدِيمها وَجَدِيدَها،
والمعجزاتُ هناكَ تُلْمَسُ باليَدَيْنْ
في القدس لو صافحتَ شيخاً أو لمستَ بنايةً
لَوَجَدْتَ منقوشاً على كَفَّيكَ نَصَّ قصيدَةٍ
يا بْنَ الكرامِ أو اثْنَتَيْنْ
في القدس، رغمَ تتابعِ النَّكَباتِ، ريحُ براءةٍ في الجوِّ، ريحُ طُفُولَةٍ،
فَتَرى الحمامَ يَطِيرُ يُعلِنُ دَوْلَةً في الريحِ بَيْنَ رَصَاصَتَيْنْ
***
في القدس تنتظمُ القبورُ، كأنهنَّ سطورُ تاريخِ المدينةِ والكتابُ ترابُها
الكل مرُّوا من هُنا
فالقدسُ تقبلُ من أتاها كافراً أو مؤمنا
أُمرر بها واقرأ شواهدَها بكلِّ لغاتِ أهلِ الأرضِ
فيها الزنجُ والإفرنجُ والقِفْجَاقُ والصِّقْلابُ والبُشْنَاقُ
والتتارُ والأتراكُ، أهلُ الله والهلاك، والفقراءُ والملاك، والفجارُ والنساكُ،
فيها كلُّ من وطئَ الثَّرى
كانوا الهوامشَ في الكتابِ فأصبحوا نَصَّ المدينةِ قبلنا
يا كاتب التاريخِ ماذا جَدَّ فاستثنيتنا
يا شيخُ فلتُعِدِ الكتابةَ والقراءةَ مرةً أخرى، أراك لَحَنْتْ
العين تُغْمِضُ، ثمَّ تنظُرُ، سائقُ السيارةِ الصفراءِ، مالَ بنا شَمالاً نائياً عن بابها
والقدس صارت خلفنا
والعينُ تبصرُها بمرآةِ اليمينِ،
تَغَيَّرَتْ ألوانُها في الشمسِ، مِنْ قبلِ الغيابْ
إذ فاجَأَتْني بسمةٌ لم أدْرِ كيفَ تَسَلَّلَتْ للوَجْهِ
قالت لي وقد أَمْعَنْتُ ما أَمْعنْتْ
يا أيها الباكي وراءَ السورِ، أحمقُ أَنْتْ؟
أَجُنِنْتْ؟
لا تبكِ عينُكَ أيها المنسيُّ من متنِ الكتابْ
لا تبكِ عينُكَ أيها العَرَبِيُّ واعلمْ أنَّهُ
في القدسِ من في القدسِ لكنْ
لا أَرَى في القدسِ إلا أَنْت
ولكن ماذا حل بالقدس وأهلها؟ ماذا حل بتلك الأرض الطاهرة؟ ، بحثت طويلا عن الإجابة ، بحثت في خلجات نفسي ، بحثت طويلا ...
لقد نص الإسلام على تبريك مدينة القدس ، وجاءت الآيات المتعددة تذكر هذا التبريك الذي كان قبل ظهور الإسلام وقبل إسراء النبي صلى الله عليه وسلم ، أي قبل ارتباطها بالعقيدة الإسلامية ، وإن كنا نعتبر ذكر القرآن لها بالتبريك تقريرا لمباركتها ومكانتها في العقيدة الإسلامية فحين يصف الله سبحانه وتعالى القدس وما حولها بالأرض المباركة فإنه تنويه بمكانتها وتعريف للمسلمين بأهميتها يعزز ما وجه المسلمين إليه بعد الإسلام من تقديرها وقدسيتها.
أين قدسية القدس الآن ، أين أصبحت مكانتها عندها نحن أبناءها ، أبناء الإسلام ؟..
وقد حظيت مدينة القدس - وما تزال - بمكانة عظيمة في التاريخ الإنساني، لم تضاهيها في ذلك أية مدينة عبر التاريخ وعلى مر العصور، لقد تميزت هذه المدينة بخصوصية اكتسبتها من انفرادها بالبعد الروحي المرتبط بالزمان والمكان فهي في الزمان ضاربة جذورها منذ الأزل بوجهها الكنعاني الحضاري ، وقد تعاقبت عليها الحضارات و أمتها المجموعات البشرية المختلفة، مخلفةً وراءها آثارها ومخطوطاتها الأثرية التي جسدت الملاحم والحضارة والتاريخ دلالة على عظم وقدسية المكان.
والحق الإسلامي في القدس العربية يقين لا يعتريه شك ، فالقدس عند المسلم بقعة باركها الله وبارك حولها وهدى إليها وإلى البناء فيها عددا من أعضاء قافلة النبوة المباركة بدءا من سيدنا يعقوب عليه السلام حتى سليمان بن داود عليهما السلام. وهذه القافلة على ما هي عليه من كثرة وتنوع جغرافي هي محل تقدير، واعتزاز المسلم والإيمان الكامل بهم وبرسالتهم المكلفين بتبليغها إلى أقوامهم ومصداقا لقول الله سبحانه وتعالى: "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير".
القدس ، أرض الإسراء والمعراج ، الأرض الذي فيها ذلك المسجد الذي باركه الله ، وهو من بين المساجد التي أمر الله أن تشد الرحال إليه .
إخوتي /أخواتي ، لا أدري أتشعرون بالألم الذي يعتصر قلبي وأنا أكتب هذه الكلمات ، أتعلمون إخوتي/ أخواتي أنني بالرغم أني من سكان فلسطين ، إلا أني حتى اليوم لم أزر القدس ولم أصلي في المسجد الأقصى ، كل هذا بسبب الحواجز والعوائق التي وضعها الصهاينة ، حتى إن زيارة القدس الآن أصعب بكثير، من السفر إلى أي دولة ، وإنها أمنية أتمناها أن أمتع ناظري برؤية القدس وأن أصلي في المسجد الأقصى .
ولكن رغم كل هذا ، فالقدس كانت ولا زالت شريان فلسطين الأول ، كانت ولا زالت ارض المحشر والمنشر ، كانت ولازالت ملتقى الحضارات المتعاقبة ، كانت ولا زالت وردة تعبق بالتسامح والعراقة والأصالة ، فيقينا ستسقط كل الأقنعة وستبقى القدس مثالا للتسامح الديني وسنعيدها نحن أبناء الإسلام إلى وجهها الحضاري العربي الإسلامي لتظل زهرة المدائن ، ومدينة السلام وعاصمة الثقافة العربية .
أسأل الله أن تتحرر القدس من رجس الصهاينة والمعتدين ، وأن تعود القدس قدس العروبة
تحياتي




اضافة رد مع اقتباس


..؟؟؟
<<لا يكثر 

مشكور الموضوع الرائع دومت بكل الجديد الف شكر 



على التوقيع الحلو






المفضلات