منذ أن تعرفت على كوفي ريببلك ، لم أعد أشرب قهوتي يومياً إلا هناك. صدق السيد عبدالله عندما قالي لي بأن لديهم “أفضل قهوة”. أغلب مواعيدي مع الأصدقاء حولتها إلى هناك. ولكن في أغلب الأوقات، أكون وحيداً مع حاسوبي أو الكندل للقراءة.
قبل ما يقارب الشهرين كنت جالس كالعادة وإذا برجل في الأربعينات من العمر يقترب منّي ويسألني إن كنت “الفرحان اللي..”، قلت له: نعم وحييته. استأذن في الجلوس معي على نفس الطاولة لأن لديه موضوع يريد طرحه علي. رحبت وبه وبعد مقدمة كلام مجاملات دخل في الموضوع:
قال: “اسمي أبو فلان الفلاني. وعندي موضوع أريد استشارتك فيه لأنه مؤرقني منذ مدة طويلة وشاغل تفكيري”.
قلت: “اللهم اجعله خير”.
قال: “ابنة عمي كانت متزوجة من رجل لا تحبه وحياتهم كلها مشاكل ولديها منه طفله. وفي يوم، هربت من البيت واختفت لا نعلم مكانها. بحثنا عنها في كل مكان ولم نجدها. أبلغنا الشرطة وكل الجهات ولكن بلا جدوى. بعد شهرين، عادت لمنزل أهلها. كان زوجها قد طلقها وأخذ طفلته معه.”
وأكمل: “ما في شك أنها اخطأت في حق نفسها وأهلها وطفلتها بهروبها وجلبت لأهلها العار والفضيحة.”
قلت: “هناك الكثير من هذه القصص والحالات، وحتى تحكم بعدل لابد أن نعرف كيف كان يعاملها زوجها لأن هناك من الرجال من هو متوحش، وجرت العادة أن تتخلى العوائل عن بناتها وتتركهم يعانون مع هؤلاء الوحوش ثم يهربن، ونلوم البنت ولا نلوم الزوج. لا جديد في قصتها، وين الجديد؟”
قال: “المشكلة أنها منذ عودتها وحتى الآن لم يراها إنسان. هي ابنة عمي، ونزور بيت عمي و وزوجتي تقابل زوجات أخوان هذه الفتاة ، وتقابل أخواتها، وتقابل أمها وكلهم يقولون أنها بخير، ولكن لم يراها أحد منهم. حتى زوجات أخوانها وأخواتها يقولون لزوجتي أنهن لم يرينها منذ عودتها لمنزل والدها منذ سنتين"
قلت: “ما شافها أحد؟ يعني حابسينها في غرفه؟”
قال: “غالب ظني أن أباها وأخوانها قتلوها وأخفوا جثتها بسبب الفضيحة!!!”
وقف شعر رأسي، وسألته “متأكد؟”، قال:”انت تعرف قبيلتنا، وتعرف أن ما حصل عار وفضيحة، وعندما لا يكون أحد رأى البنت منذ عودتها، فليس لدي تفسير آخر لأنني أعرف عمّي جيداً وأعرف عقليات أبناء عمّي، أخوان هذه البنت. لذلك أنا متيقن بأنهم قتلوها لأنني لم أترك طريق لمعرفة مصيرها إلّا وسلكته. لم يراها مخلوق منذ عودتها من عائلتي أو جميع أقاربي”
وأكمل: “أنا تكلمت معك حتى تشير علي ماذا أفعل؟”
قلت له: “بلغ السلطات”
قال : “مستحيل. لا أستطيع أدخل في الموضوع بإسمي لأن المشاكل لن يكون لها آخر بين بيتنا وبيت عمي"
حاولت إقناعه بأن هذا موضوع حياة وموت، وأن دمها في رقبته إن حصل ما حصل فعلاً، ولابد أن يتحرك في الموضوع. بعد جلسة طويلة، خرجت معه بحل أن يدلني على منزل عمّه وأنا أتصرف في الموضوع بطريقتي. كنت أفكر اللجوء للشرطة أو لجمعية حقوق الإنسان للإستشاره، وتقديم شكوى حتى ولو بإسمي.
وعدني أن يعود إلي غداً بمعلومات وافيه عن منزل عمّه وخريطه تدل إليه يطبعها من قوقل ماب أو قوقل إيرث، وإسم عمه ورقم بطاقة الأحوال الخاصة به ومعلومات أخرى طلبتها منه.
انتظرته في الغد في نفس المقهى، وأتى فعلاً وبعد الجلوس، قال: “انسى الموضوع. الجماعة فعلاً قتلوها. وما عاد في داعي إثارة الموضوع، والله سوف يحاسبهم”.
حاولت معرفة كيف عرف؟ وحاولت اقناعه بخطأ موقفه، وأن دمها في رقبته إن لم يتحرك. والله كدت أبكي وأنا أحاول إقناعه ولكن بلا جدوى. ضغطت عليه كثيراً بلا جدوى. جاء وقت الصلاة، ورحنا نصلي في المسجد الملاصق للمقهى، ودخلت حتى اتوضأ. بعد الصلاة، انتظرته خارج المسجد ولكنه تأخر. دخلت المسجد لأبحث عنه ولكن لم يكن هناك أحد. بحثت عنه في الحمامات ولم أجده. بحثت في المقهى ولم أجده. في مواقف السيارات، ولم أجده.
هرب.
لا أعرف رقم هاتفه ولم يطلب رقم هاتفي. ولا أعتقد أن كنيته صحيحه.
لا أعرف إلا اسم قبيلته. أنا متأكد من انه ينتمي لتلك القبيلة بسبب لهجته وبسبب بعض المعلومات التي تبادلناها في الجلستين.
أذكر هذه القصة الآن، بعد قراءة الخبر المؤسف للشاب العشريني الذي قتل أختيه أمام دار الرعاية بسبب القبض عليهم مع مجموعة شباب.
كم فتاة اخطأت، فغيبوها أهلها عن العالم، أو قتلوها؟
نعيش في نفاق اجتماعي رهيب حين نتغاضى عن الشاب عندما يكون لديه علاقات غير شرعية، ولا نعتبر ما يفعله عار وفضيحة. وعندما تخطأ الفتاة، نتعامل بشكل مختلف تماماً.
هل السلطات تستقبل شكوى حول قضية مثل هذه: لا أعرف اسم الفتاة ولا أهلها ولا عنوانهم ولا تاريخ الأحداث ولا أي معلومة سوى أنها كانت متزوجه ولديها طفله وتطلقت ومن قبيلة معينه؟ هل يفتحوا تحقيق على معلومات مثل هذه؟
هل من نصيحة أو توجيه؟
- فؤاد الفرحان




اضافة رد مع اقتباس














المفضلات