منزلة الأخلاق
إننا في زمان نحن أحوج ما نكون فيه إلى خلق حسن مما افتقدناه في حياتنا اليومية السلوكية والوظيفة والأسرية والتعاملية مع الناس صغيرهم وكبيرهم , غنيهم وفقيرهم , رفيعهم ووضيعهم إلى غير ذلك مما تقطعت معه أواصر المحبة والإخاء والقرابة والرحم .
لذا كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من دنيء الأخلاق ويدعوه سبحانه قائلاً :
" اللهم اهدني لصالح الأعمال والأخلاق ، فإنه لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت ".
لقد أصبحت الأخلاق في عصرنا مسالك شتى تقمصت الأجساد فيها صوراً من زائفها فسميت بغير أسمائها .
فإليك أخي طرفاً منها يعجب لها قلبك ويستغربها عقلك وتأنفها نفسك :
- فمن الناس من أخلاقه تجارية مصلحية وقتية آنية !
- ومنهم من أخلاقه مع الناس يضرب بها المثل في الملاطفة والموادعة وجميل القول وبشاشة المطلع فما أن يدخل داره ويُغلق بابه حتى تتغير طباعه ، ويكفهر وجهه ويصبح عذاباً على أهله !!
- ومنهم من له وجوه وأقنعة ينزع واحداً ويلبس آخر بحسب الحال والمقام !
- ومنهم من يعجبك قوله حال رضاه , وخلقه حال سلواه فإذا ما تغير مزاجه ، وتكدر خاطره انقلب وحشاً كاسراً ولساناً جارحا فلا يترك لمن أمامه شاردة ولا واردة إلا وصمه بها !
وما علم بقوله صلى الله عليه وسلم :
" ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ".
سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب...وإن كثرت منه عليّ الجرائم
وما الناس إلا واحد من ثلاثة...شريف ومشروف ومثلي مقام
فأما الذي فوقي فأعرف فضله...وألزم فيه الحق والحق لازم
وأما الذي دوني فإن قال صنت عن...مقالته نفسي وإن لام لائم
وأما الذي مثلي فإن زل أو هفا...تفضلت إن الفضل للحر حاكم
إن للأخلاق في ديننا لمنزلة فضلى ومكانة عليا لا يوفق للصعود لها إلا من كان له حياء يجمله , وبر يقربه , قليل الأذى , كثير الصلاح , صدوق اللسان , قليل الكلام , كثير العمل , وقور صبور , شكور حليم , عفيف أحبه الله في السماء وكتب له القبول في الأرض .
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلي شأنها ويرفع قدرها فيقول :
" إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجات قائم الليل صائم النهار "
وقال أيضاً :" إن من أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً ".
فكيف لو علمت أخي أنه أعظم ما تدخره ليوم حسابك وطول قيامك بين يدي ربك حيث يقول صلى الله عليه وسلم :" ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق ".
أما إن أردت أن تنال محبة الله فعليك بهذه الوصفة النبوية التي يسطر لنا فيها الحبيب صلى الله عليه وسلم قوله :" إن من أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقاً ".
وكم يطمع الناس في طول عمر واتقاء مخاطر وتجنب آفات مهلكة قاتلة ، وما علموا أن ذلك يكون بحسن أخلاقهم قال صلى الله عليه وسلم :
" حسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار "
أخي يا من سمت نفسه بعد هذا التهذيب أخلاقه وتجميل آدابه ، هل لك في رحلة مباركة ميمونة نحط فيها رحالنا في ربوع أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ؟
حيث الحدائق الغناء والرياحين والأزهار , نقطف ثمارها ونستظل بأشجارها زادنا في هذه الرحلة الطيبة قوله تعالى :
" لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ."
وإن كنا نعجز جميعا في هذه النقلة الإيمانية الأخلاقية استقاء واستقصاء ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من خلق عظيم . فمن أي أبوابه ندخل وفي أي ساحاته نجلس ولكن حسبنا من القلادة ما أحاط بالعنق .
لذا رثته عاتكة بنت عبد المطلب فقالت :
فهذا أحد الأعراب يفجأه من ورائه فجبذه بردائه جبذة شديدة، حتى أثّرت في صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء!!
وإذا غضب أعرض وأشاح بوجهه ، وإذا فرح غض طرفه ، جُلُّ ضحكه التبسم .
لم يعب طعاماً قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه , وكان يسابق أهله ويمازح أصحابه ولكن لا يقول إلا حقاً . قال لأنس رضي الله عنه يوماً :" يا ذا الأذنين ".[ يمازحه صلى الله عليه وسلم ] .
وكان يحب الأطفال ويلاعبهم ، ويشفق عليهم ويرحمهم فعن السائب بن يزيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل حسناً رضي الله عنه فقال له الأقرع بن حابس رضي الله عنه : لقد ولد لي عشرة ما قبلت واحداً منهم !فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" لا يرحم الله من لا يرحم الناس ".
خدمه أنس رضي الله عنه عشر سنين يقول والله ما قال لي أُفاً قط ، ولا قال لي لشيء لو فعلت كذا ؟ وهلا فعلت كذا ........
فهنيئاً لمن بأخلاقه اقتدى وبشمائله تحلى , وبآدابه تمثل فهل من مسابق ومنافس للقرب من مجالسه في روضات الجنان .
يا من يحاول أن يكون خلاله...كخلال من قد فاز فأنصت واستمع
فلأقصدنك بالنصيحة والذي ...حج الحجيج إليه فأقبل أو دع
إن كنت تطمع أن تحل محلةً...في المجد والشرف الأشم الأرفع
فاصدق وبر وأرفق واتئد ...واحلم ودار وكاف واصبر واشجع
إن حسن الخلق ..هو بذل الندى وكف الأذى واحتمال البلاء .
حسن الخلق :تجمل بالفضائل وتخل عن الرذائل به ترفع الدرجات وتستر العيوب وتكسب القلوب .
حسن الخلق :راحة للبال وطمأنينة للفؤاد وطيب الحياة .
إن من أعظم ما يدفع المسلم للتخلق بالأخلاق الحسنة هو ما جاء من أحاديث نبوية وتوجيهات رسالية تشيد بالأخلاق فضلا وبمكارم الآداب والخلال نبلاً فمنها :
1) قال عليه الصلاة والسلام :" أفضل المؤمنين أحسنهم أخلاقاً".
2) وقال عليه الصلاة والسلام : " أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم خلقاً ".
3) وقال عليه الصلاة والسلام : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير ".
4) وقال عليه الصلاة والسلام: " أدخل الله الجنة رجلاً سمحاً بايعاً ومشترياً ومقتضياً ".
5) وقال عليه الصلاة والسلام : " أدن اليتيم منك وألطفه , وامسح برأسه وأطعمه من طعامك فإن ذلك يلين قلبك ويدرك حاجتك ".
6) وقال عليه الصلاة والسلام : " إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فأطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون ".
7) وقال عليه الصلاة والسلام:" إذا طبخت قدراً فأكثر ماءها , ثم انظر بعض أهل بيت من جيرانك فاغرف لهم منها ".
8) وقال عليه الصلاة والسلام :" ألا أخبركم على من تحرم النار ؟ قالوا : بلى . قال : على الهين اللين السهل القريب ".
9) وقال عليه الصلاة والسلام:" إن من موجبات المغفرة بذل السلام وحسن الكلام ".
10) وقيل : يا رسول الله ! أي الناس أفضل ؟ قال : " كل مخموم القلب صدوق اللسان ". قالوا :صدوق اللسان قد عرفناه ، فما مخموم القلب ؟ قال : "التقي النقي ، لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد ".
قالوا : فمن يليه يا رسول الله ؟ قال :"الذين شنؤا الدنيا وأحبوا الآخرة" قالوا : ما نعرف هذا فينا إلا رافعاً مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن يليه ؟ قال :" مؤمن في حسن خلق ".
وختاماً :
فنذكر مرة أخرى بصاحب الخلق العظيم صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فخلقه أسمى الخلق :" كان خلقه القرآن " .
وإليك هذه الصورة الوضاءة من أخلاقه عليه الصلاة والسلام ، فعن عمرة قالت : سألت عائشة رضي الله عنها كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا بنسائه ؟ قالت : كان كالرجل من رجالكم ، إلا أنه كان أكرم الناس ، وأحسن الناس خلقا ، كان ضحاكا بساماً.
الشيخ عبد الله الغامدي .






اضافة رد مع اقتباس


المفضلات