كَثِيرٌ مِن النَّاسِ يَعتَقِدُ أَنَّ تَربِيَةَ الأَبنَاءِ وَتَطوِيرَ قُدُرَاتِهِم تَأتِي عَن طَرِيقِ التَّغذِيَةِ أَيَّاً كَانَتْ ، وَأَعنِي بِالتَّغذِيَةِ هُنَا حَقنُهُم بِإِلقَاءِ المُحَاضَرَاتِ والتَّوجِيهَاتِ التَّربَوِيَّةِ فَقَط ، وَهَذَا شَيءٌ لا بَأسَ بِهِ ، وَلا كَلامَ عَلَيهِ ، وَلَكِن لا نَستَطِيعُ حَصرَ تَربِيَةِ الأَولادِ بِذَلِكَ ، وَلا نَستَطِيعُ قَولَ أَنَّ كُلَّ مَن تَربَّى سَارَ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ وَنَحَى هَذَا النَّحوِ وَانحَصَرَتْ تَربِيَتُهُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ ، إِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ جُزءَاً مِن لَوَازِمِ التَّربِيَةِ ، وَلَعَلِّي آخُذُ فِي هَذَا المَقَالِ الطَّرَفَ الآخَرَ وَالشِّقَ الآخَرَ لِهَذِه الطَّرِيقَةِ ، أَلا وَهُوَ التَّربِيَةُ عَن طَرِيقِ الأَخطَاءِ ...
كُلُّكُم ذَلِكَ الشَّخصُ الذِي يَتَعَرَّضُ لِمَوَاقِفٍ كَثِيرَةٍ فِي حَيَاتِهِ اليَومِيَّةِ ، وَكُلُّكُم ذَلِكَ الشَّخصُ الذِي يَعتَرِيهِ النَّقصُ ، وَالخَطَأُ وَارِدٌ لا مَحَالَةٍ ، وَبِالنَّظَرِ إِلَى سِيرَةِ المُرَبِّي الأَولِ مُحَمَّدٍ عَلِيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ يَجِدُ مَع تَنَوُّعِهِ فِي أَسَالِيبِهِ التَّربَوِيَّةِ إِلا أَنَّهُ لَم يُهمِل هَذِه الطَّرِيقَةَ ، وَلَعَلَّ أَهَمَّ شَيءٍ يُمَيِّزُهَا هُوَ ارتِكَازُهَا عَلَى نَفسِيَّةِ المُخطِئِ ، وَكَيفَ أَنَّ المُرَبِّيَ وَالمُتقِنَ لِهَذَا الأُسلُوبِ يُرَاعِي نَفسِيَّةَ المُخطِئِ ، مِمَّا يَزِيدُهُ ثِقَةً فِي نَفسِهِ وَارتِفَاعَاً لِمَعنَوِيَّاتِهِ ، وَبِالتَّالِي لَن يَعُودَ لِنَفسِ الخَطَأ وَلَن يُكَرِّرَهُ بِإِذنِ اللهِ لاحِقَاً .
****
مِنَ المَوَاقِفِ التِي لا نُحسِنُ التَّعَامُلَ مَعَهَا وَهِيَ وَاقِعٌ نَعِيشُهُ وَلَعَلَّكُم تُوَافِقُونَنِي عَلَيهَا ، حِينَمَا يُسكَبُ كَأسُ عَصِيرٍ مَثَلاً مِن أَحدِ الأَطفَالِ .. تَعَال وَانظُر إِلَى الشَّتَائِمِ التِي تَنزِلُ عَلَيهِ مِن كُلِّ حَدَبٍ وَصَوبٍ !! بِرَأيِي أَنَّ مِثلَ هَذَا الأَمرِ لا يَستَحِقُ كُلَّ هَذَا التَعنِيفِ ، وَإِذَا قَدَّرنَا حَجمَ الخَطَأ عَرفنَا كَيفَ نَتَعَامَلُ مَعَهُ ، فَالأَخطَاءُ مِنهَا مَا هُوَ كَبِيرٌ وَمِنهَا مَا هُوَ صَغِيرٌ لا يَستِحقُ عَلَيهِ أَيَّةَ مَجهُودٍ .. وَلَعَلِّي أَقُومُ بِتَضيِيقِ الدَّائِرَةِ أَكَثَرَ فَأَقُولُ إِنَّ أَفضَلَ أُسلُوبٍ نَستَعمِلُهُ مَع الأَخطَاءِ الصَّغيرَةِ هو التّغَاضِي عَنَهَا وَعَن فَاعِلِهَا وَكَأَنَّ شَيئَاً لَم يَحدُث "إلا" إِذَا كَانَت الأَخطَاءُ الصَّغِيرَةُ يَتَعَمَّدُ الطِّفلُ فِعلَهَا .. فَهُنَا يَتِمُّ تَنبِيهُهُ وَإِقنَاعُهُ أَكثرَ مِن مَرَّةٍ بِخَطَأهِ ، فَإِنَ تكرر الخَطَأ بَعدَ عِدَّةِ تَنبِيهَاتٍ فَهُنَا يُستَعمَلُ أُسلُوبِ الضَربِ الغَيرِ مُبرِحٍ ، وَآخِرُ العِلاجِ الكَي !!
وَبِالإِضَافَةِ إِلَى تَقدِيرِنَا لِحَجمِ الخَطَأ لِكَي نَتَعَامَلَ مَعَهُ .. يَظهَرُ لَنَا صِنفَا آخَرَ لا يَنبَغِي تَركُهُ وَلا إِهمَالُهُ ، إِنَّهُ "مُرَاعَاةُ نَفسِيَّاتِ الأَطفَالِ وَشَخصِيَّاتِهِم" فَمِنَ الأَطفَالِ مَن هُوَ عَنِيدٌ ، وَمنهٌم مَن هُوَ جَرِيءٌ ، وَمنهٌم مَن هُوَ فَاقِدُ الثِّقَةِ بِنَفسِهِ ، وَمنهُم ومنهم ..... الخ !! فَمَن مَنَحَهُ اللهَ فِقهَ النُّفُوسِ عَرَفَ كَيفَ يَتَعَامَلُ مَع كُلِّ شَخصِيَّةٍ ، وَعَرَفَ مَدَاخِلَ كُلِّ نَفسِيَّةٍ وَمَخَارِجِهَا .
****
وَلَقَد ذَكَرَ عُلَمَاءُ النَّفسِ – كما أكدت الدراسات – أَنَّ شَخصِيَةَ الطِّفلِ تَتَكَوَّنُ فِي السَّبعِ السَّنَوَاتِ الأُولَى مِن حَيَاتِهِ .. فَكَيفَ نُهمِلُ هَذِهِ السَّبعَ السَنَوَاتِ التِي عَلَيهَا حَيَاةُ الطِّفلِ كَامِلَةً .. فَلَو عَاشَ الطِّفلُ مِائَةَ سَنَةٍ فَإِنَّ شَخصِيَّتَهُ تَتَأَصَّلُ وَتَتَأَسَّسُ فِي هَذِهِ السَّبعِ السَّنَوَاتِ ، وَإِنَّ الاهتِمَامَ بِهَا ، يَعنِي الاهتِمَامَ بِحَيَاةٍ كَامِلَةٍ .. كَمَا أَنَّ الاهتِمَامَ بِهَا .. حَرِيُّ بِأَن يُعِيدَ أُمَّتَنَا الإِسلامِيَّةَ إِلَى مَجدِهَا وَعِزِّهَا وَكَرَامَتِهَا المَفقُودَةِ الانَ ..
عبدالله الجلاسي




اضافة رد مع اقتباس







..؟







المفضلات