.
وبخصوص الدكتور هيثم يبدو أنه استشهد رحمة الله عليه في أحداث بيروت الأخيرة عن عمر لا يتجاوز 35 سنة.
بيروت: مايا مشلب
«أيعقل ان كل ما نشهده يحصل في العام 2008؟» سؤال ردّده مرات عدة الشاب خالد جراب (26 سنة) وهو ينزف نتيجة اصابته بـ«رصاصة متفجرة اخترقت جسمه الطري» قبل ان يسلم الروح، كما تقول شقيقته نفين لـ«الشرق الاوسط». أما الدكتور هيثم حسن طبارة (33 سنة) ووالدته امال أنيس بيضون (58 سنة)، فلم يتسنَّ لهما حتى التنهّد لان قذيفة «بي 7» أطلقت عليهما فيما كانا يحبسان أنفاسهما وهما في طريقهما الى مكان، علّه يكون أكثر أمانا.
تتعدد سيناريوهات القتل وطرقه وحتى تفسيراته، إنما المؤكّد ان هؤلاء الثلاثة قتلوا بأسلحة باردة وبدم ابرد. قتلى هم او ضحايا أو شهداء، هنا لا تهمّ التسميات وإن تمايزت المفاهيم. ما يهمّ هو ان لبنان فقد في «أحداث 7 مايو (أيار)» خالد وهيثم وأمال وكثرا غيرهم ممن صاروا اسماء على أوراق بيضاء وسوداء تكسو جدران بيروت.
كان خالد واثقا من ان الامور ستعود الى طبيعتها في لبنان ليزدهر من جديد. لذلك كان ينشط في الفترة الاخيرة ليؤسس مكتبا يعنى بتيسير الشؤون السياحية... فإذا بالموت يسبقه برصاصة. هكذا يحدّث أفراد عائلته «الشرق الاوسط». اما «القصّة» فترويها شقيقته: «ذاك اليوم (8 مايو) صلّى خالد وتناول طعام الغداء. وذهبنا معا الى منزل جدي القريب من بيتنا (الكائن في منطقة رأس النبع في بيروت). لدى وصولنا وضبنا الاغراض لأنه اقترح التوجه الى الجبل ريثما تهدأ الامور، فإطلاق الرصاص بدأ بعد ظهر ذاك اليوم. اعتقد ان الامور لن تتجاوز قطع بعض الطرق والتظاهر. ولكن مساء قطعت الكهرباء حين كان النائب سعد الحريري يذيع خطابه وبدأ اطلاق الرصاص على المبنى. كنا نزحف تجنبا لأي رصاص طائش. وفيما كان واقفا يساعد خالتي على حمل بعض الاغراض، أصيب». تضيف: «حملته وخالتي المصابة بشظية في يدها، ووضعناه ارضا من دون ان يتوقف اطلاق الرصاص على المبنى. أجرينا سلسة اتصالات علّنا نفلح في نقله الى المستشفى، لكننا لم ننجح. فشلت كل الوساطات فيما كان ينزف وينزف... الى ان تخدّر القسم الاسفل من جسمه. حاول الجيش التدخل وأرسل ملالة إنما لم يسمح لها بالمساعدة لان الرصاص طاولها. بعد ساعتين ونصف ساعة وصلنا الى مستشفى بيروت الحكومي في آلية أخرى تابعة للجيش. قال لنا الطبيب إنه لو تمكنا من الوصول بعد نصف ساعة من الاصابة لما مات». تتابع الوالدة: «فشل الاطباء في متابعة الجراحة لفرط ما نزف. ذهب في غيبوبة فتورّم جسمه ونزف من عينيه ومات بعد 48 ساعة. ليلة الاصابة، سمعت بعض الاصوات فأدركت ان احدا ما اصيب، لكن لم أفكر للحظة انه ولدي. إنه فلذة كبدي ربيته 26 عاما، فأخذوه في ليلة. كنت اعيش على توقيته». وتضيف بأسى، بعدما اجهشت بالبكاء: «حين تكتبون (الصحافة) اسألوهم ما هي تهمتنا؟ ولاي قضية مات ابني؟ الناس يستشهدون لأجل قضية، إنما هو ليس محازبا او مؤيدا. كان مختبئا في بيت اهلي وليس خلف المتراس. وفي مأتمه توافد الناس من جميع الطوائف لتقديم واجب العزاء، كانوا اصدقاءه».
وتشرد بعينيها الدامعتين الى «مكان ما» وتروي: «صباح ذاك اليوم استيقظ صارخا متصببا بالعرق. هرعت اليه فقال لي انه رأى كابوسا. وشعر بأنه يختنق .... كان طموحه البقاء في لبنان بعدما حاول العمل في دول مختلفة». تعقّب شقيقته: «كان يعمل على تأسيس موقع الكتروني للمكتب الذي اراد افتتاحه قريبا. كان شابا ينبض بالحياة، اجتماعيا، خفيف الظل، يحبّه الجميع. لا أصدّق انه رحل ولن اصدّق. لقد اخذوا اخي مني، ولا استطيع استرجاعه». وفيما تقلّب بعضا من صوره وتسترجع بعض المحطات، تقول: «سنعدّ لوحة تحت عنوان أحلى الاوقات، تتضمن مجموعة من صوره».
الوالد الذي لزم الصمت، اكتفى ببعض الكلمات: «ربيت وحيدي وسندي. مال الدنيا لا يعوّض غيابه. نحن عائلة مؤمنة والحمد لله لكن الفراق صعب خصوصا اذا اتى باكرا وعدوانا».
مشهد الاسى يتكرّر في منزل محمد علي طبارة عمّ الشاب هيثم. لا يمكن مقابلة الوالد لانه مصاب بصدمة بعدما خسر زوجته وولده وأصيب ولداه الآخران بالرصاص. الدموع لا تسمح له بالتعبير عن «هول الصدمة». يقول: «وضبت العائلة الامتعة للاتجاه الى عاليه. وبعد مسافة قصيرة جدا استهدفت سيارته بقذيفة فقضى ووالدته، لكن المسلحين لم يتوقفوا بل أمطروهم بالرصاص. أصيب في رأسه الذي تطاير اشلاء... نقلهما أخي الذي كان يتبعهما في سيارته الى أحد المستشفيات، لكنهما كانا قد قضيا لحظة اصابتهما». وبحسرة يضيف: «خسر لبنان محكّما دوليا وأستاذا محاضرا في العلاقات الدولية في جامعات بيروت ولندن. كان على وشك الخطوبة. وقد كلّفني بترتيب منزله.
صحيفة الشرق الأوسط.
المفضلات