مشاهدة نتيجة التصويت: اي هذه الروايات تحب رؤيتها اولا على ملفات وورد ؟؟

المصوتون
29. لا يمكنك التصويت في هذا التصويت
  • معا فوق النجوم

    5 17.24%
  • العاشق المنتقم

    8 27.59%
  • حب غير متوقع

    8 27.59%
  • غرباء على الطريق

    8 27.59%
الصفحة رقم 96 من 569 البدايةالبداية ... 46869495969798106146196 ... الأخيرةالأخيرة
مشاهدة النتائج 1,901 الى 1,920 من 11376
  1. #1901

    ...::: البحيره السوداء:::......::: الفصل الرابع:::...

    4- ابتعد عن اختي!

    فترة مابعد رأس السنه ،مر عمل كلير بفترة ركود ،فقلة من الناس يفكرون بتغيير بيوتهم في الشتاء.وكان هذا موضوع حديثها مع جوني برتشارد، المحامي الذي تولى معظم مهمات هيلين في فترة نقاهتها الطويلة. بدا جوني متعاطفاَ ،ووافق :
    " انا اتلقى قسما كبيرا من دخلي من السماسرة أمثالك! لكنني محظوظ بالحصول على وصايا أعتمد عليها ،إذ يميل عدد كبير من الناس الى الموت في الشتاء، وكمنفذ لوصاياهم،أتلقى أجراً لابأس به. "
    كان جوني رجلاً لطيفاً، في أوائل الثلاثينات اشقر وضعيفاً.وقد فشل زواجه بعد سنوات ،ولذا عاش مع والدته في شقة على الساحل .وتقول الاشاعات المحلية إن أمه تسببت بالطلاق، لكنها لطالما كانت لطيفة مع كلير منذ عرفتها قبل أعوام انقضت. وتابع جوني :
    " قالت لي أمي أمس انه علينا أن ندعوك على العشاء قريباً. فمتى يمكنك المجيء؟ هذا الاسبوع؟ "
    ترددت كلير لبرهة،ثم ابتسمت له:
    " حسناً، مارأيك في يوم الاربعاء؟ "
    رحبت بها السيدة برتشارد،وأعدت لها طعاماً خاصاً،ثم أصرت على ان يعزف لهما جوني على البيانو بعد العشاء.استمتعت كلير بتلك السهرة ،ومالبثت أن دعت جوني بدورها الى منزلها بعد أسبوع. ولاحقاً،قالت لها لوسي بتشكيرة:
    " انه هاديء ،جداً! ماذا ترين فيه؟ اظن أنه جدير بفتاة أخرى ،نظراً لأنه يتلقى مدخولاً كبيرا.لكن،صدقاً كلير، انه يخلو من الاثارة تماما ً! "
    لكن كلير لم تكلف نفسها عناء المجادلة ،فهي تحب جوني .ومع انه ليس الحب الذي يدفعها الى الارتباط به،الا أن لوسي لا شأن لها بذلك.
    وخلال الاسابيع الاولى من السنه الجديدة ،تساقط الثلج بشدة في البلدة .فتكدس على الارصفة،واستحالت الأشجار نافورات من الكريستال،فيما اتخذ البحر شكلاً شاحباً، غاضباً، عاكساً السماء البارده.
    وفي صباح أحد أيا م الاسبوع الباردة ،تمتمت لوسي على مائدة الافطار :
    " أرجو أن يكون المكان الذي أستاجره دنزل بلاك دافئاً "
    وسرعان مالتفتت الى كلير بعينيها المشرقتين المتسائلتين:
    " وأين يقع بالمناسبة. لقد نسيت تماماً.....كلير! أنت لا تنسين أبداً الملكيات التي تهتمين بامرها.أتعرفين؟ لا شك أنه يشعر بالوحدة في هذه البلدة الغريبة ،لاسيما بعد أن عاش في هوليوود. "
    ومالبثت أن تنهدت بحسد وأضافت:
    " تصوري كل تلك الحفلات والنجوم المشهورين ! لا بد أن الامر رائع! "
    فكرت كلير كم ستكره العيش في هيوليوود،فحياة البلدة تناسبها أكثر ثم أجابت بجفاء :
    " ربما لا. ولعله لم يأت الى هنا إلا املاً في تلك الوحدة على كل حال، لم يهمك أمر رجل أخر وأنت مخطوبة؟ "
    فردت بحدة،وقد احمر خداها:
    " الا يمكن ان يكون لي اصدقاء اخرون ،وان كنت مخطوبة؟ "
    " لكن، ليس رجالا كدنزل بلاك يالوسي! فالعبارة التي تصفه بحق هي :الرجاء التعامل معه بحذر. "
    قهقهت لوسي وقالت:
    " كنت اعتقد أنك غير معجبة به لكن يبدو أنك تجدينه ساحراً جداً! "
    ولما عبست كلير،سارعت لوسي بالنهوض عن المائدة وهي تقول :
    " يا إلهي ، انظري الى الساعه...يجدر بي أن أسرع ،أراك الليلة. قد أتاخر ،إذ لدي اجتماع موظفين بعد دوام المدرسة،وذلك لمناقشة مهرجان الربيع الذي تخطط له "
    راحت كلير تراقبها وهي ترحل ،والقلق يعلو وجهها ،فقد بات اهتمام لوسي بدنزل بلاك مزعجاً. ولن يطول الامر حتى تتبلغ الاشاعات مسامع مايك ،ان تورطت معه .فهذه بلدة صغيرة ،ولا مجال لأخفاء الأسرار.
    وبعد فترة ، علمت ان البنائين باشروا العمل أخيراً في "البحيرة السوداء".وكان هذا المنزل الأكثر شهرة، لذا تحمس الجميع لفكرة أن يعود لللحياة بعد أن بقي خالياً فترة طويلة. وبعد أسبوع ،وفيما كانت كلير تقفل الوكالة في المساء ،خففت سيارة من سرعتها الى جانبها ،وإذا بدنزل بلاك ينادي: " سأوصلك الى البيت "
    هزت كلير رأسها نفياً:
    " كلا شكراً سأسير فالمنزل ليس بعيدا ً"
    فأمرها وهو يفتح الباب الامامي :" اصعدي! "
    واذا بها ترى على الرصيف الاخر اناساً تعرفهم يصغون الى حوارهما وان اكملت مسيرها ،فيما دنزل يتبعها بسيارته ،ويجادلها ،فستتضارب التكهنات وتتنوع. وأدركت بامتعاض انها لا تملك خياراً .فعلا التورد وجنتيها ،وصعدت الي السيارة ، قبل ان ينطلق بها دنزل. ومن غير أن تنظر اليه ،همست بعنف:
    " إياك أن تفعل هذا مجددا ً"
    فسألها بكل براءة :
    " أفعل ماذا؟ أتبرع بإيصالك الى منزلك؟ ومالعيب في هذا؟ "
    التفت اليه بحدة وأجابت:
    " كان عليك أن تنطلق ما ان رفضت، بدل ان تزعجني أمام كل هؤلاء الناس! "
    " ولم تهتمين بآرائهم؟ "
    " انها بلدة صغيرة ،ولا احب ان اكون موضع حديث. "
    لوى فمه سخرية وقال:
    " ستعتادين على هذا ان كنت مضطرة ،فعلى المرء ان يضع قناعاً أو اثنين "
    رمقته بنظرة جانبيه وسألته: "وكم قناعاً لبست؟ "
    فما كان منه الا أن ضحك وقال : " توقفت عن العد منذ زمن طويل "
    وفجأة أدركت أنهما لا يتوجهان الى منزلها،فعدلت جلستها ،وشعرت بكل عضلة في جسدها تتصلب.
    " الى أين تذهب؟ "
    " فكرت في أن نتناول العشاء في مكان ما في البلدة.وقد اكتشفت مطعماً صغيراً هادئاً، يديره طباخ ممتاز فعلاً. " " لكن لدي موعداً،فأرجوك ،خذني الى المنزل. "
    وراحت تكبت الرعب في صوتها ،وهي تحاول أن تبدوا باردة وبعيدة.
    والتفت اليها : "موعد؟ مع رجل؟ "
    " نعم، مع أن لا شأن لك بهذا. فهلا عدت أدراجك إذا سمحت ،وأوصلتني الى المنزل؟ لا أريد أن أتأخر"
    تمهل في قيادته وقد أشاح بوجهه الذي بات قاسياً،غامض الملامح:
    " كان لدي انطباع ان لا رجل في حياتك "
    فأجابت بارتياح فظ لم تستطع أن تشرحه حتى لنفسها : "إذا...كنت مخطئاً "
    " وما اسمه؟ "
    ولما لم تجيب ،ادار رأسه مجدداً نحوها ،ونظر اليها بحدة وعيناه تلمعان:
    " سألتك عن اسمه "
    " لاشأن لك بحياتي الخاصة. "
    " ليس الشاب الذي كان يضايقك في حفلة ليلة الميلاد؟ "
    فردت بإجفال :
    " هال؟ كلا، طبعاً! هال لا يعيش هنا بل عاد الى البلدة لقضاء الميلاد وحسب "
    عندها ،تمتم بهدوء:
    " جيد،وكما تعلمين ،لقد تفاجأت بما سمعته مصادفة .لم أظنك من النوع الذي يتورط مع رجل متزوج "
    فردت بحدة وقد تورد خداها:
    " لم يكن متزوجا حين عرفته "
    علق بهدوء:
    " فهمت.أتزوج بعد أن قطع علاقتك به؟ أم من منكما قطع العلاقة ؟أنت أو هو؟ "
    واثار فضوله انزعاجها ،وهي التي لم تكن تريده أن يهتم بحياتها ،فما بالك بحياتها العاطفية؟
    " أرجوك ،هلا توقفت عن طرح هذه الاسئلة وأوصلتني الى المنزل؟
    هز كتفيه بلا مبالاة،وانعطف بالسيارة ،وتوجه الى منزلها مباشرة من غير عجلة .ولما توقف امام البيت، فكت كلير حزام الامان ،لكن يده قبضت عليها في هذه اللحظة وأمسكتها من رسغها.
    " ماذا عن الرجل الذي تواعدينه الان؟ منذ متى تعرفينه ؟ هل العلاقة جدية؟ "
    وردت تعلى نظراته المتسائلة ببرود:
    " كيف تظن انك تملك الحق في سؤالي؟ وماذا لو كنت جدية ؟مادخلك بهذا؟"
    فأصر : " أهي جدية؟ "
    وكذبت : " نعم "
    وإذا بها ترى عينيه تومضان ،فيما حاجباه يرتفعان فوقهما :
    " لم لا تخبريني عن اسمه؟ أهو متزوج أيضاً؟ "
    فأجابت بحدة: "كلا، واسمه جوني .والان هلا تركتني؟ "
    ظنت لبرهة أنه لن يفعل ،فاحست بأعصابها تتشنج تحت بشرتها منذرة بالخطر .وقادت أعينهما معركة صامته، سلاحها النار التي اشتعلت بينهما.
    وفاق التوتر كل احتمال ، وأحست بأنها على وشك الصراخ،لكنه أطلق أخيرا،فسارعت بالترجل من السيارة، ومضت من غير ان تلتفت وراءها.
    وكان من المهم بالنسبة لها ألا تلتفت وراءها ،لئلا يعتقد أنه ترك فيها أثراً ما .ولم تكن تكذب عليه ،فهي مرتبطة بموعد مع جوني برتشارد، وسيصطحبها الى مطعم يوناني جديد فتح أبوابه في البلدة هذا الشتاء . وفيما هي تستعد ،أطلقت كلير تنهيدة ،فجوني رجل لطيف. لكنها لا تستطيع التفكير فيه كما تفكر في دنزل بلاك،رغم ان هذا الاخير لا يمت الى اللطف بصلة؟
    في الواقع ،لم تشأ أن تعبره أي اهتمام .وحاولت أن تتقيد بذلك أثناء النهار،لكنه غالباً مايتسلل الى أحلامها بازعاج .وظل ذلك الحلم الغريب الذي نسجت حبائلة ليلة الميلاد يراودها مرارا وتكرارا خلال هذا الشتاء الطويل والبارد ،رغم أنها لم تفهم معناه حقيقة. وبدأت تخشى من الخلود الى النوم.
    ولم تلتق دنزل بلاك لأسابيع، لكنها أحيانا تلاحظ حركة ناشطة وهي تمر "بالبحيرة السوداء" من سقالات حول السقف الى عربات مركونه في الفناء ،وكومه من مواد البناء موزعه خارج المنزل،اضافة الى رجال ،في أيديهم أكواب من الشاي ،يتأملون الطقس الذي أضحى معتدلاً هذا الاسبوع،بعدما ذاب الثلج ليترك المنطقة مغمورة بالمياه.
    وخلال هذه الاسابيع ،كانت نادراً ماتجد لوسي في المنزل .فقد حتم عليها المهرجان العديد من التمارين بعد المدرسة والقليل من وقت الفراغ. لكن كلير فكرت بارتياح ،انها ،على الاقل، ستنسى دنزل بلاك. فهي لا تأتي كلى ذكره أبدا الان. وعدا عن ذلك ،لم تكن تتكلم عن أي شيء آخر ،إذ كفت عن قراءة رسائل مايك أثناء الفطور ،أو التحدث عن مشاريعها للزواج ، المقرر قرابة عيد الفصح. وحين اقترحت كلير أن تتخذا تدابير جدية،انفعلت لوسي ورفضت مناقشة الامر. حتى أن والدها لاحظ هدوء لوسي الشديد وانطوائها على نفسها، وتمتم وهو يعبس بقلق:
    " إنها شاحبة أيضاً. هل تظنين أنها تعمل بجد ؟انها تمضي ساعات اضافية كثيرة كداً من أجل هذا المهرجان "
    فوافقت كلير :
    " لعل هذا هو مافي الامر .سأتكلم معها "
    وفي صباح اليوم التالي ،وفيما هما على مائدة الفطور،رفع روبن نظره عن المجلة التي يقرأها ،وهتف بحماس:
    " اسمعوا! يقال هنا ان دنزل سيصور فيلماً في انكلترا لاحقاً في هذه السنه، مما يفسر سكنه هنا! "
    فسأل أبوه:
    " أيتحدثون عن موضوع الفيلم "
    رد روبن:
    " انها رواية لفرد من عائلة برونتي ،لم أسمع بها من قبل،وتدعى "أجير القصر المميت"
    هل تعرفينها يالوسي؟ "
    " نعم، لقد كتبتها آن وهي الاخت الثالثة ومازالت على قيد الحياة .وتدور أحداث الرواية حول امرأة متزوجة تهرب من زوجها الثمل. "
    ولم تكلف لوسي نفسها عناء اشاحة نظرها عن الرسالة التي تقرأها. فارتاحت كلير وهينرى أنها فقدت كل اهتمامها في دنزل بلاك ،وأنها استعادت القليل من اللون هذا الصباح، فيما اكتسب خداها هذا الاحمرار الصحي . ومن يدري لعله ما من داعي للقلق عليها.
    وبعد عشر دقائق ،وفيما كانوا يستعدون للرحيل ،ذكرتها لوسي:
    " سآخذ سيارتي الى الكاراج.فهل يمكنكك أن تتبعيني الى هناك، ثم تصحبيني الى المدرسة؟ "
    -حسناً، ولكني سأوصل روبن وجايمي أولا ثم اراك في الكاراج.
    وستنتهز الفرصة التي انتظرتها كي تتكلم مع لوسي .وزاد ذلك التصميم فيها حين وصلت الى الكاراج،ورأت ان الاحمرار على وجه لوسي قد اختفى ليترك مكانه للشحوب مجدداً.
    0


  2. ...

  3. #1902

    ...::: البحيره السوداء:::......::: الفصل الرابع:::...

    لكن ما ان فتحت كلير فمها حتى تكهنت بالموضوع،وهتفت :
    " انا بخير تماماُ، وليس بي من سوء.فكفي عن انتقادي"
    فتفاجأت كلير برد فعلها ،ثم قالت وهي تخفف عنها :
    " أنا لا انتقدك يا لوسي .ولكنني وأبي قلقان عليك.فأنت تجهدين نفسك بالعمل ،وقد ظهرت عليك عوارض المرض.تذكري ان زواجك ليس ببعيد "
    التفتت لوسي اليها وهي تكاد تصرخ ، فيما احتد وجهها وارتسمت العدائية في عينيها المتألقتين.
    " أنا بخير، بخير تماماً.فدعيني وشأني! "
    كانت كلير من الصدمة بحيث قادت بصمت حتى بلغت المدرسة الابتدائية حيث تعلم لوسي. ومالبثت أن توقفت ،فخرجت لوسي من السيارة وصفقت الباب ومضت من غير سلام أو شكر.
    مابالها بحق السماء؟ و أوشكت تكلير على الانطلاق حين تقدمت المديرة وحيتها بحرارة.
    " كيف حالك ياكلير.تبدين شاحبة قليلاً، كحال لوسي مؤخراً.لكنها تعمل بجد استعداداً للمهرجان .اليس من المثير ان تتمكن من الحصول على مساعدة دنزل بلاك؟ فكرم منه أن يوفر لنا وقته ،لا سيما انه رجل مشهور!
    وأحست كلير بنفسها تتخدر من الصدمة ،لكنها تصنعت اجابة مهذبة ،قبل ان تبتعد بالسيارة بتمهل.إذا ،هذا هو السبب.لا عجب أن لوسي باتت شاحبة ومتوترة الاعصاب ، فهذا مصير نسائه .وتعرفت كليرعلى عوارض مرض هيلين نفسها ،اضافة الى النجمة التي مثلت في فيلمه الاخير .كما فكرت في وجه هيلين يوم أغمي عليها في الشارع، من الشحوب وخطوط التعب الى سواد العينين والظلال حولهما. وهذا الصباح ،حين تكلم روبن عن الاشاعة التي تدور حول فيلم دنزل الجديد،كيف لم تشك في تصرفات لوسي الفظة ،ولا مبالاتها الظاهرة بعد أن كانت اسيرة سحر كل مايتعلق به؟ وتذكرت كلير ان لوسي نوردت فعلاً،رغم أنها لم ترفع رأسها .فقد لاحظت اللون على خديها ،ولكن بلغ بها الغباء حداً ظنت معه أنها أفضل حالاً.وعليها أن تلعن نفسها لأنها لم ترى الحقيقة. وبدات تجمع تدريجياً قطع الاحجية الصغيرة ،فأختها تقابل دنزل بلاك سراً في الامسيات التي تتظاهر فيها بالعمل بالمدرسة حتى ساعة متأخرة .وهي لاتشك في ان لوسي كانت تعمل لساعة أو ما يزيد ،لكنها كانت لا تلبث ان تتسلل مع دنزل بلاك.
    وعضت كلير على شفتها السفلى ،وفكرت والشرر يتطاير من عينيها : "اللعنه عليه!"
    لم لا يتركها وشأنها؟ فهي مازالت صغيرة ، ولا تتمتع بخبرة حقيقية في الحياة خارج هذا المكان المنعزل المسالم.
    ولم تكن كلير مشغولة هذا الصباح ،فامضت جزءاً كبيراً من وقتها وهي تحدق في الفراغ، مكتئبة .ماذا عليها ان تفعل؟ لا يمكن أن تدع لوسي تحطم حياتها .فقد تفسخ خطوبتها ، وتتتحلى عن عملها ،ولكن ماذا تفعل حين يمل منها دنزل بلاك،كما توقعت كلير أن يفعل، ماذا قد يحدث للوسي حين تنتهي العلاقة ،فتواجه الواقع مجدداً،ومعه كل تلك العواقب الوخيمة لعملها؟ وفكرت كلير بمرارة:
    " لن يفعل ذلك بأختي !لن اكتفي بمراقبتها وهي تدمر حياتها .علي أن أوقفها عند حدها ،لكن كيف؟ "
    وعند الواحدة ،خرجت لتناول طعام الغداء.وفي طريقها الى مطعمها المفضل ،رأت دنزل يسرع الخطى على الرصيف الثاني،ومعطفه الاسود الطويل تتلاعب به الريح، فأحست بقلبها يكاد يتوقف عن الخفقان .سبق ان لمحته بضع مرات خلال الاسابيع الماضية من بعيد .وفي كل مرة وفي كل مرة ينتابها هذا الاحساس المقلق الذي يقارب الرعب،لكن احساساً آخر تغلغل فيها بقوة ،رغم أنها رفضت أن تواجهه، أو حتى أن تقر بوجوده.
    وخفف دنزل من سرعته ثم التفت ليعبر الشارع،فما كان من كلير إلا أن تسللت الى المتجر الأقرب لتختبيء فيه.
    فسألتها المرأة خلف المنضدة : " هل لي بمساعدتك؟ "
    نظرت اليها كلير بارتباك وهي لاتعرف نوع البضاعة التي يبيعها المحل،واضطرت الى اجالة النظر حولها،قبل ان تجيب :
    " آه، أود ثلاث حبات من البرتقال اذا سمحتِ "
    ومالبثت ان تركت المتجر بحذر،وهي تختلس النظر من جانب الى آخر .لكنها لم تقع على أي اثر لدنزل بلاك.وبدلاً منه،وقعت على هيلين، وهي تبدو سمراء مشرقة.
    حيتها هيلين بابتسامة: " مرحباً كلير، كيف حالك؟ "
    فأجابتها بصوت أجش،وهي مازالت تحاذر من ظهور دنزل. ثم لاحظت مظهر هيلين وعلقت: "تبدين رائعة. أعدت لتوك من مايوركا؟ "
    " نعم منذ يومين .لقد عدت وبول لنعيد افتتاح الفندق في موسم الربيع. "
    وعلا احمرار طفيف وجهها الاسمر،ثم قالت على عجل وبقدر من الخجل:
    " سنتزوج مجدداً ياكلير "
    ولم تكن تلك مفاجأة بالنسبة الى كلير، فاهتمام بول بهيلين ،واصراره على ان تسافر معه الى مايوركا اوضحا للجميع أنه مازال يحبها.
    " هذا رائع هيلين؟ لاعجب أنك تبدين بهذه السعادة ،بالمقارنه مع حالك قبل الميلاد ومرضك حينها .اما الان ،فأنت امرأة مختلفة! "
    " مرضي هو ما جمعنا مجدداً.أتعرفين؟ ان لم تتصلي به حينها ،لما عدنا الى بعضنا مجدداً."
    فاحتجت كلير :
    " بل أنا متأكدة من أنكما كنتما ستجتمعان عاجلاً أم آجلاً. "
    " لست ادري. فكلانا عنيد، ومتكبر جداً.وانا ادين لك ياكلير! ستأتين الى زفافنا ،اليس كذلك؟ سيكون حفلاً صغيراً، خلال شهر تقريباً.وهو عرس بسيط بلا هرج ومرج ،يضم العائلة وبعض الاصدقاء،وسيقام في الفندق. "
    " أود ذلك ،واشكرك على دعوتي. "
    وبعد ان اخذت كلير نفساً، اختلست كلير نظرة سريعه على طول "هاي ستريت"،لتتأكد من أن دنزل بلاك غير قريب.ثم سألت بلا مبالاة:
    " بالمناسبة، اما زال دنزل بلاك زبونك؟ "
    فتبدل وجه هيلين، وارتسمت عليه تقطيبة ،قبل ان تجيب:
    " كلا جوني برتشارد يتولى اعماله، ألا تذكرين؟ لماذا؟ "
    " لقد استأجر منا كوخاً ،بانتظار انتهاء الاعمال في "البحيرة السوداء"وكنت أتساءل اذا عدت الى تمثيلة بعدما تحسنت حالك الان؟ "
    فاجابت هيلين بجفاء: " كلا "
    وقررت كلير ان تجازف وتكون صادقه معها :
    " هيلين ،انا قلقة على لوسي...لقد اكتشفت لتوي انها تقابله،سراً! "
    فنظرت اليها هيلين بحدة واتسعت عيناها خوفاً:
    " لوسي؟ و لكن، أليست مخطوبة؟ "
    " نعم الى شاب لطيف جداً،يسكن في افريقيا في الوقت الحالي.وهي لم تره منذ تسعة اشهر،لذا فهي تشعر بالملل والوحدة .ومنذ ان تعرفت الى دنزل بلاك .وهي اسيرة سحره. "
    فعضت هيلين على شفتيها :
    " اذاً، انت محقة في قلقك عليها. فهو يثير المشاكل للنساء "
    ولما ازداد احمرارها ،نظرت الى كلير بتكشيرة،واضافت :
    " علي ان اعترف أنني فقد عقلي بسببه.فقد كان الحزن على بول يتملكني عندما التقيته.ولم أظن ان شعوري قد يزداد سواءاً،لكنني كنت مخطئة.وبدأت أواعد دنزل ،حتى تعلقت به لدرجة الهوس. وكان محط تفكيري كله ، فإن لم أره ،ابيت حزينه وان رايته، يسيطر علي الانفعال "
    بدت كلير شاحبة ومنزعحة ،وتمتمت :
    " تلك هي حال لوسي مؤخراً. كنت أظنها ترهق نفسها في العمل، اذ توقفت عن الكلام ، الا عندما تثور غضباً لتفاهات .وهي بالكاد تأكل ،وتعاني دواراً معظم الوقت ،كما انها تبدو كالاشباح "
    فعبست هيلين :
    " ياللمسكينه لوسي.انا آسفة لاجلها.وانا اعرف شعورها، لانني عشته .يالهي كم اشعر بالغباء ما ان تغلبت على احساسي هذا! وانا لا افهم كيف اوصلت نفسي الى تلك الحاله من اجل هذا الرجل. "
    فأجابت كلير :
    " اظنك كنت ،كما قلتمن قبل ، سريعة التأثر، بسبب بول "
    وأومأت هيلين:
    " نعم. لقد التقيت بدنزل ،وكان لطيفاً ومتفهماً "
    ولما لاحظت السخرية على ملامح كلير ،توقفت عن الكلام ، ثم عادت وأضافت
    " لا، كان على هذه الصوره حقاً! بدا مسانداً ومتعاطفاً جداً.أما أنا فكنت ابحث عن شيء ، اي شيء ليمنعني من التفكير في بول .لذا تعلقت بدنزل بلاك. أظنهم يسمون الحالة "تحويل" فأنت تحولين شعورك من رجل الى اخر حاول ان يساعدك على تخطي الاول "
    ثم ضحكت بحدة ،وتابعت :
    " لكن ذلك لايساعد ايضاً.وبطريقة ما يزيد الطين بلة، فقد توقفت عن الاكل والنوم، ولم استطيع التفكير الا فيه .ولا عجب انني اصبت بانهيار عصبي في النهاية.ولكن ،ما ان عدت الى بول ، حتى ادركت أن علاقتي بدنزل كلها هراء ليس الا.فلم أكن مرة مغرمة به،وهو بكل بساطة ،كان يتسلى معي"
    وانعصر صوتها ووجهها وهي تردف:
    " انه رجل معقد تماماً،يتلاعب بالناس ولا سيما النساء. "
    راحت كلير تنصت بانتباه،وهي تراقبها بمزيج من الشفقة والرعب وفروغ الصبر .وأضافت هيلين باختصار:
    " لوسي صغيرة في السن ولن تجيد التعامل معه ،ياكلير .قد ينزف جرحها بشدة، إت أخذت ألاعيبه على محمل الجد "
    فردت كلير ببطء:
    " اعرف. وهذا مايخيفني .فأنا لا اعرف كيف أوقفها .وهو لن ينصت الي,كما لن تفعل لوسي "
    " الا تستطيعين اقناع مايك بالمجيء قبل الوقت المحدد وتقديم موعد الزواج؟ "
    لمعت عينا كلير وأجابت :
    " هذه فكرة! وانا متأكدة من أن لوسي ما زالت تحبه "
    فمنحته هيلين ابتسامه :
    " حسناً، امل ان ينجح ذلك،فانا أحب لوسي.والان ، آسفه علي الاسراع ،مازال أمامي الكثير من العمل اليوم سأرسل إليك دعوة للزفاف ،ما ان تجهز البطاقات .اراك قريباً ياكلير "
    وفي ذلك المساء، وفيما كان الجميع الى مائدة العشاء، سألت كلير لوسي بلهجة عادية:
    "متى سيعود مايك بالتحديد؟ ألا يجدر بنا الاعداد للزفاف قريباً؟ "
    بدا وجه لوسي كبياض الثلج ،ثم تمتمت من غير أن ترفع رأسها :
    " مايك لن يعود "
    رفع الجميع رؤوسهم ،وراحوا ينظرون اليها بحدة .اما كلير فسألت وقد بدت متفاجئة وغير مصدقة:
    " لن يعود؟"ٍ
    " لقد عرض عليه عقد عمل لثلاث سنوات ،ويريد أن يقبله.ولا ينوي أن ينوي ان يعود مجدداً حتى تنتهي مدة العقد. "
    بدا صوت لوسي مرتجفاً، عالياً وحاداً ،اما شفتاها الشاحبتان فارتعشتا وهي تتكلم.
    " ولكن ماذا سيحدث بشان الزواج. هل سيؤجله، أم...؟ "
    " لقد طلب مني ان اطير الى افريقيا، كي نتزوج هناك. "
    وانفعلت لوسي بغضب وهي تتابع:
    " لن يحضر الزفاف أي من اصدقائي .وحتى لو تمكنتم من دفع مصاريف الذهاب والاياب ، لن يكون زفافاً حقيقياً! وانا التي لطالما خططت لزواجي في كنيستنا ،مع اشبينتي وباقة أزهار فيما الة الارغن تعزف و.."
    وفجأة ،ابعدت كرسيها ،ونهضت والغصة في حلقها ،ثم اكملت :
    " في الواقع ،لن ارضى باحتفال سريع في مكان غريب، من دون وجود احد تقريباً.لذا ،يمكنه أن ينسى الامر! "
    ولما هرولت خارج الغرفة ، اطلق روبن صفيراًعالياً،ووجهه كئيب:
    " الى متى ستبقى شعاع الشمس الذي ينير المنزل؟ لم لا يستطيع مايك أن يعود ويتزوجها بكل بساطة، ثم يخبرها عن أفريقيا؟ "
    وتبادلت كلير ووالدها النظرات.
    " الان عرفنا لم تتصرف بغرابة مؤخراً ياكلير! "
    " ألديك عنوان مايك في أفريقيا يا ابي؟ لا بد ان لديهم هاتفاً في تلك الكلية.لعلنا نقنعه بالعودة للزواج. "
    " قد نستطيع ذلك فعلاً.ولكن ،حتى لو فعلنا ،اتساءل ان كانت لوسي تود العيش في افريقيا بعد ذلك."
    وما ان سمعت صوت ابيها الرقيق حتى عبست وقالت:
    " أفهم شعورها بالخداع لأنها لن تحصل على هذا الذي لطالما حلمت به يا أبي؟ فلطالما كانت لوسي فتاة رومانسية.ولا أظنها عنت أنها لاتريد العيش في أفريقيا ، بل تريد زفاف أحلامها أولا ً"
    تمتم جورج سامر بجفاء:
    " أتساءل عن ذلك .أظن أن لوسي تبدي ردة فعل ازاء اي تغيير من أي نوع . فهي لم تعش يوماً في مكان غير هذا، ولا تريد ذلك أيضاً.اخشى أنها مازالت تتصرف كالاطفال .والا ،لقبلت قراره من دون ان تنتابها نوبة الغضب هذه، هذا اذا كانت تحبه، وتحترم خياراته "
    ثم هز رأسه وتنهد قبل ان يردف :
    " كلا يا كلير ، لا اعتقد أنه يجب ان نتدخل.فهذا الامر يعنيهما .ومن الواضح أن مايك وجد المكان الذي يحبه ،ويريد العيش فيه ، كما وجد عملاً يرغب في ممارسته ،وعلى لوسي ان تواجه هذا الواقع.اما ان ارادتِ التحدث الى احد ، فتحدثي اليها ودعيها تفهم أن الحياة لا تعني ان ينفذ الناس مشيئتها ،ويسلموا لها دائماً. والزواج خاصة،ينص على التسوية،فيتوافق الشخصان على الامور بالتساوي.وبصراحة ،اظن أن لوسي قد نضجت بما يكفي لتفهم هذا "
    فأجابت كلير بقدر من السخرية:
    " ربما الخطأ خطؤنا ، لعلنا أفرطنا في تدليلها "
    وعلق روبن وهو يضحك:
    " لا شك في هذا. فلوسي فتاة لطيفة ، لكنها اعتادت على العيش وفق طريقتها الخاصة، ولامجال لانكار ذلك. ولطالما تساءلت كيف عساها تعتاد على الحياة الزوجيه.فكما تعلمان ، مايك ليس برجل يسهل التغلب عليه، وهو لن يسمح لها ان تسيطر عليه كما تفعل معك ومع ابي. "
    0

  4. #1903

    ...::: البحيره السوداء:::......::: الفصل الرابع:::...

    ضحكت كليري امامه ،لكنها ،في سرها، ادركت ان كلامه وكلام والدها ينطوي على قدر من الحقيقة.ومع أن لوسي فتاة مدللة ، الا أن ذلك لم يمنع كلير من القلق من علاقتها من دنزل بلاك. في الواقع ،اشتد قلقها الان. فمن الواضح أن لوسي باتت أكثر حساسية في الوقت الحالي. ولا بد أن دنزل بلاك تمكن من الاقتراب منها بهذه الطريقة أما السؤال ،فإلى أي مدى لوسي متورطة معه؟ أهو يساعدها في أزمة فحسب، ام أن في المسألة أكثر من هذا؟
    لاحقاً، كانت نتظف مائدة الطعام ، حين تناهت اليها خطوات لوسي في الرواق،وهي تتجه نحو الباب ، فسارعت لتعترضها. لكن لوسي نظرت اليها بتحد، وعيناها حمراوان عند حافتهما، بشكل يثير الشك.
    " انا خارجة! "
    " في هذه الساعة؟ انها تقارب التاسعه! "
    " لست بطفلة !فكفي عن معاملتي هكذا! "
    شعرت كلير برغبه في صفعها ، لكنها نجحت في التحكم بأعصابها بعد جهد.
    وأضافت لوسي بسرعه وكأنها قرأت تعابيرها:
    " سألتقي أحدهم من أجل مهرجان المدرسة "
    فسألتها كلير بحدة :
    " أهو دنزل بلاك؟ "
    وسرعان مالمعت عينا لوسي بخوف،وسألتها: " ماذا؟ "
    في الواقع، ارادت لوسي ان تستغل عامل الوقت لمصلحتها ، وان تتبين كم من المعلومات التي تعرفها كلير، والكم الذي معرفته ،لترى كيف يمكنها أن ترضيها.وأعلنت كلير بنبرة هادئة:
    " اعرف انك تقابلينه ،وانه يساعدك في المهرجان .فقد اخبرتني مديرتك كل شيء... لم لم تذكري لي الامر؟ لم تخبريني مرة أنك ترينه مجددا ً"
    فلوت لوسي فمها ،وردت :
    " عرفت كيف ستكون ردة فعلك. لقد أوضحت لي أنك لا تريدين مني مقابلتته مجدداً، ولم اكن ارغب في مجادلتك في الموضوع "
    عندئذ ،انبتها كلير :
    " لم اظن انك ستكونين بهذه السرية،منذ متى وانت تقابلينه؟ "
    فأجابت بعبوس :
    " لقد صادفته في البلدة في نهاية احد الاسابيع ،واخبرته عن المهرجان، وحين قلت له انني احتاج الى بعض النصائح عن المسرح، ابدى لطفاً غامراً، وعرض مساعدته "
    هتفت كلير بجفاء:
    " بل صادف أنك طلبت منه المساعده. "
    عندها نظرت اليها لوسي بغضب:
    "حسناً، ربما كنت واضحة. لكن لم استطيع تفويت هذه الفرصة. لقد تحمس جميع من في المدرسه، وأظن أن دنزل يستمتع بوقته أيضاً. فهو مهتم فعلاً،وقد اقترح العديد من الافكار الجيدة .كما يتعامل مع العمل باحتراف ،وليس كمجرد مجهو د مدرسي يقوم به بضعة هواه..."
    قاطعتها كلير وهي تقطب جبينها :
    " أشك في أن شخص مثله سيهتم بما يظنه عمل هواة .فهو محترف مهم، ولم يكن يحق لك ان تطلبي منه ذلك..."
    فردت لوسي بحدة:
    " كان باستطاعته ، ان يتذرع بعمله ،لكنه لم يفعل .واظن انه يستمتع بوقته.واعرف أن الاطفال يعشقونه "
    ثم حدقت في كلير وأكملت :
    " وانا كذلك! اليس هذا ماتودين معرفته؟ أنت تشكين في أنني مغرمه به،هذا واضح تماماً.ماذا يجري؟ هذا هو السؤال الذي تتحرقين الى طرحه ،فأنا أعرفك جيداً.انه لايحاول إغوائي ،بل هو في غاية اللطف والود، ويراعي مشاعري "
    فأجابت كلير وقد استحالت عيناها داكنتين غضباً :
    " يمكنني تصور ذلك "
    " بل لايمكنك ! فأنت تفتقرين الى أي مخيلة .ولا تملكين الا سوء التفكير .في الواقع ، كنت بحاجة الى انسان أحادثه ،فأخبرته مشاكلي ،وأنصت الي. وكان هذا كل ماحتاجه..إنسان يستمع الى شكواي ،ويهتم بي ،وياخذني على محمل الجد "
    فهتفت كلير بغضب:
    " ما كان ينبغي أن تتحدثي إليه، بل الى مايك! "
    " مانفع التحدث الى مايك وقد اتخذ قراراً بشأن حياته، ولم يكلف نفسه عناء سؤالي عن الحياة التي أريد؟ اتضح لي أن ما من صفة مشتركة بيننا بعد الان. "
    أصيبت كلير بالرعب، وما كان منها الا أن رمقتها بنظرة غريبة، فالوضع أشد سوءا مما كانت تظن.
    " لوسي ،أنت تحبين مايك،فأنت مخطوبة اليه منذ اشهر. على الاقل ، تكلمي معه في الموضوع. لايمكنك الاكتفاء بالرحيل .ألا يستحق منك هذا ؟ كيف له ان يدرك شعورك إن لم تخبريه به؟ "
    " استطاع دنزل أن يتفهمني ،فلم لا يتمكن مايك من ذلك؟ "
    " لا يسدي اليك دنزل أي معروف ، بتشجيعك على التحدث اليه عوضاً عن الرجل الذي يفترض أنك ستتزوجينه. لوسي، انه يسبب لك المشاكل ،فتوقفي عن مقابلته بكثرة.ستصبحين مثل هيلين قبل ان تنهار بسبب فقر الدم. "
    ضحكت لوسي بغضب وقالت:
    " ولكنني مصابة بفقر الدم ! ولا تدخلي هيلين في الموضوع! فدنزل لم يتسبب بمرضها، بل لطالما كانت هي عصبية "
    " هذا ليس صحيحاً.كانت هيلين دائماً مليئة بالسعادة والحيوية حتى التقت بدنزل بلاك. "
    فترددت لوسي قبل ان تقول بنزق:
    " علي اي حال، ما علاقة كل هذا بي؟ لقد عادت الى بول الان،وبدت لي بحال جيدة في المرة الاخيرة التي رأيتها فيها "
    تنهدت كلير ،وهي عاجزة عن إنكار أن هيلين تغلبت الان على دنزل .لكنها لم تشأ الاستسلام.
    " لوسي، لم لا تتصلين بمايك، وتتحدثين اليه صراحة ؟ سأدفع ثمن المكالمة .فاتصلي به الان، هذه الليلة. "
    بدت بشرة لوسي شاحبة للغاية ،وارتعشت شفتاها وهي تقول:
    " لا، لا أريد التحدث اليه .لقد انتهي مابيننا .وسأرسل له خاتمه .اسمعي ، علي الذهاب .قلت لدنزل إنني سأصل عند التاسعه،وقد تأخرت "
    سألتها كلير وقد عيل صبرها :
    " لم ألح عليك لرؤيتك الليلة بشأن المهرجان؟ "
    فنظرت اليها لوسي بعيني لامعتين جامحتين، واجابت :
    " حسناً لا يتعلق لقاؤنا بالمهرجان. بل أريد رؤيته وحسب "
    واذا بيد جليدية تعصر قلب كلير، فرجتها وهي تحاول أن تمسكها :
    " لوسي ،لاتذهبي. انه خطر عليك، الا تفهمين ذلك؟ أنظري الى نفسك بحق السماء، تبدين رهيبة! "
    فدفعتها لوسي عنها بقوة :
    " ليس هذا رأي دنزل!انه يقول إن وجهي ملائم للتصوير . واسمعي هذا! يريد أن يخضعني لتجربة فيلم، وسيضمني الى فريق فيلمه الجديد! "



    ****
    - نهايه الفصل الرابع -
    0

  5. #1904

    ...::: البحيره السوداء:::......::: الفصل الخامس:::...

    5 - قانون كلير

    في تلك الليلة تقلبت كلير في فراشها .فكيف يمكنها النوم،وأختها توشك ان تدمر حياتها بنفسها؟
    وحين اخبرتها لوسي عن تجربة الفيلم، ودورها في فيلم دنزل بلاك الجديد، ارتكبت كلير خطأ الصراخ بغضب:
    " أنت لا تعتقدين أنه جاد في قول؟ "
    " يقول لي العديد من الناس انه يجدر بي التمثيل؟ "
    ثم اشاحت عنها بغضب مماثل ، وأخذت تتأمل انعكاسها في المرآة الجدارية بتمعن طويل .فما كان من كلير الا ان ضحكت من غرور أختها السخيف ثم عمدت الى مضايقتها:
    "أنت تقصدين العديد من الرجال الذين يرغبون في مواعدتك أليس كذلك؟ "
    وبالطبع،تلقت نظرة غاضبة من لوسي التي دمدمت بحدة:
    " لكن دنزل يعني مايقول .وهو لا يتبجج! سأخضع لتجربة الفيلم يوم السبت ،فتقبلي هذا الواقع! "
    سكتت كلير،وقد علت الصدمة وجهها ، مما دفع لوسي الى رسم ابتسامة ظافرة صغيرة على محياها،وقد اسعدتها ردة فعل أختها .واخيراً،أضافت بعنف:
    " ولا تظني أن بإمكانك ردعي.فهذه حياتي ،وليست حياتك .لم أعد طفلة بعد الان ،لذا توقفي عن التدخل "
    لكن كيف باستطاعة كلير أن تفعل هذا؟ فمنذ وفاة والدتهما ،وكلير مسؤولة عن لوسي والصبيين. اما جورج سامر ،فكان والداً عطوفاً، لكنه تقليدي في تفكيره، وقد نسأ مؤمنا أنه من واجب المرِأه أن تربي الاولاد وتدبر شؤون المنزل .لذا ، عندما ماتت زوجته ، ترك هذا الدور لابنته الكبرى من غير ان يعيد التفكير في ذلك. وهي نفسها لم تحاول أن تتملص مما اعتبرته واجبها.وكان بقية الاولاد في ذلك الوقت بحاجة الى حنان الام ورقابتها ورعايتها .ولم تكن المهمة سهلة على كلير ،الا انها بذلت مابوسعها. ولو كانت حرة لتتصرف على هواها ،فتخرج كل ليلة ،وتعيش لنفسها وتستمتع بوقتها ،لاصبحت حياتها مختلفة تماماً. ومع مرور السنوات .بدأت العلاقات التي تبنيها تذبل ثم تموت ،لاسيما مع افتقارها لوقت الفراغ. فقد توقع منها الرجال أن توفر ولو قليلاً من الوقت لهم.ولم يشاؤوا ان يصطفوا من أجل الحصول على قدر من اهتمامها، ولا يرغبون في منافسة صبي يعاني من الحصبة، او والد مصاب بالانفلونزا ويحتاج الى رعاية دائمة .وهكذا ،استسلم اشد الرجال صبراً، ورحلوا عن حياتها.
    أما من ناحيتها ،فلم تكن جدية بشأن اي منهم ،باستثناء هال طبعاً.وحين تستعيد ذكرى هذه العلاقة، تدرك أنها لم تعره كل اهتمامها يوماً.لذا ربما لم يكن مخطئاً كلياً في ما أقدم عليه، فهي كانت من الانغماس في رعاية عائلتها بحيث لم تشأ أن تقع في الحب.وربما باتت هذه عادة ،ولعل لوسي محقة ،فهي فعلاً تحاول إدارة حياتها عنها. ولكن حين تراها متوجهة نحو الخطر مباشرة ،كيف يسعها أن تكتفي بالتفرج ،وتدعها تمضي نحو مصيرها؟
    وبعدما امضت ليلة قلقة ،نهضت من فراشها ،شاحبة الوجه،ولا شهية لها للافطار .وحين القت نظرة على نفسها في المرآة ،تعرفت بحزن الى عوارض ضحايا دنزل بلاك، وقد بدأت تبدو على محياها. وسرعان ماسرت فيها قشعريره. فما الذي دفعها الى هذا التفكير بحق السماء؟ لن يحدث لها هذا أبداً! لاسيما انها تعرفه تماماً، فرجل كدنزل بلاك لا يقوم بألاعيبه في وضح النهار ،بل يتخذ ضياء القمر والموسيقى الرومانسية حليفين له، ويستهدف دائماً نساء كهيلين ولوسي، أي نساء حزينات ،وحيدات ،يتقن الى القليل من الرومانسية. لكنه، لن ينجح في مبتغاه ، على الاقل ، ليس مع لوسي .وقررت كلير بعزم ان تنقذ اختها، حتى ولو لم تشأ
    لوسي ذلك .قد تكون المرة الاخيرة ، ولكن كلير لن تتنحى جانباً، وتشاهد أختها وهي تدمر حياتها ،لاسيما حين يكون باستطاعتها أن تضع حداً لما يجري .
    وباشرت أولى خطواتها في الصباح حيث اتصلت بمايك في دار المعلمين وبدت في صوته نبرة كئيبة:
    " اتتصلين بي لتخبريني أن لوسي التقت بشخص اخر؟ "
    فتفاجأت كلير: " ما الذي يجعلك تعتقد .."
    ولكنه قاطعها :
    " لست غبياً واستطيع أن اقرأ مابين سطور رسائلها. فقد تغيرت في الاشهر القليلة الماضية "
    " مايك انها غاضبة منك كثيراً، وما من شخص اخر في حياتها .كانت تتحرق شوقاً الى يوم زفافها منذ مدة طويلة ، ولعلك أنت لا تدرك كم تهتم المرأه بهذه المسائل.
    كانت تتكلم في سرعة ،وتختصر في شرحها ،وهي تحاول أن تقنعه بوجهة نظر لوسي .وحين توقفت ،قال مايك وقد فرغ صبره:
    " لكني اذا عدت الى المنزل لاسابيع قليلة بهدف الزواج وقضاء شهر العسل ،فسيكلفني ذلك مالاً كثيراً. ظننت أنه من الافضل أن نتخلى عن حفل زفاف مكلف ،اضافة الى رحلتي الى الوطن ،وبدلا ً من ذلك ،نستخدم هذا المال لشراء معدات لمنزلنا الجديد هنا .بدا لي هذا منطقياً أكثر.
    فخففت عنه كلير بلطف :
    " أنت محق طبعاً..لكن ،يا مايك... لوسي فتاة رومانسية ،وقلبها يحلم بزفاف أبيض، مع عائلتها وكل أصدقائها،في الكنيسة التي عرفتها طيلة حياتها.وتلك هي طريقتها في بداية حياتها معك.هكذا يعمل ذهنها ،يا مايك ، وهي تهتم كثيراً بالعائلة والتقاليد.وحتى في صغرها ،كانت تحب ان تُروي لها القصص قبل النوم بالطريقة نفسها كل مرة .وهي تكره التغيير الذي يطرأ على روتينها ،وتملك عقلاً تقليديا ًجداً "
    ثم توقفت قليلاً، وأردفت بنعومه :
    " أليس هذا ما أحببته فيها؟ "
    صمت مايك قليلاً، ثم سألها باختصار:
    " أتظنين أنه علي أن استسلم لرغباتها ،فأوافق على عرس ابيض كبير في الوطن؟ "
    " أنا متأكده من ان لوسي تحبك يامايك ،وان الحزن سيتملكها إن خسرتك .اسمع لدي فكرة ،مارأيك في ان تسافر لوسي اليك في الحال ،فتشاهد بنفسها اين ستعيشان معاً، وبما أن مدرستها تقفل ابوابها لعطلة قصيرة من ابتداءً من يوم الجمعه ،يمكنها أن تقضي معك اسبوعاً.
    أجفل مايك وقال:
    " سيكون هذا رائعاً ، لكن ...تعرفين أن بطاقة السفر غالية الثمن ،وأنني لا أملك مالاً كثيرا ً"
    " سأدفع ثمنها،فتكون جزءاً من هديتي لزواجكما .لكنني اريد التأكد من انك ستلاقيها في المطار وتعتني بها. "
    " طبعاً سأفعل ذلك! لاتقلقي! "
    ولما شرع الحماس يتغلغل في صوته، ابتسمت كلير.
    " أيمكنك ان تحجز لها في فندق بالقرب منك؟ "
    " قرب دار المعلمين فندق يقيم فيه أهالي الطلاب حين يزورون أبناءهم . "
    ثم سكن قليلاً، قبل ان يتابع بريب:
    " كلير ،هل كلمتها بشأن هذه الفكرة ؟ أعني ،هل تريد أن تأتي ؟ بامكاني ان أتصل بها،و... "
    " لا ،لا تتصل بها يا مايك، فقد أرادت أن أكلمك أولاً، وأتأكد من أمكانية تحقق الفكرة .لكنني على يقين من أن لوسي ستسعد كثيراً.ولن افاتحها في الموضوع قبل أن أتمكن من حجز بطاقة أفاجئها بها في الاسبوع. دع الامر لي. سأتصل بك مجدداً صباح الجمعه، لأعلمك بالتدابير التي تمكنت من تحضيرها. "
    بدا من السهل على كلير أن تؤمن بطاقة سفر للوسي، لكن كان عليها القيام بتدابير أخرى قبل أن تفتح الموضوع مع أختها.
    وفي وقت لاحق من ذاك العصر، قادت سيارتها الى البلدة المجاورة ،وأمضت بعض الوقت في متاجر مختلفة. ومع أنه صعب عليها الحصول على ماتبحث عنه ،الا انها تمكنت في النهاية من تأمين كل شيء.ثم تركت مساعدتها الجديدة في المكتب ،وعادت الى المنزل في وقت كانت متأكدة من أنه خال.فأبوها يمارس رياضة الغولف مع اصدقائه، والباقين لن يعودوا الى المنزل طبعاً قبل انتهاء دوام المدرسة . وكان ذهن كلير عملياً جداً. وقد تلقت مختلف أنواع المعلومات المفيدة من أبيها وأخوتها على مر السنين .فقضت ساعات في مشغل جورج سامر، المزود بمختلف المعدات ،ثم نقلت ماحضرته الى سيارتها، قبل وصول والدها ولوسي بقليل.
    " لقد عدت الى المنزل باكراً. "
    فابتسمت كلير لأبيها، وقالت :
    " قررت التوقف عن العمل عند العصر ،لاسترخي قليلاً.لكنني أعددت الطعام .ففي الفرن طبق ، سأضيف اليه البطاطس.وسأعد لك كوباًُ من الشاي ،قبل ان تستحم "
    جلس ابوها بسعادة ،وراح يخلع حذاءه المغطى بالوحل ،فيما هو يتحدث عن الغولف،بسحر المدمن الذي لا يدرك ان لا يستمع الى كلامه. أما كلير ،فكانت تنصت اليه تارة ،وتفكر في مخططاتها لهذا المساءفوراً. وقد ولدت الاثارة فيها اضطراباً عكر صفو معدتها ،حتى بلغ اعصابها،وباتت تجد صعوبة في التركيز على أي عمل آخر. وأخيراً،صعد جورج سامر الى الاعلى ، وفي يده فنجان الشاي .فسألت كلير لوسي بصوت جاهدت ليبدوا عادياً:
    " ماذا تفعلين الليلة؟ أستخرجين مع دنزل بلاك مجدداً؟ "
    " كلا ،لقد قال دنزل إن لديه الكثير من الاعمال المكتبيه الليلة. كما انه سيأوي الى الفراش باكراً لذا ،طلب مني أن أقضي مساءاً هادئاً بدوري فأسترخي ، وأنام جيداً بانتظار تجربة الغد. "
    ثم تمتمت على عجل وهي شاحبة الوجه:
    "يسهل عليه قول هذا.لكنني من الهلع ،بحيث لا أقوى على الاسترخاء .أما عن النوم ،فأنا متأكده من أنه لن يغمض لي جفن الليلة "
    وراحت كلير تراقبها وهي تطوف في المطبخ وكأنها تبحث عن شيء ما، فتغير مكان بعض الاواني ،ثم تنظر من النافذه الى أزهار النرجس التي أزهرت في الحديقة.
    " لم لا تذهبين الى السينما؟ لقد طلب مني جايمي أن آخذه الى هناك الليلة ،ولكن لا أشعر برغبة في ذلك. "
    فأحست لوسي بالاغراء، لكنها بدت مترددة .
    " قال دنزل إنه يجدر بي ان ارتاح... "
    " لكن الذهاب الى السينما مريح. فكل ماستفعلينه هو الجلوس في الظلام ومشاهدة فيلم.
    " لكن دنزل قد يتصل بي بهدف الاطمئنان علي. "
    فأجابت كلير بجفاء:
    " سأخبره حينها أنك ترتاحين "
    عندئذ ،ضحكت لوسي وقالت:
    " لقد اقنعتني! "
    ولما كان أبوها وروبن مرتبطين مواعيد هذه الليلة ،وجدت كلير نفسها وحيدة في المنزل عند السابعه والنصف. وما أن حانت الساعه الثامنه الا ربعاً ،حتى انطلقت في طريقها الى كوخها.
    وحين ركنت سيارتها في الخارج، رأت وجه دنزل يطل من النافذه العليا.كان الليل قد خيم ،فيما نور شحيح ينير غرفته، راسماً هالة حول رأسه .رأت عينيه تحدقان فيها،وفمه يلتوي بابتسامه مزعجه ،فأحست برعشة تسري فيها.
    كان يرتدي قميصاً حريرياً أسود غير مزرر بإحكام ،أم تراه ثوب نومه؟ فتح النافذه ليتكلم معها ،فنفخت الريح في قميصه، حتى لمحت تحت الرداء الناعم تفاصيل جسده المشدود. واذا بحلقها يجف، فتبتلع ريقها بعصبية. حتى من تلك المسافة ،شعرت بذبذبات تتغلغل في جسدها ،فسرى دمها في أعضائها بسرعه ،وتدفقت موجات الخوف فيها في مد وجزر متواليين. وما كان منها الا ان اقنعت نفسها بأنه الخوف على أختها ليس الا. وهي لا تخشاه أبداً،وتستطيع التعامل معه .ثم ،انها لا تخشى على نفسها أبداً. سألها:
    " هل تريدينني؟ "
    ميزت بوضوح السخرية التي تنطوي عليها كلماته ،وشعرت ببشرتها تحترق.واخيراً .قالت ،وهي تختار كلماتها بعناية: " أريد التكلم معك "
    فأعلن ،وذلك البريق الساحر لا يفارق عينيه الداكنتين:
    " كنت أتساءل متى سأسمع صوتك .وأيقنت أنني سأراك ما أن تكتشفين أنني اقترحت على لوسي أن تخضع لتجربة تلفزيونيه. "
    لكن كلير لم تجب ،فقد جعل التوتر أسنانها تصطك حتى آلما فكها. أنه لاذع حقاً، وهذا ما يضايقها .ان امكنه أن يتكهن بردة فعلها ،فهل بمقدوره ان يعرف الى اي مدى ستصل لكي تحبط مخططاته بشأن لوسي؟ قالت وهي تتصنع البرودة:
    " هل تعتقد أن بإمكانك النزول ؟ فأنا لا أريد أن اصرخ لابلغك كلامي "
    " يا للأسف، كنت افكر في رومانسية هذا المشهد .انه مشهد الشرفه في مسرحية روميو وجولييت، مع انقلاب الادوار،اذ يحتل روميو الشرفه ،فيما تقف جولييت تحت نافذته. "
    فردت كلير بحدة :
    " هلا تفضلت ونزلت؟ "
    ضحك وقال:
    " لقد لاحظت قبلاً انك لا تملكين حس الدعابة .حسناً،كنت أقرأ في السرير، وأنا أرتدي البيجاما، فأمهيليني كي أبدل ملابسي قبل ان أنزل، وان كنت مازلت تملكني المفتاح تفضلي بالدخول "
    وأغلق النافذة قبل ان تبدأ كلير بالرد :
    " بدل ملابسك "
    0

  6. #1905

    ...::: البحيره السوداء:::......::: الفصل الخامس:::...

    وماتت الكلمات على شفتيها .كان عليها أن تستجمع أنفاسها استعداداً لنتفيذ خطتها .ففي هذه الليله عليها ان تصفي ذهنا ، والاتدعه يفلت من يدها ، والا فعلى الدنيا السلام.
    وفيما كانت تدخل الى الكوخ نزل دنزل السلالم. بدا رائعاً في ردائه الاسود المنسوج من الساتان. وشعرت كلير بأنفاسها تنحبس في حنجرتها .
    كانت عيناه الرماديتان تتفرسان فيها من رأسها الى أخمص قدميها، حتى أحست وكأنهما تركتا بصمات على بشرتها.ومالبث أن سألها:
    " أتريدين شراباً؟ "
    كانت ترتدي كنزة زرقاء شاحبة من الانقره، ويحيط بعنقها عقد من اللآليء، فيما تنورتها الرمادية تماثل السترة التي تلبسها لوناُ.ولم تكلف نفسها عناء تزريرها، فالجو في الربيع دافيء، وهي غالباً ماتتجول في سيارتها.وهكذا ، كانت ملابسها دائماً كلاسيكيه وبسيطة وانكليزيه الطابع. ورغم ذلك حست أن نظراته جردتها من ملابسها تقريباً، فارتعشت امتعاضاً.
    ثم تذمرت وهي ترجو أن يقرأ العدائية في عينيها :
    " لا ،شكراً "
    لكن، ولو فعل، لم يقدم الا على الضحك .ومالبث ان ابتسم لها ابتسامه ساخره.
    " أما أنا ،فبحاجة الى شراب .يبدو أنك أتيت لاثارة المشاكل،وبما انك صعبة المراس ،ساحتاج الى شراب قوي كي أقاومك! "
    وسار نحوها متوجهاً الى المطبخ، فسارعت تستند الى الجدار، لتتنحى عن طريقه. غير انه توقف فجأة ،وأسدل نظراته عليها ،ولهيب نار في عينيه، دفع كلير الى الابتعاد بإجفال أكثر.
    عض على شفته وقال لها:
    " لاتفعلي هذا! "
    فسألته بدفاع وهي ترى فمه يلتوي:
    " ماذا؟ "
    " أنت تتقلصين في كل مرة أقترب فيها منك.ماذا الذي تخشينه مني؟ "
    وازداد دنواً منها، حتى كاد يلامسها، وشعرت كلير بالدم ينبض في عنقها.لكنه رفعت رأسها ،ونظرت عيناها الزرقاوان اليه بتحد،ثم ردت بحدة:
    " ربما مما تفعله الآن! تجرأ على لمسي بإصبع واحد وسوف..."
    ابتسم بكسل ،ثم رفع سبابته ولا مس عنقها، حيث يخفق نبضها.وأخيراً همس:
    " وسوف ماذا؟ "
    ابتلعت كلير ريقها ،وقد انحبست أنفاسها ، وشغلتها المقاومة عن اي محاولة للكلام .فمرر إصبعه بتمهل على طول عنقها، وكأنه يتبع شريانها ، مما دفع الدم الى التدفق بسرعة أكبر وحرارة أشد. وأخيراً تمكنت من القول:
    " توقف! "
    عندها وثب اصبعه الى خدها،وداعب حناياه المرتعشه.
    وتمتم بنعومه :
    " أتعلمين ؟ ثغرك يفضح أسراراً.ومع أن هاتين العينين الزرقاوين فيهما من البرودة ما يقول "إرفع يدك عني!"، الا ان هذا الفم هو إغراء صرف، وينبئ بأسرار مختلفة تماماً "
    جمعت كلير غضبها ،عساها تخفي اضطراباً وهتفت :
    " انه يقول أنك ان لم تتوقف عن لمسي ،فأقسم أنني سأضربك بالآله الحادة الاقرب "
    ثم دعمت كلامها بدفعه عنها بيديها الاثنتين. لكن ملامسته كانت خطأ،بل خطأ فادحاً. فالامر أشبه بمحاولة دفع جدار حجري متين. ولانها ما أن لا مست رداء الساتان الاسود بكفيها ،حتى تقدم نحوها ،الى ان اوقع يديها في الشرك ،وباتت وكانها سجينته.
    حاولت ان تحرر نفسها وقد انحبست أنفاسها ،وهي تحت وقع نظراته القاتله من تحت أهداب تكاد تكون منسدلة .وتعمد ان يميل اليها .ويداه تمتدان كل الى ناحية من ناحيتي رأسها ،زمجرت :
    "ابتعد عني! ان كنت تظن أن بامكانك ان تمارس معي الألاعيب التي تمارسها عادة مع النساء،فأنت مخطيء! "
    لكنه تمتم :
    " هذه ليست بلعبة، يا كلير. بل انها الحرب، وانت سجينتي "
    وما لبث ان دنا منها أكثر أكثر، فيما صوته يقارب الهمس:
    " يا للمسكينه كلير... انها سجينه عاجزة "
    ومع انه كان يبتسم ، الا ان عينيه بدتا عميقتين ، داكنتين ،حتى عجزت عن التخلص من وطأة سيطرتهما. وكان بها توق مخيف الى اغماض عينيها. فلنظراته تأثير التنويم المغنطيسي ، ومبادلته النظرات تشل ذهنها ،حتى امسى التفكير عملية عسيرة .واستبد بها وهن شديد ،وودت لو تكف عن مقاومته، وعن مقاومة هذا الشعور الذي ولد فيها.في هذا الوقت، كانت حدقتاه المظلمتان تسبران أغوارها ،فنظرت اليهما وارتجفت.
    وراح عقلها يصارع جسدها ،فيذكرها ببرودة أن هذا هو مايقترفه ذلك الرجل في حق النساء !فكيف لم تتعرف الى هذا الاحساس الذي يجتاحها ،الوهن ،الحمى ،الحاجة...كيف لم تكتشف كل هذا ؟ فهيلين أخبرتها بنفسها كيف باتت مهووسة بهذا الرجل .بل قالت لها انه يثير المشاكل للنساء، وكانت محقة .ولم تدرك كلير الا في هذه اللحظة الخطر الذي يمكن ان يشكله ،فاخذ قلبها يخفق بشدة بين أضلعها. ما كانت لتقوى أبداً على منعه من معانقتها .لكن ما أن دنا منها أكثر حتى رن جرس الهاتف ،فتصلب دنزل ،ثم رفع رأسه ليطرق السمع:
    " اللعنة.مواعيد بعض الناس عجيبه.كان علي أن أشغل المجيب الالي. "
    وتابع الهاتف رنينه .لا يعرف رحمة,فما كان منه الا ان ابتعد بتنهد:
    " أخشى أنه علي الاجابة،فأنا أتوقع اتصالاً مهماً"
    ثم نظر اليها من تحت أهدابه ،مبتسماً وقال:
    " لاتذهبي "
    وفيما توجه الى غرفة الجلوس ،استندت كلير الى الحائط وقد جف حلقها ،وهي بالكاد تقوى على الوقوف ،بينما أوصالها ترتعد.
    ولما توقف الرنين ،سمعت بوضوح ،وقد تجلى في صوته الجفاء وفروغ الصبر:
    " نعم؟ نعم، أهلاً جو.إذا، هل باشروا به؟ "
    ثم سكت ،قبل ان يضيف بسخرية:
    " لم أتوقع ذلك... إذاً مالخطوة التالية؟ "
    خطت كلير الخطوات التالية بتصلب ،لكن رجليها كانتا من الضعف، بحيث اضطرت الى الجلوس على درجة السلم الاول.واخذت تستمع بشحوب الى الحدة المتسلطة في صوت دنزل في غرفة الجلوس.وعرفت أنه من السهل أن يتعامل مع موظفيه.لكن ،على أي حال، ليس من السهل علي أي كان أن يتعامل معه بمنطق. وبعد برهة اعاد دنزل السماعة الى مكانها،وعاد اليها.في ذلك الوقت كانت قد استعادت رشدها تقريباً، وتمكنت من مواجهته من غير ان تبدي الكثير من الانفعال.
    " هل اخبرت لوسي أنها ستكون النجمه الجديدة لفيلمك أو ماشابه؟ "
    فرمقها بجفاء وقال:
    " بالكاد قلت هذا فلست متأكدً من أنها تستطيع التمثيل حتى "
    " اذاً لماذا تخضعها لتجربة فيلم؟ "
    " أنها تتحرق شوقاً للعمل في فيلم ،والكاميرا تحبها.لقد التقطت بضع صور لها،وأستطيع أن اجزم أنها ستبدو جميلة في الفيلم أيضاً. ويصادف أن فيلمي الجديد سيصور بالقرب من هنا..."
    "أتعني فيلم برونتي؟ "
    ابتسم لها ابتسامه محتالة وسألها:
    " أهي الاشاعات المحيلة ثانية؟ نعم، اعني فيلم برونتي. ساحتاج الى العديد من الممثلين الثانويين.وسيضم الفيلم أدواراً صامته صغيرة. "
    كانت كلير ترتجف غضباً وهي تجيبه:
    " أهذا ما تخططه للوسي؟ أهذا ما سترمي بزواجها من أجله؟ ألتحظى بدور صغير صامت في فيلمك الجديد ان حالفها الحظ، والا مثلت دوراًثانوياً مع حشد من الناس لبضعة أيام؟ "
    " متى ستتوقفين عن لومي لكل مايصيب غيري؟ لا دخل لمشاكل لوسي مع خطيبها بي، تماماً كما لاشأن لي بمرض هيلين. "
    وبعد أن امتلئت عينا كلير بالكراهية ،رأته يقطب جبينه .ومالبث أن قالت له باحتقار:
    " لن أضيع وقتي سدى في مجادلتك .لكنني لن أدعك تدمر حياة اختي "
    وفي هذه اللحظة، عرفت لماذا جاءت،فوقفت وأعلنت :
    " لقد جئت لأجمع بعض الاغراض من الخزانه المقفلة في حجرة النوم الصغيرة .لن يستغرق مني ذلك مني وقتاً طويلاً، وبعدها ،سأمضي في طريقي "
    ثم صعدت السلالم ،وتركته خلفها يحدق فيها. وما ان وصلت الى الغرفة الصغيرة،حتى فتحت الخزانه،وهي قطعه الاثاث الوحيد في الغرفة، وتحتوي على أغلب الوثائق المتعلقة بالمنزل. وبعد أن أخرجتها ، خرجت من الغرفة على أطراف اصابعها ،وأطرقت السمع .وتمكنت من سماع دنزل وهو ينتقل بالمطبخ، فانتقلت بهدوء الى الغرفة التي يستخدمها ،واستعدت. وبعد عدة دقائق ، انسلت منها مجدداً.وعادت الى الغرفة الصغيرة،حيث راحت تتصفح الوثائق.
    وبعد وقت قصيير ، تناهت اليها خطوات دنزل وهو يصعد السلالم، ثم ظهر عند الباب المفتوح، ووقف فيه يراقبها.
    أما كلير، فالتفتت اليه، وأعلنت :
    " أوشكت على الانتهاء منها "
    فقال، وهو يضع كوباً على الخزانه:
    " أحضرت لك عصير التفاح "
    عبست كلير وهي ترى محتويات الكوب لا لون لها:
    " أنا آسفة،لكنني لاأريد هذا النوع . ألديك عصير برتقال؟ "
    " طبعاً، ماذا تريدين أيضاً؟ "
    " لا شيء، يكفيني عصير البرتقال. "
    هز كتفيه، ثم وضع كوبه جانباً ،ونزل الى المطبخ.وهنا فتحت كلير حقيبتها ،وأخذت منها قرصين صغيرين .وما أن سمعت دنزل يعود حتى أخفتهما في راحة يدها،واستعدت وهي تسمع الخطى تتسارع على السلالم.
    ولما قدم إليها كوب العصير ،تناولته قائلة: " شكراً "
    ارتشفت قليلاً.فيما التفت دنزل ليمسك بكوبه.
    وما كان من كلير الا ان دست القرصين في كوبها ،وهي نتظر الى ظهره بحذر ،ثم ذوبت المزيج بسرعه. وأخيراً،أدنت الكوب من شفتيها ، وهي تترقب التفات دنزل .فلما فعل ،عبست بوضوح، وأنزلت الكوب مجدداً وهي تتفرس فيه.
    " ماذا وضعت فيه؟ "
    قطب حاجبيه ورد:
    " لم اضع فيه شيئا ً"
    " ولكن طعمه غريب. "
    " ماذا تعنين بغريب؟ "
    رفعت اليه الكوب وأجابت: " تذوقه بنفسك "
    فأمسك الكوب والغضب في عينيه ،ثم رفعه الى فمه ، وشرب القليل من العصير.
    " ليس فيه شيء.طعمه لاذع قليلاً،ولكن تلك حال عصير البرتقال احياناً. "
    ورغبة منها في التأكد من أنه شرب مافيه الكفايه ،سألته ببرودة :
    " هل شربت منه فعلاً، أم أنك ارتشفت قدراً يسيراً وحسب؟ "
    فسدد اليها نظرة رصينة تفتقر الى الابتسام، ثم ابتلع جرعة كبيرة من الشراب، وقال بحدة:
    "أترين؟ انه لا يشكو من سوء .لكن لا داعي لشربه اذا لم يرضيك "
    ووضع الكوب على الخزانه محدثاً صوتاً عالياً اجفل كلير، فتمتمت في نفسها أن أعصابها متوترة بما يكفي.
    " لا داعي لأن تفقد أعصابك !اعتقدت أن طعمه غريب، هذا كل مافي الامر. "
    تضاعف الغضب في عينيه، واتخذ فمه شكلاً بارداُ مستقيماً وهو يقول:
    " ماذا تظنين أنني فعلت بعصيرك؟ هل اعتقدت أنني وضعت فيه مخدراً ؟ ومن ثم ماذا ؟ أعتدي عليك؟ أهذا ما كنت تفكرين فيه؟ "
    أغلقت الخزانه ويداها ترتجفان قليلاً، وحاولت ألا تنظر اليه، ثم ما لبثن ان تذمرت :
    "اسمع ،أنا آسفة.ايرضيك هذا؟ "
    فهتف بحدة:
    " كلا، لا يرضيني .فلم أحتج يوماً الى تخدير النساء. "
    عندئذ، فقدت كلير أعصابها بدورها:
    "آه ، ألم تفعل؟ حسناً ،ستحتاج الى صرعي بحجر قرميد "
    فرد عليها :
    " لو كان معي حجر قرميد الآن ،لا ستعملته .ولكن صدقيني ، ليس بهدف إغوائك! فلا يبلغ بي التوق البائس الى النساء هذا الحد! "
    أحست بوجهها يحترق .وما كان منها إلا أن استدارت على عقبيها، وخرجت بغضب من الغرفة، وهي تكاد تفقد توازنها. فتبعها عن قرب وكاد يصطدم بها عندما وقفت قرب غرفة نومه. وهنا تذكرت أنها على وشك القضاء على خطتها بانفعالها هذا.
    فاستجمعت انفاسها،وحاولت ان تبدو أكثر وداً.وتمتمت وهي تجول نظرها في الغرفة التي تزينها المصابيح الهادئة :
    " أرى انك أضفت جواً مريحاً على الغرفة "
    بالكاد لاحظت التغيير عندما دخلت الحجرة في المرة الاولى،فهي لم تكن تملك الوقت الكافي لتتأمل الجو عن كثب. أما الان وقد فعلت ،فقد أدركت أنها لا تمت الى الغرفة التي تذكرها بصلة.
    كان سقف الغرفة مطلياً بالابيض ،والاثاث في الغرفة قليل قليل. أما الان ،فاكتسى ظلاً دافئاً مشمشياً، وزينت النوافذ ستائر جديدة أكثر عمقاً. كما أضاف عدداً من المصابيح، ومكتباً وضعه قرب النافذة، ومقعداً من الجلد ، وبقربه طاولة وخزانه كتب.وحفلت الجدران برسومات ولوحات مائية مخطوطات وصور.
    تثاءب بغتة ، ومالبث أن أجاب بنعاس:
    " ألا تعترضين على التغيرات التي قمت بها؟ "
    فأسدلت أهدابها ،ونظرت اليه نظرة جانبية ،وراته يتثاءب مجدداً.
    " بالطبع لا.لقد أحلتها غرفة دافئة جداً، وأنا أحب الجدران المشمشيه اللون.لا بد أن المنظر رائع صباحا حين توشك الشمس على الشروق.ويا للصور الكثيرة! هل ترسم؟
    فأقر بلهجة عادية:
    " رسمت بعض هذه اللوحات المائية "
    " حقاً؟ أيها؟ "
    ومالبثت أن خطت الى داخل الغرفة، ونظرت الى احداها ،فيما دنزل يتبعها وهو يتثاءب بتشنج.
    " نعم رسمت هذه. "
    0

  7. #1906

    ...::: البحيره السوداء:::......::: الفصل الخامس:::...

    فقالت وقد تفاجأت برسمه المتقن:
    " إنها جيدة جدا ً"
    إنه يستطيع الرسم فعلاً.ومع أن المنظر الطبيعي حوى تفاصيل قليلقة، إلا ان الخطوط السوداء حملت قوة وتاثيراً لفتا انتباهها.
    هز كتفيه بلا مبالاة، وعلق :
    " هذا رسم تخطيطي لخلفية في فيلم لي. كنت بحاجة الى تخيل كل تفصيل قبل أن أبدا التصوير، والى درس كل إطار كي نحدد ماسنحتاجه.انظري، هذا مشهد داخلي في منزل، من فيلمي الاخير"
    نظرت الى الرسم، واستعادت ذكرى مبهمة لمشهد من الفيلم هذا، وهو مشهد شديد الحميمية تقوم فيه الممثلة الايرلندية المكسيكيه بالرقص لحبيبها. ولما تثاءب مجدداً، رمقته بنظرة جانبيه سريعة ، فتمتم بعبوس :
    " آسف لقد أخبرتك أنني مرهق, ولكنني لم أدرك أنني بهذا الارهاق"
    وسرعان ماترنح الى الوراء ، وتهالك فجأة على السرير ، وهو غارق في الحيرة ،فتقدمت كلير نحوه، ووضعت يدها على جبينه.
    " لعل فيروس الانفلونزا المنتشر حالياً قد أصابك.ومع أنه فيروس قوي جداً، الا أنه لا يدوم سوى أربع وعشرين ساعه. والان ، من الافضل أن تستلقي. "
    " لا أستطيع. فعلي أن أوصلك الى الاسفل... "
    ثم سكت قليلاً قبل أن يكمل :
    " يا إلهي ،كم اشعر بالغرابة! "
    أرجعته كليير بلطف الى الوراء، فلم يبد أي مقاومة ،بل ترامى ببساطة على السرير، ثم أغمض عينيه وهو يدمدم : "رأسي..."
    وساد السكون الا من صوت تنفسه الناعم ، فنام مفتوح الفم، متورد الوجه.
    مالت كلير فوقه ، وأنصتت وهي تراقبه بعزم .انه في حالة سبات عميقة .وشعرت بنفسها حائرة بين الذهول والانتصار.لقد نجحت خطتها ، من دون أن تصادف أي مشكلة على الاطلاق! في الواقع ،كانت خائفة من ألا تؤثر الحبوب المنومة إلا بعد وقت طويل، فضاعفت الجرعة التي وصفها الطبيب، ونالت ماتتمنى بسرعة.
    وأخذت نفساً عميقاً، اذ لا يمكنها اضاعة الوقت في تهنئة نفسها.
    أمامها الكثير لنتفذه، ولا تعرف كم من الوقت سيتطلب منها ذلك ، كما لم تكن متأكدة متى سيستيقظ، قد يستيقظ بعد خمس دقائق أو خمس ساعات، عندما زارت الطبيب طلباً لهذه الاقراص، وهي تختلق أعمالاًَ كثيرة منعتها من النوم، وسببت لها إرهاقاً شديداً، حذرها من أنها قد تستيقظ مجدداً خلال الليل.وفي هذه الحالة ،يجدر بها ألا تتناول قرصاً آخر نظراً لقوة مفعول الحبوب،وعوارضها الجانبية الخطيرة.
    تصنعت كلير الهلع وسألته: "وماذا لو نسيت ، وابتلعت قرصاً إضافياً، أيعد هذا خطيراً؟ "
    فأجابها :
    " في الواقع ،يمكنك مضاعفة الجرعة من دون أي نتائج سلبيه في المرة الاولى ، على ألا تمسي هذه عادة .المشكلة ، أن الناس اعتادوا هذه الأقراص .وهم يستيقظون ليلاً، وينسون كم قرصاً تناولوا، فيتناولون واحداً إضافياً! لذا ،سيكون من الافضل لو أبعدت هذه الاقراص عن سريرك. وأعيديها الى خزانة الادوية ما إن تأخذي جرعة قبل النوم"
    عبست كلير ، وهي تنظر الى وجه دنزل المستغرق في النوم .لم تكن تريد أن تسبب له أي أذى ، ولو كان يهدد سعادة أختها. ولما أضغت الى تنفسه المنتظم ، بدا لها طبيعياً، فقررت أن تباشر العمل. خلعت أولاً ذلك الرداء الأسود من الساتان ، الذي أعاقها كماه عن تقييد معصمه. ولم يكن من السهل عليها ، أن تتعامل مع جسده الهامد ،فأضطرت الى الركوع بجانبه قرب السرير.حاولت أن ترفعه بذراع واحدة ،ثم أسندته برجلها، الى أن نزعت رداءه.ووضعت القيود في معصميه،ثم أقفلتها ،بعد أن ثبتت طرفها الآخر في حديد السرير ، وأخفتها بحرص وراء كومة من الوسائد...واستنتجت أن دنزل يحب العيش المريح، فالملاءات غالية الثمن، وتناسب طراز الغرفة الجديد. وحين أنزلته ثانية ، لاحظت أن أزرار بيجامته قد فكت بطريقة ما، أثناء صراعها معه. وما بين ثنايا قميصه، لمحت كتفيه المسمرتين الناعمتين. شعرت بحلقها يجف ، وما كان منها الا أن اشاحت بنظرها بعيداً.فهي لا تريد أن تلاحظ هذه الناحية فيه. مدت يدها الى سترته بغضب ،ولكن دنزل تحرك في هذه اللحظة، وهو يصدر أنيناً وكأنه على وشك الاستيقاظ.
    فوثبت كلير من مكانها، وابتعدت عن السرير وهي تعيره آذاناً صاغياً، وتراقبه بحذر .لكنه تحرك ببطء ،ثم حاول الالتفات الى الجانب الاخر، لكنه عجز عن ذلك ، نظراً الى أن يديه مقيدتان فوق رأسه. واذا بتقطيبة تعلو جبينه، وتدفع كلير الى حبس أنفاسها، لكنه مالبث أن سكن ثانية. وعادت كلير الى السرير ، فخلعت عنه خفيه الجلديين ، من غير أن تستطيع منع نفسها من تأمل رجلية الكبيرتين والأنيقتين ، وأصابع قدميه الرشيقة.
    وسرعان ما تأوهت ، وأنبت نفسها :
    " ركزي على ما تفعلينه ، وكفي عن النظر اليه !"
    أخرجت على عجل حبل غسيل من حقيبتها ، وبدأت بتقييد قدميه، فأصبح عاجزاً عن النهوض ، مما ناسبها تماماً.
    ورأت هاتفاً الى جانب سريره فأبعدته عن القابس وعن متناول يده ، لكنها تركته في الغرفة ،لانه يشكل قسماً أساسياً من خطتها، إذ ستطلب منه الاتصال بلوسي ما أن يستيقظ.
    ثم أكملت عملها بتقييده بسلسلة قوية جداً.وبعد أن انتهت ،ألقت نظرة فاحصة على دنزل ،فوجدته ما يزال يغط في النوم .نزلت السلالم على مهلها ، وأعدت كوباً من القهوة ، ثم عادت تنتظر في الاعلى. وفي هذا الوقت ، نظرت الى خزانة الكتب، ووقعت على نسخة لقصص شرلوك هولمز.مع أنها حاولت القراءة، إلا انه كان من الصعب عليها أن تركز اهتمامها على سرد واطسون. وبقيت عيناها تنتقلان من الصفحة الى جسد الرجل نصف العاري الممدد على السرير.
    كان كل نفس يستنشقه يرفع صدره العاري وينزله في حركة مستمرة .كانت الغرفة دافئة ،لكنها ادركت فجاءة انه يشعر بالبرد،فحرارة الجسم تنخفض اثناء النوم.وهكذا ،تقدمت منه ،ورفعت اللحاف لتغطيه.
    وفيما كانت تنحي فوقه ،أبصرت أهدابه ترفرف، فتسمرت في مكانها .وخيل اليها أنها رأت وميضاً بين رموشه يتألق لبرهة قبل أن تسكن أهدابه مجدداً.
    لعله كان يحلم ...وراحت تراقب رموشه السوداء، الكثيفة فوق خديه المتوردين ،ثم تساءلت في سرها: " ترى بماذا يحلم؟ "
    واستبد بها القلق خوفاً من أن تعلو حرارته.ولا مست يدها خديه بلطف، وارتاحت لما تغلغل فيها دفء بشرته من دون اثر لحمى.
    كان من الافضل لها أن تعود الى كتابها، لكن الرغبة في استراق النظر إليه في غفلة عنه بدت أقوى منها، فجلست على حافة السرير، وامتدت أصابعها بتمهل لتلامس كتفه العاريه.وسرعان ماسرت فيها قشعريرة بطيئة ، وكأن أشواكاً وخزتها. ورغم ذلك، حاولت أن تفكر بمنطق. لكنها لم تكن ترى الا جسمه الرفيع، وقد زادته يداه الممتدتان فوق رأسه طولاً. فتذكرت كيف طال طيفه في حلمها ليلة الميلاد ، ثم أغمضت عينيها ، وتنهدت بتأثير من الذكرى. وامتدت أطراف اصابعها حتى وصلت الى وجهه. بدت لها ذقنه وكأنها لم تحلق منذ مدة، وكأنها طيف أسود على بشرته. وجف حلقها ،قبللت شفتيها بعصبية، ثم ابتلعت ريقها، وقد علا الاحمرار وجنتيها ، وارتفع تنفسها بصوت مسموع.
    كانت تتحرق شوقاً الى ضمه والتوت معدتها في شعور جعل أوصالها ترتعد خوفاً.فبقيت عيناها لاتفارقانه وهي تعرف انه لايشعر بارتجافها، ولن يدرك شيئاً عنه.
    وفي هذه اللحظة ، تقلب وجهه على الوسادة.فحدقت في عنقه الطويله القوية، وقد استرخت عضلاته في أثناء رقاده،ثم تذكرت مجدداً ذلك الحلم الذي راودها ليلة الميلاد ،فشعرت بالعجز والوهن يستبدان بها. أما الان،فهو العاجز والواهن، وهو الواقع تحت رحمتها. مالت اليه بعنف، ودفنت وجهها في عنقه. لكنها مالبثت أن فكرت في غباء ما أقدمت عليه ،بل في جنونه. ماذا تفعل بحق السماء؟ ماذا لو استيقظ ورآها على هذه الحال؟ ماذا تراه سيظن حينها؟ وسرعان ماجلست مجدداً، فاذا بدبوس من اللؤلؤ ينفك من سترتها، ويخدش صدره العاري، راسماً قطرة دم صغيرة عليه.
    أغلقت كلير الدبوس ، وهي تحدق في نقطة الدم على بشرته .ومع أنه خدش سطحي .إلا ان منظر الدم سحرها، فأغمضت عينيها، تسترجع حلمها الجميل.
    وبعد دقيقة ،فتحت عينيها، ثم رفعت اللحاف فوقه، وتوجهت الى كرسيها، وهي تجاهد لتركز على كتابها. وبعد حين ،غرقت في سبات عميق، لم تستطع مقاومته رغم القهوة المركزة .فمال رأسها على ذراع المقعد الجلدي، وسقط الكتاب أرضاً من غير أن يزعجها.
    أما ما ايقظها، فصوت الرجل على السرير. لا بل أنينه وحركته ومن ثم صيحة التعجب التي صدرت عنه.
    أفاقت كلير، وقد فقدت حس الزمان والمكان. ولثانيه، ظلت عاجزة عن تذكر مكانها، وما يجري من حولها. وما ان تذكرت ، حتى التفتت الى السرير.
    كانت عينا دنزل مفتوحتين تماماً، فيما جسده يصارع للنهوض، فيشد على القيود، ويرفس قدميه المكبلتين بعجز:
    " ما هذا بحق الجحيم؟ "



    ****
    - نهايه الفص الخامس -
    0

  8. #1907

    ...::: البحيره السوداء:::......::: الفصل السادس:::...

    6- ليلة العقاب

    وعندما نهضت كلير من مكانها ، التفت دنزل اليها بحدة. فلاحظت المفاجأة في عينيه الرماديتين اللتين لم تتسعا الا لتضيقا مجدداً.
    لوح اللون وجهها تحت وطأة نظراته، ثم تمتمت :
    " أنا آسفة "
    "هل انت من فعل هذا بي؟ "
    وتلمست في صوته شكاً استطاعت أن تفهم سببه.
    " بحق الجحيم، كيف....بماذا ضربتني؟ "
    " لقد دسست حبوباً منومه في شرابك. "
    حدق فيها بمزيج من الثبات والعبوس:
    " ماذا؟ ان كنت تعتبرين ذلك مزاحاً، فأنا لا أجده مضحكاً البته "
    وعاد يشد بقوة على معصمية الحبيسين، مضيفاً:
    " فكي هذه الاشياء اللعينه عني! "
    فدنت من السرير ، وهي مطمئنه الى انه لن يسمك بها، ثم شرعت تشرح له بصوت أجش وكلمات سريعه:
    " أنا آسفه لأنني استخدمت هذه الطريقة ،لكن لم يكن بوسعي التفكير في طريقة أخرى .وكان علي أن أوقفك عند حدك، فلن أدعك تدمر حياة أختي. في الغد ،سأبعد لوسي، وأدفعها الى اللحاق بخطيبها في أفريقيا. أما لو خضعت لتجربة الفيلم ، ونالت دوراً صغيراً في فيلمك المقبل، فستفسخ خطوبتها بمايك. وأعلم أنها سترتكب خطأً فظيعاً، فلوسي تحبه ، ولكنها لن تعود الى رشدها الا بعد فوات الاوان.لذا على ان امنعها من التقدم لتجربة الفيلم غداً. ولم استطع التفكير الا في طريقة واحدة ،وهي منعك من اصطحابها. وبما انني أعرف انك لن تستمع الي المنطق ان حاولت أن اقنعك ،لذا... "
    ثم توقفت ، وقد منعتها أنفاسها المخنوقة من متابعة جملتها،فتمتم دنزل من خلال أسنانه المطبقة:
    "يا إلهي ، انت مجنونة تماماً! "
    وبدأ يناضل مجدداً ،وهو يجذب قيوده بعنف ، ويحاول أن يقطع الحبل الذي يكبل رجليه معاً.
    فقالت كلير :
    " أنت تضيع وقتك وطاقتك سدى "
    عندها التفت اليها، وحملق فيها فيما التوت شفتاه كذئب هائج، وصرخ:
    " اللعنة عليك، فكي عني هذه !"
    فهزت رأسها بعناد:
    " كلا، وان بقيت تصارع هذه القيود ،فلن تؤذي الا نفسك "
    أخذ نفساً عميقاً وكأنه على وشك الانفجار وقال:
    " افتحي القفل إذاً! "
    وثارت أعصابه لما سمع الصرير المزعج في صوته. ورغم انه مقيد وعاجز بهذا الشكل، بدا قادراً على اثارة الرعب فيها. لكن من الضروري الا يلاحظ أنه يخيفها ،لذا جاهدت لتحافظ على هدوء وجهها وجموده. أما هو ،فاستلقى مجدداً وهو يتنفس بخشونه، ويراقبها وقد بدا مطرقاً مفكراً وما لبث أن حاول مقاربة مختلفة .ابتسم لها ببطء، وقد تبدلت ملامح وجهه، واتسمت نبرة صوته بالنعومة والمنطق والسحر المتملق.
    " حسناً لقد فزت يا كلير .لن أخضع لوسي لأي تجربة في الغد، أعدك بذلك. هل أنت راضية ؟ والان فكي هذه القيود. "
    فهزت رأسها ،لترى ذلك المنطق اللطيف يتلاشى من وجهه، وبريقاً عنيفاً يستقر في عينيه.
    " حين أتخلص من هذه ستتمنين لو أنك لم تولدي قط. "
    فابتلعت ريقها في الواقع، كانت تعرف انه ينطق بالحقيقه ، لكن عليها ألا تفكر في ذلك الان ، بل ستتركه الى وقت لاحق وهي لا تشك في ان القلق سيتملكها حينها.
    ولما هدأ دنزل مجدداً، وراح يرمقها مقطب الجبين ،أعلنت ببساطة:
    " أريدك ان تتحدث الى لوسي "
    بدا وكانه مستعد لتصديق اي شيء الان وسألها :
    " أهي هنا أيضاً؟ "
    " بالطبع لا. "
    وحانت منها التفاته الى ساعتها ، التي اشارت الى الحادية عشر والنصف .لابد ان لوسي عادت من السينما، وفي طريقها الى السرير والوقت الملائم للاتصال بها الان.
    ووصلت الهاتف بالقابس من جديد ، قبل ان تواجهه والسماعه في يدها :
    " أولا ،عليك أن تعدني بان تخبرها بما أقوله لك تماماً، من دون أي كلمة أضافية "
    فتساءل وعلى وجهه تعبير قلق غامض:
    " ولماذا أفعل هذا؟ "
    " لأنك لن تتخلص من هذه القيود حتى تقوم بهذا الاتصال. "
    ضحك ، لكن عينيه لم تعكسا أي مرح:
    " لا يمكن ان تكوني جادة! "
    " بل أعني كل كلمة اقولها.فإما أن توافق على اجراء هذا الاتصال ،واما أن اذهب وأتركك على هذه الحال طيلة الليل. "
    فتبدل مزاجه ثانية،ثم زمجر بغضب شديد:
    " قد تعتبرين الامر مزاحاً، لكنه ليس مضحكاً.ولن يجد القانون ذلك مضحكاً بدوره. أتدركين عقوبة جريمة كهذه ؟ستحاكمين بتهمة الاعتداء والاحتجاز القسري.وقد تسجنين
    مدة طويلة جداً. وصدقيني لن تحبي حياة السجن كثيراً، فهي غير سارة أو مريحة ،لاسيما لفتاة مثلك "
    وسرعان ماسرت قشعريرة في بدنها،لكنها قررت ألا تتراجع. فقد فات اوان القلق عما يحدث لاحقاً، حين يتحرر .لذلك ،ستمضي قدماً في خطتها ، خاصة أنها أنجزت منها مايمنعها من الاستسلام. قالت ببرودة :
    " لا أظنك سترغب في إخبار الشرطة أن امرأة أقدمت على تقييدك الى السرير.وقد يسخر السؤولون منك "
    فومضت عيناه ، ثم رأت اسنانه تطبق وكأنه يريد ان يقطع رأسها .
    ومالبث أن أضافت ، وهي تهز كتفيها استخفافاً:
    " وحدث عن الدعايات التي ستنتشر ما إن يسمع الناس بالقصة، وسيقبل الصحفيون الى البلدة سعياً وراء القصة، وتتحدث الجرائد عنها بالصفحات ،يوماً بعد يوم. باستطاعتي أن أتصور العناوين منذ الان .وسيحب الناس القصة، لكن ماذا عنك أنت؟ يمكنني أن أتخيل الدعايات التي سيطلقونها .فكر في الامر.صحيح أنني قد أزج بالسجن .لكنك ستمسي محط سخرية الجميع "
    رأته يستغرق في التفكير، وكأن وجهه ساحة معركة .بعد ذلك ،نظر اليها وكأنه يرغب في قتلها. فتريثت لثانية،ثم أضافت:
    "سأرحل بعد دقائق ، ان لم تجر الاتصال .لذا ،اتخذ قرارك. "
    جمد لبرهة وهو يرمقها ، ثم تمتم بجفاء:
    " ماذا تريدين مني ان اقول لها؟ "
    عندئذ، خالجها شعور مزعج بالارتياح.ما ان يتصل بأختها حنى تسير خطتها في في مسارها السليم.
    " أريد أن تخبر لوسي أنك آسف لأن تجربة الفيلم قد ألغيت ، وعليك الرحيل ، وأنت غير متأكد من موعد رجوعك. "
    فتشدق في كلامه ، وهو يرفع حاجبيه الاسودين بتساؤل:
    " وماذا يمنعني من اجراء اتصال آخر ما أن تحرريني؟ "
    " حينها ،ستكون لوسي في طريقها الى المطار. "
    رأته يعاود التفكير في المسألة :
    " لكنك قلت إتك ستفكين هذه القيود ، ما إن اتصل بأختك "
    " سأفعل ، لكنني لن أتركك هنا وحدك، ولن تجري المزيد من الاتصالات. "
    ولمحت وميضاً في عينيه وهو يسألها :
    " أتنوين أن تلازميني الليل بطوله؟ "
    لم تحبذ تلك النظرة التي رمقها بها، بل لم تعجب بذلك التعبير على وجهه .لكنها تظاهرت بعدم الفهم،وأجابت بسطحية:
    " معظمة، نعم...حسناً ،أستجري الاتصال، ام لا؟ "
    فنحها ابتسامه ساخرة وأجاب :
    " حسنا ً"
    شرعت تقول له:
    " أخبرها فحسب..."
    فقاطعها :
    " اعرف ما تريدينني أن أخبرها "
    " لاتضف أي كلمة او تنقص ، والا قطعت الخط قبل ان تحاول. "
    ومع أنه لم يجب، لكن ملامح وجهه عكست الاجابة الشافية.
    بعدئذ، طلبت كلير الرقم ، وانتظرت حتى ارتفع صوت لوسي وهو يقول بتردد: " آلو؟ "
    فرفعت السماعة الى فم دنزل ، وهي على استعداد لخطفها أن لم يلتزم بما أرادته .لكنها سرت لما سمعت صوته عادياً، خشناً:
    " لوسي؟ انا دنزل .اسف ان ازعجتك في هذه الساعه المتأخرة، لكن علي الرحيل لمدة واخشى أن تجربة الفيلم الغيت "
    سمعت لوسي تغمغم ،وتخيلت شعور أختها في هذه اللحظة ، ثم انحنت لسماع كلماتها، فإذا بشعرها الحريري الفاتح يلامس وجه دنزل، أحست بعدها بتيار كهربائي دفعها الى الابتعاد بسرعه،فيما عيناه الرماديتان لا تفارقانها. لكنه لن يعرف أن هذا الاحتكاك البسيط جعل قلبها يدق كمطرقة بين أضلعها ،ونبضها يتسارع حتى يفوق كل تصور...
    وبينما هي لا تزال تقرب السماعه من فمه ،تابع كلامه :
    " لوسي ،لا أملك أدنى فكرة متى أتفرغ لرؤيتك ثانية "
    وفي هذا الوقت ظل نظره عالقاً بوجه كلير ، والسخرية تملأ عينيه، وهو يضيف :
    " في هذه الاوقات ، اشعر أنني مقيد ، وأنني لست سيد نفسي "
    فاستشاطت كلير غضباً،وهي تسمع المعنى المبطن ، وترى فمه يلتوي بتسلية لم تشاركه أياها.
    استرجعت السماعه بسرعة ،وأضغت الى لوسي وهي تقول بصوت بالك:
    "دنزل...ولكن ماذا عن الفيلم ؟ألن تصوره ؟ظننت أنك متأكد من أنني أناسب هذا الدور. الا يمكنك أن تجري التجربة لاحقاً؟ أم أنك وجدت ممثلة أخرى؟ أهذا هو السبب ؟"
    وسمع دنزل ذلك بدوره، فالتفت الى كلير .ولما لم تعجبها الطريقة التي رمقها بها،همست :
    "قل لها وداعاً. "
    بعدها قربت كلير السماعه منه من جديد فتمتم دنزل بلطف غامر:
    " أخشى أنني مجبر على توديعك الان يا لوسي .انا آسف "
    وبعد ان أعادت كلير السماعه الى مكانها ،استقامت متنهدة ، ثم نزعت الهاتف من قابسه مجدداً.
    " علي ان أعود الى المنزل الآن، وأقنع لوسي بأن تلحق بمايك غداً. "
    فتصلب قبل أن يهتف:
    " لقد وعدتني أن تفكي هذه القيود ! ففكيها... هذا الاحساس بالعجز يقودني الى الجنون"
    ابتسمت كلير ابتسامة باردة ساخرة وقالت :
    " انا سعيدة لأنك أدركت ذلك اخيراً! "
    " ماذا يفترض أن يعني ذلك؟ "
    " الآن فقط ،تدرك شعور ضحاياك! "
    " ضحاياي! لقد استعملت هذا التعبير قبلاً، وأنا لا أدرك الى الان عما تتحدثين بحق الجحيم. "
    " آه لا، أنت بالطبع لاتدرك ذلك! "
    فزمجر:
    " وكفي عن هذه اللهجة الساخرة ! إن كان لديك ماتتهميني به، تفضلي .لكن دعي هذه التلميحات المبهمة "
    " لقد تسببت بمرض هيلين..."
    " هيلين تسببت بمرضها بنفسها! لقد تشاجرت مع زوجها ، وتطلقا.لكنها لاتزال مغرمه به ،وتعيسه لفراقه. وهذا ماسبب مرضها، وليس انا. "
    " لعلها أحبت بول طيلة ذلك الوقت ،لكنها فقدت عقلها من أجلك...وأخبرتني نفسها كم شعرت بالعجز. تذكر أنني رأيتها معك ،ورأيت الحالة التي عانتها بسببك. "
    فأسدل أهدابه ،واخذ يراقبها من خلال رموش سوداء، فيما عيناه تلمعان كما النجوم الفضية في سماء مظلمة.
    " يبدو أنك تهتمين كثيراً بعلاقاتي مع النساء الاخريات. "
    تورد وجهها ،ونظرت اليه بغضب قائلة:
    " هيلين صديقتي، ولوسي أختي "
    فتشدق في كلامه ، مما ضاعف غضبها:
    " أهي غلطتي إن وجدتني كلاهما جذاباً؟ "
    " لقد أخضعتهما لتأثيرك، وكأنك مصاص دماء عاشق! فتوقفتا عن التفكير بعقل .وبعد ان تغلبت هيلين على مشاعرها نحوك ، أخبرتني كيف شعرت....بالهوس، بل كانت عاجزة عن التفكير في أي شيء آخر، وسعت بعجز الى فك الاغلال التي تربطها بك."
    ثم نظرت اليه فجأة ،وقهقهت ، من الغضب الخالص البارد الذي استبد بها.
    وما لبثت أن رمته أخيراً بتلك الكلمات :
    " تماماً كعجزك أنت الان! "
    راقبت ردة الفعل على وجهه ، وعرفت أنه لم يحبذ هذه الفكرة .بعدئذ، اضافت بصوت خافت تشوبه المرارة:
    " تماماً كعجزي حين كنت في الطابق السفلي، وتراجعت الى الجدارن وقلت لي إني سجينتك "
    ولم يأت حركة، بل نظر اليها وقد استحوذت على كامل انتباهه وتمتم بهدوء:
    " كنت أمزح،وهي مجرد لعبة "
    فجلست على حافة السرير وسألته:
    " لعبة؟ حقاً؟ لقد لمستني ضد إرادتي ،اتذكر ذلك؟ هكذا..."
    وبتمهل ، مررت إصبعها الطويل على جسده، وأحست بالتوتر يتسلل الى جسده كله.
    " العجز هي الكلمة التي استخدمتها .لقد قلت إننا في حرب، وانني سجينة عاجزة .والآن ،انظر من هو السجين. كيف تشعر؟ "
    بدا ذاهلاً، حين مررت إصبعها برفق على وجهه :
    " مالامر؟ يبدو وكأنك تعتقد أنك كنت تمزح فعلاً في الاسفل.لكني لاحظت أنك استمتعت فعلاً بتلك اللعبة التي لعبتها معي. "
    واستمرت تتلمس تفاصيل وجهه ، من خديه ، الى أنفه، فعينيه وحاجبيه.
    " كنت اللعبة التي تسليت بها، أليس كذلك؟ لقد تجاهلت كل احتجاجاتي ، واستغليتني بإحدى ألاعيبك الصبيانيه، ولكن ، يمكن لشخص اخر ان يشترك في اللعبة. "
    واستمتعت بإنكاره،وهو لايصدق ماذا يحدث له! ثم مالت نحوه،فغمر وجهه شعرها الاشقر، قبل ان تهمس في أذنه:
    " الآن حان دورك لتكون لعبتي! "
    وشعرت أنه يحاول نزع القيود ، فضحكت ثم نظرت الى وجهه الغاضب، وعينيه اللامعتين.
    0

  9. #1908

    ...::: البحيره السوداء:::......::: الفصل السادس:::...

    " مابالك؟ ألم تعد تحب اللعب؟ "
    " حسناً، لقد استمتعت بوقتك، والان ، أزيلي عني هذه الاشياء اللعينه ،فقد اكتفيت. "
    تمتمت وقد تسلل فيها شعور بالابتهاج والدوار:
    " لعلك اكتفيت ،أما أنا ،فلا! "
    ثم نظرت الى عينيه الساحرتين، ولم تشعر بإرادتها تضعف، او بعقلها يضطرب. لقد خسر كل قوته وهو مقيد على هذا النحو!
    فرد بحدة:
    " كلير! لقد بدا صبري يفرغ "
    ضحكت وسألته :
    " أيفترض أن يصيبني هذا الخوف؟ "
    واستلقت على السرير بجانبه، وقد أسندت رأسها على ذراعها، فيما نظرها يجول على جسده.
    " يا لها من تجربة مثيرة ، ان تحظى المرأة برجل تحت رحمتها .فلطالما جرت الامور بالعكس بالنسبة لمعظم النساء. ورغم أن الكلام عن المساواة لا ينضب ، الا ان الرجال يتمتعون بالافضلية .فهم أضخم، أقوى ، ويحورون القوانين الاجتماعية لمصلحتهم. ولا يمكنني أن اسير في الشارع ليلاً،وحيدة، من غير أن ينتابني الخوف. ولا أقدم على زيارة رجل في شقته بعد موعد معه، ولا أتواجد وحيدة في مكان ما، إلا إن كنت أعرفه لسنوات وأثق به. "
    ومن غير وعي منها، امتدت يدها الى كتفيه العريضتين، حتى احست بالتوتر يسري فيهما من جراء لمستها.
    " عضلاتك أقوى مما تبدو حين ترتدي ثيابك ،كيف تحافظ على قوامك ؟هل بالرياضة؟ "
    فأجاب باختصار :
    " نعم "
    " أما أنا فأكتفي بالمشي. وكثيراً مانمشي حين يكون الطقس جيداً.لكنني لا أتردد الى الأماكن المنعزلة، ولا أسير الا في وضح النهار. فالمرأة تفتقر الى الشعور بالامان الدائم ، إن في المنزل ، وان في ا لخارج. "
    وبلغت أناملها عنقه فداعبتها بنعومه بإصبع متكاسل وهي تنصت الى وقع تنفسه باحساس من الانتصار. وما لبثت أن همست وهي تبتسم :
    " آه، أيعجبك هذا؟ "
    بات الان يراقبها بحدة ثابته، فيما عيناه القاتمتان تلمعان.
    " سيعجبني أكثر، لو لم أكن مقيداً كالدجاجة في الفرن! "
    ضحكت ،في حين تذمر على نحو غليظ: " حرريني "
    ولم تكلف عناء الجواب بل تابعت يدها مسيرها وتركت نفسها تشعر بتأثير ملامساتها.أما هو، فأصدر صوتاً أجش عميقاً، واستحال لونه أحمر قان.
    ابتلع ريقه وقال:
    " حباً بالله، كلير ...أرجوك، انزعي عني هذه القيود، فأنا لا أستطيع تحمل ذلك...أحتاج الى احتضانك. ألا ترين ما تفعيلنه بي؟ "
    فأجابت :
    " لست عمياء "
    عندها اطلق لهاثاً أجش:
    " كلير..."
    واتسعت عيناه الداكنتان وراح يتوسل اليها:
    " فكي قيودي....لا يمكنك تركي هكذا ...أكاد أفقد عقلي! "
    فهمست بصوت أجش: " جيد "
    لم تكن تنوي في الاساس أن تضمه أو أن تعانقه لكنها انجرفت في تيار لم تتوقعه.انحنت نحوه تضمه أكثر ،فأحست به يرتجف. كان شعرها يتطاير حوله، وبقي يراقبها، فيما شفتاه منفرجتان لا تصدران أي صوت وكأنه بالكاد يتنفس.لكن كلير اكتفت بضمه.
    ثم هتفت بالنبرة الاعتياديه نفسها:
    " الجو حار هنا ، أليس كذلك؟ "
    بدا صوته أشبه بالنحيب وهو يجيب :
    "بدأت أفقد حس الدعابة لدي. يا كلير! انزعي عني هذه الاغلال الآن! "
    وشرع يتنفس وكأنه أنهى لتوه سباق ماراثون:
    " لا أصدق أن يحدث معي ...لعلي أحلم...لا يمكن أن تكون هذه الحقيقة...لا شك أنني أحلم "
    فقالت كلير قبل ان تعانقه :
    " ليس حلماً "
    عندئذ أطلق لهاثاً حاداً:
    " يالهي! كلير...لماذا تفعلين هذا "
    فردت بنعومة :
    " لم أفعل شيئاً بعد "
    ولم تكد تعانقة حتى رأته يغمض عينيه، وقد أفلت منه صوت عميق.
    لم يكن هذا الرجل الذي سخر منها، وضايقها طيلة هذه الأشهر، وهو يمارس الألاعيب اللذكيه المعقدة مع بقية النساء. بل بدا محياه مختلفاً تماماً، لكنه لم يبد سعيداً باللعبة ، فهو لا يمسك بزمام الامور.
    وتذكرت حلمها عشية الميلاد أمام النار، حين انقض عليها طيفه كخفاش الليل الاسود ليبتلعها. كما استعادت وهنها الشديد ، هذا الاحساس الذي لن تتمكن من نسيانه أبداً، وعرفت حينها أن هذا تأثيره على النساء. لكنه لن يسيطر علهيا مطلقاً. هذه المرة، كان هو الضحية.وهذه المرة ، هي من يسيطر عليه ويتحكم به. سمعته يهمس بصوت مرتجف:
    " أنت رائعة .وأنا أتوق الى معانقتك...فدعيني أفعل ذلك يا كلير ، ولا تعذبيني "
    تمتمت وهي تخفض رأسها ثانية :
    " أنا لا أعذبك بل أطهرك "
    وسمعت خفقات قلبه تتسارع، وكانه فقد السيطرة عليها.
    " ماذا تعنين بتطهيري بحق الجحيم؟ أتمنى لو أفهمك يا كلير. فأنا أتحرق شوقاً الى ضمك بين ذراعي منذ أشهر، الا تعرفين هذا؟ ولا سبيل لي الى ذلك الان وانت تقيدينني بهذا الشكل. "
    لكن كلير لم تكن تستمع اليه بل اقتربت منه من جديد لتعانقه.
    وبدا الخوف يساور كلير. ماذا يحدث لها؟ بل ما هذا الشعور؟ ليس حباً. لايعقل أن تكون مغرمة به! فهو لايعجبها حتى. ما كان ينبغي لها ان تلمسه. فكل لمسة تسعر نار مشاعرها.
    في هذه اللحظة شعرت بأنها مستعدة لكره كل امرأة عرفته، وكل امرأة لامسها أو عانقها أو...
    وتنازعتها مشاعر الحيرة والدوار، وهي تقر أنها لم تخطط لتقييده منذ البداية .فمنذ رأته للمرة الاولى ، وهي تخشاه، بل تحذر منه سلطته على النساء، وترتعب في السر من خضوعها لها في يوم من الايام .وهكذا، أمضت الأشهر الماضيه وهي تحارب الشعور الذي ولده في نفسها، لكنها كادت تجن حين رأته مقيداً الى السرير وعاجزاً عن الاقدام على اي فعل .
    أما الان فقلبها هو الذي خرج عن سيطرتها وراح يطاب بحبه بعد أن أخذت نفساً عميقاً، لامست وجهه بيدها، قبل ان تبتعد عنه.
    فما كان منه الا ان اطلق صرخه غاضبة ، حادة وغير مصدقة :
    "ماذا تفعلين ؟ كلير...لا تبتعدي عني أرجوك "
    لكنها أشاحت بوجهها ، ونهضت عن السرير وهي تكاد نفقد توازنها.
    وغمرت وجه دنزل حمرة قانية، وراح يرتجف بعنف، فيما صدره يعلو ويهبط، مع كل نفس جبار يتنفسه.
    أدارت له كلير ظهرها ، فسمعته يقول :
    " لا يمكنك... لايمكنك أن تفعلي هذا بي . يا إلهي ، اي نوع من النساء أنت ؟ كلير؟ هل تصغين الي؟ لقد قمت بإغوائي ، فما بالك تنسحبين بهدوء الان؟ أن كان كذلك مزاحاً ، فأنا لا أجده مضحكا "
    وتوقف عن الكلام ، ثم تنفس بعمق، قبل ان يضيف بمزيج من الغضب والحدة:
    " أتنتظرين مني توسلاً؟ أتريدين مني أن أتوسل بيأس؟ حسناً؟ ولكنني لن أفعل ذلك. "
    وتبدلت نبرة دنزل وهو يقول :
    " إنها لعبة أخرى ، اليس كذلك؟ انت تضايقينني ، ليس إلا. لكنك لست من القساوة بحيث تزرعين هذه الاحاسيس في، ثم ترحلين! "
    أصابها الاجفال ، فعضت شفتها قبل ان تدير رأسها .ولم يكن باستطاعتها أن تلومه على غضبه، لذا ركعت بجانب السرير، وشرعت تتلمس المكان بحثاً عن الحزام والسلسلة اللذين خبأتهما هناك.
    أما دنزل فراقبها، والشرر يتطاير من عينيه :
    " ماذا تفعلين الان؟ "
    وقفت ، وهي تجذب السلسلة نحو السرير، رغم ثقلها والجلبة التي أحدثتها.
    وحين رأى ما بيدها ، اجتاحه التوتر ، وتقلصت عضلات معدته، وتسمر جسده وهو يسأل :
    "ما هذا بحق الجحيم؟"
    لكنها لم تنبس ببنت شفة، بل جلست على حافة السرير ، وبدأت تدس الحزام تحته.
    " كلير، لقد تماديت كثيراً! فكفي عن هذا ، حباً بالله! "
    وحاول ان يوقفها، فسجن يدها بين الملاءة وجسده ، قبل أن يضيف:
    " لقد أقسمت أنك ستحررينني إن أجريت هذا الاتصال! "
    هزت رأسها وقالت:
    " بل أقسمت أن أنزع القيود، ولم اقل أنني سأحررك.هل تظنني غبية؟ فأنا أعرف انه لا يمكنني الوثوق بك، لاسيما أنك قد تتصل بلوسي مجدداً، ونخبرها أنني أجبرتك على إلغاء تجربة الفيلم "
    ولم يفتها الوميض الذي لمع في عينيه قبل ان يقول :
    " لكنك إن لازمتني ، فلن أتمكن من ذلك، أليس كذلك؟ "
    فوعدته:
    " سأعود، ولن أتركك مقيداً بالسلسلة مدة طويلة "
    احمر وجهه من الغضب ،وتصلب:
    " بل لن تتركيني مقيداً بها أبداً "
    " أنا آسفة ، لكن لاخيار أمامي ، وأن أردتني أن أفك القيود، وأحل الحبل الذي يربط رجليك، فعليك أن تدعني أوثقك بالحزام .أما بشأن السلسلة، فقد أقفلت مرتين ، ولن تتمكن من كسرها ، أو فكها.هذا من ناحية،أما من ناحية أخرى ، فقد تأكدت من أن السلسلة توصلك الى الحمام تأميناً لراحتك. وما إن تغادر لوسي البلاد، حتى أحررك. "
    " وماذا لو رفضت أن تلحق بخطيبها؟ "
    " لن تفعل. "
    تفحص ملامح وجه كلير المليئة بالعزم ، ثم تمتم وقد لوى فمه:
    " كلا، أعتقد أنها لن تفعل، بما أنك قررت ذلك. يا إلهي ، كم أنت قوية، أليس كذلك؟ بل قاسيه كالمسامير، وباردة كالجليد، كنت تنوين منذ البداية ان تعذبيني قبل أن تنسحبي فجأة. "
    0

  10. #1909

    ...::: البحيره السوداء:::......::: الفصل السادس:::...

    وتجلى في صوته غضب مرير:
    " إن كان من امرأة لا أتحملها، فهي المعذبة الباردة الاعصاب "
    فشحب وجه كلير ، وقد كرهت النبرة التي استخدمتها ، لكنها جاهدت لتحافظ على خلو التعابير عن محياها .وقررت ألا تسعده بكشف الجرح اللذي سببه لها.
    وتمتم باختصار، وعيناه لاتفارقانها:
    " أما من تعليق؟ "
    وبادلته النظرات من دون أي تعبير .ورغم أنها شعرت أن الكلام بعيد عن السهولة باشواط، الا انها، وبطريقة ما ، تمكنت من القول: " لا "
    فقست شفتاه ،وهو يومئ برأسه، ويضيف :
    " كما سبق وذكرت، أنت باردة كالجليد ، وتفتقرين الى الانفعال. لقد عانقتني لتثيري غرائزي. تلك كانت نيتك ، أليس كذلك؟ "
    عندئذ ، أجابته كلير على نحو فظ:
    " لا نملك الوقت لهذا "
    فرد من بين أسنانه المطبقة :
    " أنت لا تملكين الوقت، أما أنا ، فيبدو أن ، لدي وقت العالم كله .فلن أذهبىالى اي مكان "
    " أسمع على لوسي أن تستقل قطاراً الى مانشستر في السادسة من صباح الغد.كما عليها أن توضب أغراضها قبل ذلك. وما زال علي أن أكلمها، لأنها لا تعلم شيئاً عن هذه الرحلة. "
    " ألن تحتاج الى تأشيرة دخول؟ "
    حاولت كلير ألا تنظر اليه . فكلما وقعت عيناها عليه ، سرت فيها ذبذبات غريبة.
    ومالبثت أن قالت بسطحية:
    " لقد حصلت واحدة قبل اشهر عدة، وذلك حين سافر مايك الى هناك، كي تزوره ،في حال وفرت بعض المال. "
    " وماذا عنه ؟متى ستخبرينه بقدومها؟ "
    " لقد سبق وفعلت. "
    فأجاب بسخرية باردة:
    " أنت تدهشينني. وفيك من السريه ما يفاجئني ، إذ لم تطلعي مخلوقاً على ماتخططين له "
    عندها رفعت ذقنها ، متوردة الوجه وقالت له:
    " لم أخبره عنك، أو عن تجربة الفيلم. بل اكتفيت بالقول إنها مفاجئة من لوسي، وحذرته من أن يذكر الموضوع سلفاً.انما علي أن اعلمه بموعد قدومها. كي يلاقيها في المطار،ويحجز لها غرفة في فندق قريب "
    فعلق بجفاء، وهو يدرسها ، كمن يراقب حشرة تحت عدسة المجهر:
    " لقد فكرت في كل شيء، أليس كذلك؟ "
    " بل حاولت ذلك. "
    وحانت منها التفاتة الى ساعتها ،وقد فرغ صبرها :
    " والآن ،هل ستدعني أوثقك بالحزام، أم لا؟ لانك ، إن لم تفعل ، ستبقى مقيد اليدين طيلة الليل "
    " حسناً،ضعي الحزام اللعين ، بأي وسيلة كانت "
    ثم رفع جسده ،تاركاً إياحا تدس الحزام حول وركيه.
    وأعلنت ، من دون أن تنظر اليه:
    " قبل أن أنزع الأغلال ، عليك أن تعدني أنك لن تحاول منعي من الرحيل. فعلي أن أرى لوسي الليلة، وأتأكد من أنها ستستقل تلك الطائرة "
    فتشدق في كلامه:
    " سأعدك مقابل وعد منك ، عديني أنك ستعودين ما إن تسافر لوسي بالقطار غداً صباحا ً"
    أومأت برأسها وقالت:
    " حسناً،أعدك بأن أعود حالما نودع لوسي في المحطة "
    ورد :
    " اتقفنا "
    لم تكن متأكدة من أن بإمكانها الوثوق به، الا أنها أخذت نفساً عميقاً ، وفكت الاغلال .
    ولما سقط ذراعاه، أجفل ، قبل أن يئن ألماً.ومالبث أن راح يفرك ذراعيه.
    " يا إلهي ، أعاني أكثر التشنجات سوؤا "
    لكن كلير لم تنتظر .فرغم وعده ، قررت ألا تجازف ، وما أن نزعت القيود، حتى نهضت وحملت الهاتف معها، ثم اتجهت الى الباب سريعاً. ومع أنها سمعته جيداً وهو يستقيم ،ويتقلب على السرير، الا انها أيقنت أنها بعيدة عن متناول ذراعيه، فما زال عليه نزع حبل الغسيل عن رجليه المكبلتين. ولا تعد هذه بالمهمة السهلة ، لاسيما أنها تكبدت عناءاً كبيراً ، كي يصعب علي أي كان فك الحبل. وأخيراً قالت من فوق كتفها:
    " سأعود في الصباح، فأخلد الى النوم "
    وتجاهلت العبارة النابية التي تفوه بها دتزل.
    وما أن وصلت الى المنزل ، حتى توجهت الى غرفتها، واستلقت على السرير، من غير أن تبادر إلى تغير ملابسها. راحت تصغي الى الانين المكتوم الذي وصلها من غرفة لوسي ، وبعد دقيقة ، توجهت الى هناك، أدارات زر الكهرباء.
    جلست على السرير بجانبها، وتناولت منديلاً من على الطاولة المجاورة ، وراحت تمسح دموع أختها برفق.
    " ما بالك؟ سمعتك تبكين. "
    فارتعشت شفتاها، ثم انفجرت غاضبة بنبرة لم تعهدها كلير من قبل:
    " هل كنت تسترقين السمع مجدداً؟ ألا يمكنني البكاء بسلام في هذا المنزل؟ "
    وما لبثت أن بدأت تشكو:
    " آه يا كلير...لقد ألغيت تجربة الفيلم، وسيرحل ثانية، ولن أمثل في أي فلم بعد ذلك "
    فتمتمت كليير بصدق: " لا يفاجئني ذلك "
    ثم تناولت فرشاة من على الطاوله ،وبدأت تسرح شعر أختها الأشعث.
    " أظن أن تجربة الفيلم حيلة يمارسها على كل النساء اللواتي يطاردهن. "
    ولما كانت لوسي تحب أن يسرح لها شعرها ، فقد خفف عنها ذلك ، وسرعان ماتنهدت :
    " كنت محقة بشأنه "
    " نعم. "
    عندئذ أخرجت بطاقة السفر منجيبها، وأضافت :
    " حسناً، يمكنك استعمال هذه إذا أردتِ "
    فنظرت اليها لوسي بتعجب وكأنها تتطلع الى أرنب أخرجته كلير من قبعه.
    " ما هذا؟ "
    " افتحيها وسترين. "
    أخذتها لوسي بريب، ثم فتحتها وهي تحاول أن تقرأها :
    " رحلة إلى أفريقيا! ولكنني لا أفهم، فالرحلة عند صباح الغد، غير أن ..."
    " إن لم ترغبي في السفر غداً يمكنك تغيير الموعد ، شرط أن تخبريهم بالأمر سلفاً.ولكنني اتصلت بمايك وأعلمته بمجيئك. "
    ففغرت لوسي فاها، وهي لا تصدق، ثم انهمرت أسئلتها:
    " اتصلت بمايك؟ أخبرته ؟متى؟ ومتى اشتريت البطاقه؟ بل ما كل هذا؟ "
    حافظت كلير على هدوئها ، وهزت كتفيها بلا مبالاة ثم ابتسمت لها، وقالت :
    " وما همك ؟ عليك اتخاذ قرارك قبل فوات الاوان .فقد حجزت لك في القطار غداً باكراً. كما حجز لك مايك بدوره غرفة في فندق قرب المدرسة. وقد تم تدبير كل شيء .ولم يبقى إلا تحضير أغراضك وركوب هذا القطار"
    حدقت لوسي فيها بثبات وهي تعبس ثم سألتها :
    " ومتى فعلت كل هذا؟ "
    " منذ يومين تقريباً. "
    " ولكن ...لماذا ؟ولم لم تخبرينني؟ ماذا يجري هنا؟ "
    " لقد قلت لك إني لم آصدق حكاية تجربة الفيلم قط. وكنت متأكدة من أنها مجرد حيلة. "
    فعضت لوسي على شفتيها وقالت :
    " لا بد أنك تعتبريني غبية "
    لكن كلير ابتسمت لها ابتسامة ملؤها المحبة، وأجابت :
    " كلا، بل صادفت مصاص دماء عاشق، وحسب.وقد سجل هذا الرجل تاريخاً في افتراس النساء التعيسات.فهو يظهر بداية تعاطفاً ودعماً ودودين، الى أنه ينتهي في فراشهن.وما إن ينال مراده ، حتى يطيري الى مكان آخر "
    فقهقهت لوسي بعصبية، قبل أن تسألها كلير:
    " أليس هذا ما حدث معك؟كنت تعيسه بسبب مايك، الى ان اقتحم حياتك بتفهمه، ولطفه،حتى لم يعد بوسعك الا تحبينه. ومن ثم ، حاول جذبك الى فراشه. "
    فعلا الاحمرار وجه لوسي:
    " لم أخبرك بذلك قط! "
    لكن كلير ردت بكآبة :
    " لم يكن من الصعب علي أن أتكهن .إذ يمكن للمرء أن يتنبأ بتصرفاته. وهكذا ، كنت متأكدة من أنه لا ينوي ضمك الى فريق الفيلم .وقلقت عليك ، بل خشيت أن تكون المسألة بمثابة القشة الأخيرة ، بعد مشاكلك مع مايك، لذا ،بدأت أعد هذه التدابير فإن خضعت لتجربة الفيلم فعلاً، أوجل موعد الرحلة الى حين، لذا، لم تكن المجازفة كبيرة. كما أنك تحتاجين الى عطلة يالوسي، فقد أرهقت نفسك في العمل. ومن هنا، اعتقدت أنك بحاجة لرؤية مايك، ومناقشة بعض المساءل معه، وهي مسائل لا يمكنك مناقشتها عبر الهاتف، او عن طريق الرسائل، بل عليك رؤيته ، وجهاً لوجه "
    وما كان من لوسي الا أن عضت على شفتها ، وهي عاجزة عن التوصل الى قرار ، ثم قالت وقد تشعث شعرها الاشقر، وازدادت ارتباكاُ.
    " لا أدري ماذا أقول. "
    " قولي إنك ستذهبين وحسب! "
    وما لبثت لوسي أن عانقتها وهي تكاد تنتحب:
    " أنت رائعة ! وأنا شاكرة لك جداً يا كلير... ولن أنسى ذلك أبداً..."
    " لا أرغب الا في رؤيتك سعيدة يا لوسي. وأظن أنك ومايك مناسبين لبعضكما ، فهو سيسعدك كثيراً .ولم أرد أن تخسريه من أجل ثمن البطاقة فقط. وبما أن الارباح كانت وافرة هذه السنه، فيمكنني أن أرسلك . والآن ،أتفضلين تحضير حاجياتك ، أم ترك هذا الى الصباح، ومحاولة الخلود الى النوم؟ "
    فهتفت لوسي :
    " بل سأحضرها الآن.وباستطاعتي ان انام في القطار غداً "
    وقفزت عن السرير ، وقد امتلأت حيوية وإثارة ، ولم يستغرق منها توضيب أغراضها إلا نصف ساعة، لا سيما بوجود كلير ، التي سرعان ما أجبرتها على نيل قسط من النوم.
    ووعدتها وهي تطفئ النور :
    " سأوقظك في الوقت المناسب صباح الغد "
    ثم توجهت الى غرفتها، واستلقت على السرير بدون ان تبدل ملابسها، وهي تحدق في الظلام .في الواقع ، لم تحس بوخز الضمير لأنها أخفت الحقيقة عن لوسي. فلو أنها لم تكذب عليها ، لرفضت لوسي أن تركب هذه الطائرة ، ولخسرت الرجل الذي آمنت كلير أنه المناسب لأختها.
    وهي مقتنعه أيضاُ أن لوسي لن تفوت عليها مستقبلاً مهماً في التمثيل، ولم تخضع لتجربة الفيلم هذه. صحيح أنها جميلة جداً، وتملك وجهاً مناسباً للتصوير، ولطالما أقرت كلير أنها تبدو مذهلة في الصور، لكنها لم تظهر أي موهبة في التمثيل. وقد سبق لها أن مثلت في مسرحيات المدرسة، لكنها لا تتميز بسحر على المسرح، أو على الاقل ، هذا ما لاحظته كلير.أما عن دنزل ،فلم يتظاهر مرة بأنه يؤمن بصفات النجمة فيها ، بل لم يعرض عليها هذه التجربة إلا إظهاراً لطيبته. ومع ذلك، كانت كلير متأكدة من أنها لم تخطء بشأن دوافعه قط، فلقد استخدم عمله كطعم ليغوي لوسي. ولا شك أن هذه الخطة المحكمة قد نجحت مع عشرات النساء قبلها.لكن ، من الواضح انها فشلت مع لوسي.
    كان نظرها مازال موجهاً الى السقف، فعبست وهي شاحبة الوجه، باردة. لايجدر بها أن تفكر فيه. لكن فيما تفكر غيره، ولا شاغل آخر يصرف صورته عن ذهنها ؟ وسرعان مابدأت الصور المزعجة تحتشد في مخيلتها. فلم تستطع أن تصدق الذكرى التي تجتاحها .أحقاً تصرفت هكذا ؟ ما الذي أصابها بحق السماء؟ لكن صدقها، وطبيعتها الصريحة ، أبيا أن يكذبا .في هذا الظلام الموحش، لم تعد تقوى على إخفاء الحقيقة ،أو أنكار مشاعرها نحوه.فأغمضت عينيها ، وتأوهت الذكرى تمزق أحشاءها، وكأنها ابتلعت زجاجاً مكسوراً. كانت مغرمة به ، الى حد اليأس. لكن، أيعقل أن تكون بمثل هذا الغباء؟ نعتها هذه الليلة بالجنون، وكان محقاً .فمجرد الوقوع في حب رجل مثله، ضرب من الجنون. ولماذا تطلب الامر منها هذا الوقت كله كي تدرك ماذا يحدث لها؟ وكيف يخذلها العقل الذي لطالما تميزت به، هذه المرة؟ لا شك أن العداء الذي ساد بينهما يوم التقيا أعماها ، ولم تدرك أنه كان مجرد غشاء يخفي خلفه خطراً حقيقياً .وفي الليلة الاولى، شغلها القلق على هيلين ، فلم تدرك انه مصاص دماء سيقدم على أذية هيلين ليرحل بعد ذلك من دون تردد.
    وهاهي الآن تتساءل ، ان كانت تجازف هي الاخرى بالاقتراب منه.
    لكنها لطالما كانت باردة ، لا بل امرأة أعمال مميزة واقعية ومتزنة، وقد أقنعت نفسها أنها لن تسمح لأي رجل بأن يؤذيها مجدداً، وأن هال ، الذي كسر قلبها ،قد علمها الحذر من الوقوع في غرام الرجل غير المناسب. وحين استرجعت بعض المشاهد الخاطفة، تساءلت إن كانت لم تدرك منذ النظرة الاولى أن دنزل بلاك سيهدد سلامها الداخلي. ترى، ألم تعرف منذ البداية أن تأثيره سيكون عنيفاً كالزلزال؟ وإلا ، لماذا كان الخوف الشديد يستبد بها كلما قابلته؟ ولماذا راودتها عنه كل هذه الاحلام المزعجة؟
    لقد نجحت في إنقاذ أختها من مخالبه، لكن، من سينقذها هي؟



    ******
    - نهايه الفصل السادس -
    اخر تعديل كان بواسطة » ماري-أنطوانيت في يوم » 09-07-2008 عند الساعة » 03:45
    0

  11. #1910

    ...::: البحيره السوداء:::......::: الفصل السابع:::...

    7- المواجهة الصعبة

    وفي صباح اليوم التالي ، وخلف ستار ذهبي خفيف، قادت كلير السيارة الى كوخها ،وهي في حال من الانفعال الشديد.
    فكرت في أن الربيع قد حل أخيراً! ويبدو أن هذا اليوم سيكون صافياً، من دون غيمة في السماء.والى جانب الباب الامامي ، تفتحت براعم الزنبق الأزرق ، لتكشف عن وريقات ملتفة، وعبير ذكي يدغدغ الانفاس.
    توقفت كلير لتتنشق الاريج ، وهي تدرك أنها لا تقوم الا بتأجيل موعد دخولها الكوخ، وصعودها السلالم.
    كانت قد ودعت لوسي عند محطة القطار، ثم قادت السيارة الى الكوخ بتمهل، وهي شاحبة الوجه، خائفة. وأدركت أنه لم يكن بوسعها أن تبقيه مقيداً. لكنها ، في الوقت نفسه امتلأت رعباً وهي تفكر في مايقدم عليه حين يتحرر .
    عضت شفتها ،وقد استحال وجهها قرمزياً، وهي تذكر الليله الماضية وما لبثت أن تأوهت بصوت عال:
    " لماذا أقدمت على ذلك؟ ما الذي أصابني بحق السماء؟ "
    ولكن ، عليها أن تتقبل الحقيقة إنها مسلوبة الارادة .فمنذ أن وقعت عيناها على دنزل للمرة الأولى، وهي مسلوبة الارادة، وكانها خاضعة، مهووسة، وقد سيطرت على عقلها صور غريبة ، وباتت أحلامها حسية. ولو انها عاشت في العصور الوسطى ،لا عتبروا ان الشيطان قد تلبسها. وفي الواقع، ما من صفة تناسب دنزل أكثر من هذه.
    أغمضت عينيها، وقد أسندت وجهها الى الحائط الحجري .إنني أفقد رشدي ، فأنا أكلم نفسي ، وأعاني الهلوسات ، بل تراودني أغرب الاحلام...فما بالي؟ مما أشكو، عدا عن وقوعي في حب آخر رجل في العالم قد تفكر فيه أي امرأة عاقلة؟
    صرخت وهي تحدث نفسها مجدداً: " أصمتي! "
    فما الفائدة من الجدال ، انما عليها الدخول الى الكوخ ، ومواجهة مصيرها.
    ومالبثت أن أدارت المفتاح في القفل ، وفتحت الباب .وقفت في الرواق الضيق تطرق السمع.
    ما من صوت. أغلقت الباب بهدوء، وبدأت تصعد السلالم على رؤوس أصابعها ،وتتوقف بين الحين والاخر لتصغي مجدداً. وحين بلغت أعلى الدرج، سمعته يتنفس .لبثت مكانها ، ونبضها يخفق في حنجرتها، ثم سجلت وجود صوت هاديء منتظم، فاطمأنت الى أنه نائم.
    بمقدورها إذاً أن تتسلل الى الداخل ، فتلقي اليه بالمفتاح من غير أن توقظه ،ثم تفر خارجاً. وخالجها شعور مزعج بالارتياح ،فدفعت باب غرفة النوم بحذر، وبعد ثانية ،فق قلبها بسرعة ، وقد وقع نظرها عليه.
    كان مستلقياً على ظهره ، وعيناه مغمضتان، فيما أهدابه السوداء منسدلة على وجنتيه الشاحبتن .أما صدره فمكشوف كحال كتفيه، لا سيما أن الغطاء لايغطي سوى القسم السفلي من جسده.وأضفت الستائر المسدلة على الغرفة ظلالاً غامضة.لكن ماذا لو لم يكن نائماً حقاً؟ ماذا لو كان يتظاهر بذلك ، كي يوقعها في الشرك؟
    وأمعنت النظر فيه .لا.. لو أنه يمثل فعلاً، لما فغر فاه على هذا النحو.
    وشرعت كلير تتقدم نحوه بحذر ، وهي تنوي أن تضع المفتاح فوق المنضدة قرب السرير، لتتسلل الى الخارج مجدداًً.لكن ما إن بلغت منتصف الطريق، حتى تقلب في مكانه بقلق .فما كان منها الا ان جمدت في مكانها. وراحت تراقبه وهي مستعدة للهجوم إن استقام على السرير.
    لكنه رف جفنيه، وتنفس بسرعة، ثم راح يئن ، وهو يلوي رأسه من جانب الى آخر. إلا أن كلير لم تسمع دمدماته، وبدت كلماته غامضه وصوته أجش. وبعدئذ، صرخ بطريقة، زرعت فيها رعباً عظيماً. لم يسبق لها أن سمعت هذا الخوف ، بل هذا الالم في صوت رجل من قبل.وبلغ بها القلق حد الهروع الى سرير ، والجلوس بقربه، لتهزه بعنف، قائلة :
    " استيقظ يا دنزل! "
    فتغيرت حركة تنفسه ، وصرخ كما المصاب بصدمة ، ثم فتح عينيه، ونظر إليها بغرابه ، وهو متصلب الجسم ولدقيقة، أيقنت أنه لا يدرك من هي، الى أن تلعثم:
    " ما ...ما الأمر...؟ كلير؟ "
    فردت بارتعاش:
    " كنت تحلم... لقد انتابك كابوسٌ "
    شحب وجهه حتى استحال ناصع البياض، وبدت عيناه شديدتي السواد:
    " وكيف علمت؟ ماذا قلت؟ "
    ولما رأت ارتباكه ، نظرت اليه غير مصدقة ، فهذا لا يناسب الرجل الذي تعرفه . غير انها سارعت تطمئنه بدافع غريزي:
    " لم تكن تتكلم بل تصرخ. "
    ومهما كان الحلم الذي راوده ، يمكن لكلير أن تجزم أنه يبدو وكأنه رأى الجحيم بعينه. ومع ذلك ،بدا كل همه ألا يعرف أحداً سبب تلك الكوابيس التي غزت مخيلته.
    وتنهد بتثاقل، ثم وضع ذراعه على وجهه، في حركة مستها في الصميم ، بدا لها أشبه بطفل يحاول أن يختبئ ، وقبل أن تدرك ما تتقوم به، أزاحت خصلاته شعره الاسود عن جبينه، ثم تمتمت بنعومه :
    "أنت بخير الآن .لقد انتهى الكابوس وحل الصباح "
    وبصوت لم تسمعه قبلاً، رد بانزعاج:
    " بل لن ينتهي أبداً. فتلك هي حال هذه المسائل. تعود الينا في الاحلام مراراً وتكراراُ، كين نكون نياماً، وقد رمينا بأسلحتنا جانباً "
    ترددت كلير ، ثم قالت بصوت يخالطه الشك والاجفال:
    " يبدو الامر خطيراً. هل تريد التحدث عنه؟ "
    فضحك بصوت خشن وقال:
    " وماذا تتوقعين ؟ سراً رهيباً ومخيفاً؟ كلا يا كلير، ما من سر غريب أو خاص في كوابيسي. مجرد ذكريات من الطفولة، كان يجب ان أدفنها منذ مدة طويلة "
    وغمرها الارتياح لبرهة، لكنها مالبثت أن تذكرت الأصوات التي أصدرها، فعبست وقد أيقنت أن هذا الرعب حقيقي ولا يحتمل. سألته، وهي تدرك أنها تجتاز طريقاً وعراً، وأن عليها أن تخطو كل خطوة بحذر شديد:
    " هل كانت طفولتك تعيسة؟ "
    كانت تعرفه بما فيه الكفايه ، لتجزم أنه ليس من الرجال الذين يفصحون عن مشاعرهم الخاصة، وهو يماثلها في ذلك سرية . ومن هنا، لسعتها المفأجأة، حين اكتشفت للمرة الاولى في حياتها، أنها يتشابهان بطريقة ما.
    وبعد صمت طويل، تذكر دنزل بخشونه:
    " لقد تخللتها بعض للحظات التعيسه. "
    فتنفست بعمق، وقد أجفلها ما شعرت به من سعادة ، حين أجابها ، ولو بهذا القدر من الكلمات .وسرعان ما أحست كمن أقنع طيراً برياً بالتقاط بالبذور من يده.
    ثم سألته بحذر، إنما بنبرة حاولت مابوسعها لتبدو عادية:
    " ألم تتفق مع والديك؟ "
    فقهقه بغضب، ثم أخفض ذراعيه ، ونظر اليها بعينين رماديتين حادتين :
    "والدي؟ حين بلغت الثانية من عمري، هربت أمي مع رجل آخر. اما والدي، فلم يعرف ماذا يفعل بي.لذا ، رماني لأخته، ثم اختفى بدوره. وكان لأخته أربع صبيان ، بلغوا سن المراهقة. ولو قلت إنهم لم يرغبوا في وجودي ، للطفت الحقيقة. فقد كان شغلهم الشاغل أن يحيلوا حياتي جحيماً، لا سيما أن مخيلتهم كانت واسعة. "
    فأجفلت وسألته:
    " أتعني أنهم عذبوك؟ "
    " فكروا في مئات الوسائل ، ليدفعوا صبياً صغيراً الى حد تمني الموت. "
    واجتاح الرعب قلب كلير، وقد حدقت فيه بعينين قاتمتين:
    " لكن... لمَ لم تخبر أحداً... كعمتك ،أي أمهم؟ لمَ لم تخبرها؟ "
    فزادت السخرية ملامح وجهه حدة:
    " كانوا أذكياء. فلم يتركوا آثاراً على جسدي ، بل في عقلي وحسب. ولم ترغب عمتي فلورا في رؤية ما لا تريدرؤيته. فهي لم تكن تريدني بدورها طبعاً، لاسيما أنها أرملة، ولا تملك الكثيرمن المال. ولم تستقبلني إلا لأنه واجبها، كما اخبرتني مرات عديده. إنها امرأة متدينة، تؤمن بالواجبات ولا تكشف عن عواطفها الانسانيه، الا في ما يتعلق باولادها ، ولقد أشرفت على غذائي ، وملبسي ، كما واظبت على اصطحابي الى الكنيسه مرة في الاسبوع. ولم تكن قاسية القلب، بل مجرد امرأة غير مبالية. كما أن الوضع لم يكن بهذا السوء عند وجود الصبيان في المدرسة، لكن أيام العطل ونهاية الاسبوع كانت مرعبة في نظري. وقد كرهت الميلاد خاصة ، يضطر الجميع الى قضاء الوقت في المنزل بسبب حالة الطقس، مما يدفعهم الى البحث عن وسيلة للتسلية، أي أنا. فيمارسون مداعباتهم السمجة، كما يسمونها، الى ما لا نهاية. وحين يطلق الناس هذا المزاح عبارة مداعبات سمجة، فهم يقصدون مداعبات قاسية كما تعلمين. فهذا المزاح ينطوي دائماً على القسوة ، التي لا تعجب الضحية أبدأً. وهنا ، تمتمت كلير بهدوء:
    " أعرف ماذا تعني. فأنا أكره المداعبات السمجه، حين أكون هدفها. قل لي، اينوع من المزاح كان؟ "
    فكشر وقال:
    " آه ،كانت خدعاً تهدف الى الاغاظة في معظم الاحيان. لكن حين يكون المرء في الرابعه من عمره ، فإنه يراها العذاب بعينه. وحين بلغت ميلادي الخامس، غمروا سريري بإبر أشجار الصنوبر، وأجبروني على الاستلقاء فيه، صحيح أنني لم أحتضر ، لكنها خدشتني كالقراص. وفي بعض الاحيان، كانوا يدفعونني الى خزانة تحت السلالم، ويحبسونني فيها. لطالما أرعبني الظلام الدامس الذي يغمر المكان. ومنذ ذلك الحين ، وأنا أعاني رهاب الاحتجاز. وقد اعتادوا إخفاء هداياي ، او رميها حتى تتكسر، ثم يتركونني لأتلقى اللوم. وبما أن عمتي تؤمن بالعقاب الصارم، فقد اعتادت ضربي جزاءً على ما يقترفه أولادها. وأذكر لعبة كانوا يحبونها كثيراً، وتدعى الكعكة المحمصة ، ووفيها يمسكونني فوق النار، ويتظاهرون بتحميصي. ومع أنهم لم يوقعوني مرة . لكني لم أكن متأكداً من نيتهم . في الواقع، كانت هذه القسوة العقلية نموذجية، أي أنني لم أكن أهتم لما يفعلونه بي، بقدر ما يقلقني ماقد يفعلونه لاحقاً. وكانوا يقدمون على لوي ذراعي، ونتف شعري كلما رأوني ، وكأنهم يرفسون أي كلب "
    في تلك الاثناء كانت كلير تحاول مقاومة دموعها ، وقد شحب وجهها . وتملكها مزيج من الغضب والألم وهي تتخيل صبياً صغيراً يتيم الأم ،يحاول أن يتحمل كل هذه الصعوبات.
    ومالبثت أن سألته بصوت أجش:
    " وكم من الوقت مضى قبل أن تتغلب على كل هذا؟ "
    فكشر وأجابها:
    " خيل الي أن الوقت أبدي، لكنها كانت خمس سنوات أو ست تقريباً، على ما أعتقد. وحين بلغت الثامنه، كانوا قد تخرجوا من مدارسهم ، وبدؤوا يعملون او يرتادون الجامعه، وقد ملوا من التسلي بتعذيبي".
    ففكرت بصوت عال:
    " الأن فهمت لمََ تكره الميلاد "
    عندئذ رماها بنظرة جانبيه سريعة وسألها :
    " هل أخبرتك بذلك؟ "
    ولما أومأت برأسها ، ابتسم وهو يلوي فمه :
    " نعم ، في الواقع، كان عيد الميلاد أسوأ يوم في السنه، وكم كرهت التعارض بين كلام أمهم عن ضرورة انتشار المحبة بين الناس، وبين ما يقترفه أبنارها بحقي، بعلم منها أو من دون علم. "
    فقاطعته وهي جزعة:
    " وكيف أمكنها أن تفعل هذا ؟"
    " أظنها لم تكن ترغب في الاطلاع على الامر . ألا تفضل الأمهات أن يؤمن بكمال أولادهن، لاسيما في فترة الميلاد؟ تعلمت أن أكره الموسم بأكمله، من الخدمات في الكنيسة ، الى ترانيم الميلاد، فبطاقات العيد بكلماتها المحبة، هذا الى نباتات البهشية والاشرطة اللماعة. وبدا لي أن في العالم أجمع عائلات تجمع شمل أفرادها ، وكانت برامج التلفزيون تحفل بافلام قديمة العهد، فيما الترانيم لا تنقطع مطلقاً من المذياع... ولم يكن باستطاعة المرء أن يهرب من هذا الجو أينما ذهب. أما أنا ، فقد اعتبرت كل ذلك مجرد حلة زائفة. "
    " أتفهم لما فكرت بهذه الطريقة. "
    ولم تشأ أن تجادله ، فليس الأوان أو المكان مناسبين لتحاول أن تغير نظرته الى الميلاد. وبدلاً من ذلك ، قالت بنعومه:
    " لا عجب أن الكوابيس تنتابك. يبدو أن ما حدث في طفولتك قد ترك فيك أثراً لم يتركه أي حدث آخر في حياتك، أليس كذلك؟ "
    فتذمر ،والسخرية في عينيه، ثم قال:
    "هذا مايبدوا .ياللتفاهة! ألا توافقيني الرأي؟ ها قد مرت عشرون سنه تقريباً على مون عمتي ، ولم يقع نظري مرة أخرى على أي من أبنائها. كان علي أن أنسى مافعلوه بي، ولكن ..."
    وهز كتفيه استهجاناُ، قبل أن يضيف بسطحية :
    " من الغرابة أنها ماتت فجأة في عيد الميلاد، إثر نوبة قلبيه .وبما أن أحداً لم يلاحظ قبلاً أنها تعاني من القلب ، فقد كانت الصدمة عنيفة. "
    0

  12. #1911

    ...::: البحيره السوداء:::......::: الفصل السابع:::...

    ومالبث أن صمت عن الكلام ، وهو شاحب الوجه .بعدئذ، هتف بصوت خشن :
    " لا .ليست هذه الحقيقة الكاملة. لم يحدث أن أخبرت أحداً بهذا، ولكن ماجرى بسببي. فأنا من تسبب لها بتلك النوبة القلبية. "
    ففي يوم الميلاد ذاك ، كان ابنا عمتي قادمين مع افراد عائلاتهم، لا سيما بعد أن تزوج اثنان منهم، وانجبا الأطفال.أما الاثنان الباقيان ، فقد استعدا للمجيء مع صديقتيهما. وكادت عمتي تطير من الفرح. وظلت طيلة الوقت تمدح الميلاد على أنه يوم رائع تجتمع فيه العائلة . ثم راحت تثني على أبنائها المحبين. وفجأة فقدت أعصابي ، وأخبرتها أي نوع من الوحوش القساة هم أبناؤها، وكم اكرههم..."
    ثم صمت وهو يتنفس بارهاق، ولا حظت كلير كم ترتعش يداه. فأمسكتهما معاً، وقد أخافتها النظرة على وجهه .
    وحدق في أيديهما المتشابكة ، قبل ان يرميها بنظرة مستغربة:
    "هل تبدين نحوي لطفاً وتعاطفاً يا كلير؟ "
    فتوردت وجنتاها لما سمعته من تهكم جاف ، وحاولت أن تسحب يديها ، لو لم يشد قبضته.
    " أنا لا أحاول أن أهاجمك. لكنني غالباً ماشاركت في هذا المشهد، عادة أكون المستمع الجيد، فأصغي الى الناس، وهم يفصحون عن مشاكلهم . أما هذه الطريقة، فلا. وغالباً ما يكون جزءً من عمل المخرج، لاسيما حين يعمل مع ممثلين انفعاليين ومزاجيين. "
    فأشارت كلير بنبرة جافة :
    "ولا سيما إن كن ممثلات جميلات..."
    التفت إليها وقد التمعت التسلية في تظراته:
    " يا لها من ملاحظة خبيثة! "
    فازداد التورد على وجهها .ترى ، هل اكتشف نبرة غيرة في صوتها؟ لو فعل، فلن تسامح نفسها أبداً.
    وأضاف دنزل بجفاء:
    " علي أن أقر أن تجربة الوقوف من الجهة الاخرى للكاميراجديدة.لكن ،لا أريد لذكرياتي المثيرة للشفقه أن تصيبك بالملل. فما من كلام يضجر أكثر من ذكريات إنسان آخر"
    فطمأنته بكلمات عنتها فعلاً:
    " لكنك لا تشعرني بالملل! "
    وكشف ملامح وجهه عن سخرية وهو يقول :
    " لا أريد إخبارك بالمزيد، حرصاً على صورتي. "
    ثم توقف وهو يعبس ،قبل أن يضيف بلهجة فظة :
    " أردت أن أؤذي عمتي. لقد تملكني الغضب حين رأيتها بهذه السعادة والرضى عن نفسها وعن صبيانها. وظللت أتذكر أعياد الميلاد التي مرت بي ، أنا الذي لطالما بقيت غريباً في ذلك المنزل، أنا الذي لطالما تجاهلوني أو ضايقوني... وشعرت بموجة عاتيه من الغضب ، فهتفت بالحقيقة في وجهها, وكنت في تلك المرحلة من المراهقة حين يبدأ المرء بالثورة ،وبررت لنفسي قولي الحقيقة. وبالطبع لم تصدق كلامي، أو على الأقل لم تقره.وبدأت تصرخ بدورها...وفجأة ،أخذت تختنق وهي تقبض عى صدرها. ومالبثت أن ترنحت ، وتهالكت على الكرسي. فخفت ، وما كان مني إلا أن انحنيت نحوها لأسألها إن كانت بخير. لكنها ضربتني ،لتكون هذه ضربتها الأخيرة. "
    ورفع رأسه مجددأً، ونظر الى كلير وهو شاحب الوجه،ثم قال:
    " آخر مافعلته هو ضربي، ومن ثم ، لفظت أنفاسها الآخيرة، من غير أن أحاول مساعدتها. "
    وشعرت كلير برغبة قوية في إحاطته بذراعيها. ولكن خوفاً من ذلك ، شدت من قبضتها على يديه وعلقت:
    " لا بد أنك خفت كثيراً. فقد كنت كجرد مراهق يشعر بالذنب... وأظن أنك لم تدرك ما لعمل ، أليس كذلك؟ "
    " في الواقع، لم تكن لدي أدنى فكرة .ففي لحظة ، كانت تصدر هذه الجلبة الرهيبة ، لتتوقف عن التنفس في اللحظة التالية. "
    ونظر الى كلير بثبات ، وعيناه شديدتا السواد ، قبل أن يضيف :
    " لم أحاول أن أساعدها حتى ، وهذا ما لا يمكن أن أنساه أبداً. بل وقفت هناك، أحدق فيها، وكأن عقارب الزمن قد توقفت .وأظن أن نفسها الأخير قد أحالني ...لا أدري ...خدراً.وبدا لي غريباً، ان يكون آخر ما أقدمت عليه هو ضربي. "
    فتمتمت بنعومه:
    " كنت في حالة من الصدمة "
    " أظن ذلك .وكل ما أعرفه أنني وقفت ، فاغر الفم، ومن ثم ، تملكني الرعب الشديد .ولم أحاول أن أقوم بالإسعافات الأولية، بل اكتفيت بالهرولة والاتصال بسيارة إسعاف.وأخيراً جاء الطبيب، وأخبرني أنها ماتت في الحال ، لكني لم أتأكد قط من صحة كلامه. "
    " كنت مجرد طفل يا دنزل! ولا عجب إن انتابك الرعب الشديد. "
    " لست أدري.ربما ، إن فعلت شيئاً... كالتنفس الاصطناعي مثلاً، أو محاولة انعاش قلبها مجدداً، لكانت نجت من الموت. لكنني لن أعرف ذلك أبداً. "
    وشعرت كلير برغبة في البكاء .فعيناه أشبه ببئر عميقة، مظلمة من الألم ، ومالبثت أن همست :
    " وقد لازمك الشعور بالذنب منذ ذلك الوقت "
    ابتسم ابتسامة ملتويه وقال:
    " منذ ذلك اليوم ، وأنا أحاول أن أنساها. لكنك محقة، فقد شعرت بالذنب فعلاً. وحري بي ذلك. لقد منحتني مأوى حين لم تكن مضطرة لذلك ، ولم تكن هي من أساء معاملتي، بل أبناؤها. وهم الان، بالمناسبة، أعضاء في المجتمع يحظون بالاحترام على ما أظن. ولسوء حظي كانوا في تلك المرحلة القاتلة من المراهقة حين ظهرت بينهم. فأنت تعرفين أن المراهقين يمرون بمرحلة يخيفون فيها غيرهم من الأطفال، لمجرد التسلية. ولا يمكنني أن ألوم عمتي على ذلك، كما لا يمكنني أن أحملها ذنب العوشاطف التي لم تظهرها لي، لا سيما أن لها أربعة أبناء من لحمها ودمها "
    ولبرهة ،ساد بينهما الصمت ، قبل أن تساله كلير :
    " وماذا حدث بعد موت عمتك؟ "
    " في ذلك الوقت، كان أبي قد مات بدوره ، أو ضاع في البحر قبل سنتين ، فيما كان يعمل ضمن طاقم سفينه. أظن أنه قفز من على متن السفينه حين كان ثملاًُ .لكن موته اعتبر حادثاً، رسمياً. "
    " وماذا عن والدتك؟ "
    " الله وحده يعرف مكانها. ومن يدري ؟ لعلها ميته أيضاً، ولكن قلما أهتم.فقد اختفت منذ كنت في الثانية من عمري ، ولم يرها أحد أو يسمع عنها منذ ذلك الوقت. وبالطبع، ورث أبناء عمتي كل ممتلكات أمهم، ومن ضمنها المنزل ، وبعض الاغراض الخاصة.وباعوا البيت ، ثم وزعوا الأموال في ما بينهم ، وإذا بي أجد نفسي من غير مأوى. "
    وأجفلت كلير وهي تسمع الكآبة في صوته. لقد فسر لها حديثه الكثير عن شخصيته، وعن كل مأ احست به منذ التقت به . لقد أحست حينها أنه رجل انطوائي ، بعيد عن الدفء الانساني، وكأنه يراقب حياة الاخرين من شبابيك مضيئة، فيما هو واقف في الخارج ، في الظلام. نعم، لطالما كان دنزل دخيلاً وما لبثت أن سألته برفق:
    " إذاً ،ماذا حدث لك بعدئذ؟ "
    وإذا بوميض من التسلية الباردة يلمع في عينيه وهو يجيب:
    " صادفني الحظ للمرة الاولى.. على فكرة ، لي نظريتي الخاصة في الحياة والكون وكل مايحيط بنا، وتستطيعين القول إنني أؤمن بالتوازن .فإن عانيت من الحظ السيء مرات عدة، ستدور عجلة الحظ عاجلاً أم أجلاً. يمكنك ان تسمي ذلك ماشئت: العناية الإلهية، أو التعويض، أو غيرها..في يوما ما ،سيبتسم لك الحظ. كانت حياتي غاية في التعاسة، الى أن أصبحت راشداً تقريباً. ولكن منذ اليوم الذي قضت فيه عمتي ،تبدلت مسيرة حياتي. فقد عرضت علي إحدى معلماتي منزلاً حتى بلغت الثامنه عشرة . وكانت مختلفة جداً عن عمتي .ومع أن لها أطفالاُ أيضاً، إلا أنهم كبروا جميعاً ،وانتقلوا للعيش بعيداً عن المنزل. لذا تحب هي وزوجها أن يستقلا الشبان في بيتهما. "
    وتغير وجهه ، فأضحى أكثر نعومه ودفئاً، مما بدل مظهره كله.
    وعلقت كلير بتردد:
    " يبدو الي أنهما رائعان "
    فابتسم :
    " فعلاً .لقد أنعم الله على آل داريل بعقل منفتح، وقلب نابض بالحياه.وما زالا على تلك الحال، رغم تجاوزهما السبعين من عمرهما الآن. وقد تبدلت حياتي منذ انتقلت للعيش معهما ، فالتحقت بالجامعه، حيث تابعت دروساً في التصوير. ومن هنا بدأت أهتم بمهنتي العتيدة .وما زلت أزورهما من وقت الى اخر، ولم أقطع علاقتي بهما ابداً "
    " وماذا عن أبناء عمتك؟ "
    فاحتدت ملامح وجهه مجدداً، ثم أجابها:
    " لم أرهم قط "
    ثم توقف قليلاً قبل أن يضيف:
    " أحاول ألا أفكر فيهم أيضاً، ولم تعد هذه الكوابيس تنتابني كثيراً، الا إن كنت مرهقاً، أو أتعرض لضغط ، أو لمضايقة. فتعود الأحلام الى الحياة مجدداً. "
    وفجأة ، احست كلير وكانها أصيبت بصدمة، وسرعان ما شحب وجهها، وشعرت بالسوء، وعرفت أنها لم تدرك الأمر حتى هذه اللحظة، فتمتمت :
    " لقد...انتابك الكابوس الآن ، لأنني قيدتك الى السرير...هذا هو السبب ،أليس كذلك؟ "
    فهز كتفيه بلا مبالاة، ولم يجب لكنه لم يكن مضطراً لذلك. وأدركت كلير ما اقترفته في حقه، بعد كل هذه الوحشية التي عامله بها أبناء عمته طيلة هذه الاعوام.
    فتلعثمت :
    " أنا آسفة...آسفه جداً.لو عرفت ذلك ، لما كنت ...لمَ لم تخبرني ، بحق السماء، إنك تعاني رهاب الاحتجاز؟ لا شك أن هذه الليلة كانت أشبة بكابوس بالنسبة لك.."
    ثم توقفت عن الكلام، وعضت على شفتها السفلى.
    فضحك:
    " هل كنت لتصدقينني؟ "
    فتأوهت وأجابت :
    " لا أظن "
    وأخرجت المفتاح من جيب سترتها، ويدها ترتعش. بعد ذلك ،أضافت وقد انحبست انفاسها:
    " استقم في جلستك وسأفك حزامك "
    ولما فعل، كشف قميصه الاسود الحريري عن صدره.فبدت كلير من الانزعاج، ما تطلب منها دقيقة لنزع القفل .لكنها نجحت في النهاية، وحررته ، ثم تركت الحزام والسلسلة يسقطان أرضاً بجانب السرير.
    تمطى وهو يتنهد ارتياحاً، وقال :
    " أحمد الله على هذا ،لم يكن الوضع مريحاً ا لبتة "
    فردت بصوت أجش:
    " أنا آسفه، لم أقصد أن أوذيك، بل كنت أحاول فقط..."
    0

  13. #1912

    ...::: البحيره السوداء:::......::: الفصل السابع:::...

    عندئذ، أجاب بنبرة قاسية:
    " أن تحمي أختك مني... أعرف. وأتوقع أن لوسي مضت في سبيلها الآن.متى يحين موعد إقلاع طائرتها؟ "
    نظرت إليه نظرة غامضة مشككة من بين أهدابها. لعلها شعرت با لأسف نحوه، لا سيما بعد أن سمعت عن طفولته الرهيبة، لكنها لم تكن متأكدة من أنها تستطيع الوثوق به. ولن تتفاجأ إن خذ بثأره منها، لكنها على استعداد للهرب، ان حاول ان يمسك بها. لكنه لم يقدم إلى الآن على أي حركة تهددها . ومالبثت أن قالت:
    " تعلم أنني قمت بالعمل الصحيح! فهي تحب مايك فعلاً، وستكون سعيدة معه "
    " لست بحاجة الى تبرير نفسك أمامي. فقد تلاعبت بحياة لوسي وليس بحياتي. "
    ازداد احمرار وجهها ، وعاد نفاذ صبرها إلى الظهور:
    " هيا، أقر بالامر. لم تكن تملك أدنى فرصة في التمثيل ،أليس كذلك؟ "
    هز كتفيه من غير اهتمام ، ونظر إليها مجدداً وقال بتهكم:
    " أشك في ذلك، صحيح أنها جميلة، وأنها تبدو فاتنة أمام الكاميرا، لكنني متأكد من أنها لا تستطيع التمثيل ، بما إنني سبق وعملت معها في المهرجان . وقد راقبتها وهي تحاول أن تعلم الأطفال التمثيل ، وأخشى أنها تبدو خرقاء تماماً. "
    " أعرف . وأذكر أيام مسرحيات المدرسة ، حيث كانت تبدو جميلة، وتتلفظ بنصها بوضوح، لكنها...في الواقع، لم تكن على هذا القدر من البراعة. "
    فأجاب دنزل :
    " إنها لا تملك من الخيال ما يمكنها من أن تصبح ممثلة. فهي سعيدة بنفسها لدرجة تمنعها من البحث عن شخصية أخرى. والممثلات الماهرات بحاجة إلى هذ . وغالباً ما تجدين أنهن يعانين من شكوك ذاتيه، ويحتجن بيأس لنوع من الإطمئنان "
    " لمَ اقترحت عليها الخضوع لتجربة، إن كنت تدرك عدم كفاءتها؟ "
    " لم تكن سعيدة، وقد فرغت مني الاصوات المتعاطفة التي أصدرها حين تتحدث عن مشاكلها. وارتأيت أنه من الممتع لها أن تخضع لهذه التجربة، فقد تشغلها عن الصعوبات التي تعانيها ليوم أو اثنين. وان كان وجهها مناسباً للتصوير كما أظن، قد تشكل فسيفساء جميلة في مجموعتي . "
    فردت بهدوء، وقد علا الاحمرار وجهها :
    "فسيفساء في مجموعتك.."
    نظر اليها بجفاء، وقد لاحظ نبرة صوتها، فتوسع شرحاً:
    " أعني الصورة النهائية التي أحاول أن أركبها. فلا بد أنك استنتجت من الرسوم التخطيطية التي سبق ورأيتها، أني أعتبر كل مسرحية رسماً معيناً.ولوسي جميلة طبعاً "
    كانت كلير تتنفس بسرعة ، وقد انقبضت يداها. مما دفعه الى النظر اليها بتفكير عميق:
    "ها أنت غاضبة مجدداً!"
    " كدت تقضي على حياة لوسي ، ثم تتحدث عن قطعة من الفسيفساء، فكيف تتوقع مني ألا أغضب ؟ "
    ومالبثت أن تذكرت ما أخبرها به عن طفولته، عن الكلام، وهي تعض شفتها، ثم قالت على نحو نزق:
    " أظن أنك لا تستطيع ألان أن تتلاعب بحياة الآخرين، فأنت لم تتعلم قط أن تهتم بغيرك من الناس"
    " لا تبدأي بهذه الثرثرة التحليلية يا كلير! فأنا أهتم فعلاً بغيري من الناس، والا لما شعرت بالاسف على حال لوسي. لقد عرفت أنها تعيسة ، لأنها قصت علي مشاكلها. وبقيت لساعات متتالية تخبرني عن مايك وزواجها ، وكل العناء الذي تتكبده في المدرسة، وعنك وعن عائلتك. أنا اكتفيت بالاصغاء اليها، وهذا كل ما أرادته مني. كل ما أرادته هو أن تتكلم من غير ان تتلقى أوامر."
    فردت كلير بمزيج من الحدة والغضب:
    " أتسخر مني؟ "
    " في الواقع حاولت أن تديري حياتها، اليس كذلك؟وقد أثبت ذلك حين أرسلتها على طائرة لتلحق بخطيبها، من غير أن تدرسي الوضع جيداً. كما لجأت إلى أساليب ضخمة كي تنقذي وجههة نظرك، حتى ولو كانت تقضي بربطي بسلسلة لساعات كالكلب. "
    " سبق وقلت إنني آسفة. "
    فسألها ،والظلام في عينيه يدق ناقوس الخطر في رأسها :
    " وهل أنت آسفة لأنك أفقدتني عقلي أيضاً؟ "
    وما كان منها إلا أن نهضت عن السرير ، وهتفت :
    " علي أن أمضي الى العمل..."
    لكنها لم تتمكن من أن تخطو خطوة واحدة. فقد قبضت يدا دتزل على خصرها ، وجذبتاها مجدداً الى السرير. حاولت أن تخلص نفسها، لكنها لم تنجح الا في الميل نحوه بعجز، مما دفعها الى إطلاق صرخة رعب.
    أما دنزل ، فأحاطها بذراعه.وصدمها الإحساس الذي تملكها ، ما إن شعرت به قربها.
    إلا انها ما لبثت أن قالت :
    "سأقتلك..."
    قاطعها وهو ينظر اليها من خلال أهداب تكاد تنسدل ، ويبتسم تلك الابتسامه المعذبة:
    " حقاً؟ عادة ، لا أصدق تهديداً كهذا، إن صدر عن معظم النساء، لكنك امرأة غير عادية. وأظنني عرفت ذلك منذ التقيتك للمرة الاولى . قد انتابني إحساس غريب حين نظرت اليك. أنت متقدة العاطفة يا كلير، ولطالما ظننت أن الجليد وحده يملأ شرايينك . لكن يا إلهي ، كنت مخطئاً ، اليس كذلك؟"
    ودنا منها ، فراح قلبها يخفق بعنف، حتى عجزت عن التنفس . القرب منه عذاب حقيقي. أنها تحبه بشدة وتشعر بأنها تكاد تجن . لكنها لم ترد أي علاقة به، وهي تدرك تماماً أنه لا يحبها، بل أثارته ذكرى الليلة الماضية ليس إلا. ومع انه عانقها بشغف أوهنها، ظلت هذه الافكار تساورها.وهي تعرف قدرة دنزل على الاغواء، فقد راقبته، وهو يمارس ألاعيبه مع غيرها من النساء...مع هيلين...ومع أختها. لكنه لن يمارس أي لعبة معها. فتذمرت ،وحاولت أن تناضل أو أن تضربه ليبتعد عنها ويطلق سراحها .
    " لن أفعل ذلك. والان ، دعني ارحل ...فأنا لا أريدك... "
    لم يتحرك من مكانه ، بل أخفض بصره الى وجهها المتورد وعينيها القلقتين، وفمها المرتجف، قبل أن يهمس: " كاذبة. هل تظنين أنني عاجز عن اكتشاف ما يجري في داخلك؟ هل تظنين أنني نسيت كيف عذبتني الليلة الماضية؟ "
    ثم أمسك بيدها وجذبها نحوه، وسجنها بين ذراعيه، وراح يستمع الى وقع تنفسها العنيف، ويراقب التوهج القرمزي على وجهها .
    " لاتفعل! "
    وسألها بصوت أجش أجفلها :
    " هل تعتقدين فعلاً أن بإمكانك دفعي الى حد الجنون ، ثم الاكتفاء بالرحيل، وتركي طيلة الليل أسير الاحباط؟ "
    " لم ...لم أقصد... أن أثيرك... بل لم اقصد أن ألمسك على الاطلاق..."
    " لكنك فعلت يا كلير، سواء إدعيت بأنك تقصدين ذلك أم لا! "
    " توقف عن الحديث عن الامس! لقد فقدت عقلي، وقد أصبت بقليل من الجنون لكني لم أقصد شيئاً... ولن يتكرر ذلك أبداً، لذا دعني وشأني فعلي أن أمضي الى عملي، وعلي أن أدير وكالتي . وإن لم أفتح بابها ،فستقلق عائلتي وتبدأ بالبحث عني . ولا شك في أنهم سيأتون الى هنا ! "
    تحرك دنزل وكأنه سينهض. فما كان منها إلا أن أنتظرت بترقب، وهي ترجو أن يكون متعقلاً، أملت أن تسنح لها الفرصة للهرب. لكنه اكتفى بمد يده الى الوسادة، وهو يتمتم:
    " ليس بعد .ولعلهم لن يبدؤوا بالبحث قبل هذا المساء. ومازالت أمامنا ساعات قبل أن نتوقع تدخلاً ما "
    فإذا به يمسك بذراعها الاخرى، ويلويها الى ما فوق رأسها.
    وبعد ثانية ، تناهى اليها صوت معدني ، ثم طقطقة عالية، وما لبثت أن أحست ببرودة حول ذراعها. فحملقت فيه وكأنها غير مصدقة. ولم تنجل أمامها الحقيقة إلا بعد دقيقة.
    لقد قيدها بمعصمه!



    ******
    - نهاية الفصل السابع -
    0

  14. #1913

    ...::: البحيره السوداء:::......::: الفصل الثامن والاخير:::...

    8- من اللأقوى؟

    لبرهة نزل الرعب في قلب كلير، ومالبثت أن استبدت بها ردة فعلٍ تماثل الصاروخ اندفاعاً. فصرخت في وجهه :
    " انزع هذه عني ! "
    قهقه وسألها :
    " ترى ، أين سمعت هذه الجملة قبلاً؟ "
    حدقت فيه، وقد استحال وجهها قرمزياً:
    " هذه الحالة مختلفة، فقد شرحت لك لماذا اضطررت الى ..آه لا تتصرف بهذه الحماقة، فرد الضربة بضربة عمل سخيف . أعطني المفتاح قبل أن أفقد أعصابي "
    وعوضاً من أن ينفذ طلبها، رفع المفتاح أمام عينيها ،وهو يبتسم ، فيما فاضت عيناه الرماديتان بوميض من السخرية. ولما مدت يدها لتتسلمه، رمى به الى اقصى الغرفة.فارتطم بالباب ، ثم ارتد عنه، وانزلق تحت الأدراج قرب الحائط.
    فانتفضت كلير من الغيظ، ثم أطلقت صرخة عكست غضبها الشديد :
    " آه، أنت رجل غبيّ "
    حاولت أن تقفز عن السرير ، عساها تبلغ المفتاح، لكن دنزل كان أشبه بجبل لا يتحرك فلا هي تستطيع أن تنهض من دونه، ولا بمقدورها أن تحركه. أما هو، فبقي مستلقياً ،يحدق فيها برقة، وهي تشد بيدها بعيداً عنه بلا جدوى.
    وأخيراً نصحها :
    " ستؤذين نفسك، ان استمريت في ذلك "
    " آه، أصمت! "
    " كما أنك لن تصلي إلى أي مكان ، من دوني على أي حال. وبما إنه لا نية لي في التحرك، وبما إنني سألازم مكاني هذا ، فستبقين هنا أيضاً. "
    وما كان من كلير إلا أن جلست على حافة السرير ، بمزيج من الغيظ واللهاث، وأدارت له ظهرها ، وهي تحاول أن تفكر في ما يمكنها أن تفعله. كان عليها أن تتوقع تصرفاً كهذا. فكيف بلغ بها حد ترك القيود في متناول يده، هذا عدا عن ذكر المفاتيح؟
    كانت تتوق فعلاً الى الهروب ليلة أمس، لدرجة أنها اندفعت في تصرفاتها من دون تفكير . ومن الخطر ألا يقوم المرء بدراسة أي خطة من جوانبها كافة، لاسيما مع رجل كدنزل. فمن المؤكد أنه سيستغل كل خطأ ترتكبه، أو كل ثغرة تنساها. وبدأت يد دنزل تدنيها منه ، وتبعث الارتعاش فيها.
    " لا تفعل ذلك! "
    وما كان منه إلا أن جذب القيد فجأة، ففقدت توازنها. ولما انطرحت الى الخلف بعجز، سجن دنزل خصرها في ذراعه الطليقة.
    فأطلقت كلير صرخة احتجاج ماتت فيها الكلمات ،ثم رفعت رأسها وقد اتسعت عيناها بتأثير الصدمة ، ونظرت الى الوجه المنحني فوقها.
    وما لبث أن تمتم بنعومه:
    " لا تقولي إنك خائفة. فأنت لا تخافين يا كلير! المرأة التي تلاعبت بي كما فعلت الليلة الماضية لا تخاف. صحيح أنني قلت لأختك لا تستطيع التمثيل أما أنت فتجيدينه. بحق السماء! بل أنا عاجز عن تعدد الادوار التي مثلتها أمامي! من المعبودة الباردة، الى امرأة الاعمال القوية، فالإبنه والأخت المحبة، ومدبرة المنزل الماهرة... أما ، ليلة الأمس..."
    ثم توقف عن الكلام ليرمقها بنظرة جليدية ساخرة:
    " ماهو الدور الذي كنت تمثلينه ليلة أمس على وجه التحديد يا كلير؟"
    فابتلعت ريقها. وهنا ابتسم مجدداً بطريقة جمدت الدم في أوصالها.
    " أم أنك لم تكوني تمثلين؟ "
    وكادت عيناه الرماديتان تختفيان وراء رموشه في وميض زرع فيها الرعب.
    ولما خيل إليها أنها ترى طريقاً للخلاص، قالت بوحي فجائي :
    " بالطبع كنت أمثل !هذا ما كنت أفعله بالضبط، كنت.."
    وجاهدت لتفكر في تفسير مقبول ، ثم أردفت أخيراً، من غير أن تكذب تماماً:
    " كنت ألقنك درساً "
    حينها، أقنعت نفسها بأنها تظهر له شعور المرء بالحجز.
    وتابعت وهي ترمقه بنظرة مباشرة باردة :
    " لم تسنح هذه الفرصة لضحاياك .لكن آن الأوان ليعلمك أحداً ما كيف يشعر المرء حين يتعرض للاستغلال والهجر! "
    كان قد توقف عن الابتسام، واجتاح الغضب وجهه على نحو أفقدها رباطة جأشها، اذ ينذر دنزل بالخطر في غمرة غضبه، وما لبث أن رد بحدة:
    " سبق وأخبرتك أنني لم أستغل أحداً! وتوقفي عن التحدث عن ضحاياي ، والا بدوت كقاتل محترف! "
    فبادرت الى القول : "هيلين.."
    " لقد شرحت لك قبلاً عن هيلين .فلم تفتحين الموضوع نفسه مجدداً؟ حين التقيت بها ، كانت تعاني من اليأس بعد طلاقها ، فتعلقت بي ، لأنني كنت غريباً لا أعرف زوجها .بل كنت مستمعاً جديداً، إذا شئت القول . وكان بامكانها أن تلقي بحملها كله علي، وهي تدرك تماماً أنني لم أثير الاشاعات ، نظراً الى أنني بالكاد أعرف مخلوقاً في غرينهاوي. "
    فأجابت بنبرة فاترة:
    " أصدق كلامك، لكن ،إياك أن تخبرني أنك لم تلمسها قط! "
    عندئذ، رمقها بنظرة جفاء وقال:
    " إنها جميلة، وأعجبت فيها في البداية. لعلي عانقتها مرات عدة ، لكن من الصعب أن ترتبطي بأمرأة لا تكف الحديث عن زوجها ، ولم أتخطى حدودي مرة إن كان هذا ماتسألين عنه فعلاً "
    لكن كلير لم تصدقه، وسرعان ما سألته بغضب:
    " هل تعني أنها كذبت علي حين أخبرتني أنها مهووسه بك؟ "
    فهز كتفيه بنزق:
    " لا أدري ماذا أخبرتك. ولا أملك أدنى فكرة عن حقيقة مشاعرها حينها يا كلير. ولذا لا أستطيع الكلام إلا عن نفسي .فأنا لم أغرم بهيلين ، ولم ألمسها قط "
    ولم تملك إلا أن تصدقه، فالسخط المصقول على وجهه بدا غاية في الاقناع، لاسيما حين أغلق عينيه بتنهد وأضاف :
    " هل تريدين مني لائحة مفصلة بكل النساء اللواتي مررن بحياتي ، وبما فعلته بهن؟ "
    فردت بحدة :
    " كلا طبعاً. لكن ما من داع لتتفاجأ، اذا ظننت أنك من النوع المتلاعب ، فالامر لا يقتصر على هيلين وحسب.وماذا عن لوسي ، وتلك الممثلة التي لا أعرف اسمها..."
    " عاشت بيلا حياة مأساوية ، لكن لا شأن لي بهذا. بل على العكس، منحتها الفرصة، غير مرة لتنتشل نفسها من الهاوية.كما عرضت عليها دوراً في فيلم ، أحالها الى نجمة كبيرة منذ الإطلالة الأولى . وجاهدت لأبعادها عن المخدرات ، لكن ، كيف للمرء أن يساعد أناساً لا يرغبون في تلقي المساعدة؟ كانت بيلا تكره نفسها، وتبغض الحياة ، ولطالما تمنت الموت . وبدت لي حياتها محطمة قبل أن ألتقي بها بوقت طويل. "
    والتفت إلى كلير بغضب، وأكمل :
    " أخبرتك بكل هذا من قبل... "
    فأومأت برأسها:
    " أذكر ذلك،لكن.."
    " لكنك لم تصدقيني؟ "
    كان صوته عميقاً، قاسياً، لا سيما حين تابع :
    " لا يمكنني أن أجبرك على تصديقي ، فعلي أن أتقبل هذا الواقع. "
    ولما صعقها وجهه الغاضب ، وضعت يدها على كتفه ، بدافع غريزي وقالت :
    " أنا آسفة ...وأصدقك فعلاً "
    لكن الغضب لم يتلاش عن وجهه:
    " إذاً، لمَ سألتني مجدداً؟ "
    فعضت شفتها ، وقالت بنبرة تقارب النحيب:
    " لست أدري...فقد توقفت عن التفكير بمنطقٍ "
    عندها لوى فمه بعبوس وقال:
    " أتعنين أنك تملكين فكرة ثابته عني، وأنني مهما شرحت لك خطأك، ستنظرين إلي دائماً كأنني نوع من ...ماذا دعوتني في المرة الماضية؟ مصاص دماء عاشق؟ "
    فأجفلت كلير:
    " نعم ، أنا آسفة. وأظنني أفكر في ذلك منذ التقيتك للمرة الاولى ، حين اصطحبتك وهيلين لرؤية البحيرة السوداء.في الواقع، ظننتها في البداية تتعاطى المخدرات ، فعيناها بدتا ناعستين ، ورغم ذلك ما انفكتا تلمعان .ومن ثم أدركت أنها متعلقة بك لا بالمخدرات، واستنتجت أنكما عاشقان . لكن هيلين لم تكن سعيدة .وعلى مر الأشهر المقبلة، ازدادت حالتها سوءاً.وبدا لي أنها تعلق عليك آمالاً كبيرة، وتزداد نحولاً ووهناً يوماً بعد يوم، إلى أن أغمي عليها في الشارع ذات مرة. "
    " وألقيت اللوم علي مباشرة! "
    فأجابت وقد احمر وجهها :
    " في الحقيقة، فيمن عساي أفكر إذا ،وقد أعطتني هيلين نفسها انطباعاً أنها تعيسة بسببك؟ "
    عندئذ رد دنزل بمرارة:
    " كمعظم النساء، وجدت صعوبة في الاعتراف بالحقيقة، وهي أنها تريد استرجاع زوجها . لكنها ظنت أنه لم يعد يحبها، ومنعتها الكبرياء من الافصاح عن حبها. وقد تذرعت بي، واتخذتني عذراً عاطفياً.فان سألها أحداً لم تبدو كالاموات ، المحت الى انها مغرمة بي "
    كان فمه قوياً، وكانه يمسك بزمام انفعاله.
    " إن كان من تعرض للاستغلال ، فهو أنا ! وقبل أن تخوضي في موضوع أختك ، أذكرك أنني لم ألمسها بإصبع قط! "
    ردت :
    " ليس حتى الآن، على الاقل "
    فأجابها بحدة:
    " هل تتهمينني فعلاً بملاحقة هذه الدمية الصغيرة الجميلة ؟ لاشك في أنك مجنونه ، فالمرأة التي ألاحقها منذ جئت الى غرينهاوي هي أنت! "
    وأوشك نفسها على الانقطاع، فحدقت فيه، وهي تهز وجهها الشاحب ، وتقول:
    " لم تكن تلاحقني! "
    " حاولت ذلك ، لكن كلما ظهرت ، صفقت الباب في وجهي. ولمدة ، ظللت أرفض الإستسلام ، فاتصلت بك ، وحضرت الى مكتبك ، وحاولت أن أواعدك. ومن ثم أخبرتني أنك على علاقة جدية برجل آخر. "
    أجفلت ، ثم تذكرت ما أخبرته به ، فتورد وجهها مجدداً وقالت :
    "آه ، أنت تقصد جوني..."
    فنظر في عينيها بحدة يقظة:
    " نعم ، جوني بريتشارد. لم أعرف من تعنين في البداية . وصادف أن سألت لوسي عن هوية صديقك جوني ، فأخبرتني مباشرة أنك تخرجين مع محامي، ثم ضحكت وقالت إنك تبدين مجنونة به، رغم أنه ممل جداً. وبالطبع ، وافقتها الرأي، بما أنني كنت أعرف بريتشارد. ولكن مامن معيار محدد للذوق، ومن النساء من يحب أغرب الرجال. "
    دافعت كلير عنه بحدة:
    " لجوني مميزات كثيرة ، فهو ساحر، وعاطفي ووسيم.."
    ثم أضافت :
    " كما أنه محب للحيوانات ولطيف مع أمه "
    " نعم ، أعرف ، فقد قلت أنني التقيت به ، وبأمه أيضاً. وهي بالمناسبة قبيحة، وأشك في أنها قد تقبل بك. "
    فما كان من كلير إلا أن رفعت ذقنها بانتصار:
    " في الواقع ، إنها تحبني . وقد عرفتني طيلة حياتي، لكنها لم تحب زوجة جوني السابقة، وأظن انها ساعدت على فسخ علاقتهما.أما أنا، فلطالما أحبتني دائماً.كما إنني أحب جوني أيضا ً"
    لكنه علق ببرودة:
    " لكنك كذبت حين أخبرتني أن العلاقة جادة فاتخذت موقفاً عدوانياً"
    " ومن قال ذلك؟ "
    " أنا! "
    وما أن أتم كلامه ، حتى أمسكت يده الطليقة بذقنها ، وأرجعه الى الوراء ، فحاولت كلير أن تتحرر من قبضته ، لكنه أمسك بها بإحكام، وهو ينظر إلى عينيها الزرقاوين اللتين اتسعتا إنذاراً بالخطر.
    وأضاف بنعومة ، فيما الدم الحار يجري في جسدها كله :
    " ما كنت لتعانقيني كما فعلت الليلة الماضية ، لو أنك تحبين رجلاً آخر يا كلير"
    " لا يمكنك التأكد من ذلك ! فقد قلت بنفسك إنني أجيد التمثيل. "
    0

  15. #1914

    ...::: البحيره السوداء:::......::: الفصل الثامن والاخير:::...

    ضحك وعلق :
    " لكن ماحصل أمس لم يكن تمثيلاً يا كلير "
    فهتفت وفي صوتها شيء من اليأس:
    " أنت لا تعرفني "
    " بل أعرفك أكثر مما تظنين .فخلال كل تلك الاسابيع ، كنت أعمل مع أختك، وأتعلم عنك ما استطعت. بالطبع ، غالباً ما تتكلم لوسي عن نفسها ، لكن لا يسعها أن تذكر نفسها من دون أن تتطرق الى عائلتها بمن فيها أنت . وهكذا ، عرفت عنك الكثير، من الكتب التي تقرأينها، الى فطورك المفضل. "
    ولمعت عيناه وهو يضيف :
    "وأخبرتني أيضاً أنك شاهدت أفلامي مراراً تكراراً. "
    فتوردت بشرتها ، وهي ترد :
    " في الواقع، كنت أشعر بالفضول نحوك، لأنني خفت على...على لوسي، ففكرت في أن أفلامك ستنبئني عن نوعية الرجل الذي فيك، والى أي مدى أستطيع الوثوق فيك "
    فتشدق في كلامه:
    " وهل صدق ظنك؟ "
    ردت بلهجة بعيدة:
    " تعلمت الكثير. "
    وراح يضايقها بنعومه خطفت النبض من قلبها لبرهة:
    " وماذا تعلمت؟ وبالحديث عن ذلك، مارأيك بأفلامي؟ هل استمتعت بها، حينما أعدت مشاهدتها؟ "
    فتلعثمت :
    " إنها جيده جدا ً"
    ثم سألها دنزل وأصابعه تتلاعب بخصلات شعرها :
    " هل كانت حياتك العاطفيه مذهلة في الماضي؟ "
    فردت وهي لا تستطيع أن تخفي غيرتها:
    " أتعني كحياتك؟ "
    وتابعت يده مسيرتها على وجهها برقة ، وهو يتمتم :
    " لطالما أحتلت حياتي العاطفية المرتبة الثانية بعد عملي، يا كلير. لم أكن أملك الوقت الكافي لألتقي أحداً خارج نطاق عملي. وحين أقوم بإخراج فيلم ، ألتقي عادة بإمراة أعجب بها كثيراً، وأظن أنني سأقع في غرامها .لكن ما إن ينتهي الفيلم، حتى أنتقل إلى غيره، وهي كذلك، فتقل لقاءاتنا تدريجياً، وتنتهي العلاقة عاجلاً أمآجلاً. وهكذا هي الحال في مهنتنا "
    ثم تابع :
    " لم تجيبي عن سؤالي يا كلير. أخبريني عن حياتك العاطفية "
    " لابد انك تعرف كل شيء عني من لوسي. "
    ومافائدة الكذب الآن ؟فلا شك أن لوسي كانت صريحة في ما يتعلق بحياة أختها العاطفية المملة.
    وما لبثت أن أقرت وهي تلاحظ ابتسامته :
    " لم تكن مثيرية الى حد تخطف فيه العقول "
    " وهذه هي حالي أيضاً، فبعد طفولتي ، منعني حذري من المجازفة. "
    فتنهدت كلير:
    " إن الحب مجازفة، أليس كذلك؟ أعرف ماذا تقصد فلقد وقعت في الحب مرة ، ثم جرحت جرحاً بليغا ً"
    فاحتدت عيناه:
    " أكان الشاب الذي حاول التودد إليك ليلة الميلاد؟ "
    فأومأت برأسها ، مما دفعه الى النتابعه بهدوء:
    " إذاً، أغرمت به مرة "
    " ظننت ذلك لمدة ، لكني أدركت أنني لم أبد نحو هال التزاماً حقيقياً.ففي ذلك الوقت ، كان علي أن أهتم بأولويات أخرى هي عائلتي، اي أخوتي ووالدي .كانوا يحتاجون الي، أكثر من هال . وما كان علي أن أتفاجأ حين رحل مع امرأة أخرى ، فلا شك أنها منحته ما لم أفعله. وكل علاقة ترتكز على شخصين ويتوقع الناس أن يستردوا ما يمنحونه. وبما أنني لم أعط هال ما أراده ، فقد رحل بحثاً عن مبتغاه في مكان آخر.
    بدا ثغر دنزل ملتوياً، واستحالت نظراته عنيفة ومتفهمة، وهو يقول :
    " تبدين كإنسانة باردة يا كلير، وقد خدعتني لفترة .لكن ، في الليلة الماضية ، أدركت أنك لست بالبرودة التي تدعينها. "
    فتجنبت نظراته وهي متوردة الوجه:
    " في الواقع، أظن أن كلانا بارد. "
    " انتظرت كل حياتي انساناً أستطيع الوثوق به.لكن ، بما أنني لم أكن أثق بأحد ، خاف الناس مني، مما ضاعف شكي فيهم . ولم تبن علاقاتي على اسس متساوية قط.فإما أن الفتاه تخضع لي ، فأحتقرها ، وإما أنني استحيل صديق المرأة المفضل. ومع أنها تستغلني لتلقي علي بحمل مشاكلها ، الا أنها تعود وتحتقرني من جراء ذلك. "
    أجابت كلير بنبرة جافة :
    " يبدو لي إنك تعرف هيلين ولوسي جيداً .كما أنك تدعي معرفتي أيضا ً"
    وما كان منه الا ان ضحك على نحو فظ، وقال :
    " أعتبر علاقتي بهيلين ولوسي نموذجاً واضحاً عن كل علاقاتي مع النساء حتى الان. ولطالما دفعني الفضول الى الرغبة في اكتشاف أفكار النساء... أحب أن أصغي إليهن فيما يتكلمن ، وأحب أن أدفعهن الى الحديث عن أنفسهن ، وعن مشاعرهن، وعن طموحهن في الحياة.وبقيت أتمنى لو أستطيع التوغل في أذهانهن، عساي أفهم الواحدة منهن جيداً،لكن أمالي ذهبت أدراج الرياح.فلم أفهمهن قط كما فهمت الرجال. وأظن أن الرجال لا يفهمون النساء أبداً، فعقولنا غاية في الاختلاف"
    فعلقت كلير بحدة ، وهي تدفع يده بعيداً عنها:
    " يالهذا الهراء !وهلاّ توقفت عن العبث بشعري ؟ "
    " لن تقولي لي ان الرجال والنساء متشابهون، أليس كذلك يا كلير؟ "
    " كلا طبعاً، نحن مختلفون لكن... "
    قاطعها، ووميض قاس في عينيه:
    " في تلك الاشهر، فكرت فيك ، حتى أثرت حيرتي .وقضيت وقتاً طويلاً، وأنا أحاول فك لغزك. لكني لم أحلم قط بكل هذا الشغف المسجون في قلبك.وحين بدأت تعانقينني ، فكرت في أنك أصبحت لي أخيراً. ولكن ، قبل أن أدرك ماذا يجري، رحلتِ، لتتركيني في حالة من اليأس.وهجرني النوم لساعات، أما الآن ،فستعوضينني عن كل هذا. "
    ونظر في عينيها،وسألها :
    " أنت تحبينني فعلاً، أليس كذلك يا كلير؟ "
    " نعم "
    نطقت بالحقيقة على الرغم منها، لا سيما أنه لم يترك لها مجالاً للكذب أو التظاهر، أو أخفاء المشاعر. قال :
    " كلير...أظن أنني لن أفهمك أبداً. كل ما أعرفه هو أنك تجرين في دمي، ولا أستطيع التفكير في سواك. وبعد الليلة الماضية، قد أرتكب جريمة في مقابل ضمك بين ذراعي "
    وفي هذه اللحظة بالذات ، شعرت بأنها تحلم ، كما حلمت عشية الميلاد، قبل أشهر ، وكما كانت تحلم طيلة حياتها بذلك الرجل الذي يقبل اليها من خلف ستار الليل ، ليحملها ويرحل بها.
    وبتأوه حاد، تاقت الى أن يعانقها. وعندها فقد أدركت أنه عناقهما الحقيقي الأول.ففي الليلة الماضية ، بقيت تعذبه وترفض أن يدوم عناقهما أكثر من ثانيه. أما الآن، فدنزل هو المسيطر.
    " يا إلهي ...كلير...أنا...أنا أحبك. "
    أحست كلير بالدموع تحرق عينيها ، وعجزت عن الكلام . أما هو، فأخذ يهمس:
    " أنا مجنون بك منذ مدة طويلة، منذ اليوم الأول...في مكتبك...كنت غاية في البرودة والخشونه، بل شقراء باردة في عينيها تهديداً صريح.فألقيت عليك نظرة، ووددت أن أعرف الى أي مدى يمكن للجليد أن يذوب "
    فردت من غير أن تتفأجأ:
    " أحقاً؟ "
    ألم يكن هذا ماشكت فيه؟ فضحك وأجاب :
    " نعم ، لقد أعجبت بك بشده منذ البداية، لكنني أغرمت بك عشية الميلاد، حين جئت الى منزلك ، ورأيتك نائمة في كرسي أمام النار...ثم فتحت عينيك، ونظرت الي بطريقة عصرت قلبي عصراً. وكان شعرك الجميل يغمر المكان، ووجهك متسخ متورد. وللمرة الأولى منذ عرفتك، بدوت لي إنسانة حقيقية تنبض بالحياة. وتملكني رغبة قوية في معانقتك، منعتني من النوم طيلة الليل، وأنا أفكر فيك "
    عندئذ أجابت بصوت أجش:
    " كنت أحلم بك "
    فاتسعت عيناه، وتناهى اليها انحباس أنفاسه:
    " كلير!ماذا حلمتِ؟ "
    لم تشأ أن تعترف ، وقالت :
    " لا أذكر ولكنني فتحت عيني حين فتح الباب، وأبصرتك أمامي.فلم أعرف أن كنت أحلم أم لا، إلا حين رأيت أبي ولوسي والآخرين وراءك في الرواق "
    ولم تعتقد أن الوقت مناسب لتخبره تفاصيل حلمها .ولعلها لن تخبره أبداً.
    " ليتني عرفت...لكناّ وفرنا الكثير من الوقت الضائع. "
    وحاولت كلير أن تحيطه بذراعيها ، ولكن القيد أفشل مرادها ، فسألته:
    " ألا يمكننا أن ننزع القيد الآن "
    فأشار عليها:
    " سيتوجب علينا النهوض والبحث عن المفتاح "
    وكرهت أن تقطع تلك اللحظة السعيدة التي تجمعهما ، وقالت :
    " لننتظر قليلاً إذا ً"
    وبدأت يدها تداعب شعره وتنعم بدفء ملمسه ...وراحت تهمس له:
    " أحبك...علمت أنني سأحبك منذ رأيتك.."
    فعانقها بعنف، ثم قال:
    " بل كرهتني منذ رأيتني يا كلير، وقد أوضحت ذلك جيداً "
    عندها ، اعترفت :
    " بل كنت خائفة منك، خائفة من حبك، خائفة من الألم. ولم أرد أن تسيطر علي "
    فسألها ، وفي صوته تلهف خفي:
    " وهل أسيطر عليك؟ "
    اختلست كلير النظر اليه من تحت أهدابها. وعرفت أنه من غير الحكمة أن تخبره أنه يمارس عليها سلطة قوية ورهيبة . ومالبثت أن قالت:
    " أحبك...ألا يكفيك هذا؟ "
    وفكرت في أنه لن يعرف أبداً أن الحب هو القوة الوحيدة التي كانت تخشاها دوماً.
    وأمسك دنزل بيدها الطليقة، وقبل راحتها بعمق وحرارة، وعيناه مغمضتان، وعلى وجهه عاطفة تواقة ، وقال :
    " أنت تسيطرين علي كلير. وأنا لك بكاملي. ولو أن هذه لا تعد قوة ، فماذا يبقى؟. "



    *****
    تمت بحمد الله
    d578681a5e4f97b78c5189941ab4bb1b
    0

  16. #1915
    يسلموووووووووووو كتيييييييييير

    ماري انطوانيت مشكورة ياعمري عالرواية

    وخلاص انا نزلتها عالموبايل وبقراها عليه


    وربي يعطيكم الف الف عافية
    [IMG]http://dc02.******.com/i/01874/lwvwovugimlg.gif[/IMG]

    7db61f6abe49578f2d5167e9d57b8994 Ask
    0

  17. #1916
    يعطيك الف عافية عنوني shy moon على الرواية الروعة
    ويعطيك الف عافية عنونيب ماري على تنزيلها
    بانتظار روايات اكثر
    نزلتهم على الموبايل سهرتنا الليلة مطولة smile
    يعطيكم الف عافية
    0

  18. #1917
    0

  19. #1918
    يعطيكم العافية
    الكاتبة والي منزله الرواية
    وان شاء الله يا shy moon....... ....... الظروف القاهره
    تعدي على خير
    تنور عندنا
    0

  20. #1919
    الله رواية جديده وحلوة مثا ما أشوف تسلم ايدينك ماري وأيدين shymoonويعطيكن العافية
    400740e3caee84af56d8f3eaec5de0a8
    0

  21. #1920
    السلام عليكم
    رااااااااااائع انا ما قريت الروايه للحين لكن من ملخصها شكلها كتير حلوة

    تسلمين عزيزتي shy moon علي كتابه الروايه قديش الكتابه صعبه تسلمين يا قلبي gooood
    وتسلم عزيزتي ماري منقذة المواقف الصعبه.........biggrin
    وتقبلوا مروري
    sigpic325347_1
    0

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter