4- ابتعد عن اختي!
فترة مابعد رأس السنه ،مر عمل كلير بفترة ركود ،فقلة من الناس يفكرون بتغيير بيوتهم في الشتاء.وكان هذا موضوع حديثها مع جوني برتشارد، المحامي الذي تولى معظم مهمات هيلين في فترة نقاهتها الطويلة. بدا جوني متعاطفاَ ،ووافق :
" انا اتلقى قسما كبيرا من دخلي من السماسرة أمثالك! لكنني محظوظ بالحصول على وصايا أعتمد عليها ،إذ يميل عدد كبير من الناس الى الموت في الشتاء، وكمنفذ لوصاياهم،أتلقى أجراً لابأس به. "
كان جوني رجلاً لطيفاً، في أوائل الثلاثينات اشقر وضعيفاً.وقد فشل زواجه بعد سنوات ،ولذا عاش مع والدته في شقة على الساحل .وتقول الاشاعات المحلية إن أمه تسببت بالطلاق، لكنها لطالما كانت لطيفة مع كلير منذ عرفتها قبل أعوام انقضت. وتابع جوني :
" قالت لي أمي أمس انه علينا أن ندعوك على العشاء قريباً. فمتى يمكنك المجيء؟ هذا الاسبوع؟ "
ترددت كلير لبرهة،ثم ابتسمت له:
" حسناً، مارأيك في يوم الاربعاء؟ "
رحبت بها السيدة برتشارد،وأعدت لها طعاماً خاصاً،ثم أصرت على ان يعزف لهما جوني على البيانو بعد العشاء.استمتعت كلير بتلك السهرة ،ومالبثت أن دعت جوني بدورها الى منزلها بعد أسبوع. ولاحقاً،قالت لها لوسي بتشكيرة:
" انه هاديء ،جداً! ماذا ترين فيه؟ اظن أنه جدير بفتاة أخرى ،نظراً لأنه يتلقى مدخولاً كبيرا.لكن،صدقاً كلير، انه يخلو من الاثارة تماما ً! "
لكن كلير لم تكلف نفسها عناء المجادلة ،فهي تحب جوني .ومع انه ليس الحب الذي يدفعها الى الارتباط به،الا أن لوسي لا شأن لها بذلك.
وخلال الاسابيع الاولى من السنه الجديدة ،تساقط الثلج بشدة في البلدة .فتكدس على الارصفة،واستحالت الأشجار نافورات من الكريستال،فيما اتخذ البحر شكلاً شاحباً، غاضباً، عاكساً السماء البارده.
وفي صباح أحد أيا م الاسبوع الباردة ،تمتمت لوسي على مائدة الافطار :
" أرجو أن يكون المكان الذي أستاجره دنزل بلاك دافئاً "
وسرعان مالتفتت الى كلير بعينيها المشرقتين المتسائلتين:
" وأين يقع بالمناسبة. لقد نسيت تماماً.....كلير! أنت لا تنسين أبداً الملكيات التي تهتمين بامرها.أتعرفين؟ لا شك أنه يشعر بالوحدة في هذه البلدة الغريبة ،لاسيما بعد أن عاش في هوليوود. "
ومالبثت أن تنهدت بحسد وأضافت:
" تصوري كل تلك الحفلات والنجوم المشهورين ! لا بد أن الامر رائع! "
فكرت كلير كم ستكره العيش في هيوليوود،فحياة البلدة تناسبها أكثر ثم أجابت بجفاء :
" ربما لا. ولعله لم يأت الى هنا إلا املاً في تلك الوحدة على كل حال، لم يهمك أمر رجل أخر وأنت مخطوبة؟ "
فردت بحدة،وقد احمر خداها:
" الا يمكن ان يكون لي اصدقاء اخرون ،وان كنت مخطوبة؟ "
" لكن، ليس رجالا كدنزل بلاك يالوسي! فالعبارة التي تصفه بحق هي :الرجاء التعامل معه بحذر. "
قهقهت لوسي وقالت:
" كنت اعتقد أنك غير معجبة به لكن يبدو أنك تجدينه ساحراً جداً! "
ولما عبست كلير،سارعت لوسي بالنهوض عن المائدة وهي تقول :
" يا إلهي ، انظري الى الساعه...يجدر بي أن أسرع ،أراك الليلة. قد أتاخر ،إذ لدي اجتماع موظفين بعد دوام المدرسة،وذلك لمناقشة مهرجان الربيع الذي تخطط له "
راحت كلير تراقبها وهي ترحل ،والقلق يعلو وجهها ،فقد بات اهتمام لوسي بدنزل بلاك مزعجاً. ولن يطول الامر حتى تتبلغ الاشاعات مسامع مايك ،ان تورطت معه .فهذه بلدة صغيرة ،ولا مجال لأخفاء الأسرار.
وبعد فترة ، علمت ان البنائين باشروا العمل أخيراً في "البحيرة السوداء".وكان هذا المنزل الأكثر شهرة، لذا تحمس الجميع لفكرة أن يعود لللحياة بعد أن بقي خالياً فترة طويلة. وبعد أسبوع ،وفيما كانت كلير تقفل الوكالة في المساء ،خففت سيارة من سرعتها الى جانبها ،وإذا بدنزل بلاك ينادي: " سأوصلك الى البيت "
هزت كلير رأسها نفياً:
" كلا شكراً سأسير فالمنزل ليس بعيدا ً"
فأمرها وهو يفتح الباب الامامي :" اصعدي! "
واذا بها ترى على الرصيف الاخر اناساً تعرفهم يصغون الى حوارهما وان اكملت مسيرها ،فيما دنزل يتبعها بسيارته ،ويجادلها ،فستتضارب التكهنات وتتنوع. وأدركت بامتعاض انها لا تملك خياراً .فعلا التورد وجنتيها ،وصعدت الي السيارة ، قبل ان ينطلق بها دنزل. ومن غير أن تنظر اليه ،همست بعنف:
" إياك أن تفعل هذا مجددا ً"
فسألها بكل براءة :
" أفعل ماذا؟ أتبرع بإيصالك الى منزلك؟ ومالعيب في هذا؟ "
التفت اليه بحدة وأجابت:
" كان عليك أن تنطلق ما ان رفضت، بدل ان تزعجني أمام كل هؤلاء الناس! "
" ولم تهتمين بآرائهم؟ "
" انها بلدة صغيرة ،ولا احب ان اكون موضع حديث. "
لوى فمه سخرية وقال:
" ستعتادين على هذا ان كنت مضطرة ،فعلى المرء ان يضع قناعاً أو اثنين "
رمقته بنظرة جانبيه وسألته: "وكم قناعاً لبست؟ "
فما كان منه الا أن ضحك وقال : " توقفت عن العد منذ زمن طويل "
وفجأة أدركت أنهما لا يتوجهان الى منزلها،فعدلت جلستها ،وشعرت بكل عضلة في جسدها تتصلب.
" الى أين تذهب؟ "
" فكرت في أن نتناول العشاء في مكان ما في البلدة.وقد اكتشفت مطعماً صغيراً هادئاً، يديره طباخ ممتاز فعلاً. " " لكن لدي موعداً،فأرجوك ،خذني الى المنزل. "
وراحت تكبت الرعب في صوتها ،وهي تحاول أن تبدوا باردة وبعيدة.
والتفت اليها : "موعد؟ مع رجل؟ "
" نعم، مع أن لا شأن لك بهذا. فهلا عدت أدراجك إذا سمحت ،وأوصلتني الى المنزل؟ لا أريد أن أتأخر"
تمهل في قيادته وقد أشاح بوجهه الذي بات قاسياً،غامض الملامح:
" كان لدي انطباع ان لا رجل في حياتك "
فأجابت بارتياح فظ لم تستطع أن تشرحه حتى لنفسها : "إذا...كنت مخطئاً "
" وما اسمه؟ "
ولما لم تجيب ،ادار رأسه مجدداً نحوها ،ونظر اليها بحدة وعيناه تلمعان:
" سألتك عن اسمه "
" لاشأن لك بحياتي الخاصة. "
" ليس الشاب الذي كان يضايقك في حفلة ليلة الميلاد؟ "
فردت بإجفال :
" هال؟ كلا، طبعاً! هال لا يعيش هنا بل عاد الى البلدة لقضاء الميلاد وحسب "
عندها ،تمتم بهدوء:
" جيد،وكما تعلمين ،لقد تفاجأت بما سمعته مصادفة .لم أظنك من النوع الذي يتورط مع رجل متزوج "
فردت بحدة وقد تورد خداها:
" لم يكن متزوجا حين عرفته "
علق بهدوء:
" فهمت.أتزوج بعد أن قطع علاقتك به؟ أم من منكما قطع العلاقة ؟أنت أو هو؟ "
واثار فضوله انزعاجها ،وهي التي لم تكن تريده أن يهتم بحياتها ،فما بالك بحياتها العاطفية؟
" أرجوك ،هلا توقفت عن طرح هذه الاسئلة وأوصلتني الى المنزل؟
هز كتفيه بلا مبالاة،وانعطف بالسيارة ،وتوجه الى منزلها مباشرة من غير عجلة .ولما توقف امام البيت، فكت كلير حزام الامان ،لكن يده قبضت عليها في هذه اللحظة وأمسكتها من رسغها.
" ماذا عن الرجل الذي تواعدينه الان؟ منذ متى تعرفينه ؟ هل العلاقة جدية؟ "
وردت تعلى نظراته المتسائلة ببرود:
" كيف تظن انك تملك الحق في سؤالي؟ وماذا لو كنت جدية ؟مادخلك بهذا؟"
فأصر : " أهي جدية؟ "
وكذبت : " نعم "
وإذا بها ترى عينيه تومضان ،فيما حاجباه يرتفعان فوقهما :
" لم لا تخبريني عن اسمه؟ أهو متزوج أيضاً؟ "
فأجابت بحدة: "كلا، واسمه جوني .والان هلا تركتني؟ "
ظنت لبرهة أنه لن يفعل ،فاحست بأعصابها تتشنج تحت بشرتها منذرة بالخطر .وقادت أعينهما معركة صامته، سلاحها النار التي اشتعلت بينهما.
وفاق التوتر كل احتمال ، وأحست بأنها على وشك الصراخ،لكنه أطلق أخيرا،فسارعت بالترجل من السيارة، ومضت من غير ان تلتفت وراءها.
وكان من المهم بالنسبة لها ألا تلتفت وراءها ،لئلا يعتقد أنه ترك فيها أثراً ما .ولم تكن تكذب عليه ،فهي مرتبطة بموعد مع جوني برتشارد، وسيصطحبها الى مطعم يوناني جديد فتح أبوابه في البلدة هذا الشتاء . وفيما هي تستعد ،أطلقت كلير تنهيدة ،فجوني رجل لطيف. لكنها لا تستطيع التفكير فيه كما تفكر في دنزل بلاك،رغم ان هذا الاخير لا يمت الى اللطف بصلة؟
في الواقع ،لم تشأ أن تعبره أي اهتمام .وحاولت أن تتقيد بذلك أثناء النهار،لكنه غالباً مايتسلل الى أحلامها بازعاج .وظل ذلك الحلم الغريب الذي نسجت حبائلة ليلة الميلاد يراودها مرارا وتكرارا خلال هذا الشتاء الطويل والبارد ،رغم أنها لم تفهم معناه حقيقة. وبدأت تخشى من الخلود الى النوم.
ولم تلتق دنزل بلاك لأسابيع، لكنها أحيانا تلاحظ حركة ناشطة وهي تمر "بالبحيرة السوداء" من سقالات حول السقف الى عربات مركونه في الفناء ،وكومه من مواد البناء موزعه خارج المنزل،اضافة الى رجال ،في أيديهم أكواب من الشاي ،يتأملون الطقس الذي أضحى معتدلاً هذا الاسبوع،بعدما ذاب الثلج ليترك المنطقة مغمورة بالمياه.
وخلال هذه الاسابيع ،كانت نادراً ماتجد لوسي في المنزل .فقد حتم عليها المهرجان العديد من التمارين بعد المدرسة والقليل من وقت الفراغ. لكن كلير فكرت بارتياح ،انها ،على الاقل، ستنسى دنزل بلاك. فهي لا تأتي كلى ذكره أبدا الان. وعدا عن ذلك ،لم تكن تتكلم عن أي شيء آخر ،إذ كفت عن قراءة رسائل مايك أثناء الفطور ،أو التحدث عن مشاريعها للزواج ، المقرر قرابة عيد الفصح. وحين اقترحت كلير أن تتخذا تدابير جدية،انفعلت لوسي ورفضت مناقشة الامر. حتى أن والدها لاحظ هدوء لوسي الشديد وانطوائها على نفسها، وتمتم وهو يعبس بقلق:
" إنها شاحبة أيضاً. هل تظنين أنها تعمل بجد ؟انها تمضي ساعات اضافية كثيرة كداً من أجل هذا المهرجان "
فوافقت كلير :
" لعل هذا هو مافي الامر .سأتكلم معها "
وفي صباح اليوم التالي ،وفيما هما على مائدة الفطور،رفع روبن نظره عن المجلة التي يقرأها ،وهتف بحماس:
" اسمعوا! يقال هنا ان دنزل سيصور فيلماً في انكلترا لاحقاً في هذه السنه، مما يفسر سكنه هنا! "
فسأل أبوه:
" أيتحدثون عن موضوع الفيلم "
رد روبن:
" انها رواية لفرد من عائلة برونتي ،لم أسمع بها من قبل،وتدعى "أجير القصر المميت"
هل تعرفينها يالوسي؟ "
" نعم، لقد كتبتها آن وهي الاخت الثالثة ومازالت على قيد الحياة .وتدور أحداث الرواية حول امرأة متزوجة تهرب من زوجها الثمل. "
ولم تكلف لوسي نفسها عناء اشاحة نظرها عن الرسالة التي تقرأها. فارتاحت كلير وهينرى أنها فقدت كل اهتمامها في دنزل بلاك ،وأنها استعادت القليل من اللون هذا الصباح، فيما اكتسب خداها هذا الاحمرار الصحي . ومن يدري لعله ما من داعي للقلق عليها.
وبعد عشر دقائق ،وفيما كانوا يستعدون للرحيل ،ذكرتها لوسي:
" سآخذ سيارتي الى الكاراج.فهل يمكنكك أن تتبعيني الى هناك، ثم تصحبيني الى المدرسة؟ "
-حسناً، ولكني سأوصل روبن وجايمي أولا ثم اراك في الكاراج.
وستنتهز الفرصة التي انتظرتها كي تتكلم مع لوسي .وزاد ذلك التصميم فيها حين وصلت الى الكاراج،ورأت ان الاحمرار على وجه لوسي قد اختفى ليترك مكانه للشحوب مجدداً.















المفضلات