البيت الاسود للكاتبة الرائعة لحن
البيت الأسود الحزين
مقدمة
لم يكن أحد يعرف السر الذي يكتنف ذلك البيت الكبير الأسود الرابض على ربوة عالية في إحدى القرى البعيدة، لم يكن سكان القرية يجرؤون على الاقتراب من ذلك البيت، كلهم يتذكرون المآسي في الأيام السالفة، حين سكنت هذا البيت عائلة السيد عبد الله نعمان، فماتت ابنته الصغيرة وأصيبت زوجته بالعمى، ثم خسر كل امواله. أو عائلة السيد عادل عزيز الذي سكنه مدة شهرين فقط فطلق زوجته ثم أصيب بالجنون، أو عائلة أسامة عبد الحميد الذي قتلته زوجته ثم وجدوها ميتة في الحديقة من دون سبب واضح.. أو عائلة فلان وفلان... والمآسي تتكرر.. ولكن الناس اعتقدوا أن السبب هو البيت الأسود المخيف الذي تنتهي قصص الأفراد الذين يقيمون فيه نهايات تعيسة حزينة.. لذا أطلق عليه أهل القرية اسم (البيت الحزين) وظل مهجورا لا يسكنه أحد..
البيت الاسود للكاتبة الرائعة لحن اللافندر
[COLOR="#FF0000"]الفصل الثاني[/COLOR]
المصدر
]جلس مصعب وحيدا في غرفته، وأخذ يفكر في موقف هيثم واحتفاظه بصرة المال، لقد قال إنه سوف يخبئها في مكان ما حتى إذا لم يعرفا سرها أنفقها فيما يحتاجان إليه..
الشيء الذي يعجب له هو أن الصرة تحت وسادة هيثم فقط، لكن ما أدراه أن صرة أخرى لم تكن تحت وسادته هو أيضا؟ أليس هيثم هو من قال ذلك؟ لماذا يدخل إلى غرفته ويبحث تحت وسادته وليس ذلك من حقه؟ كان الواجب أن يستأذن، ليس هناك تفسير إلا أن هيثم وجد صرة أخرى واحتفظ بها لنفسه. لكن لا... إن هيثم صديقه الوفي منذ كانا طفلين، كيف يمكن أن يخونه ويستأثر بالمال دونه؟... هذا مستحيل.. فليطرد هذا الخاطر عن ذهنه...
***
سمع مصعب صوتا ذات ليلة، ففتح ضوء مصباحه وأنصت لكن الصوت قد اختفى، فظن أنه يحلم، فأطفأ المصباح وعاد إلى فراشه، لكن بعد مرور فترة قصيرة سمع الصوت ذاته، فلم يضيء المصباح، لكنه قام من فراشه وخرج من غرفته بهدوء، ثم توقف ليسمع، فعاد الصوت بعد فترة، أنه يأتي من الطابق السفلي، فنزل السلم بهدوء وحذر، كان مستعدا لأي مفاجأة، ووسط الظلام الحالك الذي تعودت عليه عيناه استطاع أن يرى شيئا أبيض اللون يتحرك، فدهش، وسار بهدوء نحو ذلك الشيء، كان كأنه ستارة، لكن ليس في البيت ستائر ابدا، فلما اقترب من ذلك الشيء لم يجده، كان قد اختفى قبل أن يمد يده نحوه..
***
في الصباح لم يخبر مصعبُ صديقَه بما حدث، لأنه أخفى عنه مكان صرة جنيهات الذهب، فقرر ألا يخبره هو بما يحدث له..
وفي الليلة التالية كان مصعب ساهرا، وقد أطفأ نور المصباح وتصنع النوم، لكنه كان متيقظا لكل حركة أو صوت أو تنفس..
سمع دقات الساعة الثانية عشرة.. الواحدة.. الثانية.. وبعد مرور وقت ليس بالقصير على الدقة الأخيرة لساعة قاعة الجلوس، سمع صوت ارتطام شيء ما، كان الارتطام قويا فيما يبدو، لكن الصوت وصل إليه خافتا، مما جعله يشعر أن مصدر الصوت بعيد عنه..
فهب من فراشه وأخذ معه عصا غليظة كان قد وضعها مسبقا تحت سريره وخرج بهدوء من الغرفة وفي جيبه مصباح يعمل بالبطارية..
نزل إلى الطابق السفلي واتجه فورا إلى قاعة الجلوس وفتح إحدى النوافذ، وفجاة سمع صوتا خلفه، فالتفت مسرعا وفتح مصباحه ودار به في المكان، لكن لم ير شيئا..
فأغلق المصباح وخرج واتجه نحو السلم ليصعد إلى غرفته من جديد، لكنه سمع الارتطام مرة أخرى، استطاع هذه المرة أن يحدد مكان الصوت.. إنه الحديقة..
خرج مسرعا إلى الحديقة وسمع الصوت مرة ثالثة، كان صادرا من الاسطبل الخاص بالخيل، لكن هذا الاسطبل مقفل دائماً وليس لديهم مفتاح له، وليس فيه أحد، كان هناك مَن يضرب على باب الاسطبل الخشبي من الداخل بقوة وبطريقة غريبة، ضربة قوية واحدة ثم فترة من الصمت ثم ضربة أخرى كسابقتها وهكذا..
حاول فتح الباب، لكنه لم يستطع، فقال صارخا:
- هل في الاسطبل من أحد؟!..
لكن لم يتلق جواباً.. لقد ساد الهدوء...
***
استيقظ مصعب في وقت متأخر بعد أن سمع هيثما يناديه خلف الباب، فقال:
- نعم، نعم، أنا آتٍ، لقد أفقتُ..
ثم تذكر ما حدث له في الليلة الماضية، فقام مسرعا، ونزل بعد أن غسل وجهه وصلى بخجل لتأخره، وتناول إفطاره في عجلة، فتعجب هيثم منه وقال:
- مالك يا مصعب؟ هل أنت خارج أم مستعجل؟...
- لا أبداً، لكني تأخرت عن زهوري فقط، أنت تعلم اني أسقيها مبكرا.. هذا كل شيء..
فصمت هيثم، وعرف أن صديقه يخبئ شيئا ما، إنه لم يتعود ذلك منه، ما الأمر؟ لماذا يتصرف مصعب هكذا؟
بعد الإفطار خرج مصعب إلى الحديقة، وتوجّه فورا إلى الاسطبل وحاول فتحه، ثم أنصت علّه يسمع شيئا.. لكنه توقف عن ذلك وتصنع أنه يزيل الأعشاب عن باب الاسطبل ويبحث عن شيء وقع منه حين لاحظ هيثما قريبا منه.. فقال هيثم:
- عم تبحث يا مصعب؟ هل أساعدك؟
- لا شيء مهم..
ثم استدار وذهب ناحية زهوره وأخذ يسقيها شارد الذهن، فلحق به هيثم وقال:
- مالك يا مصعب؟ هل تخبئ عني شيئا؟
رد مصعب بامتعاض:
- كلا..
فتركه هيثم وهو مندهش جدا...
***
بقي مصعب ساهرا حتى دقت الساعة الثانية..
لا شك أن هيثما قد نام الآن..
أخذ مصباحه وخرج إلى الحديقة وطرق باب الاسطبل وهو يقول:
- هل يوجد أحد؟ مَن بالداخل؟
لكن لم يصدر أي صوت.. وحاول مصعب للمرة العاشرة فتح الباب، لكنه قوي جدا، فلما عجز عنه عاد أدراجه إلى غرفته. وحين جلس على سريره لاحظ وجود كيس صغير أحمر اللون على وسادته، ففتحه، فوجد مفتاحا جميلا من الذهب..
قفز إلى ذهنه باب الاسطبل المقفل، فنزل بسرعة وأدار المفتاح، لقد انفتح الباب، وبا لهول ما رأى...... فرس رائعة، كأنها من عالم الخيال أضاء المكان من نورها الأبيض الفتان، كانت تنظر إليه نظرةَ مَن يعرف صاحبه. مدّ نحوها يدا مرتجفة، ولمسها، كأنه يتأكد من وجودها أو أنها ليست سرابا يصوره له عقله.. فصهلت صهيلا جميلا أطرب قلبه.. فقال هامسا:
- يا حبيبتي.. إنك تساوين ثروة!!!...
***
البيت الاسود للكاتبة الرائعة لحن اللافندر
الفصل الثالث
المصدر
كان نور الصباح قد بدأ يتسلل إلى غرفة مصعب الذي لم يستطع النوم في تلك الليلة، لقد رأى شيئا عجيبا في الاسطبل، ولا يزال في شك مما رأى، هل هو حقيقة أم خيال؟ إنه حقيقة ولا شك... لأن المال كان حقيقيا والزهور كانت أيضا حقيقية، فلا بد أن الفرس حقيقة كذلك..
ارتدى مصعب ملابسه ونزل إلى الحديقة وفتح باب الاسطبل بالمفتاح الذهبي الذي لم يغادر جيبه، وأخرج الفرس في ضوء الصباح، فزاد الصباح جمالا ونورا.. قدم لها الأعشاب والماء.. فأخذت تأكل برشاقة أدهشت مصعب وصار يقول في نفسه:
- يا الله!! يالجمال هذه الفرس!! إن لونها الأبيض ناصع كالنور، وهذه الغرة القرمزية في جبينها تجعلها أكثر بهاء وجلالا.. لكن من الذي حبسها هنا؟ ومنذ متى كانت في الاسطبل؟ وكيف جاء المفتاح إلى وسادتي؟ ومن وضعه؟ ومن وضع كيس المال لهيثم؟ ومن وضع لنا الزهور؟ وما هو ذلك الشيء الأبيض الشفاف الذي رأيته تلك الليلة التي سمعت فيها صوت الطرقات على باب الاسطبل؟ هل كل هذه الهدايا الرائعة تكون في هذا البيت ويخاف الناس من السكن فيه؟!!... الأجدر أن يُسمى بيت الهدايا لا البيت الحزين...
في هذه اللحظة سمع مصعب صديقه يناديه بصوت مرتفع:
- أنا هنا يا هيثم في الحديقة تعال وانظر إلى المفاجأة..
فجاء هيثم متذمرا، فلما رأى الفرس رجع خطوتين إلى الوراء.. وظل صامتا يحدق فيها وهي تأكل الأعشاب... ثم التفت إلى صديقه فوجده يبتسم.. فقال له:
- ما هذا يا مصعب؟
- هذه فرس وضعت لي في الاسطبل كما وضع كيس المال تحت وسادتك و..
- ماذا تقول؟
ثم أردف بغضب:
- هذا غير صحيح.. إذا كانت قد وضعت في الاسطبل فهي لكلينا وليست لك وحدك لأن الاسطبل لا يخصك وحدك..
- بل هو يخصني كما يخصك كيس المال..
- سبحان الله!!.. كيس المال كان تحت وسادتي أنا في سريري أنا في غرفتي التي تخصني.. أما الاسطبـ..
فقاطعة مصعب قائلا:
- الفرس أيضا تخصني لأن مفتاح الاسطبل الذي كان مقفلا مذ أقمنا هنا وجدته فوق وسادتي.. فماذا يعني ذلك..
- هل تريد مني أن أصدق هذا الكلام؟ ربما وجدته في مكان ما ثم ادعيت أنه على وسادتك.. كنت تبحث عن شيء أمس تحت باب الاسطبل فلعلـ..
صرخ مصعب مقاطعا:
- ولماذا أدعي؟..
فأجابه هيثم بصراخ أعلى:
- حتى تمتلك الفرس دوني..
- إنك يجب أن تصدق ما أقول كما صدقت أنا ما قلته حول كيس المال.. لماذا لم أقل إنك وجدت تحت وسادتي كيسا آخر في ذلك الصباح ثم احتفظت به لنفسك وادعيت أنك لم تجد شيئا؟..
- أنا لا أفعل ذلك..
- أعرف أنك لا تفعل.. ويجب ان تعرف أيضا أنني لا أفعل..
- لكن أين الفرس من كيس المال الحقير؟
- مهما يكن الشيء ثمينا.. إن العبرة بالمعنى.. إما أن نملك الجميع.. أو يكون لكل منا ما يخصه..
ففكر هيثم وقد هدأ قليلا:
- إذن يكون كل شيء نجده لنا معا..
- أنا موافق..
- أنا... أنا آسف لأني رفعت صوتي يا مصعب.. أرجو أن تسامحني..
فوضع مصعب يده على كتف صديقه وهو يقول:
- لا بأس.. لم تعد بيننا مشاكل الآن..
***
بعد تناول الإفطار قال هيثم:
- ما رأيك أن نشتري للفرس سرجا ولجاما بالمال الذي وجدناه؟
فقال مصعب:
- افعل ما يحلو لك يا هيثم، فالفرس الآن لنا معا..
ففرح هيثم وقال:
- هل أمتطيها إذن؟
- طبعا.. لكن هل ستمتطيها من دون سرج؟..
- سأجرب..
قال هذا وانطلق إلى الاسطبل وأخرج الفرس وحاول امتطاءها، لكنها جمحت وصارت ترفع قائمتيها الأمامتين وتصهل صهيلا مزعجا.. فجاء مصعب على أثر سماعه صوتها وهو يقول:
- ما بها يا هيثم؟
فرد هذا غاضبا:
- إنها ترفض أن أمتطيها..
- رفقا بها يا صديقي .. فالخيول لها سياسة..
ثم حاول مصعب امتطاءها فلم يصدر منها أي رفض، بل أطاعت كأنها متعودة على ذلك.. فتعجب الاثنان.. وقال هيثم:
- إنها لا ترفضك..؟.. لماذا؟...
فرد مصعب مندهشا:
- الحق أنني لا أدري.. لكن لعلها هدأت... قم أنت بالتجربة الآن..
قال هذا ونزل من على ظهرها فاقترب منها هيثم، فجمحت أشد من المرة الأولى.. فغضب وقال:
- لاشك أنك وجدتها في الاسطبل منذ فترة ليست بالقصيرة.. ودربتها سرا حتى تعودت عليك.. لهذا ترفضني..
ثم انصرف إلى غرفته ساخطا...
حاول مصعب أن يفهم لماذا سمحت الفرس له بامتطائها ولم تسمح لصديقه، هل لأنها وضعت له فعلا؟ وسُمح له هو فقط بالاقتراب منها؟ أم لأنه من وجد المفتاح؟
ركب على ظهرها مرة أخرى، كانت هادئة ولم تتحرك، كأنما هي خادم مطيع تنتظر أوامره، لكزها بطرف حذائه برفق، فأخذت تسير بهدوء رافعة رأسها، مما جعله يُعجب بها أكثر، أحس وكأنما هو يرتفع عن الأرض.. نظر إلى أسفل فوجد أنه ارتفع كثيرا.. فارتاع من ذلك.. كانت كأنها تسير في الهواء..
***
كان هيثم ينظر إلى الحديقة من نافذة غرفته حين شاهد مصعبا يمتطي الفرس ويختال على ظهرها.. أحس بالغيرة منه قليلا.. ثم خيل إليه أنه يبالغ في مشاعره.. لا يمكن أن يكون مصعب قد درب فرسا كل هذا التدريب خفية عنه.. إن هذا محال.. كانت الفرس تمشي برشاقة وألفة مع فارسها وكأنما تعودت عليه شهورا.. قرر أن ينزل إلى صديقه ويعتذر .. أحس أن غضبه سخيف وبلا معنى.. ولكن حين رآه مصعب فوجئ به يصرخ قائلا:
- هيثم ساعدني..
- أساعدك؟ ماذا تقصد؟ تريد شيئا؟
فصرخ مصعب قائلا:
- ألا ترى أنني أطير في الهواء..
فقال هيثم ضاحكا:
- هذه دعابة سمجة يا صديقي.. أعلم أن الفرس غاية في الرشاقة لكن ليس لهذا الحد لتجد في نفسك غرورا وخيلاء يصل إلى الطيران..
لكن مصعب الذي كان شاحب الوجه استمر بالصراخ وهو مذعور وقال:
- إنني أطير .. ألا ترى؟... أوقف هذه الفرس الشيطانة بسرعة.. أنا خائف..
تعجب هيثم وأمسك بعنق الفرس، فجمحت وألقته على الأرض، لكنها توقفت أيضا، فقفز مصعب من على ظهرها بسرعة وهو يسب ويشتم..
بقيت الفرس هادئة، ثم بدأت بأكل عشب من الحديقة.. فقال هيثم:
- انظر ماذا صنعتْ فرسك الحمقاء..
فقال مصعب وهو يرتجف ويمسك بذراع هيثم:
- لا يا هيثم.. إنها ليست حمقاء.. إنها شيطانة بلا ريب.. سوف أعيدها إلى الاسطبل وأقفل عليها..
رد هيثم متعجبا:
- لماذا.. إنها لا تنفر منك ولا ترفضك..
فقال مصعب وهو يرتعش:
- قل لي.. أحقا لم ترني أطير؟
- هل أصابك الجنون؟.. كيف تطير؟!!.. إنك كنت تسير بالفرس فقط..
- لكن.. أنا متأكد أنني كنت أرى الأرض بعيدة عن قدمي.. كنت أحس أنني أطير صدقا..
***
البيت الاسود للكاتبة الرائعة لحن اللافندر
الفصل الرابع
المصدر
قدم هيثم قدح القهوة مساء ذلك اليوم بعد أن تناولا العشاء وهو يقول لمصعب:
- سوف تشعر الآن بالهدوء وتستطيع التفكير بشكل منطقي يا صديقي.. لقد أقسمت لك للمرة العاشرة أنني كنت أراقبك من النافذة، وعندما نزلت إلى الحديقة لم أرك تطير كما تزعم، لاشك أنك واهم..
رشف مصعب من قهوته وهو مغمض العينين وأخذ يفرك جبينه بأصابعه كمن أصيب بصداع وقال:
- نعم..!!.. لا شك أنك رأيتني على الأرض يا هيثم.. لا شك في صدقك.. كما أن من المستحيل ان تراني أطير ولا تبدو عليك الدهشة ولا المفاجأة.. أو القلق والخوف على صديقك.. أعرف أن هذا مستحيل قطعا..
- إذن هون عليك.. واعترف أنك كنت واهما..
فرد مصعب بهدوء:
- لست واهما أيضا..
- ماذا دهاك يا مصعب؟ إنه الخيال .. ألا تؤمن بشيء اسمه الخيال والوهم؟ حيث يتراءى لإنسان أنه فعل شيئا لم يفعله؟
- بلى أؤمن بذلك يا صديقي.. لكن.. أؤمن أيضا بشيء اسمه السحر...
توقف قدح القهوة في الطريق بينما كان هيثم يرفعه إلى شفتيه وهو يقول:
- ماذا قلت؟ السحر؟ .. لم أفهم..
- لم تفهم... لأنني أيضا لا أفهم شيئا... إن كل ما يحدث معنا هو أشبه بالسحر..
- هلاّ شرحتَ لي بمَ تفكر يا أخي!...
وضع مصعب قدمه عى الطاولة وعقد ذراعيه على صدره وقال بوجه جاد:
- حسنا... ألا ترى أن ما يحدث معنا ليس واضحا أبدا؟... كيف يمكن أن نجد الزهور على سريرينا دون أن يكون معنا أحد ثالث!!... والمال من أين جاء؟... هناك من وضعه لنا.. أو أن أحدنا يكذب..
سادت فترة قصيرة من الصمت.. ثم تابع مصعب حديثه قائلا:
- ثم الفرس الرائعة التي كانت في الاسطبل.. لقد حكيت لك كيف اكتشفت وجودها.. من الذي وضعها هناك؟ ومنذ متى؟ ومن كان يطعمها إذا كانت قد بقيت ليومين او ثلاثة؟ فكما قلت لك إنني سمعت ارتطام حوافرها بالباب وكأنها كانت تريد الخروج.. لماذا لم تحاول الخروج مسبقا؟.. لماذا لم تحاول في النهار؟... سمعت ذلك الليلة الماضية.. وربما كانت هناك قبل ذلك.. ثم لماذا رأيت المفتاح على وسادتي حين عدت إلى الغرفة؟.. لقد كان ذلك الاسطبل مقفلا منذ إقامتنا.. فمع من كان المفتاح؟ وهل كان مقفلا حين أقام فيه من جاؤوا قبلنا من الناس؟... لماذا لم يظهر إلا الآن؟ .. ولماذا ظهر لي فقط؟.. بينما ظهر المال لك أنت فقط؟.. لماذا لم يحدث كما حدث مع الزهور؟ هناك شيء واحد هو اللغز نفسه.. وهو الشيء الذي لم نفهمه يا عزيزي.. هو الشيء الذي يفتح لنا كُنه هذه الحيرة التي نغوص فيها.. وربما سيحدث أغرب مما حدث في الأيام القادمة..
ازدرد هيثم ريقه وهو يقول:
- هل تعني أن موت بعض أفراد العائلات تحت حوافر الخيل كان بسبب فرس جامحة مثلا؟..
- لا أدري صدقا كيف تم ذلك ولا أستطيع التخمين!!.. لكن الذي أعرفه يقينا أنني رأيتني أطير عن الأرض كما أرى أنك الآن جالس أمامي..
- الحقيقة أنه أمر محير فعلا يا مصعب!!... إذ كيف يمكن أن ترى شيئا وأرى أنا شيئا آخر؟!!...
- إنني أتوقع أن هذا الذي حدث لي مع الفرس، هو رغبة في إيصالي إلى الجنون.. ربما حدث هذا مع عادل عزيز أو حدث معه ما يشبه ذلك.. لكن علينا يا صديقي أن نتفق منذ الآن على أن يَصدُق ويُصدّق أحدنا صاحبه.. وأن تكون الثقة بيننا قوية.. حتى لا يكون بيننا صدام.. ونستطيع معرفة سر هذا البيت الشنيع.. ومن يقف وراء هذه الأفعال السخيفة..
***
في صباح اليوم التالي.. بينما كان الصديقان يتناولان إفطارهما قال هيثم:
- ألن تطلق الفرس لتأكل وتشرب؟ لا يجوز حبس البهائم كما تعلم...
- تركت لها دلو ماء وبعض الأعشاب قبل أن أحبسها.. وسأفعل ذلك اليوم أيضا.. لن أتركها من غير طعام.. لكن لن أطلقها أيضا.. من يدري ماذا يحدث..
- إذن .. فلنطعمها بعد تناول الإفطار..
ذهب الاثنان إلى الاسطبل.. وفتحه مصعب بالمفتاح الذهبي الذي كان يحتفظ به في جيبه منذ ذلك الحين ولم يفارقه.. لكنه .. لم يجد الفرس,,
ذهل الصديقان...
قال مصعب:
- إنني أقسم أغلظ الأيمان، أن مفتاح الاسطبل لم يغب عني لحظة، ولم يفارقني حتى في الحمام..
فقال هيثم مندهشا:
- لا يوجد مكان لتخرج منه الفرس غير الباب.. الاسطبل صغير كما ترى وليس له باب آخر.. يبدو أن لدى (ذلك الشخص) مفتاح احتياطي..
- ذلك الشخص؟
- نعم.. لابد من وجود شخص غيري وغيرك في هذا البيت..
- معك حق..
عندما عادا إلى داخل المنزل لم يكن لدى أحدهما شيء يقوله... كانت الحيرة وحدها من تتكلم..
في تلك الليلة لم ينم أحد منهما.. كان مصعب مستلقيا على سريره يحدق في السقف.. بينما هيثم كان قد فتح كتابا وأضاء مصباحه الصغير وأخذ يقرأ لعل النعاس يغلبه وينسى تلك الأفكار المخيفة التي تضرب رأسه كالمطرقة فتضيع عليه سطور الكتاب، ثم يعيد المقطع من جديد عشرات المرات..
كان الاثنان يجاولان النوم.. لكن النوم لم يجد سبيلا إلى أجفانهما..
التقطتْ أذن هيثم صوتا غريبا مثل صوت الخطوات.. فاعتقد أن مصعبا خرج من غرفته.. لكنه استغرب أنه يسمع خطواته.. ولم يسمع صوت باب غرفته التي تجاوره تماما.. فخرج ليتأكد.. لم يجد أحداُ في الممر أو الردهة في الطابق العلوي.. ثم ذهب إلى غرفة مصعب وطرق الباب... مرت لحظة ثم خرج مصعب في حذر.. وقال:
- هيثم؟!!.. مالك؟.. هل حدث شيء؟!..
- ألم تغادر غرفتك قبل قليل؟
- لا .. لم أفعل أبدا..
- لقد سمعت صوت خطوات في الممر.. كانت واضحة جدا..
عاد مصعب إلى داخل غرفته بسرعة وأخرج عصاه الغليظة من تحت السرير ومصباحه الذي يعمل بالبطارية ثم قال:
- لنر من يكون صاحب تلك الخطوات.. يبدو أننا سنعرفه الليلة..
سارا بحذر من دون أن يضيئا أنوار الطابق العلوي.. وفتشاه جيدا.. ثم نزلا إلى الطابق السفلي.. دخلا الطبخ.. غرفة المعيشة.. الحمامات.. غرفة الطعام.. غرفة الضيوف.. لم يكن هناك أي شيء يشير إلى وجود أحد.. لا صوت.. ولا رائحة.. ولم يتحرك شيء من مكانه.. فقال مصعب:
- لعلك سمعت شيئا آخر غير صوت الخطوات فحسبتها كذلك؟
- لا لا.. أنا متأكد أنها خطوات..
- لكن أليس من الغريب ان تسمع صوت خطوات بالذات يا هيثم!!..
- ماذا تعني؟
- الممر مفروش بالسجاد.. كيف يمكن أن تسمع الخطوات على السجاد..
فقال هيثم مندهشا:
- معك حق.. لعله مشى على أرض الردهة.. لكنني لم أكن أتخيل صدقني..
- أصدقك.. لكن الردهة بعيدة عنك لتسمع الخطوات عليها.. أظن أن صوت الخطوات مقصود لتسمعه عمدا..
- هل تظن أن ذلك الشخص أراد استدراجي لمكان معين فعمد إلى ذلك؟
- صه...!! أسمع صوتا قادما من المطبخ..
اندفعا بحذر نحو المطبخ.. كان الصوت يشبه صب ماء في كوب.. كان الصوت واضحا سمعه كلاهما.. لكن لم يكن في المطبخ أحد..
لاحظ هيثم وجود ضوء خافت تحت باب المستودع الصغير.. كان ذلك المستودع داخليا.. بحيث لا يمكنك دخوله إلا من خلال المطبخ.. فأشار إليه منبها مصعب دون أن يتكلم.. فتح مصعب باب المستودع بحذر.. كان الضوء لحظتئذٍ قد اختفى.. كان كل شيء في المكان لا يدل على وجود شخص ما.. وما من مكان يمكن الاختباء فيه.. خزانة مفتوحة ليس فيها الكثير من المؤونة.. وكيس قمح صغير لم يفتح بعد ملقى على الأرض.. كل شيء كان طبيعياً...
أطفأ مصعب مصباحه وقال:
- يبدو أنه يتلاعب بنا..
- انتظر يا مصعب.. عندما أطفأت المصباح الآن شعرت أن المكان فيه ضوء..
- لعل عيناك تعودتا الظلام..
- كلا.. أنا متأكد أن ضوءا خافتا في المكان يتحرك..
عاد الاثنان إلى المستودع وعيناهما تترصد مصدر الضوء المزعوم.. لكن كان حقيقة.. لاحظا أنه ينبعث من شق صغير في الأرض.. جثا مصعب ولعق سبابته وقربها من الشق الصغير.. شعر بهواء خفيف.. فقال:
- لعل تحت المستودع قبو!..
أحس هيثم بالمغص وهو يهمس:
- وكيف يفتح هذا القبو يا ترى؟.. هل هذا باب في رأيك؟
لمس مصعب الأرض بيديه متحسسا مكانا يمكن أن يكون بابا أو ممرا سريا.. وفعلا أحس أن تلك الشقوق الصغيرة تجتمع وتتقاطع لتكون مربعا.. فهمس:
- هيثم.. ناولني سكين المطبخ..
أسرع هيثم وأتى بالسكين.. ركزها مصعب في أحد الشقوق بينما كان هيثم يمسك بالمصباح.. لم يكونا يريدان فتح أنوار الكهرباء خوفا من هروب (ذلك الشخص) إذا أحس بهما.. وبعد فترة من المحاولة .. عرف مصعب أي الشقوق عليه أن يرفع من خلاله الباب بالسكين.. فتح ذلك الباب الصغير الذي كان يتسع لمرور شخص واحد.. سلط هيثم الضوء على الفتحة.. كانت أشبه بحفرة طويلة مربعة تتسع لقامة رجل..
من دون أدنى حذر قفز مصعب نازلا وسط الحفرة.. فقال هيثم:
- مصعب !! انتظر..
- لا عليك.. ناولني المصباح..
دهش مصعب حين وجد سلما يعلوه الغبار أمامه مباشرة حين أضاء المصباح المكان.. فقال هامسا:
- هيثم انظر.. إنه قبو فعلا كما ظننت.. توجد درجات سلم هنا.. تعال معي..
نزل مصعب السلم ببطء.. ونزل هيثم وراءه قابضا في يمينه سكين المطبخ تحسبا لأي مفاجأة.. كان السلم قصيرا، في نهايته باب يظهر تحت الفرجة السفلية منه ذلك الضوء الخافت، فتح بمجرد أن دفعه مصعب بيده..
كانت غرفة صغيرة مضاءة بشمعدان قديم.. وفي الغرفة قفص كأنمما وضع لحيوان شرس.. لكن لم يكن في المكان أحد.. قال هيثم:
- ما هذا؟ هل من المعقول وجود مكان كهذا في هذه الأيام؟!! كأنما أرى قصة من العصور الوسطى.. أيام كانت تحبس الوحوش والسحرة في الأقبية...
فرد مصعب باسما:
- إن الأعجب يا صديقي وجود شمعدان فيه ثلاث شمعات مشعلة من دون وجود حاجة لها.. فلا إنسان واحد في المكان..
***
البيت الاسود الحزين للكاتبة الرائعة لحن اللافندر
الفصل الخامس
المصدر
بعد مرور ثلاثة أيام على اكتشاف القبو.. لم يشعر خلالها الشابان بأي حركة غريبة تصدر منه أو من المستودع غير أن الشمعدان قد اختفى.. قال مصعب ملاحظة مفاجئة:
- هيثم!! ألا ترى أن الأمر غريب؟
- كل شيء غريب في هذا البيت.. لكن ما هو الأمر الذي يسترعي انتباهك تحديدا؟..
- أعني أن القصة تعاد الآن.. قصة الفرس.. كنت أسمع صوتا.. ثم أذهب واستكشف فلا أرى سوى الاسطبل المقفل .. وحين أعود إلى سريري.. أرى المفتاح فجأة..
فقال هيثم يستحثه على الإكمال:
- نعم!!..
- ثم الأمر يتكرر معك.. تسمع صوت خطوات بينما الممر مفروش بالسجاد.. ثم نرى القبو مضاء بشموع تختفي كما اختفت الفرس... ثم نرى قفصا مقفلا كما كان الاسطبل مقفلا.. ويختفي الشمعدان كما اختفت الفرس وهكذا..
- هل تعني أننا سنجد مفتاح ذلك القفص فيما بعد؟
- بكل تأكيد..
ثم ومضت في عقله فكرة فقال:
- هيثم!... لماذا لا يكون المفتاح الخاص بالاسطبل قادرا على فتح القفص الحديدي؟..
- هل ستجرب؟
- نعم.. والآن..
اندفع الاثنان نحو القبو.. وأدار مصعب المفتاح الذهبي الخاص بالاسطبل في قفل القفص الحديدي.. فإذا به يفتح فعلا.. فالتفت إلى هيثم وقال:
- من غير شك.. إن كل شيء في هذا اللغز معد إعدادا محكما وربما منذ وقت طويل..
فقال هيثم وهما يجرجان من القبو:
- إذن..
فأكمل مصعب:
- إذن.. فهو شخص واحد ليس أكثر.. غريمنا شخص واحد يا صديقي..
- ولماذا تركت القفص الحديدي مفتوحا؟..
فضحك مصعب وأجاب:
- ربما وجدنا فيه بقرة هذه المرة..
- لا تسخر يا مصعب.. إن هذه الأمور كلها مخيفة وليست للتسلية..
- الا ترى أننا نعيد حوارا جرى بيننا سابقا؟ فليكن تسلية.. ما الضير في ذلك؟ إن ذلك الشخص بلا ريب يتسلى بنا..
***
كان هيثم يعد وجبة الغداء في ذلك اليوم.. بينما انهمك مصعب في البحث في الحديقة عن أي شيء غريب.. كان متأكدا أنه سمع صوت شيء يُحفر أو يُهال عليه التراب.. لكن ذلك الصوت اختفى بمجرد أن اقترب مصعب من نافذة غرفته المطلة على الحديقة..
كان يفكر مليا.. إن جميع نوافذ البيت ليس فيها ستائر.. كيف تسنى لذلك الشخص أن يعرف أنه اقترب من النافذة وسط الظلام الحالك؟.. هل يحمل منظارا.. هل كان معه جهاز للرؤية بالأشعة تحت الحمراء؟.. ثم استسخف تفكيره لأنه في الريف ولا يمكن أن يوجد جهاز مثل هذا عند شخص يقبع في بيت عمره أربعين سنة..
حين جلس مصعب على مائدة الطعام قال له هيثم:
- عمّاذا أسفر بحثك؟
- لا شيء..
- لكنني متأكد أنك ستجد شيئا.. لأن ذلك الشخص لا يصدر صوتا أو حركة إلا إذا أرادنا أن نكتشف شيئا محددا.. كأنما يسير وفق خطة محكمة تماما..
- هو ذلك.. لكنني تعبت ولم أعثر على شيء..
- لعل الصوت لم يكن من الحديقة..
صرخ مصعب:
- ما هذا؟؟؟؟
- ماذا؟
- يوجد دم على بنطالي.. من أين أتى؟!!...
اقترب هيثم من صديقه قائلا:
- هل جُرحتَ؟
- لا .. أبدا...
بسرعة خلع مصعب بنطاله وفحصه.. لم يكن ساقه مجروحا.. لكن على أحد ساقي البنطال كانت توجد بقعة دم كبيرة.. شمها وتأكد أنها دم فعلا..
فقال هيثم مندهشا:
- ربما أتى من الحديقة!!.. هل اصطدمت بشيء ما؟
خرجا إلى الحديقة.. وبعد دقائق وجد هيثم بقعة دم مماثلة على شجرة الليمون الوحيدة:
- انظر.. ربما كانت هي السبب..
وقف مصعب بجانب الشجرة.. كانت البقعة على ارتفاع مناسب ليتلطخ بنطاله بها.. فتعجب وأخذ يفحص المكان ويقول:
- لم ألحظ هذه البقعة رغم البحث الطويل الذي بذلته منذ الصباح.. لا يمكن أنني لم ألحظها..
- ربما كانت حديثة قبل أن تدخل البيت مرة أخرى..
- هل تعتقد ذلك؟ كيف لم أحس بوجود أحد؟ لا يمكن أن يضع أحد هذه البقعة الكبيرة على جذع الشجرة من دون أن أنتبه له..
- لكن هل هي من حيوان؟
- لا يوجد أثر كما ترى لأي حيوان.. ولا أثر لدم على الحشائش.. كيف؟.. كيف؟...
كانت تساؤلاتهما تتلاحق .. لكنهما في النهاية عادا إلى قاعة الطعام واجمين حائرين.. غير أن هذا الوجوم تحول إلى رعشة وخوف عندما وجدا صحن الشوربة الخاص بهيثم ممتلئا بالدم.. بينما سكبت الشوربة التي كانت في الصحن على الطاولة..
***
بعد هذه الحادثة أصبح هيثم ومصعب حذرين في طعامهما.. كان هيثم يطبخ الطعام بينما يبقى مصعب معه في المطبخ حتى ينتهي.. ثم يأكلان معا فور انتهاء الطبخ.. ويتخلصان من بقاياه ولا يعاودان الأكل منه ثانية.. لاحتمال أن يدس ذلك الشخص لهما منوما أو سما في الطعام كما حدث مع الحساء..
واستمرا على هذه الحال أسبوعا.. ولم تحدث خلال ذلك الأسبوع أي أشياء غريبة.. لكنهما كانا متوقعين أي شيء وفي أي لحظة...
بعد فترة.. وجد هيثم بقعة من الدم على ملاءة سريره بعد أن عاد من الحمام.. ثم تكرر ذلك مرتين كلما غادر هيثم غرفته.. اضطر مصعب إلى مراقبة غرفة هيثم حين يكون في الحمام أو المطبخ.. لكن لم تسفر تلك المراقبة عن شيء.. فبمجرد عزم مصعب على المراقبة لم تعد بقع الدم تظهر على السرير..
***
جلس مصعب وهيثم صبيحة يوم جميل من أيام سبتمبر في شرفة غرفة الضيوف المطلة على الحديقة في الطابق السفلي.. يتناولان الكعك ويشربان الشاي.. كان مصعب يقول:
- أتعلم يا هيثم!.. هناك سؤال هام يحيرني، وكان يجب أن نسأل أنفسنا ذلك السؤال منذ البداية.. لكننا غفلنا عنه غفلة شديدة..
رد هيثم وهو يمضغ قطعة من البسكويت:
- وما هو ذلك السؤال؟
- لماذا يقوم غريمنا بكل ما يقوم به؟
- هذا سؤال سهل نعرف جوابه منذ البداية.. بكل تأكيد هو يقوم بذلك كي يترك ساكنو المنزل الإقامة فيه ويرحلون عنه إلى الأبد..
- لكن ذلك غير منطقي..
- غير منطقي؟..
- نعم.. إن من يريد أن يرعب ساكني المنزل عليه أن يقوم بذلك منذ أول ليلة .. لا ان يبدأ بالزهور- المال- الفرس- الشمع.. ثم الدم مؤخرا..
- ماذا تعني؟
- ألا ترى أنها أشياء ليست متجانسة معا؟ وباستثناء الدم فهي غير منفرة أو مرعبة؟
- بلى.. لكن.. ربما كان غرضه المفاجأة وليس التخويف.. و.. ربما كان التسلية كما قلت أنت من قبل..
- إذا كان غرضه التسلية فماذا بعد؟ الموت؟ الجنون؟ هذا يعني أن ذلك الشخص إنسان مريض أو مجنون ليفتعل كل تلك المآسي من أجل التسلية وحسب..
- إنه فعلا أمر محير يا مصعب..
- كما أنه ذكي جدا جدا ليتصرف بكل هذه الحبكة الدرامية المتقنة ويتنقل في المنزل والحديقة والقبو والاسطبل دون أن نكتشف من يكون مدة الأشهر الستة التي أقمنا فيها هنا..
ثم أردف مصعب بعد فترة من الصمت:
- إن الشيء الذي أتعجب منه أكثر من غيره هو استعادته للفرس والشمعدان.. وإذا كان قد استعادهما فجأة كما ظهرا فجأة- والفرس بشكل خاص- فأين كان يخبئها؟ حتى القبو ليس فيه أثر لها.. أين يمكن أن يكون قد خبأها!!...
- اسمع يا مصعب.. إننا لم نكن نعلم بوجود ذلك القبو لولا أن لفت (هو) انتباهنا إليه، من كان يتوقع ان يوجد ممر للقبو تحت المستودع؟
فلمعت عينا مصعب وقال:
- هل تعني أننا لو بحثنا أكثر لربما وجدنا أبوابا ومنافذ أخرى سرية لم نلاحظها من قبل وهو يختبئ فيها؟...
هز هيثم رأسه بالإيجاب وهو يقول:
- بلا ريب يا صديقي.. إننا كل يوم نكتشف شيئا جديدا في هذا البيت..
- لكن شيء ما آخر يحيرني..
- وما هو؟
- عندما شاهدنا بقعة الدم في الحديقة وعلى البنطال لم نر البقعة مسبقا، كما أن دخول ذلك الشخص إلى قاعة الطعام واستبدال الدم بالحساء لهو أمر محير جدا ينطوي على الجرأة والمجازفة.. كان واثقا فيما يبدو أننا لن نلاحظه ولن نراه..
فكر هيثم ثم قال:
- امممم!!... لقد استغل فترة انشغالنا وتشتت ذهنينا في البحث عن سبب بقعة الدم.. كما استغل فترة غيابي في الحمام..
- إنه ذكي بالفعل.. فإن غيابك في الحمام قد استغله ثلاثة أيام متوالية لكن في أوقات مختلفه كل مرة..
- وقد أحس فورا أنك ستراقب غرفتي..
- إن هذا يعني.. أنه يبقى دائما قريبا منا.. يرانا.. ويسمعنا..
فمرت بجسم هيثم رعشة خفيفة فقال:
- إنه مخيف فعلا..
فرد مصعب غاضبا:
- ولكن كل هذه الأفعال لا يجوز أن تخيفنا أبدا.. إنها أشبه بالأفعال الصبيانية إن لم تتجاوز هذا الحد..
قال هيثم بقلق:
- وإذا تجاوزته كما حدث مع غيرنا من الناس؟..
- أتعلم؟ إننا مغفلان من دون شك..
- لماذا تقول هذا الكلام؟..
- لأننا لم نبحث في تفاصيل تلك الحوادث للناس الذي سكنوا البيت قبلنا.. لربما كانت قلوب بعضهم ضعيفة للحد الذي يجعل إنسانا يجن بمجرد حدوث شيء يشبه حادثة ركوبي على ظهر الفرس مثلا أو وجود الدم في طبقك..
فكر هيثم قليلا ثم قال:
- معك حق.. ماذا إذا كانت تلك الحوادث أشبه بما يحصل لنا الآن؟ لكن ردود أفعال الناس وأعصابهم تختلف من فرد لآخر كما قلت تماما!!..
ثم أردف هيثم بعد لحظات:
- ولكن كيف كان باستطاعتنا معرفة أي شيء عما حدث للناس الذي أقاموا قبلنا؟ إننا آخر الساكنين كما أننا لسنا من أهل القرية لنعاصر تلك المآسي.. ولا تنس أن أهل القرية لم يكونوا على علم بالتفاصيل.. وحين جاؤونا أول إقامتنا ونصحونا.. لم نسمع منهم شيئا ولم نرغب بمعرفة أي تفاصيل.. كنا مغترَين بنفسينا جدا.. ونظن أننا أذكى من شارلوك هولمز ولوبين وأغاثا كريستي..
تنهد مصعب وهو يقول:
- الحق معك يا صديقي.. الحق معك..
***
البيت الاسود الحزين للكاتبة لحن اللافندر
الفصل السادس
المصدر
استيقظ هيثم صباح أحد الأيام ولم يجد مصعبا.. لكنه وجد رسالة منه يخبره فيها أنه خرج للتبضع وسيكون معه على الإفطار..
عندما عاد مصعب كان يحمل بعض الخبز والجبن والفواكه.. فقال له هيثم:
- أهذا ما اشتريت؟ لماذا لم تتركني أنا أذهب بدلا منك؟ إنك تبذر المال فيما لا نحتاج.. من قال لك إننا نريد جبنا؟ لدينا من الكثير..
- لا بأس يا صديقي.. لا بأس..
فقال هيثم غاضبا:
- كيف تقول لا بأس؟.. أنت تعلم أننا لم نحصل على عمل بعد.. وكل ما ننفقه هو من مدخراتنا ومن تلك الصرة التي وجدناها هنا...
- أعرف .. أعرف..
ثم أردف مصعب وهو يجلس إلى مائدة الإفطار:
- إنني لم أخرج أصلا للتبضع.. كنت أريد معرفة أي خبر أو معلومات من أهل القرية عن هذا البيت المخيف.. لكنهم أمطروني بالأسئلة بدلا من ذلك.. فقلت لهم إننا حتى الآن لم نر شيئا ذا بال..
- ربما فعل غيرنا مثلنا ولم يخبروا أحدا..
- وهذا ما استنتجته..
فقال هيثم مستاءً:
- هذا يعني أن خروجك كان بلا فائدة..
- أظن ذلك فعلا..
- على كل حال.. أنا لدي ما أخبرك به..
- حقا؟!!.. هل حدث شيء غريب أثناء غيابي؟
- لا لم يحدث شيء أثناء غيابك.. لكنني سمعت صوت عواء ليلة أمس وأنا غارق في النوم..
- ولماذا لم توقظني؟!!..
- في الحقيقة كسلت أن أقوم من السرير لأنني كنت في أشد حالات النعاس..
- لعلك واهم أو حالم!..
- لا.. لقد تكرر مرتين أو ثلاث قبل أن أصم أذني عنه وأتابع النوم..
***
في تلك الليلة سهر مصعب ليعرف سر الصوت، وليرَ إن كان سيسمعه ثانية.. ولدهشته.. كان الصوت واضحا قبل أن تدق الساعة الواحدة بعد منتصف الليل.. وكان يسمع صوت عواء يشبه إلى حد كبير صوت ذئب.. لكن لا يعلم لماذا خُيل إلية أنه صوت إنسان يحاكي صوت الذئب.. ثم أرهف السمع أكثر.. فسمع نفس الصوت الذي سمعه منذ أسابيع مضت عندما قال لهيثم إنه خيل إليه أن شخصا ما يحفر في الحديقة أو يهيل التراب..
خرج من غرفته على أطراف أصابعه وطرق بأظافره على باب هيثم، فخرج هذا على الفور وكأنه كان واقفا خلف الباب مباشرة، وقال:
- هل سمعت ما سمعت؟
فرد مصعب هامسا:
- نعم.. نعم.. إنه صادر من الحديقة هيا بنا بهدوء..
- الن تأخذ معك المصباح؟
- لا حاجة لذلك.. القمر بازغ هذه الليلة..
استمر صوت العواء منبعثا من الخارج، غير أنه انقطع فجأة بمجرد أن وطئت أقدام الصديقين تراب الحديقة، فقال هيثم:
- يخيل إلي أنني رأيت شيئا أبيض اللون يتحرك بجانب شجرة الليمون..
لم تكن في الحديقة غير شجرة واحدة هي شجرة الليمون.. بينما جميع الشجيرات والزهور لا يمكن الاختباء وراءها.. فأسرع الاثنان إلى الشجرة، رأيا مجرفا ملوثا بتراب الحديقة الندي، فقال مصعب:
- أرأيت!! هناك من يحفر تحت الشجرة كما سمعت منذ ليالٍ..
أخذ هيثم المجرف وبدأ يحفر تحت الشجرة، ولدهشته لم يجد مشقة في إيجاد صندوق خشبي صغير الحجم وعليه قفل.. تعجب الاثنان.. وهمّ هيثم بكسر الصندوق ليرى ما فيه.. غير أن مصعبا استوقفه وهو يقول:
- على رسلك!!.. أظن أن المفتاح الذي فتح قفل الاسطبل والقفص الحديدي في القبو يمكنه فتح هذا أيضا.. هيا لندخل ولنر ما فيه على ضوء المصابيح في المنزل..
دخل الاثنان وأخرج مصعب المفتاح من جيبه وأضاء هيثم أنوار غرفة المعيشة، ومن دون مشقة فتح القفل فورا بمفتاح مصعب، وكان في الصندوق الخشبي كيس أسود من المخمل الجميل، وداخل الكيس وجد الاثنان عقدا رقيقا جدا من الماس، أخذ يبرق أمام أعينهما بجمال أخاذ.. فقال مصعب:
- أظنه من الماس يا هيثم إن كنت أفهم في المجوهرات..
- إنه عقد جميل.. لكنه صغير وكأنما هو لطفلة..
فأخذ مصعب يفكر قليلا ثم قال:
- ربما كان لأحد سكان هذا المنزل القدامى!!.. لابنة عبد الله نعمان مثلا؟!!..
- وهل تظن أن أحدا من أفراد تلك الأسرة ما يزال مختبئا في المنزل وهو الذي كان يحفر في الحديقة بحثا عنه؟..
- ما أظنه يا صديقي أنه دفن الصندوق.. ولم يحفر ليبحث عنه.. وما صوت العواء إلا صوت إنسان يقلد صوت الذئب بلا شك، كي يجعلنا نخرج إلى الحديقة ونحفر من غير جهد لنجد الصندوق..
- ولماذا يريدنا أن نجده؟..
- لست أدري يا هيثم.. صدقا لست أدري..
***
قال هيثم وهو يحمل صينية الشاي إلى الشرفة في عصر اليوم التالي:
- إلى متى ستظل تقلب هذا العقد في يديك يا مصعب؟.. هلا أرحت نفسك من التفكير قليلا وشربت قدحا من الشاي!..
تنفس مصعب بعمق وقال باسما:
- اتعلم أنني أحببت البقاء هنا يا هيثم!..
فضحك هيثم وقال:
- ربما لو سمعك ذلك الشخص لزمجر غيظا.. إنه يريد أن نكره المنزل لا أن نحبه..
- أنا لا أحبه لذاته.. إنما يوجد لدينا ما يقتل الملل يا صديقي بسبب هذه الألغاز..
- ألم تجد لنا أو لأحدنا عملا حتى الآن في القرية؟
- لقد تعبت من هذا الموضوع يا هيثم.. الناس هنا بسطاء جدا.. وأعمالهم تقتصر على الزراعة والرعي والصيد والتجارة البسيطة جدا وتلك الحرف اليدوية التي لا يتقنها واحد منا..
قال هيثم وهو يناول القدح لمصعب:
- معك حق.. من يحتاجنا في هذا الريف؟.. إن..
قبل أن يكمل هيثم جملته سمع الاثنان كسر طبق في المطبخ.. فأسرعا راكضين إلى هناك..
ولشد ما عجبا أن كل شيء في المطبخ كما هو.. فقال مصعب:
- ربما كان مصدر الصوت مكان آخر..
ركضا معا إلى غرفة الطعام.. وفعلا وجدا زهرية زجاجية محطمة على الأرض.. وبجانب الزهرية المكسورة ورقة صفراء صغيرة.. لكن لم يكن في الورقة شيء..
التقطها هيثم وقلبها بين يديه وهو يقول:
- ما معنى هذا؟!! لا يوجد شيء مكتوب على الورقة.. وليس لدينا هذا النوع من الورق كي أظن أنه وقع من أحدنا ، كما لن يكون الورق هو المتسبب في هذه الضجة.. من الذي يكسر الزهرية ليرغمنا على رؤية الورقة؟..
- واضح أنه كسر الزهرية ووضعها بجانبها كيلا نرى الورقة فنعتقد أنها بلا أهمية فنرميها..
- إنها طريقة فظة.. وفي رابعة النهار؟!!
وضع مصعب كفه على ذقنه وصمت مفكرا.. ثم قال فجأة:
- هذه ورقة كتبت بحبر سري من غير شك..
فقال هيثم:
- هل تعني أننا سنرى ما كتب عليها إذا قربنا منها شمعة؟
لم يجب مصعب، ولكنه ركض إلى المطبخ وأحضر شمعة وأشعلها، ولشدة عجبهما أن حروفا بدأت تظهر حتى تشكلت جملة: "هل تحبني؟ إذن ألبسني العقد"..
فقال هيثم:
- إذن الورقة لها علاقة بالعقد.. ثم.. أكاد أشم رائحة عطر تنبعث من الورقة..
قرب مصعب الورقة من أنفه واستنشق ملء رئتيه ثم قال:
- لا أشمّ شيئا..
- لكن ما معنى كل هذا؟ هل هذا يعني أن العقد لفتاة تسأل الحب؟ إنه يبدو لي كأنما يخص طفلة..
- ....
- لكن ربما كانت الطفلة تلك قد خطبت منذ الصغر لفتى من العائلة.. ثم ماتت.. أو مات قبل أن يكبرا ويتزوجها.. ما رأيك في هذا التفسير..
- الحق أنني في حيرة كبيرة.. كما أن تفسيرك يبدو ملتويا عن الواقع.. على كل حال.. احتفظ أنت بالورقة والعقد حتى نرى السر المخبوء خلفهما..
***
البيت الاسود الكاتبة لحن اللافندر
الفصل ١١
- إلى أين أنت ذاهب؟
جاءه صوت سحر من خلفه، أول مرة يسمعها جادة في الحديث، فرد قائلا:
- ذاهب لأجد حلا، ألم تقولي إنك قد ضاعفت أجر البيت؟ ذاهب لأجد طريقة للدفع..
- لا يمكنك، خاصة أن صاحبك مريض الآن..
- ماذا؟.. مريض.. هيثم.. ماله؟!!
ابتسمت، فشعر مصعب بالقلق، فقد صار يكره هذه الابتسامة الخبيثة، فعاود السؤال:
- ماله هيثم؟
- اذهب لترَ..
اندفع مصعب لغرفة صديقه، لم يجده، سمعه يناديه من المطبخ، فركض إلى هناك، كان هيثم منكفئا على وجهه يسعل ويتقيأ بشكل هستيري..
أخذ مصعب ينظر إليه بعجب:
- ماذا حدث؟!! هيه.. هيثم.. ما بك هكذا فجأة!!..
فرد هيثم وهو يسعل بشدة بكلمات لا تكاد تُفهم:
- لا أعرف.. شربت... ماء فقط... فحدث لي ما حدث..
عندئذ أمسك مصعب بكتفي سحر وهزها بشدة وهو يقول صارخا:
- ماذا فعلت لهيثم أيتها الشيطانة؟ هل وضعت شيئا في الكأس..
- لا أرجوك لا تقل هذا..
ثم أخذت تبكي بدلال..
فقال هيثم:
- لا دخل لها هي .. لا أعرف ماذا ... حدث لي لقد شربت ماء من.... الوعاء الذي نشرب منه جميعا..
- اسكت أنت يا هيثم.. أنت لا تعرف... إن هذه الشريرة هي سبب كل ما يحدث وحدث لنا.. بسرعة سآخذك إلى الطبيب..
لكنه توقف عن الكلام، كان هيثم يسعل بشكل متواصل، حتى ظن مصعب أنه سيموت، فاقتربت سحر من هيثم ومسحت شعره بيدها، فأبعد مصعب يدها عنه وهو يقول:
- لا تقتربي من صديقي أيتها المجرمة..
لكنها نظرت إليه نظرة صارمة جعلته يسكت، ووضعت في فم هيثم قرصا صغيرا أشبه بقرص الدواء وهي تقول:
- ابتلع هذا يا عزيزي..
وشيئا فشيئا بدأ سعاله يهدأ وأخذ يتنفس بصعوبة، ثم قال:
- لا بأس يا مصعب.. أشعر أنني الآن بخير.. أريد أن أرتاح.. خذني إلى السرير إذا سمحت..
كان عقل مصعب متوقفا عن التفكير، فحمل صديقه على كتفه إلى غرفة المعيشة، ولاحظ للمحة خاطفة ابتسامة سحر من خلفه...
***
مضت عدة ساعات، كان هيثم خلالها قد استعاد وعيه بشكل كامل، فسمع سحر تقول له:
- أرى أنه من الأفضل أن تؤجلا الرحيل حتى تتحسن صحتك يا عزيزي..
فرد هيثم بصوت مبحوح:
- أجل لكن هذا سيزيد من الإيجار يا سحر، كل يوم يمر يزيد في المبلغ..
فردت ضاحكة:
- لا عليك لن أكون فظة، لن أحسب هذه الأيام التي ستقضيها مستقبلا..
فجاءها صوت مصعب الجاد:
- ما غرضك؟
- ماذا؟
- أقول ما غرضك؟ ماذا تستفيدين؟ وإلى أين تريدين الوصول؟
- يااااااه!! أنت عجيب يا مصعب.. عندما يكون هيثم معنا تتحدث معي بخشونة.. أعرف أنك لا تريد جرح مشاعره ولكن..
فقاطعها مصعب قائلا:
- ماذا؟!! ماذا تقولين؟؟ منذ متى كنت أتكلم معك برقة حتى اراعي شعور أحد ما يا هذه!!
فغمزت له بعينها وأشارت بشكل خفي إلى هيثم الذي كان يتابع تعابير وجهيهما، فاستشاط مصعب غضبا وقال:
- ما هذه الإشارات الغريبة؟!! قولي ما تريدين قوله بصراحة.. ليس عندي ما أخفيه عن هيثم، وتجاهك بشكل خاص..
فقالت باكية:
- أنت تعاملني بفظاظة يا مصعب..
ثم ركضت إلى غرفتها..
كان مصعب مصعوقا من شدة الدهشة ، بينما أخذ هيثم ينظر إليه متفحصا، فقال هذا:
- لا تنظر إلي بهذا الشكل، هذه الكاذبة تخدعني وتخدعك..
- إنها قبل قليل ساعدتني، لولاها لكنت ما أزال اتالم الآن يا مصعب..
- طبعا بكل تأكيد.. من يعرف ترياق السم إلا من صنع السم نفسه..
- ماذا تقصد؟
- أقصد أنها وضعت شيئا في الماء الذي شربته من غير شك فلما..
لكن سحر عادت وبيدها صندوق صغير وقالت:
- كفى يا مصعب كفى أرجوك.. ألست من طلب مني الاحتفاظ بهذا الصندوق..
- أيتها الكاذبة ما هذا الصندوق أصلا؟
فأجابت باكية:
- وما أدراني، لقد طلبت مني المحافظة عليه ولم أعرف ما بداخله إنه مقفل كما ترى ومفتاحه معك..
فنظر هيثم إلى صديقه بدهشة وتساءل:
- ماذا يوجد في هذا الصندوق يا مصعب؟..
- وما أدراني ماذا تخبئ الشياطين في الصناديق؟!!
فقالت سحر ببراءة متناهية:
- قال لي إنه يحتفظ بالمفتاح في المطبخ يا هيثم.
قال مصعب:
- في المطبخ، تبا لك أيتها المخادعة ألم يكن ذلك المفتاح هو الذي أنقذك من إغمائك المزعوم؟ ألستَ من قال هذا يا هيثم ؟ تكلم!!.
- لكن ذلك المفتاح مفتاحها وجدناه في حقيبتها..
- صبرا يا هيثم صبرا دعني أفهم.. اسمع ألست تعرف أن هذه المرأة أفاقة لم تصدق في حرف واحد منذ اقتحمت حياتنا!!... هل تصدقها أم تصدق صاحبك؟
لكن هيثم لم يرد، بل أطرق برأسه إلى الأرض.. فقال مصعب:
- مالك صامت؟ ....لمَ لا ترد؟ .. هيثم..
لكن هيثم قال بعد لحظة من التردد:
- أين... أين المـ.. ــفتاح يا مصعب؟
فرد مصعب بصوت جريح:
- ماذا؟..........
- أعني.. إذا كان في المطبخ.. سأذهب للبحث عنه..
قال ذلك وذهب إلى المطبخ بينما المفاجأة تعقد لسان مصعب فلم يستطع الكلام.. ولا الحراك..
وجد هيثم الظرف الأحمر والمفتاح بداخله، وعاد ليفتح الصندوق، كان بداخله قارورة صغيرة فيها سائل شفاف يشبه الماء، عندما رأت سحر القارورة شهقت ووضعت يديها على خديها متفاجئة..
نظر هيثم إلى صديقه متسائلا، لكن مصعب لم يقل شيئا، كان يتفحص وجه هيثم بمرارة وحزن.. فقال هذا:
- هل هذا هو السائل الذي.. لكن.. لا يمكن..
فقالت سحر:
- أوه يا مصعب سامحني لم أراعِ شعورك وأبديت تعاطفا نحو هيثم قبل قليل، لقد أبعدت يدي عنه غاضبا لم أكن أقصد.. آسفة لأنك كرهته بسببي يا عزيزي..
لكن مصعب لم يلتفت إليها ولا إلى ما تقول، كان يحدق بوجه صديقه الذي بدا حائرا يوزع نظراته بين مصعب وسحر ويتنفس بصوت مسموع..