الفصل السّابع الجزء الثالث
[IMG]http://i50.************/2cmwcp.jpg[/IMG]
- 7 -
لم يستطع منذ ذلك اليوم أن يكون بكامل ... بل بشيء يسير من تركيزه , كان إيوان يفكر في الذي فعله مع جود , هل كان من الصواب تجاهل اتصالها ؟ لا يدري للآن كيف استطاع أن يفعل ما فعل , لكنه كان غاضباً , متألماً وحزيناً جداً من تصرفاتها التي تمعن دوماً في إيذائه .
كان كلّما أراد أن يتصل بها تراجع عن ذلك سريعاً , ربما كان يخشى أن يسمع صوتها من جديد , أن يضعف أمامه مرة أخرى .
وقف بعصبية و قال محدثاً نفسه و هو يتابع اندفاع الماء من مجسَّم لشلال " نوبيسكار " ضخم وضع في زاوية مكتبه شديد الفخامة :
- سأضع نهاية لكل هذا , لم يعد في الأمر فسحة للمماطلة و الكذب على النفس يا جود
حينما نطقت شفاهه اسمها تراءى وجهها أمام عينيه , جود ... إنها كالبحر , البحر الذي لا شكل له و لا أمان يمكن أن يعطيه , أمواج المشاعر المتخبطة التي تحيطه بها ... تؤلمه للغاية و ربما ... ربما كانت هي الشيء الذي يشده إليها بهذه الشراسة , إنه يريد أنّ ...
عضَّ على شفته السفلى متحسراً على وضعه المتعثر دوماً معها , و على ضعفه المجنون أمامها .
بعد ثوان قضاها في مشاورة نفسه , أخذ هاتفه على عجل , و ضغط بضعاً من الأزرار ثم قرّب الهاتف من أذنه و قال متمتماً :
- سأضع نهاية لكل هذا الهذيان , سأضع نهاية ...
- مرحباً .
قطع صوتها الهادئ قرارته الجازمة التي اهتزت لمجرد سماع صوتها , سيسامحها ... أجل سينسى كلّ شيء إن ... إن لم تقم بأمرٍ مؤلمٍ ثانية .
- ماذا هناك إيوان ؟
- جود ... أنا ... أنا ... حقاً أعتذر لعدم ردِّي على اتصالكِ لقد كنـ ...
- لا بأس ... لا يهم .
" لا يهم , هل قالت لا يهم ؟ هل اتصاله أو عدمه , سماع صوته أو لا ... سيّان بالنسبة إليها "
- يكفي ... لقد اكتفيت ...
قالها و هو يعتصر الهاتف بين أصابع كفه , لم تردَّ عليه لفترة طويلة فصرخ عالياً :
- لِم قبلتِ بي إن كنتِ ستكونين على هذا الشكل معي دوماً ؟ هل كنتِ تمرحين و ...
- نعم ... كنتُ أمرح و حسب ...
- ما ... ماذا ؟
- أردتُكَ فقط لأتسلّى و أرفه عن نفسي حين أملّ , هل اكتشفت الأمر للتو أيها الذكيّ ؟
- وهل أخذتِ ما يكفيكِ من التسلية ؟
همسها بتعاسة و كأنه يستجديها أن تقول شيئاً لا يزيد من ألآمه ... على الأقل .
- لقد أخطأت حساباتي فقد كنتَ أكثر الناس إملالاً .
سحقاً لكل هذا ... إنها قاسية ... قاسيةٌ جداً و يبدو أنها لن تكون غير هذا أبداً .
- سأ ... جود ... سأستعيد ضبط مشاعري المضطربة ... سأستعيد نفسي منكِ ... أقسم بهذا .
- إيـــه ... ستستعيد نفسك ؟!! فلتبذل جهدك إذاً .
- شكراً على النصيحة .
كانت هذه نهاية مكالمتهما , فقد أغلق الهاتف بعد ذلك , ثم عاد لمكتبه ليبدأ أعماله ... ليبدأ حياته .
وضعت جود الهاتف بجانبها على السرير بكلّ هدوء , ثم رفعت عينيها ببطءٍ نحو باب غرفتها , كانت والدتها تقف عنده و تمسكِ حرفه بشدة و على شفاهها ارتسمت ابتسامة يأس .
لم تعرها جود أيَّ اهتمام و بقيت تجول بعينيها أرضية الغرفة و كأنها تبحث عن باب خفيّ يوصلها لعالم آخر .
- هل انتهيتِ الآن ؟
استمرتْ جود في تحديقها الهاذي و لم ترفع رأسها فتابعت رند و هي تدخل الغرفة و تجرُّ أقدامها بتعب :
- هل انتهيتِ من انتقامكِ الآن ؟ هل رضيتِ يا جود ؟ هل انتقمتِ له كما ...
- لا تتحدثي عنه ...
كان صوت جود عالياً جداً و مهتاجاً جداً , تابعت و هي تدثّر نفسها بغطاء السرير الواسع :
- كيف تمتلكين الجرأة للتأتي على ذكره ؟
- لقد فعلتُ كلَّ ذاك لأجلكِ , لأجل ابنتي الوحيدة .
غطت أذنيها لتمتلئ عيناها بالدموع المقهورة الوجلة , لقد باتت الحياة رمادية للغاية , أصبحت مشوهة و بشعة و هي ... لم تعد تريد شيئاً منها , تريد فقط أن ينتهي الوقت , أو يفنى الزمن .
رمقتها رند بنظرات مشفقة لدقائق طويلة , و حينما أرادت الخروج من الغرفة بأقدامها المرتخية المتعثرة سمعت كلمات جود التي قالتها بترنيمةٍ باكية :
" ليتكِ ... تختفين من حياتي . "
هكذا إذاً ... كلُّ الذي كان لأجلكِ يا جود , كلّ الذي كان لأجل سعادتكِ , أصبح بسبب ذاك الشخص جوهر تعاستك التي تتقلبين فيها الآن .
وصلت للصالة الكبيرة , لترمي أشلاء نفسها الممزقة على أصواتٍ تسمعها في أذن ذكرياتها , الأصوات الحبيبة , الأصوات الجميلة , الأصوات التي لم تكن سوى اصداءَ لما تحويه النفوس من سعادة و راحة و حبور .
بقيت تصغي لتلك الترانيم البعيدة بابتسامة ملئ وجهها , هي أيضاً تريد أن تختفي , أن تذوب من هذا الواقع المرير , لكن كان الأمر الوحيد الذي يمنعها من أن تكره نفسها , هو أنها إن كانت فعلت ما فعلته فقد قامت به من أجل جود , لتحيى ابنتها الوحيدة حياة أفضل ...
" لكن ربما يكون الأمر الأسوء في تكرار الألم ... اعتياده " .
استقامت ثم مشت حتى وصلت للهاتف , ضغطت على بضع من الأزرار ببطءٍ شديد , ثم قرّبته لأذنها لتسمع صوته المتضجّر بعد ثوانٍ :
- ما الأمر ؟
- جواد ... أريد أن أختفي .
- اسمعي رند لا وقت لدي لـ ...
- سأختفي يا جواد ... وداعاً .
أغلقت الاتصال بعد أن فجّرت في نفس جواد هذه المفاجأة التي لم يتوقعها أبداً .