آهات الضمير ..
ذات ليل بهيم تعالت آهات ضمير يحتضر .. همس لصاحبه طالبا منه شربة ماء، لعلها ترجع لهُ حنين حياة سلبتها شراسة ذئاب وهمجية وحوش تكالبت وتصارعت على دنيا؛ حتى قتلوا العديد من البرآء.
أدرك صاحبنا سر الحكيم الذي ظلّ يتجوّل في قريته بفانوسِه تحت ضوء الشمس حتى تعجب منه من رآه؛ سألوه عن فعله فأجاب: أنّه يبحث عن الإنسان !
إنسانية قضت عليها المادة حتى جعلت منها نسيا منسيا.. إنسانية غاب بريقها في خضَّمِّ حرب شُنّت على المبادئ والقيم، لأنّ البقاء (حسب زعمهم) لمن يملك بزمام القوة وليس للأصلح.. هو مبدأهم !
حياة أولئك .. تتعالى أصواتهم ولا تكاد تصمت خوفا من سماع نداءات ضمائرهم .. فتراهم يثرثرون حتى أمام المرآة ! سُلِبت منهم لذة الحياة -وإن كانوا من أرباب المال- .. يلتقون على تلك الطاولة؛ تتكلم شهواتهم وتُفصحُ أعينهم عن سواد قلوبهم.
لا يرضون إلا بنجاحهم "المزعوم" .. نجاح سلبوا عنه تلك القيم النبيلة والمنافسة الشريفة، وإن داست أقدامهم على جماجم الناس لتتخذ منها سلما.. فقُتلَت مواهب في المهد وعطّلت كفاءات. تراهم يضحكون وهم ينازعون شفاههم على التبسم .. لأن الابتسامة غادرت الوجوه منذ أن باعوا أنفسهم.
يبيتون سهادى لا يزورهم النوم..
يعلو أنينهم فتنطق كل جارحة إلا العين واللسان !
نفرت عنهم تلك الأرواح الطيبة لتتركهم يتألمون .. يزداد الأنين فتصم الجدران آذانها إلى إشراقة الفجر. تطلع الشمس فلا ترى أعينهم إلا ظلاما دامسا، يحسدون أصحاب الابتسامات، ويبحثون عن السعادة ليبتاعوها من باعة الأزقة .. ولو كان المقابل أرواحهم .. ولكن هيهات هيهات! حتى أرواحهم في وحشة من أجسامهم!
لا يدرون أن السعادة لا تشرى ولا تشترى، لأنها تنبع من أعماق النفس الأبيّة والروح الطيبة.. فهنيئا لأصحاب الضمائر الحية، وطوبى لهم.