هل بالخيال نبني حياة أفضل ؟ _ للمناقشة الجادة ...
كل شخص يعلم ماهو الخيال , والخيال معرف بكلمات قصيرة ( عالم افتراضي يصور رغبات النفس المستحيلة التحقيق ) . لكن ... هل كل الناس يتفرغون للتخيل والخوض في عالم وهمي لا صحة له من الواقع ؟ أراهن أنهم إن فعلوا ذلك ستكون مجازفة بحياتهم ومسؤولياتهم ووقتهم وكل شيء ... سيضيع كل شيء من بين أيديهم بينما هم يعيشون في عالمهم السعيد . لا أتكلم عن هذا الشيء بالتحديد ... بل أعني الخيال الذي بإمكانه جعلنا الأفضل في حياتنا هذه . بإمكاننا استغلال أوقات الفراغ ونبني عالما افتراضيا خاصا بنا , نطير بأجنحة , يحدث كل ماتحدثنا به أنفسنا , نتفاهم بالنظرات ونستغني عن الكلام ... نخترع أشياءا لا أساس لصحتها في عالمنا هذا. بإمكانكم القول أنه جنون ... لكنه شيء ممتع يروح على البال ... ألا تفضل الهروب من مشاكل يومك بالتخيل ... ماذا لو ؟ ... لو فعلت كذا لجرى كذا ... ستعالج تلك المشكلة وتعلم جذر نموها , واذا واجهتك ثانية ستكون أهلا لإقتلاعها . حسنا ... أنا لا أعني الهروب من الواقع حتى تصبح ترى الناس وأنت لاتراهم ! تلك حالة الجري في أزقة الجنون ولا أفضل التحدث عنها ...
أتسمحون لي بالتحدث عن عالمي ؟ ... أظن أنكم لا تمانعون أن تعرفوا قليلا عنه ...
في الحقيقة ماجعلني أتفرغ هو الوحدة ... في السنوات الثلاث الماضية , لم أستطع كسب أي صديقة ...لا بل أنا من لم أرد أن أصادق أحدا . ببساطة لأن ليس هنالك من يتقبل فكري لكوني أحب الروك والسواد والعناكب و .. و ...و.... .
لقد عشت في بلد غير بلدي بسبب عمل أبي , كنت سعيدة جدا بإنتقالنا لعلمي أن تغيير الجو يفيد في تحسين النفسية . لكن واجهت مشاكل عدة في التأقلم مع المجتمع وعاداته وتقاليده . كنت معتادة على حرية التعبير والتصرف ولا أخاف شيئا , بل كنت جريئة لحد لا أتصوره الآن . لكن ما إن بدأت الدراسة هناك ... لا أدري تغير البرنامج ولم أعد أدرس الفيزياء الكيميائية والتشريح ولا اللغة الفرنسية , مدارس بناتية فقط , العبائة وتغطية الوجه , لا للأماكن المختلطة في الحقيقة أعجبتني هذه الأمور مع أنه لا أساس لها في بلدي ( يعني الحجاب عندنا تغطية الشعر بقطعة قماش , سروال وكنزة والسلام , والتي لا تتحجب أمرها لله .) . رأيت أنه هنالك مراعاة لمقام المرأة وأحسست بإفتخار فتيات عديدات بحجابهن الساتر عندما أحدثهم عن بلدي . لا علينا .
مما جعلني أنطوي على نفسي هو أني لم أجد فتيات من نفس بلدي . وهكذا مرت الثلاث سنوات وانا عاكفة وقت الفراغ في المنزل ... أمرر وقتي الطويل في الرسم والإبحار في الأنترنت واكتشفت مكسات لكني لم أكن أزد عن تصفح المواضيع والرد عليها ولعب لعبة التعذيب مع j the killer . في الحقيقة استمتعت كثيرا لكن ذاك الوقت البطيء كان رتيبا جدا , مملا لدرجة أنني أصبحت أشعر بالتعب وأنا مرتاحة . لقد كان كل شيء نفسيا لا غير , كونك وحيدا وتحس بالفراغ , لا يهتم أحد لما تقول , لا يقام وزن لكلامك أو لما تهتم به ولا بما تحب , تعيش كل شيء مع نفسك فقط ... وتحس لوحدك بألم الغربة ... آه لو ذقتموها , لو ذقتم البعد عن البلاد والأهل والأصحاب كم مر , مر لايذاق , ذاك الشوق الذي يلهب صدرك ويجعلك تذكر بلادك بالخير مع كل تنهيدة مهما كانت مساوئها . أصبحت لا أنام الليل إلا قليل من فرط ما أصابني من الملل , كنت أنام نوما متفرقا في النهار والليل أبيض لا أذوقه . لكني وجدت حلا بنيت لنفسي عالما إفتراضيا وأصبحت أغوص فيه كلما أغلقت أجفاني , رائع ... أصدقاء كما أريد يشاركونني في السراء والضراء , أهل يضمونك بكل حنان ويخافون عليك من نفسك , وأخيرا الوسط ... آه ذاك الشعب المثالي , الأدب والأخلاق والنظام والنظافة والعلم والجد ..و و و و وأشياء لا تعد ولا تحصى . اختراعات جديدة , سيارات طائرة , ملابس أصممها وأرتدي ما أشاء منها دون أن ألاقي التعليقات اللاذعة , أناس مترفعون عن شهوات الجسد ويحبون الشخص لشخصه , والمرأة كالأريج لا كالأنثى , والحب صاف نقي كالنسيم في علالي السماء . الود المتبادل بين الناس , الكل يبتغي مصلحة الكل , لا وجود للكراهية والأنانية ... آه ما أحلاه عالمي !
أيا يكن ... أصبحت منشغلة بتطوير العالم وأمشي وأنا لست بالوجود وكأني أبحر في خيالي , كم هو شيء ممتع لكن الأهم ... لقد كدت أن أغرق فيه لو لم أنتبه لنفسي وأحاول التفريق بين الحقيقة والخيال . وكم اجتهدت وجاهدت حتى نظمت عقلي . هذا ليس بمستحيل ... ليس شيئا مسحيلا أن تعيش عالمين مختلفين .
حسنا ... مرت تلك السنوات الثلاثة ثم عدت لبلدي . لكن المشاكل بدأت هناك ... ولا كأني منهم ! سائت الأحوال وأصبحت الفتيات دمى بإرادتهن. في الحقيقة ... امتنعت عن اقامة أي صداقات جديدة , ولحسن الحظ التقيت بعضا من زملاء الإبتدائية , بالكاد لم يعرفوني ... )) تغيرت كثيرا ! أصبحت هادئة , كثيرة الشرود , دائما مقطبة ومنزعجة , نظراتك مشككة في أي شخص يمر عليك , لاتكلمين الفتيان , لا تدخلين في الأحاديث العامة ..(( ماهذا التغيير ؟ ... كان هذا هو الشيء الأنسب بالنسبة لي , عرفت أنك إذا احترمت نفسك وأعطيت قيمة لنفسك وترفعت عن الدنائة احترمك الآخرون رغم أنوفهم , خاصة الفتيان ... فحمدا لله يعاملونني كأختهم . على عكس الفتيات الأخريات فيقللون من شأنهن كثيرا . مرت سنة وأنا لم أستطع أن أبوح لأحد بألمي , بألم الوحدة والظلام اللذان لفاني بقوة وكاني أصبحت شيئا منهما .
وأخيرا ... استطعت أن أنجز شيئا جيدا بخيالي وعالمي , أصبحت كاتبة , كاتبة قصص رومنسية على الغالب لأنه الشيء الذي يندر في وقتنا الحالي ( أقصد الحب النابع من القلب ). أصبحت لا أمانع إن كان القلم هو لسان حالي , وبصراحة ... كل شحنة تضغط على قلبي أخرجها بالكتابة . وحمدا لله ... كل شيء وراءه أشياء جيدة وسيئة ... لكن كل شيء بين يدينا , فنحن من ندمر حياتنا بأيدينا , كما نحن الوحيدين القادرين على بنائها بأسس عميقة .
والآن أصدقائي ...ونعم أدعوكم بأصدقائي , لأني مذ دخلت مكسات وانا أحس بأنه هنالك فعلا أناس مثاليون لكنهم متفرقون على وجه الأرض ( ما رأيكم أن نبني عالما لنا نلتقي فيه ؟ ههه ) أمزح بالتأكيد ...
أرجو أن تشاركوني موضوعي هذا ... وأنا أطرح بعض الأشياء التي أشكِل علي فهمها , وأنا أريد أن أعرف وجهات النظر الأخرى ...
- هل تعتبر الإنشغال بالتخيل عن مشاكلك ضربا من ضروب الأمراض النفسية ؟ أم تداخل الحقيقة بالخيال ؟
- هل تنبذ وتتجنب من تراه مميزا في طريقة تفكيره ( جيدة أو سيئة ) وملبسه وكلامه ؟ ( سواء غيرة أو اعتباره كغريب أطوار )
- هل ترى أن الهروب من الواقع بالخيال لكثرة مشاكلك حلا مثاليا ؟ أم حلا مؤقتا لا نسطيع الإعتماد فيه إلا في التفريغ من الشحنات المزعجة ؟
- وهل تظن أن الكتابة مفيدة في تفريغ الجانب اللاحسي لنا ؟ ( أقصد ما نتمناه ولا نستطيع فعله بموجب أشياء كثيرة كالدين أو الأهل .)
- وأخيرا ... هل ترى التخيل شيئا مفيدا ؟ ... حسنا أنا أراه مفيدا لأن لولاه لما قال كريستوف كولومبوس أن الأرض دائرية , ولا تكلم نيوتن عن الجاذبية , ولا تجرأ بابلو بيكاسو على عرض لوحاته التجريدية التي اعتبرها الباقون مجرد خربشات , بينما كان كل خط يصور ويربط معاني كثيرة في عقل المتمعن .
حسنا .... آسفة بشدة , لقد أطلت عليكم كثيرا , لكني استمتعت كثيرا ...
أتمنى أن أرى ردودكم لتثلج صدري أعزائي .
في حفـــــــ المولــى ـــــــظ