السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
"لقد كدنا نجهل لغتنا، ومن شكَّ فليمتحن نفسهُ، فليفتح لسان العرب وليقرأ يه عشرة أبيات متتابعة من شواهده، من أي صفحة شاءَ، فإن فهمها كلّها، وأستطاع أن يشرحها، أو فهم نصفها أو ربعها واستطاع أن يشرحهُ، فأنا المخطئُ، ومن يرد عليّ فه المصيب".
علي الطنطاوي (رحمه الله).
مرَّت الأيّامُ وأنا أرثي حظّ العربيّة من أقوامٍ لغتهم العربيّة، دخلتُ محاضرة لأستاذي المتفضلّ علينا -وغيره كثير- وأنا حائرٌ في أمري: أأسدُّ أذني من سوء ما أسمع، فما تركَ فاعلًا إلاًّ ونصبه، ولا مفعولا وإلا ورفعهُ .. فالغوث، الغوث يا أبا الأسوَد الدؤلي .. فآثرتُ الاستماع وأنا له كاره، حتّى أسجلَّ المعلومات.
واستاذتي التي هامت في شرحها إلى أن أبدلت ذلك المنطق البديع والكلمات الرنانة بأخرى أشدّ مرارة من الحنظل، ,وألحقت بالسمع أذيّةَ .. فقالت -وقد ظلمت-: إنما خاطبتكم بالعاميّة لكي تفهموا قولي! وهل ظننتنا جامدين.. -عفا الله عنها-، فإننا نقبل التصريف والله.
"العربية لغة أضاعها أهلوها"
سمعت نحيبها في دياجير الظلام، ولا أدري من ذا الذي ينوحُ بالقرب من منزلي، تقدَّمتُ خطوة وأخرّتُ أخرى .. هل افتحُ الباب أم أحجِم؟ ظللت ُمترددا بين الإقدام والإدبار .. ثمّ أمسكت بقبضة الباب وفتحتُه .. فإذا بي بوجهٍ لم أرى جمالا مثلهُ، وبهاء فاق بهاء الزهر، ونورا غلب نور القمر.. مددتُ لها منديلا لتُكفكف دموعها التي غطَّت وجنتاها، وبلَّت سحرها .. ثمّ سألتها عن اسمها فاستحيت، عن نسبها فازدادا حزنها .. قالت بصوت خافت وكلمتاها متقطعة: "اسمي اللغة العربيّة".
يا ليت باكية شجاني دمعها .. نظرت إليك كما نظرتُ إليك فتعذرا
- لماذا هذا الموضوع؟
- قال عثمان أمين في كتابه "فلسفة اللغة العربيّة": (من لم ينشأ على أن يحبّ لغة قومِه، استخفَّ بتراثِ أمّته، واستهان بخصائص قوميّتِه. ومن لم يبذل الجهد في بلوغ درجة الإتقان في أمر من الأمور الجوهريّة، اتّسمت حياته بتلبّد الشعور، وانحلال الشخصيّة، والقعود عن العمل، وأصبح ديدنهُ التهاون والسطحيّة في سائر الأمور).
هويتُك حتّى كاد يقتلني الهوى .. وزرتك حتّى لامني كلّ صاحبِ
قال أبو عبد الله مصطفى بن العدوي: (إنَّ الحديث بالعاميّة يؤدي إلى نتيجتين خطيرتين، تؤثران في البناء الثقافي للأمّة تأثيرا سيئا غير محمود.
أولا هما:
إهمال التراث وازدراؤه لدى العامّة وجماهير الأمّة إذ يصيرُ حينئذٍ ركاما من المعمّيات والطلاسم لا سبيل إلى معرفتها فضلا عن فهمها وإدارك ما فيها. وفي ذلك ما فيه إضعاف "الشخصية" العامة للأمّة ودفعها بقوّة إلى منحدرات التبعيّة "والإنمحاق".
والنتيجة الأخرى:
عدم فهم القرآن وذلك أخطرُ وأفدح ما يؤدّي إليهِ الحديث بالعاميّة، ولكنّ قومي لا يعلمون).