الإستيطان الصهيوني في فلسطين حتى العام 1948
الإستيطان الصهيوني في فلسطين حتى العام 1948
تمهيد
الموستوطنات الإسرائيلية
للإستيطان الصهيوني أهمية بالغة في الفكر الصهيوني، وقد هدف الكيان الصهيوني من وراء هذا الاستيطان على وضع حقائق على الأرض تفرض نفسها في أي مفاوضات مع أي طرف في النزاع العربي الإسرائيلي إضافة إلى الدوافع الاقتصادية، والمائية والأمنية، كانت الدوافع التاريخية والدينية المزعومة هدفا لإقامة المستوطنات.
تميزت ظاهرة الاستيطان الصهيوني في فلسطين عن غيرها من التجارب الاستيطانية القديمة والحديثة من خلال ارتباط هذه الظاهرة بالعنف والاستيلاء على أراض مملوكة لأصحابها الشـرعيين بالقوة، مع التخطيط المسـبق لطرد هؤلاء السكان واستئصال حضارتهم والقضاء على وجودهم" ، فالاستعمار الاستيطاني اليهودي قام على أسس استعمارية وعنصرية تخالف مبادئ القانون الدولي والعهود والمواثيق والاتفاقات الدولية.
في بادئ الأمر قامت الحركة الصهيونيه بمساعدة بريطانيا والولايات المتحدة ببناء القاعدة الديمغرافية اليهودية في فلسطين العربية، واتصف سلوك المستوطنين تجاه سكان فلسطين الأصليين وأصحابها الشرعيين بالإرهاب والعنصرية من أجل ترحيلهم والقضاء عليهم ودفعهم إلى الرحيل من وطنهم فلسطين إلى البلدان العربية المجاورة، حيث شكل الاستيطان عنصراً رئيسياً من عناصر إقامة دولة اليهود في فلسطين العربية، باعتباره وسيلة عملية تهدف إلى تهويد فلسطين وإقامة الكيان الاستيطاني فيها وتزويده باستمرار بالعنصر البشري لتقوية طاقاته العسكرية والاقتصادية والبشرية.
وتبحث هذه الدراسة في موضوع الاستيطان الصهيوني والذي يعتبر ركنا أساسيا في السياسة الصهيونية والإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني، فقد بذلت الحركة الصهيونية جهودا حثيثة لتطوير وزيادة الاستيطان الصهيوني قبل عام 1948 وبعده، وقد أقيمت نقاط ومراكز استيطانية على أجزاء من الأراضي التي استولت عليها المنظمات الصهيونية بمساعدة سلطات الانتداب، وقد كانت هذه المستوطنات بمثابة مواقع عسكرية وكيانات إرهابية ضد المواطنين الفلسطينيين قبل وأثناء حرب 1948 ، وبالرغم من أن المقاومة الفلسطينية لهذا الاستيطان استمرت بعدة طرق وأساليب وعلى أكثر من جهة، إلا أنها لم تستطع كبح الهجرة اليهودية أو وقف الأنشطة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية والتي كان هدفها التأسيس لإقامة دولة الكيان الصهيوني.
تعني دارستنا بتاريخ الاستيطان الصهيوني حتى عام 1948 ، والذي دفعني لإعداد هذه الدراسة هو إدراكي لمخاطر الاستيطان الصهيوني الذي كان النواة الأولى للمشروع الصهيوني، حيث ساهم لاحقا وبشكل كبير في تأسيس دولة الكيان الصهيوني وتوسعها، وكما أن نقص الدراسات السابقة حول الاستيطان وتحديدا قبل عام 1948 شكل لنا دافعا أخرا لإنجازها.
وانطلاقا مما سبق تأتي هذه الدراسة، والتي تعتمد على المنهج التاريخي لوصف نشأة وتطور ظاهرة الاستيطان الصهيوني قبل عام 1948 وتنقسم الدراسة إلى ثلاثة مباحث يتناول الأول الاستيطان في الفكر الصهيوني، ويتناول الثاني مراحل الاستيطان الصهيوني في فلسطين ويختص تحديدا في دراسة الاستيطان في عهد الحكم العثماني والانتداب البريطاني، ويتناول الثالث الهجرة اليهودية إلى فلسطين ، وردود الفعل الفلسطينية والعربية على الهجرة والاستيطان حتى عام 1948 ، ثمة خاتمة الدراسة.
المبحث الأول
أولا:- الاستيطان في الفكر الصهيوني
بما أن موضوع الدراسة حول الاستيطان فلابد من العرض الموجز عن الاستيطان في الفكر الصهيوني، لإيضاح أهمية الاستيطان لدى بعض المفكرين والقادة الصهاينة والذين كان لهم دور ريادي في نشأة الاستيطان الصهيوني وتطوره، لتكون الصورة واضحة ومساعدة في تحليل تطور الاستيطان الصهيوني عبر الفترة التاريخية التي تتعرض لها هذه الدراسة .
تتمثل أسطورة الاستيطان الصهيوني في زعم المفكرين والقادة الصهاينة أن فلسطين هي الكيان الصهيوني أو صهيون" وأن تاريخها قد توقف تماما برحيل اليهود عنها ، بل أن تاريخ اليهود أنفسهم قد توقف هو الآخر برحيلهم عنها ، ولن يستأنف هذا التاريخ إلا بعودتهم إليها فهو تاريخ مقدس" ، وقد جسدت الحركة الصهيونية في فلسطين العقدية التوراتية في طرحها للاستيطان ، حيث حولت ممارساتها العملية لاستعمارها الاستيطاني في فلسطين إلى مفهوم توراتي "عودة الشعب إلى أرض الميعاد " وبذلك يتم استقبال المهاجرين المستوطنين اليهود إلى فلسطين كمهاجرين إلى ارض الكيان الصهيوني .
يمثل هؤلاء المهاجرون توطين استيطاني كولونيالي، بمعنى قيام جماعات اليهود الأجنبية باستيطان أرض فلسطين وممارستهم السلطة فوق تلك الأرض على من كان ولا يزال فيها من السكان الفلسطينيين"لأن الأيدلوجية الصهيونية في فلسفتها الخاصة قامت على أساس نفي الآخر واقتلاعه، لا التعايش مع أو القبول بوجوده، وعليه فإن غايتها في البدء أو النهاية هي الإجلاء والإحلال وإزاحة الفلسطيني لتوطين هؤلاء المهاجرين مكانهم" ، لقد واكب الاستيطان الصهيوني في فلسطين منذ البداية ظواهر التعالي القومي تجاه المواطنين المحليين حيث ساد بينهم الرأي القائل بان العربي يحترم الآخرين إذا فهم لغة واحدة هي القوة، فقد ارتبطت الصهيونية بالاستيطان باعتباره جزءا منها وأساسا مهما في مشروعها، إذ قامت على ثلاثة أسس متكاملة" ، الأول أن اليهود رغم انتمائهم للعديد من الدول والمجتمعات يمثلون قومية واحدة تتميز بصفات عرقية سامية ، والثاني أن علاقة اليهود مع الشعوب الأخرى تقوم على العداء والصراع تلخصها ظاهرة معاداة السامية ، والثالث إن مشكلة اليهودية لا حل لها إلا بإقامة دولة يهودية ، وإن هذه الدولة تتمثل في ارض الميعاد و الاستيطان فيها ، وأساس ذلك "إذا كان هناك من شعب مختار فثمة أيضا أرض مختارة ، فالأصل في استمرار الصهيونية لا يكون إلا من خلال استمرار الاستيطان في فلسطين" .
فالبرامج الاستيطانية الصهيونية جاءت لإقامة المستعمرات اليهودية على الأراضي الفلسطينية تحت تبريرات دينية وتاريخية مفادها أن هناك حقوقاً تاريخية ودينية يهودية على أرض فلسطين ، وهذه الحقوق هي التي وعد بها الرب الشعب اليهودي، وقد تطور هذا المفهوم فيما بعد إلى جعل إقامة المستعمرات أداة لتعزيز أمن دولة الكيان الصهيوني بعد قيامها عام 1948 ، ولتأكيد ذلك يقول عضو الكنيست الإسرائيلي السابق يشعياهو بن فورت في صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية"إن الحقيقة هي لا صهيونية بدون استيطان، ولا دولة يهودية بدون إخلاء العرب ومصادرة أراضي وتسييجها" .
فالاستيطان الإسرائيلي هو التطبيق العملي للفكر الاستراتيجي الصهيوني الذي انتهج فلسفة أساسها الاستيلاء على الأرض الفلسطينية، بعد طرد سكانها الفلسطينيين بشتى الوسائل بحجج ودعاوي دينية وتاريخية باطلة، وترويج مقولة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، وجلب أعداداً، كبيرة من اليهود من مختلف أنحاء العالم، وإحلالهم بدلاً من العرب الفلسطينيين، بهدف إقامة دولة يهودية في المنطقة العربية.
ويتضح من كل ما سبق إن إقامة المستعمرات والاستيطان على الأرض الفلسطينية يمثل حجر الزاوية في الإيديولوجية الصهيونية وذلك للأهمية العظمى التي ينطوي عليها الاستيطان وتكمن هذه الأهمية في عدة جوانب ديمغرافية وأمنية وسياسية واقتصادية ومائية وطائفية، فإقامة المستعمرات يعمل على جلب المزيد من المهاجرين اليهود وبالتالي تهويد الأرض الفلسطينية، فمنذ أن جاءت حركة الاستعمار الاستيطاني في أواخر القرن التاسع عشر، تمكن المستوطنون اليهود من السيطرة على المناطق الإستراتيجية والموارد المائية، بالإضافة إلى السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية الخصبة وبمساعدة المؤسسات الصهيونية من جهة، ودعم بريطانيا من جهة أخرى، أمكن للمهاجرين اليهود من السيطرة على المقدرات الاقتصادية لفلسطين، مثل شركات الكهرباء والماء والشركات الزراعية الصناعية وغيرها.
ثانيا: بداية الاستيطان اليهودي في فلسطين
بدأت فكرة الاستيطان في فلسطين ، تلوح في الأفق، بعد ظهور حركة الإصلاح الديني على يد مارتن لوثر في أوروبا، حيث بدأ أصحاب المذهب البروتستانتي الجديد بترويج فكرة تقضي بأن اليهود ليسوا جزءاً من النسيج الحضاري الغربي، وإنما هم شعب الله المختار، وطنهم المقدس فلسطين ، يجب أن يعودوا إليه ، وكانت أولى الدعوات لتحقيق هذه الفكرة ما قام به التاجر الدنماركي أوليغربولي عام 1695 ، الذي أعد خطة لتوطين اليهود في فلسطين ، وقام بتسليمها إلى ملوك أوروبا في ذلك الوقت، وفي عام 1799 ، و كان الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت أول زعيم دولة يقترح إنشاء دولة يهودية في فلسطين أثناء حملته الشهيرة على مصر و سوريا .
واشتدت حملة الدعوات للمشروع الاستيطاني اليهودي في فلسطين في القرن التاسع عشر، حيث انطلقت هذه الدعوات من أوروبا مستغلة المناخ السياسي السائد حول الأطماع الاستعمارية الأوروبية في تقسيم ممتلكات الرجل المريض"الدولة العثمانية" والتي عرفت حينئذ بالمسألة الشرقية، وقد تولى أمر هذه الدعوات عدد من زعماء اليهود وغيرهم،أمثال:اللورد شاتسبوري، الذي دعا إلى حل المسالة الشرقيـة عن طريق استعمـار اليهـود لفلسطيـن ، بدعم من الدول العظمى ساعده في ذلك اللورد بالمرستون"1856-1784" ، الذي شغل عدة مناصب منها، وزير خارجية بريطانيا، ثم رئيس مجلس وزرائها حيث قام بتعيين أول قنصل بريطاني في القدس عام 1838 وتكليفه بمنح الحماية الرسمية لليهود في فلسطين ،كما طلب من السفير البريطاني في القسطنطينية بالتدخل لدى السلطان العثماني للسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين .
........للمزيد من المتابعة http://www.ikhwanwiki.com/index.php?...%A7%D9%85_1948