{ إلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}
http://www.mexat.com/vb/attachment.p...1&d=1293740533
بسم الله الرحمن الرحيم
حصنٌ منيع علت أسوراه ُ إلى أعناق السماء تكرماً ومنةً لحماية المدينة الطيبة من غدر القلوب الميتة , عاش أهل الحصن سُعداء بتلك الحماية العظمى على مر الأزمان والسنون الطِوال حتى ظهر ذلك الثقب الصغير في زاوية الحصن المنيع ليتناقل أهل البلدة ظهوره للعيان دون صيانة أو إصلاح لما تلف, وفي الليل البهيم استيقظت البلدة على بكاء الأطفال وصراخ الثكالى ولهيب النار في بقاع الأرض الطيبة فتعالت الأصوات نادمةً :
تلك كانت نتاج الإهمال !
"الثقب المميت " أردانا قتلى !!
إهمال "لخرق صغير" كانت نهايته "ضياع كل شئ " فما بالنا نحن نهمل "خروق كثيرة " ونتغافل عن "ثقوب متفرقة " من هنا وهناك وعبر أزمنة متفرقة نتركها دون إصلاح أو حتى محاولة عرضها على طبيبها لنخرج من عنده بالداء والدواء معاً حتى لا يصل بنا الحال كما وصل بأهل الحصن وفقدهم لأغلى ما يملكون "وطنهم " ويكون ما نفقده نحن أغلى من ذلك وهو "القلب السليم " ؟!
قال سيد البشر عليه الصلاة والسلام "تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً؛ فأي قلب أُشرِبَها نُكِِتَت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها، نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير القلوب على قلبين: قلب أسود مرباداً كالكوز مُجَخِّيَا، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، إلا ما أُشْرِب من هواه، وقلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض"
تلك الـــ"النكت السوداء " هو أثر تتركه المعصية في "قلب الإنسان " ليرسم "شرخاً" يخشى بسببه تصدع القلب وتدهور حاله إن لم يبادر الإنسان بإصلاحه وإزالة تلك النكت السوداء لان كلاهما طريق لخروج حب الطاعة من القلب كانسياب قطرات الماء من الأنبوب قطرة قطرة حتى ينفذ ويضعف بذلك إيمان العبد فيصبح إيمانه ضعيفاً كتطاير الآوراق في مهب الريح تحركه شهواته كيفما اتفق دون رادع أو حسيب وهو بعد ذلك كله لا يشعر بخطورة ماهو فيه !
"النكت السوداء" تفتح طريقاً ميسراً ممهداً لتوغل الشيطان إلى داخل القلب "واتخاذها" قواعد مسلحة يُرسل به هجومه المتوالي على بقية أركان القلب حتى يصل به إلى درجة " لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً" وهذه الدرجة لا يصل الإنسان إليها في يوم ولا في ليلة بل مع توالي إهماله لقلبه وإهمال "علاج النكت السوداء" وتركها دون إزالتها حتى تكاثرت وعظم شأنها ( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)
إن من العجب العجاب أن تستغرق البشرية جلّ اهتمامها بسلامة قلبها وبدنها من الأمراض العضوية وتتهافت ركضاً حول أمهــر أطباء العصر للنجاة والسلامة من الأمراض التي يثاب عليها المؤمن المتوكل على ربه , وتغفل عقولهم وتقصر رؤيتهم وتنسى أمر أعظم الأمراض ضرراً وتدميراً لحياته دنيا وآخره والتي بها يضعُف سيره إلى ربه ويجرح إيمانه ويتزعزع دينه الذي لا يملك أغلى منه !
قال أبو الأنبياء إبراهيم صلى الله عليه وسلم:{وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيم} [سورة الشعراء، الآيات: 87 ـ 89].
هذا القلب السليم هو القلب الذي ينفع صاحبه يوم القيامة فهو قلب سليم من الشرك والنفاق والكذب والخداع والكفر والرياء والعجب والحسد والغل والتكبر والحقد والشحناء والبغضاء , سليم من الشبهات والبدع والأهواء والنزوات الشيطانية , سليم طاهر لم يتدنس ولم يتعرض لسواد المعاصي عكس القلب المريض الذي تلوث بسواد المعاصي وكثرتها وتزاحمها عليه كل واحدة تدفع الأخرى وحق لها ذلك فقد وجدت طريقاً خالياً من حب الطاعة وبغض المعصية , طريقاً ممهداً "بالنكت السوداء " !
إن سر سعادة العبد في الدنيا والآخرة وسبب نيله لرضا الرحمن هو سلامة قلبه فصلاح كل فعل يصدر من العبد صغيراً كان أم كبيراً بصلاح القلب {ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب }
إن القلب كالأسفنج إن وضعته في ماء طاهر شربه وان وضعته في ماء نجس شربه أيضاً وان وضعته في أي سائل سيشربه !
وكذلك القلب في أي مكان تضعه يتشبع به ويتغذى عليه فلا تضعه إلا في ماء طاعة وإنابة لرب العباد .
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( يا شداد بن أوس إذا رأيت الناس قد
اكتنزوا الذهب والفضة فاكنز هؤلاء الكلمات اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على
الرشد وأسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك وأسألك قلبا
سليما ولسانا صادقا وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم إنك
أنت علام الغيوب)