الكلام الموزون المقفى||~ ((مقال))
السلام عليكم ورحمة الله تعالى و بركاته
الكلام الموزون المقفى
الشعر ما هو الشعر وما هي حكايته، أحكاية دمعة ترتجف بين الأجفان أم بسمة مصلوبة على جدران الأحزان،أهي حكاية مجاهد اشتعلت فيه نيران الغضب أم مستعمر أوقد شعلة من لهب.
إنك لا تعرف ماهية هذا الشيء، فهو كتلة من نار تخترق صدرك بدون استئذان،فتغوص في أعماقك لتنعكس صورتها أمام عينيك، حينها لن يبقى في ذهنك من الذكريات والعلوم والأدب سوى هذه الكتلة،فتكون هي الماضي الحاضر والمستقبل ستتخذ خيالك مسكن لها ومشاعرك قوتها،سيحصل كل هذا دون أن يتبادر إلى ذهنك أن تطفئها أو تشيل من فوقها ذلك الرداء الذي يحرقك، حينها ستقف وقفة العابد بين يدي المعبود ستقف دقيقة صمت كما على روح الميت ،تقف مندهشا أمام سر هذا الشيء العظيم الذي يحدث بداخلك هزة لا يحتملها سلم ريشتر،وتحدث لك حالة من الشرود تحبس داخلها دون أن تستطيع الفرار،وحين تفكر في هذا الشيء يوما فتحاول أن تقتل كل شيء حدث بداخلك، أن تذبح تلك الحمامة البيضاء أو تعدم تلك الوردة العطرة، حين تخالجك هذه الفكرة المجرمة لن يبقى على تنفيذها سوى جثة غباء،وجنازة غبي.
إن الشعر وردة إذا نزعت واحدة من أورقها لن يبقى لجمالها معنى ولرائحتها وجود.
لوحة فنية رسمت بدموع ندية وأنامل مضيئة،لهذا لا يجب أن نقطع القصيدة ،هذه الكتلة الملتهبة من المشاعر المعطرة بأنغام وصور وأحلام ،حرام أن نمزق القصيدة،أن نزنها فوق ميزان من نار لمجرد إحصاء عدد تفعيلاتها واستشفاف لون بحرها.
كل هذه العقول الغبية التي تعطي تعريفا خاطئ للشعر على أنه كلام موزون مقفى،كل هذه العقول الحاسبة فاشلة في أن تبين ماهية هذه الكلمات ،فهي لم و لا ولن تفلح إلا في ميدان العقل.
فالشمس تلك الكرة المشتعلة،هذه الوردة الصفراء التي تمطر نورا ودفء، تحدث لكل إنسان حالة من الهدوء والراحة ،فهي تفتح قلبك للحب،تذوقك طعم الخيال دون أن تعرف عنهذه الحلوة سوى أن اسمها شمس.
فلو جاءك عالم ليفسر لك سر هذه الكرة الفاتنة ،جوها،نوعية أرضها درجة حرارتها وكم يجب ،أن يكون البعد بينك وبينها كي لا تحترق بنارها،لن يسعني إلا الإشفاق عليكما هو على عقله الذي أوصله إلى نبش القبور،وأنت على قلبك الذي لم يستطع أن يحب حتى ميتا ،ولهذا فلنقرأ الشعر كما ننظر إلى الشمس ببراءة وعفوية وعمق،فالشعر فلسفة عميقة،هو عبارة عن حس فني والحس هو الخطوة الأولى نحو المعرفة،لهذا يجب النظر إليه عن طريق الحس لا المنطق هو وكل الفنون.
إن مهمة القصيدة تشبه مهمة النحلة،هذه تضع بين أحضان الخلية كل ما جمعته من رحيق ،وتلك تفرغ في قلبك شحنة موجبة من الطاقة تحمل كل أنواع المشاعر، لذا لا يجب أن نطلب من الشعر أكثر من هذا.
هو مساحيق تجميل تختفي ورائها البشاعة ،كهوف يختبأ بداخلها الجبناء،وسيوف يقاتل بها الشجعان،هو تحفة نادرة الوجود توضع في المتاحف ليزورها جميع الناس ويستمتعوا بجمالها،لا نرجو منها سوى أن ترسم على وجوهنا بسمة تولد من الدهشة.
لماذا لا يكونالشعر شجرة يأكل منها الجميع ... ثوبا يلبسونه ... ولغة مشتركة يتكلمونها.."
العالم العربي ، أيها الأصدقاء ، بحاجة إلي جرعة شعربعد أن جف فمه .. وتخشب قلبه..
إن الشعراء أيها الأصدقاء ، مدعوون لغرس السنابل الخضراء في كل زاوية من زوايا الوطن العربي"
لقد قتل سادتنا العروضيون القصيدة ومفرداتها قتلوا معانيها الجميلة.
ماذا يفعل الشاعر في هذه الحالة ،ماذا نقول لقلب ينزف كلمات شفافة أنقى من مياه البحر،لأصابع تحترق فوق ورق عادي خيل له أنه وردة بيضاء يكتب عليها بدماء شرايينه، كيف نعتذر منه بعدما قلنا أنه لا يكتب الشعر بل مجرد كلام ملحون حجتنا أنه لا يوجد وزن ولا قافية، كيف نعتذر له بعدما قلنا عن قصيدته التي نسجها من بريق الحب بعين من يحب وغزلها من نار الحزن في قلبه أنها لا يمكن أن تصنف في الشعر.
يتبع...