مرهـ حبيت الفكرة
"ثم التفت إلى مصرع المقبورين ، فوقع نظري على بركة الدم التي اجتمعت فيها دماء هؤلاء الشهدا ، فرأيت خيال نجم في السماء يتلألأ فوق صفحتها ، فرفعت نظري إلى النجم، فإذا هو المريخ* يلتهب ، ويضطرم ، كأنه جمرة الغيظ في أفئدة الموتورين ، فعلق نظري به ساعة ، ثم رأيت كأنه يهبط من عليائه، رويدا رويدا ، فيعظم جرمه كلما ازداد هبوطه ، حتى إذا لم يبقب بينه وبين الأرض إلا ميل أو بعض ميل ، إذا به ينتفض انتفاضا شديدا ، وإذا هو على صورة ملك من ملائكة العذاب ، ينبعث الشرر من عينيه ومخريه ، وبتطاير من أجنحته وأطرافه ، فلم يزل هابطا ، حتى نزل على راس الشجرة التي تظلل قبور الشهداء ، ثم صفق بجناحيه تصفيقة اهتزت لها جوانب الأرض ، وأضاءت بها الأرجاء ، ثم أخذ ينطق بصوت كأنه جلجلة الرعد في آفاق السماء ، ويقول:"
هاهم قد عادوا إلى ما كانوا عليه ، وها هي الأرض قد ملئت شرورا وفسادا ، حتى لم يبق فيها بقعة طاهرة ، يستطيع أن يأوي إليها ملك من أملاك السماء .
هاهم الأقوياء قد ازدادوا قوة ، والضعفاء ازدادوا ضعفا، وها هي لحوم الفقراء تنحدر من بطون الاغنياء انحدارا ، فلا الأولون بمستمسكين ، ولا لآخرين بقانعين .
هاهم الفقراء يموتون جوعا ، فلا يجدون من يحسن إليهم ، والمنكوبون يموتون كمدا، فلا يجدون من يعينهم على همومهم وأحزانهم .
هاهم الأمراء قد خانوا عهد الله ، وخفروا ذمامه ، فأغمدوا السيوف التي وضعها الله في أيديهم لإقامة العدل والحق ، وتقلدوا سيوفا غيرها ، لا هي إلى الشريعة ، ولا إلى الطبيعة ، ومشوا بها يفتتحون لأنفسهم طريق شهواتهم ولذائذهم ، حتى ينالوا منها ما يريدون.
ها هم القضاة قد طمعوا وظلموا ، ووضعوا القانون ترسا أمام أعينهم ، يصيبون من ورائه ، ولا يصابون ، وينالون من يشاؤون تحت حمايته ، ولا ينالون.
ها هم زعما الدين قد أصبحوا زعماء الدنيا ، فحولوا معابدهم ألى مغاور لصوص ، يجمعون فيها ما يسرقون من أموال العباد ، ثم يضنون بالقليل منه على الفقراء والمساكين.
هاهم الناس جميعا قد أصبحوا أعوانا للأمراء على شهواتهم ، والقضاة على ظلمهم ، وزعماء الأديان على لصوصيتهم ، فلتسقط عليهم جميعا نقمة الله ، ملوكا ومملوكين ، ورؤساء ومرؤوسين .
لتسقط العروش ، ولتهدم المعابد ، ولتتقوض المحاكم ، وليعم الخراب المدن والأمصار ، والسهول ولأوعار ، والنجاد والأغوار، ولتغرق الأرض في بحر من الدماء ، يهلك فيه الرجال والنساء ، والشيوخ والأطفال ، والأخيار والأشرار ، والمجرمون والأبراياء ، ((وما ظلمهم الله ، ولكن كانوا انفسهم يظلمون)).
وما انتهى من دعوته تلك ، حتى رأيت بركة الدم تفور، كما فار التنور يوم دعوة نوح ، ثم فاضت الدماء منها ، ومشت تتدفق في الأرض تدفق السيل المنحدر ، وإذا الأرض بحر أحمر يزخر ويعج ، ويكتسح أمامه كل شيء من زرع وضرع ، وقصور وأكواخ ، وحيوان وإنسان ، وناطق وصامت ، ثم شعرت به يعلو شيئا فشيئا ، حتى ضرب بأمواجه رأس الربوة التي أنا جالس فوقها ، فصرخت صرخة عظمى ، فاستيقظت من نومي ، وكان ذلك في صباح اليوم الثامن والعشرين من شهر يوليو سنة 1914 فإذا صائح يصيح تحت نافذة غرفتي :
إعلان الحرب !!!
العقاب
قصة موضوعة لمصطفى لطفي المنفلوطي
كتاب العبرات
لي عودة عزيزتي مع المزيد من الاقتباسات فهذا هو الوحيد الذي تذكرته
الى لقاء قريب

