الـتـائـب ~
.
- اسمع كلامي جيداً أيها الطائش وعِ ما أقول، نحن بنو الأشراف فلا تشوّه سمعتنا بحماقتك والزم ما ربّيتك عليه فقد جاوزت الحدّ ! وبدأ يصلني فيك كلام لم أرضَ يوماً أن أسمعه فيك ! .. فاترك عنك ما يشينك ويشيننا وعد إلى رشدك ولك بين هذا وذاك رضاي أو سَخطي !
الكلمتان الأخيرتان زلزلتا قلب الشاب الذي تلقى في ذلك اليوم دفعة غليظة من غضب والده الشيخ، كان جالساً في غرفته يجول بعينيه هنا وهناك هرباً من وجه والده المحمر من شدة الغضب، والذي كان واقفاً قرب الباب يهدد ويتوعد رافعاً سبابته إلى الأعلى .. انصرف الأب الغاضب تاركاً ابنه حاتم في حيرة من أمره وقد قصمت كلماته المصيرية ظهره، كان لا يزال يذكر ما درسه حول بر الوالدين، وأن رضا الله في رضاهما وسخطه في سخطهما .. رهبة والده وشدة لهجته جعلتاه يستحضر تلك المعاني الغائبة عن فكره منذ سنوات طويلة ...
نشأ حاتم في جو من الدلال والترف، وسرعان ما انجرف مع أول تيار واجهه عند دخوله لكلّية المهندسين، سرعان ما تساقطت الأوراق التي كتبها والداه على فطرته البيضاء أيام الطفولة، وسرعان ما استبدل قوانين المُتُل والأخلاق الفاضلة بقوانين الطيش والمجون، أصبح حاتم مصدر إزعاج لأسرته، ولوالده الذي يشغل منصباً اجتماعياً مرموقاً ..
لم يكن ذلك الشاب المترف يعرف شيئاً اسمه مشاكل مادية، فقد وُلد وفي فمه ملعقة من الذهب، واعتاد منذ بضع سنوات أن يسوّد الشيكات بسخاء دون أن يضطر لمراجعة رصيده في البنك، وأن يسحب ما يشاء من مبالغ دون حساب ولا جزاء، لم يترك والده سبباً من أسباب الرفاه إلا ومكّن ولده منه، ولم يكن نقاش نوع سيارة حاتم طويلاً ! كانت أياماً قليلة فقط قبل أن يشرق بها على زملائه في فخر وزهو ويركنها أمام بوابة الكليّة، ثم يخرج منها مختالاً بنفسه فرحاً بحاله، وتخرج هـي من الباب الآخر ...
.
* * *
.
لأول مرة يمر حاتم بلحظات بدت له طويلة ! هو الذي كانت أيامه تمضي مسرعة أكثر من أيام الآخرين، لم يكن يحتاج لكثير تفكيرٍ فيما يفعله، بل كان سريعاً في قراراته مباشراً في عزائمه واضحاً في رغباته شديد الثقة بنفسه، على قدر من الذكاء جعله يدخل مدرسة المهندسين من أوسع أبوابها، وعلى قدر من الوسامة جعله محاطاً على الدوام بنظرات الآخرين وغمزات الأخريات، لكن تماديه هذا جعله يحس ولأول مرة بأنه في ورطة حقيقية ... كيف يفعل الآن مع والده وقد قطّب له حاجبيه وتوعّده بأشد الوعيد، بل جعله على الخيار بين الجنة والنار ! فما أثقل الأولى وقد حفّت بالمكاره، وما أخفّ الثانية وقد حفّت بالشهوات ! وما أشدّ سلطة الوالدين على أولادهما، فهي ليست سلطة دنيوية فقط بقدر ما هي سلطة أخروية أيضاً ! كيف اختفت قداسة البر عند بعض الناس، وهان العقوق عليهم رغم أن الأحاديث في هذا الشأن هي الأكثر خطورة، ولعلها الأكثر وضوحاً فلا نحتاج معها لتبرير أو استناد على خلاف بين العلماء، لكن حاتم لم يكن قد بلغ من الاستفاقة ما يجعل كلمات والده تقع على نفسه بالقسوة المطلوبة التي من شأنها أن تغيّر مجرى حياته جذرياً ... كان يفكّر في احتمالية أن ينزع عنه والده بعد ما أنعم به عليه، ويجد في ذلك مصيبة كبيرة من شأنها أن تصيبه بكآبة اضطرّته إلى الجلوس مع نفسه والتفكير جدياً، هذه الحالة من التفكير الجدّي التي لم يكن يعرفها من قبل أبداً !
كيف يحفظ الآن مكانته بين أصدقائه وصديقاته ؟ وكيف يظل متواجداً في ساحتهم بنفس الغرور، بنفس الفتنة، بنفس الثقة وبنفس الجنون ؟! وفي الوقت عينه، كيف يحفظ ماء وجهه أمام أسرته ومعارف والده ؟ ومع والده نفسه .. كيف يتخلص من كلام الآخرين الذي بدأ يتناهي إلى مسامع والده، حول سوء سيرته وانغماسه في المحرّمات، ورؤيته في أماكن مشبوهة ومع أشخاص مشبوهين، وعودته متأخراً إلى البيت يترنّح بين أعمدة الإنارة وسور الفيلا التي يقيم فيها ... بل والأسوأ من هذا، كيف يفاتح والده بموضوع الزواج الذي بدأت ملامح عزم مشوّهة تلوح في أفق تفكيره ...
.
- فاترك عنك ما يشينك ويشيننا وعد إلى رشدك ولك بين هذا وذاك رضاي أو سخطي !
عادت هذه الكلمات تقرع طبلة أذنه مرة أخرى ! بنفس درجة الصوت التي سمعها به أول مرة وكأنها قيلت مرة أخرى، سوى أن درجة إفزاعها له كانت أكبر بكثير ! كلمتان فقط من والده كان لهما من التأثير ما عجزت عنه نصائح صديقه المتديّن ياسر، ومقاطع الفيديو الدعوية التي يرسلها له باستمرار علّها تؤثر فيه وتردّه لجادة الصواب، لكن حاتم كان أكثر انغماساً في الدنيا من أن يتمالك دينه ويستمع - مجرد استماع - لأحد تلك المقاطع، كان يحذفها مباشرة دون حتى أن يفتحها ! لم يكن مستعداً لأي تدخّل ديني في حياته، إنه الدين، ذلك الوحش المرعب الذي يقف حائلاً بينه وبين شهواته، ويضطره للعيش مع الغرباء، قابضاً على جمرة مشتعلة، مجالساً فقط لبني جنسه، غاضاً بصره في الشارع عن التأمل في بعض خلق الله، متجافية جنوبه عن المضجع الوثير ساعةَ الفجر، يجرّ خطاه جرّاً إلى المسجد للصلاة ... هذه أمور كانت بالنسبة له أشبه بالجبال جاثمةً على صدره بمجرد التفكير بها، فضلاً عن أن يستمع فيها لنصائح ياسر، ويستمع لمحاضراته ورسائله الدعوية، بل كان خبيراً في علم التسويف، بارعاً في فن طول الأمل، دكتوراً في علم التبرير والتأويل وإلقاء المعاذير، هكذا كان حاتم ! وهكذا كانت حياته سريعة الإيقاع متنوعة الأحداث مجنونتها، لكن ياسر لم يكن مصراً على دعوة صديقه عبثاً، فحاتم رغم ذلك لم يكن ذا حقد على الدين، ولم يكن صاحب سخرية على الملتزمين، بل كان شديد الاحترام لهم، شديد الحياء من المحجبات حجاباً صحيحاً، وشديد اللهجة على شرذمة الملحدين الذين لا يفتأون يلمزون ويغمزون في كل ما له علاقة بالدين والتدين وفي كل فرصة تتاح لهم خلف أسوار الكليّة وفي قاعاتها ومكتباتها ...
لم يكن يصلي لكنه كان يحترم المصلين، لم يكن يعرف حدود أدب ولا حياء مع صديقاته الماجنات، لكنه كان يغض بصره إجلالاً لكل من وضعت تاج الاحترام على رأسها متصلاً ببقية ثوبها الفضفاض، لم يكن يزن أفعاله في ميزان الشريعة لكنه كان ينفعل حدّ الغضب، من كل صاحب فكر متعفّن تسول له نفسه الطعن في الذات الإلهية أو في شريعة الاسلام، باختصار، كان يحب الصالحين ولم يكن منهم ...
وأبت العناية الإلهية إلا أن تتدخل ...
.
* * *
.
في ذلك اليوم كان موقفه محدداً، وهو يقف متكئاً على باب سيارته ضاماً كلتا يديه إلى صدره ينظر فقط إلى الأمام بحاجبين مقطّبين ... وهي، كانت تقف أمامه تنظر إليه بعينين جمعتا كيد نساء مدينة بأكملها، إنها عفراء، عشيقته التي سقته خمر الفتنة حتى أسكرته تماماً، وجعلته يتخبط في دوخته متخذاً قرارات عشوائية كلها تدور حول رضاها .. استرق إليها نظرة ثانية ليرى هل مازالت تنظر إليه النظرة نفسها، فوجدها على حالها تلك لم تتغير، واقفة أمامه كمغناطيس كبير لشتى أنواع الشبهات، كاسية عارية، مائلة مميلة، تشع منها رائحة العطر الممتزجة مع خضوع قولها المثير لطمع القلوب المريضة ...
- قد قلت ما لدي وانتهى الأمر يا عفراء، ما بيننا انتهى وإلى الأبد .. هل تفهمين ؟!
- لا، لا أفهم ! .. قالتها بنبرة ماكرة طالبة المزيد من الكلام، فاستجاب لها حاتم منفعلاً، واستطرد يشرح لها موقفه الجديد، وسبب عدوله عن فكرة الزواج بها نهائياً، واسترسل يحاسبها على الشاردة والواردة، والصغيرة والكبيرة، والشبهة واليقين، وطفق يعيد فتح الملفات القديمة، ويلغي التسويات التي قام بها سابقاً لشبهات الخيانة الأقرب في ملابساتها إلى اليقين، لم يترك سبب شجار قديم أو جديد إلا واستحضره ووضعه على طاولة النقاش، كان ينوي أن يدمر بعنف كل ما كان يربطه بها، لكنه أخفى السبب الحقيقي لقراره الطارئ هذا ..
إنه حديث أمه النافذ إلى أعماقه، أمه التي كان بوسعها أن تعرف بمجرد نظرة واحدة نسبة حضور فتاة في حياة ولدها، بوسعها أن تحسب تلك النسبة بدقة شديدة وتعرف كيف تعالج الأمر بطريقتها، فتقنعه بالصواب عقلاً وعاطفة ... كلام الأم كان منطقياً، قالت له في جلسة حميمية مغلقة :
- اظفر بذات الدين تربت يداك يا ولدي، خذها ذات دين تتّق الله في فيك وفي نفسها وفي بيتها وأولادها، وتعينك على نوائب الدهر وتكون لك خير العون ساعة اليسر وساعة العسر، ولا تنخدع بالمظاهر فالتي تفتنك خارجاً قد تصدمك بعد الزواج بما يمكن أن تراه من حقيقة حالتها وسوء خلقها وبشاعة طمعها، وإن لم يكن لها من خشية الله وازع فلن تحفظك في شرف ولا مال ...
.
استحضر كلمات أمه الثمينة هذه وألقى هذه المرة نظرة متفحصة على وجه عفراء، وكأنها نظرة المفيق تواً من سكرته، فبدا له وجهها غير الوجه الذي اعتاد عليه، وكأن الفتنة تحولت إلى نفور، والحب إلى كراهية، جمال عينيها كان اصطناعياً، أهداب اصطناعية واضحة الالتصاق وكحل مبالغ فيه جعلها تبدو أكبر من حجمها الطبيعي، جمال بشرتها كان اصطناعياً أيضاً، هي التي لم تكن تفارق عدة التجميل في الكلّية قبيل الخروج من كل حصة دراسية ! أما شعرها فلم تفتأ تعنى به عند مصفف الشعر دائماً وأبداً، انتبه فجأة لرائحة العطر التي أزكمت أنفه الآن بعد أن كان يستعذبها في سابق الأيام، انقلبت الموازين وتغيرت القلوب بمشيئة الرحمن الرحيم، كان على حاتم أن يستقبل مرحلة جديدة من حياته، استجابة من الله لدعاء والدته التي لم تنسَه يوماً في كل سجودها ...
.
الثانية صباحاً، وحاتم مستلقٍ على سريره وقد شكّل الأرق سدّاً منيعاً بينه وبين النوم، وكلمات عفراء الأخيرة كانت لا تزال تدقّ في مسمعه :
- قد أفسد الظلاميون عقلك !
لم يكن يزعج سكونَ غرفته المترفة تلك غير صوت هاتفه المحمول الذي كان يرن كل ساعة وساعة ! ويطفو على واجهته العريضة مع كل اتصال اسم عفراء ورقمها وصورتها الفاتنة، لكنها كانت تسقط من عينيه مع كل اتصال جديد، ولا يزيد لها إلا احتقاراً وكرهاً، وهنا عزّ على إبليس أن تضيع منه فرصة كهذه، وكان عليه أن يتدخل ! وكأن خلوة حاتم مع رقم عفراء هي خلوة محرمة شرعاً وتستدعي حضور الشيطان، وفعلاً، بدأت الوساوس تجول بخاطر حاتم، وبدأت معرفته العميقة بعلوم التبرير والأعذار تأخذ مجراها في تفكيره وقراره، وبدأت كلمات أمه تتلاشى من ذاكرته شيئاً فشيئاً وتحل محلها ذكريات أخرى تخلو من البراءة ... وبقي حاتم في جهاده الخفي ذاك، بين وسوسة الشيطان، ووازعه الجديد، ورنّة الهاتف الملحة ... إلى أن ثقل جفناه، وداعبت يد الكرى وجهه وحجبت عنه وعيه، وغط في نوم عميق ...
.
.
يـتبع >>
