(( ماري انطوانيت )) : الملكة , المرأة ... الأم
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ..
كيف الحال ؟؟
بعد ما قدمت تقريرين أولهما عن : راسبوتين و ثانيهما عن روبسبير , فها هي السلسلة تتواصل , - بفضل الله - و شخصيتنا اليوم هي سيدة فرنسا الأولى , النمساوية : ماري انطوانيت .
الاسم : ماري انطوانيت
اللقب : سيدة فرنسا الأولى ( ملكة فرنسا)
حياتها : ( 2 - 11 - 1755 إلى 16 - 10 - 1793 )
نشأة مترفة
ولدت ماري في 2 - 11 - 1755 بفيينا , العاصمة النمساوية , كانت الابنة الصغرى لماريا تيريزا : امبراطورة النمسا , لم تكن ماري ذات جمال أخاذ - كما وصفت في ليدي اوسكار - , بل كانت ذات جبين مفرط في الارتفاع , و أنف طويل مدبدب , لكنها كانت صاحبة طابع ( ملكي ) , فحين أدركت سن البلوغ , أصبحت ساحرة الجسم ، يحف محياها شعر أشقر حريري ، و تزينه عيناها الزرقاوان المتألقتان .
خرجت من بيت ملكي , فأخواتها زوجات ملوك و أمراء , سواء في ايطاليا أو روما , بدأت تعلم الايطالية عند بلوغها 13 سنة , بيد أنها لم تكن تحسن كتابة الالمانية و لا الفرنسية , ضعيفة في التاريخ و الموسيقى - رغم أن الاسطورة الموسيقية جلوك كان معلمها , فقد كانت تميل إلى اللعب أكثر منه إلى العلم و الدراسة .
لترسيخ السلام ..
كانت العلاقة المتوترة بين النمسا و فرنسا مصدر قلق لاوروبا كلها , فبرغم انتهاء الحرب , إلى أن التوتر ما زال موجودا , فعرضت ماريا امبراطورة النمسا تزويج ابنتها للويس السادس عشر , حفيد الملك الحالي لويس الخامس عشر لتوطيد السلام , فوافق الأخير مشترطا تطعيمها ضد الجدري و تلقينها بعض العلوم عن طريق مبعوث خاص يدعى بـ ( الأب ) فرمون .
عندما عاد فرمون إلى باريس , وصف ماري انطوانيت في مقولة هي : "خلقها وقلبها ممتازان , و أنها أذكى مما كان يظن عموماً , ولكنها على شيء من الكسل ، طائشة للغاية ، عسيرة التعليم... فهي لا ترغب في التعليم إلا إذا سليت " , فقبل لويس الخامس عشر بذلك و هيأت بارس لاستقبال ( حمامة السلام ) النمساوية .
زواج ( منهار ) ..
لم يكن لويس السادس عشر على علم بعروسه , فقد أخذت الموافقة و تم الترتيب لهذا الزفاف دون الأخذ برأيه , إنما أخبر بأن عروسه ذات جمال عال , فهز رأسه موئما بالموافقة ( مكره أخاك لا بطل ) .
لم تزل تيريزا خائفة من تصرفت ابنتها , فهي صغيرة لم تكمل عامها الرابع عشر إلا منذ فترة وجيزة , فأرسلت إلى ولي العهد قائلة : " أنا لآمل أن تكون مبعث سعادة لك كما كانت مبعث بهجة لي . لقد نشأتها لهذا ، لأنني توقعت منذ أمد بعيد أنها ستشاركك حظك في الحياة . لقد بثثت فيها حباً لواجباتها نحوك .. و مودة رقيقة ، وقدرة على أن تعرف و تمارس وسائل إدخال السرور على قلبك . إن ابنتي ستحبك ، وأنا واثقة من هذا ، لأنني أعرفها.. وداعاً يا دوفيني العزيز ، كن سعيدا ً، وأسعدها... أن الدموع تفيض مني... أمك الحنون ".
و في 19 ابريل 1770 ، بجوف كنيسة الأوغسطينيين بفيينا ، عقد قران ماري انطوانيت البالغة من العمر 14 عاما على لوي أوجست ولي العهد الفرنسي .
و بعد يومين من عقد القران , سارت قافلة مكونة من سبع و خمسين عربة و 366 حصانا بالأميرة الصغيرة إلى المكان المتفق مع الحكومة الفرنسية , امتلأ وحه والدتها بالدموع لحظة توديعها ، كانت خائفة على ابنتها , فهي ستكون ملكة مستقبلية على فرنسا .. إنما هل تستطيع ذلك ؟؟ دارت أسئلة كثيرة بخلد ماريا تيريزا , لكنها تجاهلتها مسرة لابنتها بــ " كوني كريمة جداً مع الفرنسيين حتى يستطيعوا القول بأنني أرسلت لهم ملاكا " , و شمل الموكب 132 شخصا من وصيفات و مصصفات للشعر ، وخياطات , وأتباع ، وكهنة للقصر ، وجراحين ، وصيادلة ، وطباخين ، وخدم ، وخمسة و ثلاثين ( اصطبليا ) للاهتمام بالخيول , التي كانت تستبدل خلال الطريق أربع أو خمس مرات .
بعد انقضاء ستة عشر يوماً , حط الموكب رحاله على تل مشرف على الرين قبالة ستراسبورج , و على جزيرة في النهر استبدلت ماريا بثيابها النمساوية ثياباً فرنسية ، و تركها أتباعها النمساويين مسرعين الخطا إلى فيينا ، و حل مكانهم حاشية من السيدات والخدم الفرنسيين ، و أصبحت ماريا أنطونيا منذ الآن ماري أنطوانيت , و بعد الكثير من المراسم الطويلة , دخلت ماري ستراسبورج بين قصف المدافع و رنين أجراس الكنائس وهتاف الشعب ..... بكت , لكن ابتسامة جميلة ارتسمت على محياها , و تحملت في صبر عناء مراسم الاستقبال الطويلة ، فلما بدأ العمدة خطاب الترحيب بالألمانية قاطعته قائلة : " لا تتكلموا بالألمانية أيها السادة ، فمنذ الآن لا أفهم لغة غير الفرنسية " و بعد أن وافق لها الموكب بالاستراحة يوماً , واصل رحلته عبر فرنسا , و كان الإجراء المعتمد : أن يذهب الملك و ولي العهد مع كثير من الحاشية إلى كومبين يبعد اثنين و خمسين ميلاً شمال شرقي باريس للقاء موكب ماري انطوانيت , و وصل الموكب في 14 مايو , و قفزت العروس من مركبتها ، و ركضت نحو لويس الخامس عشر ، وانحنت إلى الأرض ، و ظلت كذلك حتى أقامها الملك و هدأها و طمأنها بعبارة كريمة : " لقد أصبحت عضواً في الأسرة يا سيدتي، لأن لوالدتك روح لويس الرابع عشر " و بعد أن قبلها على وجنتيها قدمها إلى ولي العهد ، الذي قبلها بالمثل .
عند حلول 15 مايو , انطلق موكبا لويس و ماري إلى فرساي ، و هناك ، في 16 مايو ، أكد زفاف رسمي ذلك الزفاف بالوكالة الذي عقد قبل شهر , في تلك الليلة أقيمت مأدبة عظيمة في دار الأوبرا الجديدة ، و أشار الملك إلى حفيده ولي العهد بأنه يفرط في الأكل , فأجاب : " إنني دائماً يحسن نومي بعد عشاء طيب". وهذا ما حدث إذ أنه استغرق في النوم بمجرد دخوله عش الزوجية !!
في قفص الاتهام !
ظل لويس على حاله : مفرطا في الأكل و النوم خلال ليال عديدة بعد ليلة زواجه , ليستيقظ في الصباح متجها إلى الصيد , حيث أنه لم يمسها طيلة ثمانية شهور !؟ فقد كان لويس يعاني من مرض ( تناسلي ) , إضافة إلى بروده الجنسي , عولج منهما لاحقا ..
خلال تلك الفترة , لم تسلم ماري أنطوانيت من سخرية نساء البلاط و رجاله على حد سواء , فوجهت أصابع الاتهام له بأنها عقيمة و شاذة جنسيا , مما أثر على نفسيتها و سلوكها , فكانت تتناسى همومها بحضور احتفالات الاوبرا , و المسرحيات , إضافة إلى اقتناء الثياب الفاخرة , و تجاهلت اجتماعات البلاط و احتفالاته , و تجاهلت ( الكونتسا ) ديباري ( غيرة ) منها , و لسوء بعض أخلاق ديباري , فكيف يكون لامرأة كهذه هذا الصيت الحسن في فرساي ؟! بينما هي أصبحت حديث مجالس الناس و حاناتهم !!
قبل الآوان ..
و عند حلول 10 مايو 1774 مات لويس الخامس عشر , و اندفعت الحاشية إلى مسكن ولي العهد , فوجدوه هو و زوجه راكعين وهما يبكيان و يصليان .
قال لويس السادس عشر و عمره لم يتجاوز التاسعة عشرة و الدموع تخالجه : " اللهم احمنا ! فنحن أصغر من أن نحكم ! " وقال لصديقه : " يا له من عبء! إنني لم أتعلم شيئا ، و إني لأشعر كأن الكون سيسقط فوقي" , في هذه الأثناء انتشر الخبر في جميع أرجاء فرساي و امتد لباريس ، ثم إلى جميع أرجاء فرنسا، فنادى الرجال والنساء : " مات الملك ، يحيى الملك ! " و كتب باريسي متفائل على نصب لهنري الرابع هذه المقولة : " قام .. لقد قام الملك العظيم من بين الأموات لينقذ فرنسا مرة أخرى من الفوضى و الفساد و الإفلاس و الهزيمة " .
البذخ و الإسراف
كانت ماري أنطوانيت أكثر أعضاء البلاط إسرافاً , ذلك لأنها ارتبطت بزوج ( عنين ) ، و حرمت العلاقات ( العاطفية ) ، فراحت تستعيض و تستبدل متعتها ( المفقودة ) بالنفيس من الثياب ، و الجواهر ، و القصور ، و الأوبرات ، و المسرحيات ، و المراقص , و كانت تخسر الثروات الطائلة في القمار و المراهنة ، و تغدق الثروات للمحاسيب في كرم متهورغير محسوب , فقد أنفقت 252.000 ليرة على ثيابها في عام واحد و هو عام : 1783 ، و أتحفها مصمموا الأزياء بغريب الأثواب المسماة : " المباهج الطائشة " أو " العلامات المكبوتة " أو " الرغبات المقنعة " .
و كان مصففات الشعر يعكفن الساعات الطوال لاضفاء نوع من الجمال ( المسلوب ) ، حتى تفاخر به ماري , بعد أن سلب منها المتعة و الآحلام الوردية التي كانت تسرح فيها قبل الزواج .
أما ولعها و شغفها الكبير بالحلي و المجوهرات , فقد قارب أن يكون هوسا !! ففي 1774 ابتاعت من بومر ( جواهري التاج الرسمي ) ، أحجاراً كريمة قيمتها 360.000 ليرة , و أهداها زوجها طقماً من العقيق ، و الماس و الأساور يبلغ ثمنها 200.000 ليرة محاولا أن يعوض فشله ( الجنسي ) .
و في 1776 كتب مرسي دارجنتو إلى ماريا تريزا يقول : " مع أن الملك أعطى الملكة في شتى المناسبات ما يساوي أكثر من 100.000 "أيكو" من الماس ، ومع أن جلالتها تملك الآن مجموعة هائلة ، إلا أنها مصممة على شراء حلق على شكل الثريا من بومر , و لم أخف عن جلالتها أنه كان أحكم في الظروف الاقتصادية الراهنة لو تجنبت هذا لإنفاق الباهظ ، و لكنها لم تستطع مقاومة رغبتها و إن أجرت الصفقة في حذر مخفية أمرها عن الملك" , دون أن نغفل دفع الحكومة من ميزانية الدولة نفقة ثلاث مسرحيات !!!
حاولت تريزا تدارك الموقف , فبعثت إلى ابنتها توبيخا حادا ، فاستجابت ماري لأمها , فاكتفت بالتزين بحليها في المناسبات الرسمية فقط ، ولكن الشعب لم ينس قط هذا التبذير المفرط في ضرائبه .
ولعها الزائد بالمجوهرات أدى إلى قصة القلادة المعروفة , و هي أن أحد أفضل صياغ المجوهرات في اوروبا عرض على ماري شراء قلادة سعرها مليون و نصف المليون ليرة , فرفضت ماري القلادة , لكنها سرقت و نسبت السرقة إلى ماري , مما أدى إلى زيادة غضب لشعب عليها .