http://upload.wikimedia.org/wikipedi...millah.svg.png
O sancta Simplicitas ! . ياله من عالم مبسَّط ومزيَّف بشكل
غريب، ذاك الذي تعيش فيه البشرية! لا يكف المرء عن الاندهاش بمجرد ما يلبس النظارتين القادرتين على توضيح هذه الأعجوبة. لشدّما توفقنا في تصيير كل شيء نيّرًا وحرًّا وسهلًا وبسطًا من حولنا! وكم عرفنا كيف نترك حواسّنا تتسكع في كل ما هو سطحيّ، وكيف نلهم فكرنا برغبة إلهية في وثْباتٍ غريبة واستدلالات زائفة! فيا لَسَهَرِنا للحفاظ على جهلنا قبل كلّ شيء، حتى نتمتع بشكل لا يُتصوّر بما في الحياة من حرية، من طيش، من تهوّر ومن مرح، حتى نتمتع بالحياة. وعلى هذا الصّوان الذي أمسى الآن صلبا بسبب جهلنا تمكّن العلمُ من أن ينبني وقامت إرادةُ أخرى أقوى بكثير، إرادة ألّا نعرف شيئا، إرادة البقاء في اللايقين، في الحقيقة المضادة؛ وهي ليست ضد الأولى، بل شكلها الأكثير رقة. وحاولت اللغة هنا كما في أي مجال، أن تجرّ معها كل ثقلها وأن تستمر في الحديث عن تقابلات في الوقت الذي لا يتعلق الأمر سوى بدَرجات وتدرّجات دقيقة؛ كما حاول نفاق الأخلاق المحصَّن - الذي غدا الآن ((لحمَنا ودمنا)) بشكل لا يُقاوم- أن يشوِّه بدوره الكلمات ولو في فمنا. لكن، نحن المنبَّهين، نتبيَّن الخدعةَ من حين لآخر ونسخر إذ نرى أن أحسن علمٍ يظل ذاك الذي يلتمس أسْرَنَا بأفضل طريقة في هذا العالم المبسَّط، العالم المصطنع كلية، المعدّ والمزيَّف باستعمالنا نحن له، لأن العلم كذلك رغما عنه، يحبّ الخطأ بوصفه حيًّا، ويحب الحياة.
اه يا نيتشه..
فريدر يك، لكم كانت حياتك سوداء، لكن لذيذة..
فعلًا.. البشر قد جعلوا العالم هذا مثيرًا للاشمئزاز:
"المعدّ والمزيَّف باستعمالنا نحن له" .
لكن... تبدو متشائما.. جدًّا!
أليست توجد طريقة لإصلاح العالم؟!
بعد هذا الاستهلال المرح جدا، أود أن يصغي المرء إلى كلمة رزينة، كلمة توجَّه إلى العقول الأكثير جدية، حذار أيها الفلاسفة وأصدقاء المعرفة، حذار من الاستشهاد والمعاناة ((في سبيل الحقيقة))! بل حذار حتى من الدفاع عن أنفسكم. فذلك أمر يفسد ما في شعوركم من براءة ونزاهة رقيقة؛ يجعلكم تتعثرون بكل الاعتراضات والخِرق الحمراء؛ ويصيّركم وحوشا، بهائم وثيرانا بلهاء، تمسُون مجبَرين -في الصراع ضد الخطر، الإهانة، الشبهة، الإقصاء وعواقب كراهية أعنف- على تنصيب أنفسكم مدافعين عن الحقيقة فوق الأرض.
اه.. ها! هكذا إذن! .. ربّما ..
ربّما لن ينفع الجهاد من أجل الحقيقة في إصلاح هذا العالم،
فإمّا لن يحقق نتيجة كبيرة،
وإمّا سيفشلك الآخرون -وهذا الأكثر معرّضا للحدوث- .
لكن .. كُن معتدِلًا ,
أمّا الآن فقد فات الأوان، وروحك عند خالقها.
لكنك لو نظرت في الإسلام قليلا.. أقصد كثيرًا، وتعمّقت فيه، لألقيت بنفسك ساجدًا لربّ العالمين.
لا أعلم.. قد تكون معذورًا فلم تتح لك فرصة في معرفة الإسلام ودراسته. والله أعلم وخبير بما نعمل..
لأنّ الإسلام دين الوسطية والإعتدال، فلِم قد نتشاءم للدرجة هذه؟ أو نكون مزيّفين؟
لن أُنكر أنني تأثّرت بك لأوّل ما قرأت لك -بصفتي حسّاسًا- ، كما أنّ السبب الثاني لتأثيرك أن أعمالك قد تُرجمت للغة العربية، اللغة الشاعرية المؤثرة؛ فإذا قارنّاها باللغة الألمانية، فإننا سنجد أن الألمانية خاصة برجال السياسة -المستبدين منهم خصوصا- .
.. وأنت بنفسك أشرت إلى ذلك لما خاب ظنك بالكتاب، فلم يعيروه اهتماما، فقلتَ:
''أية فكرة خطرت ببالك، يا كتابي الصغير المسكين، حتى تنثر لآلِئك.. للألمان! أية حماقة ارتكبتَ!"..
عموما فلنعد لموضوعنا..
فإن نيتشه كان متشائما لدرجة كبيرة حول إصلاح هذا العالم، وفي الفقرة الثانية، وكأنه يقول أن لا طريقة موجودة لإصلاح العالم السيء..
وحتّى إن لم يكن يقصد ذلك.. فإن طريقته وأسلوبه في العرض، الأسلوب المتشاءم المؤثّر سلبيًا، أسلوب لن ينفع النّاس بقدر ما ينفع به النّاس أسلوب رسولنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم. أسلوب المحبّة والخير المؤثّر في النفوس.. بطريقة إيجابيّة.
فإن كان فريدريك يقصد أنه لا طريقة تنفع في إصلاح هذا العالم، فإنني قد اكتشفت أمرًا مؤخّرًا ..
عنوان الكتاب (كتاب نيتشه) : ما وراء الخير والشّر.
فكما نرى، فإن الخير والشر أمران متقابلان متضادّان، أما عبارة ما وراء، فربّما كان يقصد بها أن الخير والشّر زيف، وهنالك أمر وراءهما، فكان يقصد أن في الخير المزيّف الشرّ، وفي الشّر خير مزيّف.. لأنّه بدأ بالخير ثمّ الشّر..
والآن سأكفّ عن التحليل. وسأنتقل إلى ما أردت قوله، إلى الاكتشاف البسيط.
فعَكس ما يقصد نيتشه -رُبما- حول أنه لا طريقة لإصلاح العالم.
فإن القرآن الكريم، كلام الله ذو العلم الواسع عز وجلّ، قد تأملت فيه أمرًا.. فبينما أنا أرتّل سورة الرّعد، وجدت ما يلي:
"اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَأوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ(2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(3) وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَأوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(4)"
فإذا بي أنتبه إلى التقابلات بين الرّواسي والأنهار، والرّواسي هي الجبال الثوابت، ونحن نعلم أن الجبل ذو ارتفاع عال وثابت على الأرض، بينما النهر مقعّر وحركيّته مستمرّة، وأيضًا، إنّ الثمرات (ومثل الإنسان) فيهما زوجان، ذكرٌ وأنثى، وهما أمران متقابلان متضادّان كذلك، ونفس الأمر بالنسبة لليل والنّهار، والقطع المتجاورات، وجانت من أعناب مع الزرع ومع النخيل، لتتبعه: تخيل صنوان (أي نخلات يجمعها أصل واحد)، ونخيل غير صنوان (أي من أصل آخر). ثمّ يأتي التّقابل بين الآية الثانية وبين الآية الثالثة، حيث نجد في الثانية كلامًا حول السماوات، والثالثة كلامًا حول الأرض. والعجيب أنه بينما يبيّن لنا القرآن النّعم والمخلوقات التي نراها، ففي نفس الوقت هنالك حِكمٌ وحكم أخرى في الآيات، فسبحان الله تعالى.
فأحببتُ أن أكون من القوم الذين يتفكّرون، والقوم الذين يعقلون، فركّزت على التالي:
"وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ"
وهذا هو الأمر المتعلّق بموضوعنا، فبينما هما نخيل من نوع ونخيل من نوع آخر، فهما أمران متقابلان، كأمر الخير والشّر، بالإضافة إلى "نُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ" ، كما الأمر بالنسبة للخير والشّر، نفضل الخير على الشّر.
والأمر الأخير والمهمّ، أنهما: "يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ" ، النخلتان، رغم تقابلهما وتضادّهما فإنّهما يسقيان بماء واحد، والرَواسي والأنهار، رغم تقابلهما فإنهما من أرض واحدة، والذكر والأنثى، رغم تقابلهما فإنهما من رحم واحد، ومن بذرة واحدة بالنسبة للنّبات، والليل والنّهار، رغم تقابلهما فإنّهما من شمس واحدة (لما تجيء الشمس يجيء النّهار ولما تختفي يختفي النهار، أي يجيء الليل)، والسماوات والأرض، رغم تقابلهما فإنهما من واحد، خالقنا سبحانه وتعالى.
وكذَا الخيرُ والشّر، رغم أنّهما متقابلان، فإنّهما من شخص واحد، وهو الإنسان، فمثلما ينشر الإنسانُ الشّر ويفسد العالم، فبإمكانه نشر الخير وإصلاح العالم، أما الطريقة، فهي كذلك طريقة واحدة، فمثلما يُنشر الشّر بالإعلام، بالتسلّل والمراوغة وبتغيير الأفكار...، فإنّ الخير لن يُنشر إلّا بنفس الطّرق، الإعلام.. التسلل.. المراوغة.. وغسلُ الأفكار، وكما يُحكى عن اينشتاين وهو في طفولته لمّا عارض المعلمَ الحاقد بالمدرسة، وأخبره أنّه كما يجيء الظّلام بسبب اختفاءِ النّور، ويجيء البرد بسبب اختفاء الحرارة، فإن الشّرّ يجيء لما يختفي الخير ويتوقّف الإنسان عن نشره.
وينعكس الأمر أيضا على أمرٍ في الطبيعة، وفي السورة نفسها التي استعنتُ بها، سورة الرّعد .
فإنّ الرّعد، رغم ما يأتي به من جوّ عاصف مرعب مليء بالأمطار والرّياح، فإنه نعمة علينا، بفضل الأمطار والرياح التي بالجو العاصف، فتُنبت الأرض مما نريده.
يعني، أنها طريقة واحدة، ينبع منها سوء وفضل، السوء هو الرّعب، والفضل هو النّعمة.
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمّدا عبده ورسوله.
نستغفر الله ونحمده على ما وفره من نِعم والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته :)

