مقال : ساعة القيامة وفيلم 2012 وجدتي
أفق جديد
ساعة القيامة وفيلم 2012 وجدتي
تاريخ النشر : 20/01/2010 - 07:30 م
د.ديمة طارق طهبوب
جاء في آخر الأخبار أن علماء البيئة ومن بينهم تسعة عشر عالما من حملة نوبل أخروا ساعة القيامة دقيقة واحدة؛ لتفاؤلهم بإمكانية تجنب العالم للكوارث النووية والمناخية لازدياد الجهود الدولية في هذا المجال، وساعة القيامة هذه ساعة رمزية تم تشغيلها أول مرة عام 1947 لتذكير العالم بمدى قربهم من الإبادة الذاتية في حال استمرارهم بنمط حياة يزيد من تصنيع الأسلحة، ويهمل الموارد الطبيعية ويتعدى عليها.
ولم تغب هوليود عن تذكير الناس باقتراب النهاية في فيلم 2012 الذي اعتمد على أساطير شعوب المايا التي تنبأت بها؛ حيث جمع الفيلم كل الكوارث جملة واحدة على الأرض وفي البحر وفي الجو، ولم تنج إلا قلة قليلة مختارة من أهل العلم والسياسة والمال وقلة من عامة البشر، الذين تُرك أغلبهم لمواجهة حتفهم بمن فيهم الرئيس الأمريكي الذي أصر على البقاء مع الشعب، وكذلك أصناف الحيوانات الأساسية الذين ركبوا وحُمّلوا جميعا في الغواصات التي تذكر بسفينة نوح عليه السلام، والفيلم لا يزيد المشاهد علما أو حذرا أو إيمانا، بل يلعب على أوتار الخوف واليأس في مجتمعات لا يعنيها الإيمان في شيء، ولا ما يرتبط به من عمل واستقرار نفسي.
إن مفهوم القيامة موجود في كافة الأديان السماوية، ولكنها تختلف في تقديم هذا المفهوم والتعاطي معه؛ فبينما هو مفهوم ملحمي في العهد القديم يعرف بالأبوكلبس apocalypse وهو مرتبط كذلك بعقيدة الأرمجدون Armageddon ، ونزول المسيح الذي تحصل بعده مقتلة عظيمة تقوم بعدها دولة الرب على الأرض.
أما في الاسلام فهو ختام لمرحلة الحياة على الأرض، وانقلاب لموازين الكون، ودلالة على قدرة الخالق، وليس تخويفا أو إرهابا، والتوجيه الإسلامي معني باستقامة سلوك الفرد لا بانتظار موعد القيامة، فموت الفرد كما يقول الحديث هو قيامته الشخصية، فإذا كان الفرد من أهل الصلاح فلن يبالي بالأيام والسنين مهما طالت أو قصرت، ويزيد الإسلام على ذلك باستمرار الإيجابية في حياة المسلم إلى اللحظة الأخيرة، فقد أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم أنه :"إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فَسِيْلَةٌ فليغرسها" وعلى هذا يُقاس الاستمرار في الأعمال الخيرة كلها حتى يُختم للإنسان بأحسن أعماله، ولم يغفل الإسلام أن يحذر من ازدياد الفواحش والفتن في آخر الزمان، ولكنه علم المسلمين أيضا كيف يتعاملون معها، ويعدون العدة لاستقبالها بنفسية المطمئن إلى قدر الله الذي عمل ما عليه في حدود قدرته البشرية.
منذ سنوات انتشرت شائعة أن زلزالا مدمرا سيضرب بلدنا في تمام الساعة الواحدة والنصف صباحا بقوة سبع درجات على مقياس ريختر. هكذا كانت الشائعة دقيقة مفصل،ة لا تحمل أدنى لبس أو خلط، وفي حال مر التوقع الأول على خير، كان علينا أن نبقى متأهبين للخطر المستمر حتى الواحد والعشرين من الشهر نفسه، وأصدرت التعميمات للمدارس بالتدرب على عمليات الإخلاء تحسبا لأي طارئ، وصار الزلزال المزعوم حديث الناس حتى إذا ما جاء اليوم الموعود والساعة المؤقتة، هرع الناس إلى الشوارع والخلاء في انتظار أن تدق الساعة الواحدة والنصف، وتجاوزت الساعة الواحدة والنصف والثانية والنصف وانتهى اليوم واليوم الذي يليه ليكشف أن الزلزال الوحيد المنتظر هو زلزال ارتفاع أسعار المحروقات والوقود، الذي أطاح بالمقدرات الاقتصادية للمواطن. المواطن الذي دار بعد انجلاء الشائعة في دوامة تأمين الرزق و"تفليل" السيارة بالبنزين، وشراء أسطوانات الغاز وبراميل الكاز لعله يسبق ارتفاع الأسعار.
مرعوبون نحن في دولنا العربية دون الحاجة إلى رعب حقيقي أو مصطنع، مسكونون بالأكاذيب دون شائعات تزيد جهلنا، "طفرانون" قبل ارتفاع الأسعار وبعدها، وانتشار الأمراض و"الإنفلونزات" والانحطاط الأخلاقي والقيامة الحقيقية إن جاءت قد تكون خيرا لنا من العيش تحت الظلم والقهر والحرمان .
كان أذكى من في منطقتنا يومها ذلك الشرطي في مركز الأمن، الذي قال عندما اتصلنا به للاستفسار عن الأمر وقد أخافنا منظر الناس في الشوارع بملابسهم وأحذية الركض: "حتى أمريكا نفسها -بجلالة قدرها- لا تستطيع أن تتنبأ بهذا الأمر، بهذه الدقة ناموا وتوكلوا على الله". نعم أمريكا -بجلالة قدرها- لم تستطع منع إعصار كاترينا، ولا تسونامي، ولا زلزال هاييتي، ولا ما قبل ولا ما بعد، ولا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما أوتينا من العلم إلا قليلا.
الإيجابية الوحيدة التي خرجت بها من ذلك الاستهداف النفسي والاقتصادي، والإرهاق العقلي والبدني الذي وقعنا ضحيته جميعا هي ما رأيته من تصرفات جدتي في تلك الليلة، إذ حرصت أن تلبس بنطالا تحت عباءتها، فلما سألتها عن سبب ذلك أجابت: "حتى إذا حصل لي شيء أموت وأنا مستورة." هذه جدتي تحرص في زمن العري إن ماتت أن تموت مستورة.. خفت عليها في ذلك اليوم، ودعوت لها بطول العمر؛ لأني أحسست أن جيلها بدأ ينقرض.
أن نكون مستورين أو ليس هذا ما نبتغيه جميعا؟! الستر في الجسم والرزق والحياة والممات، ستر لا يصنفنا فوق خط الفقر أو تحته أو بين شفرتيه، ستر يقينا كدول العالم الثالث أطماع العالم الأول.
ليلة الزلزال المزعوم والقيامة التي لم تقم، صلَّت جدتي وأمسكت بالمسبحة، واستغفرت حتى نامت قريرة العين متوضئة، واستيقظت لصلاة الفجر مرتاحة الجسد والبال، ونحن أنهكنا التعب والقلق في انتظار الزلزال الذي لم يأتِ. نقّلت عيني بينها وبين الساعة التي دقت الواحدة والنصف وما دق الزلزال، فتذكرت ذلك الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن موعد الساعة، فأجابه: ماذا أعددت لها؟
هذا هو التساؤل الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا إذا دقت ساعة القيامة التي لا يعلم موعدها إلا الله : ماذا أعددنا لها؟. هل استعنا على الأقدار برب الأقدار وسألناه اللطف فيها؟ هل تذكرنا أن فساد البر والبحر إنما يكون بفساد البشر؟ هل تذكرنا أن كثرة وقوع الزلازل والكوارث هو من علامات اقتراب الساعة؟
أما والحال على ما هو عليه فلا نملك إلا أن ندعو: اللهم أبعد عنا الغلا والبلا والوبا والزلازل والفتن والمحن.