مدخل { صعد الشيخ عبد المحسن الأحمد ذات يوم مع شاب يعمل
عند المطار كسائق أجره طمعاً في كسبٍ حلال ومن شدة الحر كان جبيته يقطــر عرقاً , فلمح شيخنا أشرطة الغناء الكثيرة والدخان أمامه فقال مشفقاً ناصحاً للشاب فما كان من الشاب إلا أن قال : ادعوا الله أن يهديني!
فقال له الشيخ : إذا اجلس في بيتك وادعوا الله أن يرزقك ولا تخرج طلبا للرزق بل انتظره بالمنزل }
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال : -يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي , وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا , يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم , يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم , يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم , يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم , يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني , يا عبادي , لو أن أولكم و آخركم , وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً , يا عبادي لو أن أولكم و آخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئاً , يا عبادي لو أن أولكم و آخركم وإنسكم وجنكم قاموا على صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر , يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) رواه مسلم
في الحديث الشريف القدسي السابق قدم الله عزوجل طلب الهداية منه سبحانه وتعالى على طلب الرزق والإطعام والكسوة والمغفرة وذلك لان الله عزوجل رتّب على الإنعام والهداية الأخذ بالأسباب ورتب على المكرمات السعي إليها ووعد بذلك بقوله "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" قال صاحب الظلال (الذين جاهدوا في الله ليصلوا إليه، ويتصلوا به. الذين احتملوا في الطريق إليه ما احتملوا، فلم ينكصوا ولم ييأسوا. الذين صبروا على فتنة النفس، وعلى فتنة الناس. الذين حملوا أعباءهم، وساروا في ذلك الطريق الطويل الشاق الغريب, أولئك لن يتركهم الله وحدهم، ولن يضيع إيمانهم ولن ينسى جهادهم. إنه سينظر إليهم من عليائه فيرضاهم، وسينظر إلى جهادهم إليه فيهديهم. وسينظر إلى محاولتهم الوصول فيأخذ بأيديهم، وسينظر إلى صبرهم وإحسانهم فيجازيهم خير الجزاء , من دفع إليهم خُطوةً نال منهم حظوةً، ومن ترك فيهم شهوةً وجد منهم صفوةً، الذين زينوا ظواهرهم بالمجاهدات حسُنت سرائرهم بالمشاهدات، الذين شغلوا ظواهرهم بالوظائف أوصلوا إلى سرائرهم اللطائف( ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
بطبيعة الحال السماء لا تمطر ذهباً والأرض لا تحصد فضة والأشجار لا تثمر مالاً , وان السعي الجاد سببا لنيل مطالب الحياة وزهرات الدنيا الطيبة , إذا انه من غير المعقول أن يجلس العبد في منزله وينتظر مالاً يطرق عليه الباب ! أو ينتظر نجاحاً يستأذن منه بالدخول !
كثيرٌ من الناس إن دعوتهم إلى الإصلاح قال محتجاً باستشهاد في غير محله حديث النبي صلى الله عليه وسلم (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها رواه البخاري ومسلم)
ويقول ديدنه وإجابته الحاضره دوماً " إن الله قد كتب علي الشقاء "
أو " الله كتب علي الخطايا " محتجاً بما سبق !
أحبتي في الله إن كل مافي الكون مكتوب ومسجل و ما كتبه الله عز وجل على الإنسان قبل وقوعه من باب علمه الواسع جل في علاه فهو قوة كاشفة ، لا مـُكرِهة وكتابة علم لا كتابة إجبار!
قال الله :{ إن الله بكل شيء عليم }
فالله عزوجل وجل من أسمائه "العليم " فهو يعلم ما كان وما يكون وما سيكون ومالم يكن لو كان كيف كان يكون "
لو افترضنا أن "فلان" وٌلد أعمى لا يرى شيئا من الدنيا لمدة 50 عاماً ثم أبصر بفضل من الله فنقول أن الله اعلم بماذا سيرى لو كان بصيراً طيلة تلك الأعوام وهذا علم الله الوسع
فقد علم الله عزوجل أن " فلان " سيؤمن و سيعمل صالحاً فكتب أنه من السعداء .. وعلم أن " فلان " سيكفر أو يعمل سوءاً فكتب أنه من الأشقياء ..ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - حينما يعرف المعلم طالباً مجتهداً طيلة العام ، فيخبره بأنه سينجح .. و يعرف طالباً آخر كسول ومهمل فيخبره بأنه سيخفق .. فهل يقع اللوم على المعلم أم على الطالب ..؟!
إن كتابة الأشياء قبل وقوعها لا ينافي العمل والاجتهاد لأنها كتابة علم بما سيكون لا كتابة إجبار .. لأن الله عز وجل يقدر الأسباب والمسببات معاً ، والنتائج و المقدمات معاً وذلك لأنه هو العليم , ,فلو جاء شخص وقال : إذا كتب الله لي ولد فسيأتيني الولد ، فلا داعي للزواج .. هل سنقبل كلامه ..؟! .. بالطبع لا .. لأنه لم يأخذ بالأسباب ..
قال ابن تيمية - رحمه الله - : " وليس لأحد أن يحتج بالقدر على الذنب باتفاق المسلمين ، وسائر أهل الملل ، وسائر العقلاء ، فإن هذا لو كان مقبولاً لأمكن كل أحد أن يفعل ما يخطر له من قتل النفوس وأخذ الأموال ، وسائر أنواع الفساد في الأرض ، ويحتج بالقدر.. ونفس المحتج بالقدر إذا اعتدي عليه ، واحتج المعتدي بالقدر لم يقبل منه ، بل يتناقض ، وتناقض القول يدل على فساده ، فالاحتجاج بالقدر معلوم الفساد في بدائه العقول " ..
مازال في جعبتنا الكثير لكن سنتوقف ونعود لاستكمال الحديث في موضوع اخر ::جيد::
دمتم بخير
